ترجمان
محمد سبيلا

الخياطة الرفيعة والثقافة الرفيعة



ترجمة: د. محمد سبيلا



ليس عنوان هذا العرض مزحة، سأحاول حقا أن أتحدث عن العلاقة بين الخياطة الرفيعة والثقافة. إن الموضة موضوع يحظى بالأفضلية في التقليد السوسيولوجي بقدر ما هو موضوع نزق في الظاهر. إن تراتب موضوعات البحث هو من أكثر الموضوعات أهمية في علم اجتماع المعرفة: فأحد المنافذ الذي تمارس بواسطته الرقابة الاجتماعية هو بالضبط هذه التراتبية للموضوعات منظورا إليها من حيث هي صالحة أو غير صالحة لأن تكون موضوعات مدروسة. وتلك إحدى أقدم القضايا في التقليد الفلسفي، ومع ذلك فإن الدرس القديم لمحاورة بار منيد التي تقرر وجود مثال لكل شيء من الأشياء، بما في ذلك مثل القذارة والزغب، لم يصغ إليه كثيرا الفلاسفة الذين هم على وجه العموم أوائل ضحايا هذا التعريف الاجتماعي لتصنيف الموضوعات تصنيفا تراتبيا. أعتقد أن هذا التقديم لا يخلو من فائدة وذلك لأنه إذا ما ردت تبليغ شيء هذا المساء، فهو هذه الفكرة بأن هناك فوائد علمية في دراسة موضوعات غير مشرفة دراسة علمية.
يرتكز حديثي على التناظر في البنية بين مجال إنتاج هذه الفئة الخاصة من الممتلكات الرفيعة التي هي الممتلكات الخاضعة للموضة، ومجال إنتاج هذه الفئة الأخرى من الممتلكات الرفيعة التي هي ممتلكات الثقافة المشروعة كالموسيقى والشعر والفلسفة... الخ وهذا ما يجعلني أتحدث عن الثقافة الرفيعة في الوقت الذي أتحدث فيه عن الخياطة الرفيعة. سأتحدث عن إنتاج التعليقات حول ماركس أو حول هيدجر، وحول إنتاج الرسوم أو الحديث عن الرسم. ستقولون لي: "لماذا لا تتحدث عنهم مباشرة؟". لأن هذه الموضوعات المشروعة محمية من طرف مشروعيتها نفسها ضد النظرة العلمية وضد عملية نزع صفة القدسية التي تفترضها كل دراسة علمية للموضوعات التي أضيفت عليها صبغة قدسية: (أعتقد أن علم اجتماع الثقافة هو علم اجتماع الدين لعصرنا). عندما أتحدث عن موضوع خاضع لحراسة أقل، فإني آمل أيضا أن أبلغ بسهولة ما كان بدون شك من الممكن رفضه إذا ما قلته بصدد أشياء أكثر قدسية.
إن قصدي هو أن أقدم مساهمة في سوسيولوجيا المنتجات الثقافية، أي في سوسيولوجيا المثقفين وفي نفس الوقت في تحليل الصنمية (الفيتيشية) والسحر. هنا أيضا يمكن أن يقال لي: "ولكن لماذا لا تذهب لدراسة السحر في المجتمعات (البدائية) بدل أن تدرسه لدى كريستيان ديور أو لدى بيير كاردان؟"(2). أعتقد أن إحدى وظائف الخطاب الأتنولوجي هو أن يقول أشياء تكون مقبولة حين تنطبق على شعوب بعيدة، مع الاحترام الذين نكنه لها، ولكنها تكون أقل قبولا حين نصف بها مجتمعاتنا. يتساءل ماوس، في نهاية ما كتب حول السحر: "أين هو ما يقابله في مجتمعنا؟". أود أن أبرز أنه يتعين أن نبحث عن هذا المقابل في مجلة هي Elle أو جريدة لوموند (وخاصة في صفحتها الأدبية). سيكون الموضوع الثالث للتفكير هو: فيم تقوم وظيفة علم الاجتماع؟ أليس علماء الاجتماع أشبه ما يكونون بالمشاغبين الذين يظهرون في الحفلات للتشويش على المظاهر السحرية للاندماج الجماعي؟ تلك أسئلة يمكن أن تتسلوا بمحاولة الحسم فيها بعد الاستماع لما أقول.
سأبتدئ أولا بوصف سريع جدا لبنية مجال إنتاج الخياطة الرفيعة. أطلق لفظ المجال على مكان اللعبة، أي المجال الذي تقوم فيه علاقات موضوعية بين أفراد أو بين مؤسسات في حالة تنافس لاكتساب مزايا متماثلة. والمسيطرون في هذا المجال الخاص الذي هو عالم الخياطة الرفيعة هم أولئك الذين يمسكون من أعلى بزمام السلطة والقدرة على تشكيل بعض المنتجات على أنها موضوعات نادرة بواسطة عملية وضع "العلامة"، هم أولئك الذين يكون لعلامتهم المميزة أغلى ثمن. والقانون العام للمجالات هو أنه مجال محدد، يدخل أصحاب الموقع المسيطر، أي أولئك الذين يمتلكون أكبر رأسمال خاص، في تعارض متعدد الأشكال مع الداخلين الجدد (استعمل هنا عن قصد هذا المجاز المستعار من الاقتصاد)، أي مع الآتين الجدد، الذين أتوا متأخرين، وهم لا يملكون الكثير من رأس المال النوعي. يتمسك القدماء باستراتيجيات المحافظة، التي تستهدف إلى استخلاص الفوائد من رأسمال تمت مراكمته تدريجيا.
أما المنخرطون الجدد فيتبنون استراتيجيات التمرد الموجهة نحو مراكمة للرأسمال النوعي تفترض قلبا جذريا إلى هذا الحد أو ذاك للوحة القيم، وإعادة تحديد ثوري إلى هذا القدر أو ذاك لمبادئ إنتاج وتقييم المنتجات، وتسعى في نفس الوقت إلى الحط من قيمة رأس المال الذي هو بحوزة المسيطرين. خلال الحديث المتلفز بين بالمان وشيرر، تكونون قد فهمتهم بسرعة، على الأقل من خلال ألقائهم، من هو على "اليمين"، ومن هو على "اليسار" (في المساحة المستقلة نسبيا للمجال). (يتعين علي هنا أن أفتح قوسا. حين أقول "يمين" و"يسار"، فأنا أعلم وأنا أقول ذلك أن المقابل العملي الذي لدى كل منا -مع الرجوع الخاص إلى المجال السياسي- عن الإنشاء النظري الذي اقترحه سيعوض عن عدم الكفاية الملازمة للتبليغ الشفوي. ولكن في نفس الوقت أعلم أن هذا المقابل العملي يمكن أن يبرز، وذلك لأنه إذا لم يكن في ذهني سوى اليمين واليسار كوسائط للفهم، فإني لن أكون قد فهمت شيئا. إن الصعوبة الخاصة بعلم الاجتماع تأتي من كونه يعلم أشياء يعرفها الجميع بصورة من الصور، ولكننا لا نريد أن نعرفها، أو لا نستطيع معرفتها، لأن قانون النسق هو محاولة إخفائها. أعود إلى الحوار بين بالمان وشيرر. بالمان يستعمل جملا طويلة، منتفخة قليلا، ويدافع عن النوعية الفرنسية، وعن الإبداع... الخ أما شيرر فيتحدث كما لو كان أحد زعماء أيار (مايو) 1968 ، أي بجمل غير تامة، مستعملا باستمرار نقط التعجب... الخ. وقد استخرجت كذلك في الصحافة النسائية النعوت الملصقة عادة بمختلف الخياطين. فمن جهة لديكم "رفيع، خصوصي، ذو حظوة، تقليدي، دقيق، مختار، متوازن، دائم"، ومن جهة ثانية: "جد أنيق، مرح، أليف، عجيب، مشع، حر، حماسي، ذو بنية، وظيفي". ويمكن أن نتنبأ، بل يمكن أن نفهم، انطلاقا من المواقع التي يحتلها مختلف العاملين أو مختلف المؤسسات في بنية المجال، والتي تتناسب كثيرا مع أقدميتهم، مواقفهم الجمالية كما يتم التعبير عنها في النعوت المستعملة لوصف منتجاتهم أو في مؤشر آخر: كلما انتقلنا من القطب المسيطر إلى القطب المسيطر عليه وجدنا عددا أكبر من السراويل في مجموعات الأزياء، وقلت عمليات القياس، وانعدمت الأرضية السنجابية، واستبدلت الأسماء، المختزلة بالبائعات ذوات الميني جوب أو المكسوات بالألمنيوم، وبذلك ننتقل من الضفة اليمنى إلى الضفة اليسرى. ضد استراتيجيات التمرد الخاصة بالطليعة، يتمسك الحائزون على الشرعية، أي الذين يحتلون موقع السيادة والسيطرة، بخطاب عائم ومنتفخ من التلقائية التي لا يمكن وصفها: وكما هو الحال بالنسبة للمسيطرين في مجال العلاقات بين الطبقات، فإن هؤلاء يتمسكون باستراتيجيات محافظة، دفاعية، يمكن أن تظل صامتة ومضمرة لأن هدفهم هو أن يكونوا ما هم ليصبحوا كما يتعين عليهم أن يكونوا. وبالعكس فإن لخياطي الضفة اليسرى استراتيجيات تهدف إلى قلب المبادئ نفسها التي تقوم عليها اللعبة، لكن باسم اللعبة نفسها، وبروح هذه اللعبة: إن استراتيجياتهم في العودة إلى المنابع تقوم على أن يعارضوا المسيطرين على المجال باسم نفس المبادئ التي يبرر بها المسيطرون سيطرتهم. وهذه الصراعات بين الممسكين بزمام السلطة في المجال وأصحاب الدعوة الجديدة، المبارزين، الذين يتحتم عليهم، كما هو الأمر في المصارعة، أن "يلعبوا اللعبة"، وأن يخاطروا في سبيلها، هي أساس التغيرات التي يكون مجال الخياطة الرفيعة مسرحا لها.
لكن شروط الدخول في المجال هو الاعتراف باللعبة وآثارها والاعتراف في نفس الوقت بالحدود التي يتعين عدم تجاوزها وإلا عرض المرء نفسه للإقصاء خارج اللعبة. يستتبع ذلك أن الصراع الداخلي لا ينتج إلا ثورات جزئية، قادرة على تحطيم التراتب القائم دون أن يقضي على اللعبة نفسها. من يريد أن يقوم بثورة في ميدان السينما أو الرسم يقول: "لست هذه هي السينما الحقيقة" أو "ليس هذا هو الرسم الحقيقي". إنه يصدر إدانات لكن باسم تعريف أكثر صفاء وأكثر صدقا لما باسمه يسود السائدون.
وهكذا فلكل مجال أشكاله الخاصة في الثورة، أي له تحقيبه الخاص. وليست تقطيعات مختلف المجالات متزامنة بالضرورة. ويبقى أن للثورات الخاصة بكل مجال علاقة مع التغيرات الخارجية. لماذا قام كوريج بثورة، وفيم يختلف التغيير الذي أحدثه كوريج مع التغيير الذي يحدث كل سنة على هيأة "قصير قليلا، طويل قليلا"؟ إن الخطاب الذي يتبناه كوريج يتعالى كثيرا على الموضة: فهو لا يتحدث عن موضة، بل يتحدث عن المرأة العصرية التي يتعين أن تكون حرة، طليقة، رياضية، على هواها. وفعلا أعتقد أن ثورة نوعية، أي شيئا يؤرخ له في مجال معين، هي التوقيت التزامني لثورة داخلية مع شيء يجري في الخارج، في العالم المحيط. ما الذي يفعله كوريج؟ أنه لا يتحدث عن الموضة، بل يتحدث عن نمط الحياة ويقول: "أريد أن ألبس المرأة العصرية التي يتعين أن تكون في نفس الوقت نشيطة وعملية". إن لكوريج ذوقا "تلقائيا"، أي يتم إنتاجه في ظل بعض الظروف الاجتماعية، يجعله يكتفي بإتباع ذوقه ليرضي ذوق بورجوازية جديدة تهجر طابعا معينا، وتبتعد عن موضة بالمان التي توصف بأنها موضة النساء المسنات. إنه يهجر هذه الموضة من أجل تبني موضة أخرى تظهر الجسم، وتجعله مرئيا وتفترض أن هذا الجسم سيكون برونزيا ورياضيا. أن كوريج يقوم بثورة خصوصية في مجال خصوصي، لأ منطق التمايزات الداخلية قد قاده إلى العثور على شيء كان يوجد من قبل في الخارج.
محرك المجال هو الصراع الدائم داخل المجال. نلاحظ بشكل عابر أنه ليس هناك أي تعارض بين البنية والتاريخ وأن ما يحدد بنية المجال كما أراها هو أيضا مبدأ حركيته. أن أولئك الذين يصارعون من أجل الفوز بالسيطرة والسيادة على المجال يسلمون بأن المجال في تحول وأنه يعيد تشكيل بنيته باستمرار. أن التعارض بين اليمين واليسار، بين المؤخرة والطليعة، بين المحافظة والابتداع، بين موافقة الأصول والخروج عليها تعارض يغير باستمرار من محتوى مادته ولكنه يظل هو هو في بنيته الشكلية. لا يمكن للطارئين الجدد أن يبيدوا القدماء إلا لأن القانون الضمني للمجال هو قانون التميز في كل المعاني التي تحتملها هاته الكلمة: إن الموضة هي آخر موضة، آخر اختلاف. إن رمز وشعار الطبقة (في كل معاني هذه الكلمة) يبلى حين يفقد قدرته التميزية، أي حين يصبح شعارا شائعا. حين تصل الميني جوب إلى الأحياء العمالية في Bethune ، فإنه يتعين العودة للانطلاق من الصفر.
إن جدل الادعاء والتميز الذي هو أساس التحولات التي تقع في مجال الإنتاج يوجد أيضا في ميدان الاستهلاك: وهذا الجدل يطبع ما أدعوه بصراع المنافسة، وهو ضرب من الصراع الطبقي المتواصل والمستمر.
إن طبقة ما تحوز ملكية محددة، والطبقة الأخرى تحاول إدراكها وهكذا، يتضمن جدل المنافسة هدا، السباق نحو نفس الهدف والاعتراف الضمني بهذا الهدف. ينطبق الادعاء دوما مهزوما لأنه -بالتعريف- يتقبل هدف السباق، ويقبل في نفس الوقت العائق الذي يحاول تجاوزه. ما هي الشروط المناسبة (لأن ذلك لا يتم بموافقة الوعي الواضح ليتوقف بعض المتسابقين عن الجري، ليخرجوا من حلبة السباق، وعلى وجه الخصوص الطبقات الوسطى التي هي وسط المجموعات المتسابقة؟ ما هي اللحظة التي يكون فيها احتمال رؤية المصالح متحققة مع البقاء في السباق أضعف من احتمال رؤيتها متحققة خارج السباق؟ أعتقد أنه بهذا الشكل يتم طرح المسألة التاريخية للثورة.
يتعين علي هنا أن أفتح قوسا فيما يتعلق بالبدائل القديمة مثل أزمة. إجماع، ثابت/متحرك، التي هي بلا ريب العائق الأساسي لفهم علمي للعالم الاجتماعي. وفعلا فإن هناك شكلا من الصراع يقتضي الإجماع حول شروط ونتائج الصراع، ويمكن ملاحظته بصورة واضحة في ميدان الثقافة. وهذا الصراع، الذي يأخذ صورة سباق-ملاحقة (سيكون لدى مالديك... الخ)، صراع إدماجي، فهو تغير يسعى إلى تحقيق الاستمرارية. آخذ هنا مثال التربية، لأن النموذج يبدو لي هنا واضحا. نحن نقيس احتمالات الولوج إلى التعليم العالي في اللحظة ت، فنعثر على توزيع يتضمن هذا القدر من أبناء العمال، وهذا القدر من أبناء الطبقات الوسطى،... الخ ونقيس احتمالات الولوج إلى التعليم العالي في اللحظة ت+آ، نعثر على بنية مناظرة: لقد تزايدت القيم المطلقة لكن الشكل العام للتوزيع لم يتغير. وفعلا، فهذا الانزياح الذي نلاحظه ليس ظاهرة آلية بل هو النتاج المتجمع لكثير من التسابقات الصغيرة الفردية ("الآن يمكن أن نضع الولد في المدرسة"... الخ)، إن محصلة شكل خاص من أشكال التباري يتضمن الاعتراف بمستلزمات الرهان. إن أساس العملية التي وصفناها عن طريق المجاز الآلي للانزياح أو الانزلاق هو عدة استراتيجيات، متشكلة بالقياس إلى أنساق مرجعية جد معقدة. فنحن نفكر عادة عن طريق متقابلات متعارضة "إما أن يتغير الأمر أو لا يتغير"."ثابت أو متحرك". هكذا كان أوغست كونت يفكر، وليس هذا عذرا. ما أحاول إظهاره هو أن هناك ثابتا هو نتيجة للتغير.
لمجال الإنتاج، كما هو الأمر في مجال الطبقات الاجتماعية وأساليب الحياة، بنية معينة هي نتيجة تاريخه السابق ومبدأ تاريخه اللاحق. ومبدأ تغيره هو الصراع من أجل احتكار التميز، أي احتكار فرض آخر فرق مشروع، آخر موضة وهو صراع يكتمل في النهاية بالسقوط التدريجي لمغلوب الأمس. وهكذا نصل إلى مشكل آخر هو مشكل الخلافة. لقد عثرت في مجلة (هي Elle ) أو مجلة (ماري كلير Marie-claire ) على مقال رائع بعنوان: "هل يمكن خلافة شانيل Chanel " لقد تساءل الناس طويلا عما سيجري لخلافة الجنرال ديغول، وقد كان هذا المشكل جديرا بالمعالجة من طرف جريدة لوموند، لكن خلافة شانيل مشكل جدير بمجلة ماري كلير، وفعلا، فإن الأمر يتعلق بالضبط بنفس المشكل. وهذا ما يدعوه ماكس فيبر بمشكل "إضفاء صفة الرتابة على أمور سامية"(3): كيف يمكن تحويل الانبثاق الفريد الذي يدخل عدم الاتصال في عالم ما إلى مؤسسة دائمة؟ كيف يمكن أن نصنع ما هو متصل مما هو غير متصل؟ "منذ ثلاثة أشهر تمت تسمية غاستون برتلو G.Berthelot (وكلمة "تسمية" هاته لفظة تنتمي إلى مصطلحات البيروقراطية، وبالتالي فهي مناقضة تماما لمصطلحات الإبداع)، تمت تسميته من يوم لآخر "مسؤولا فنيا" (هنا يتم خلط المصطلحات البيروقراطية بمصطلحات الفن)، مسؤولا فنيا لدار شانيل في كانو الثاني (يناير) 1971 ، بعد موت مدموازيل، كما تم تقديم "الشكر" له بسرعة لا تقل عن ذلك. لكن (عقده) لم يجدد.
وسرت همسات شبه رسمية: لم يعرف كيف (يفرض نفسه). ويجب أن نقول أن التكتم الطبيعي لغاستون برتلو قد شجع من طرف الإدارة". هنا بدا الأمر مهما جدا، لقد فشل لأنه وضع في ظروف كان من المحتم عليه فيها أن يفشل. "لا استجواب، لا تقديم، لا ريح تهب" (يبدو ذلك كما لو كان كلمة صحفي، لكنه فعلا، شيء أساسي). لقد كانت هناك أيضا تعليقات فريقه أمام أي اقتراح من اقتراحاته: "هل كان النموذج مطابقا، أمينا محترما؟ لا ضرورة لوضع نماذج من أجل ذلك، لنأخذ الخياطين القدماء ولنبدأ. لكن أمام تنورة Jupe جديدة وأمام جيب معدل: لم يكن من الممكن أن تسمح مدموازيل بذلك". إن ما هو مذكور هنا هو نقائض الخلافة الكارزمية.
إن مجال الموضة مجال في منتهى الأهمية لأنه يحتل موقعا وسيطا (في مكان مجرد نظريا وبشكل طبيعي) بين مجال مصنوع لتنظيم الخلافة، تماما مجال البيروقراطية حيث يكون الفاعلون بالتعريف قابلين لأن يحل بعضهم محل الآخر، ومجال يكون فيه الأفراد غير قابلين نهائيا للاستبدال كما هو الأمر بالنسبة لمجال الإبداع الفني والأدبي أو للإبداع الرسولي. لا يقال: "كيف يمكن استبدال يسوع؟" أو "كيف يمكن استبدال بيكاسو؟". إن ذلك غير قابل للتصور. أما هنا فنحن في حالة مجال يكون من الممكن فيه في نفس الوقت تأكيد القدرة الغيبية للمبدع وتأكيد إمكانية استبدال ما لا يمكن استبداله. إذا لم يفز غاستون برتلو، فذلك لأنه معاق بين مطلبين متناقضين. فالشرط الأول الذي وضعه سلفه هو القدرة على الكلام. إذا فكرنا في الرسم الطليعي، في الرسم المفهومي، فسنفهم أنه أمر أساسي أن يستطيع المبدع أن يبدع نفسه كمبدع باصطناع الخطاب الذي يكرس قدرته كمبدع.
إن مشكل الخلافة يبرز أن ما هو موضع سؤال هو إمكانية نقل قدرة مبدعة، سيقول الاتنولوجيون هذا ضرب من المانا Mana . ينجز الخياط عملية نقل وتحويل للمادة. لديكم عطر في محلات السعر الواحد Monoprix بثلاثة فرنكات. لكن العلامة المميزة تجعل منه عطر شانيل الذي يساوي ثلاثين مرة أكثر. وهو نفس السر فيما يتعلق بمبولة ديشامب التي هي مبولة مشكلة على هيأة موضوع فني، لأنها في نفس الوقت ممهورة بإمضاء رسام، ولأنها موضوعة في مكان محفوظ. حيث يحولها، باستقباله لها، إلى موضوع فني محول بهذا الشكل اقتصاديا ورمزيا. إن العلامة La Griffe ختم يغير لا الطبيعة المادية للموضوع، بل يغير طبيعته الاجتماعية. لكن هذا الختم اسم علم. وبنفس الوقت فإن مشكل الخلافة يطرح هنا. فالوارث لا يرث إلا أسماء عامة أو وظائف مشتركة وليس اسم علم. وبعد ذلك فكيف تم إنتاج هذا الاسم العلم؟ لقد جرى التساؤل عما يجعل الرسام مثلا مزودا بالقدرة على إبداع القيمة. وقد تم ذكر الدليل الأسهل، الأكثر بداهة: وحدة الأعمال الفنية. ولكن ما هو موضع رهان ليس هو ندرة النتاج، بل هو ندرة المنتج. ولكن كيف تم إنشاء هذه الندرة؟
يتعين إعادة تناول ما كتبه ماوس عن السحر. يبتدئ ماوس بالتساؤل: "ما هي السمات الخاصة بالساحر؟" ويتساءل بعد ذلك: "ما هي السمات الخاصة بالعمليات السحرية؟". لكنه يرى أن ذلك لا يؤدي إلى نتيجة فيتساءل "ما هي السمات الخاصة بالتمثلات السحرية؟" وهكذا يصل إلى أن محرك التمثلات السحرية هو الاعتقاد، الذي يحيل إلى الجماعة. وبلغتي الخاصة فإن ما يشكل سلطة المنتج هو المجال، أي نسق العلاقات في مجموعه. إن الطاقة هي المجال. إن ما يعبؤه ديور Dior هو شيء لا يمكن تحديده خارج المجال، إن ما يعبئونه جميعا هو ما ينتجه المجال، أي قدرة وسلطة تقوم على الإيمان بالخياطة الرفيعة. ويستطيع هؤلاء أن يجندوا قسما أكبر من هذه السلطة كلما كان موقعهم أعلى في السلم المكون للمجال.
إذا كان ما أقوله صحيحا، فإن انتقادات كوريج ضد ديور، واعتداء هشتر على كوريج أو ضد شيرر تسهم في تشكيل سلطة كل من كوريج وشيرر وسلطة كل من هشتر وديور. إن الشخصين المتطرفين في المجال متفقان معا على الأقل حول ما هو رجعي وعلى أن الفتيات اللواتي يلبسن كيفما اتفق، أمر جيد، وجد جميل...الخ. لكن إلى حد ما. ماذا تفعل الفتيات اللواتي يرتدين ما هو رث؟ إنهن يجادلن في احتكار الاستعمال المشروع لهذا الشيء Truc الخاص الذي هو المقدس في مادة الخياطة، كما يجادل أصحاب البدعة في احتكار الكهنوتي للقراءة المشروعة. إذا تمت المجادلة في احتكار القراءة المشروعة، وإذا استطاع أول قارئ أن يقرأ الأناجيل أو أن يصنع فساتينه، فإن المجال هو الضحية. ولمنافحات الكتاب دوما حد لا تتخطاه هو احترام ما هو أدبي.
إن ما يجعل المجال يسير سيرا عاديا هو ما يدعوه ماوس بالاعتقاد الجماعي. وسأقول بل الإنكار الجماعي. يقول ماوس بصدد السحر: "إن المجتمع يؤدي لذاته دوما الثمن من العملة الفاسدة لحلمه"(4). ومعنى ذلك أنه يتعين القيام باللعب في هذه اللعبة: إن الذين يستهترون هم أيضا ضحايا للاستهتار وهم يستهترون أكثر وأحسن كلما كانوا هو أيضا موضوع استهتار، وهم مضللون كلما كانوا مضللين وكلما ازداد خضوعهم للتضليل. يتعين، من أجل القيام باللعب في هذه اللعبة، الاعتقاد بإيديولوجية الإبداع، وحين يكون المرء صحفيا بالموضة، فليس محمودا أن تكون له رؤية سوسيولوجية للموضة.
إن ما يشكل القيمة، ما يشكل سحر العلامة المميزة، هو تصادم كل الفاعلين في نطاق نسق إنتاج الخيرات التي أضفى عليها طابع مقدس. وهو تصادم لاشعوري بالطبع. إن المدارات التي يتم فيها تسخير النتاج تكون أقوى كلما كانت أطول وأكثر تعقيدا وأكثر خفاء، حتى في عين أولئك الذين يشاركون في اللعبة ويستفيدون منها. كل الناس يعرفون مثال نابليون وهو يأخذ التاج من يدي البابا ليضعه بنفسه على رأسه. إنها دائرة تكريس قصيرة جدا، ومن السهل التعرف عليها. إن دائرة التكريس الفعالة هي الدائرة التي يكرس فيها ألف باء وهذا يكرس ويخصص حـ، الذي يكرس بدوره دال الذي يكرس ألف. وكلما كانت دائرة التكريس معقدة ومتشابكة كانت غير مرئية، ولكلما صعب التعرف على بنيتها، كانت فاعلية الاعتقاد فيها أكبر. (يتعين، ضمن هذا المنطق، تحليل المسار الدائري للتقارير التقريظية أو التبادل الطقوسي للإحالات والمراجع). إن الذي يبرز بوضوح بالنسبة لمن يوجد في المجال، سواء كانت منتجا أو مستهلكا، هو النسق. بين شانيل وعلامته المميزة، هناك النسق كله، هذا النسق الذي لا يعرفه أحد أحسن وأردأ في نفس الوقت من شانل نفسه.

هوامش:
(1) « Haute couture et haute culture » in. P. Bourdieu : Questions de sociologie, Minuit 1980.
( 2 ) المحلات الذائعة الصيت لإنتاج الأزياء والعطور الباريسية الرفيعة.
(3) « Laroutinisation du charisme ».
(4) « La Société se paie toujours elle-même de la fausse monnaie de son rêve ».

تعريف:
بيير بورديو عالم اجتماع فرنسي معاصر، تتميز كتاباته الاجتماعية بالروح النقدية، كما يتجلى فيه تأثره بالسوسيولوجيا الألمانية وخاصة بماكس فيبر. من مؤلفاته: "سوسيولوجية الجزائر"، "الاجتثاث"، "مهنة عالم الاجتماع" "إعادة الإنتاج"، "محاولة في نظرية الممارسة"، "التميز"، "الحس العملي". انتخب بورديو أخيرا عضوا بالكوليج دوفرانس حيث ألقى بحثا بعنوان "درس حول الدرس".

Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2126125 :: Aujourd'hui : 882 :: En ligne : 10