ترجمان
ما وراء أدورنو…نيل لارسن ترجمة: خالدة حامد
حدثت مواجهتي الأولى لمؤلفات فريدريك جيمسونFredric Jameson حين كنت أدرس الأدب المقارن في الكلية. في ذلك الوقت كان المنهج الدراسي النقدي الجديد بدمغته الإليوتية ينهار تحت وابل نيران «النظرية». كانت اللحظة مشحونة بقلق غريب لا يشبه ذلك القلق الذي يعتري المستهلك «غير المثقف» حينما يوشك على شراء ثلاجة جديدة أو جهاز تشغيل أقراص CD. كان إنجاز «النظرية» لا يعني مجرد ازدياد التعرف على ما متاح من الباراديمات النقدية، بدءاً بأنواع مابعد البنيوية والنسوية مروراً بالتحليل النفسي وصولاً إلى نظرية التلقي و…الخ، بل يعني أيضاً أن تأخذ إحداها معك إلى بيتك. وقد كان توجهي آنذاك يتمثل بالماركسية حينما بدأت بقراءة كتب من قبيل الماركسية والشكل Marxism and Form ثم الكتاب المهم الذي كان قد صدر لتوه آنذاك، وأعني به «سجن اللغة» Prison-House of Language.لقد جاء كتاب سجن اللغة كما لو كان هبة من الله؛ فقد وجدنا فيه، أخيراً، نقداً للنزعة الشكلية والبنيوية ومابعد البنيوية منطلقاً من مواقف نظرية وسياسية خاصة به لكنها تشبع في الوقت نفسه الحاجة إلى التعرف على نطاق واسع من المفكرين: شكليوفسكي وياكوبسن حتى ليفي شتراوس وغريماس ولاكان وكرستيفا الذين لم يكن لدينا آنذاك لا الوقت ولا التدريب الكافيين لاستيعابهم جميعاً. وبسبب تزايد صدور كتب جديدة تخص النظرية كنا فريسة سهلة للخوف من احتمال أن نتخلف عنها إلا أن كتاب فريدريك جيمسون سهّل علينا الحياة وجعلنا نختار التخصصات التي نشاء. لا أخالني مغالياً في القول أن جيمسون مارس دوراً متفرداً في تثقيف جيل كامل من نقاد النقد والنظرية الماركسية (ومن غير الماركسيين أيضاً) ليس فيما يخص تراث ماركسية لوكاش أو بنيامين الغربية بل مدارس النظرية النقدية المهمة كلها التي ظهرت منذ نحو العشرينيات من القرن الماضي. إن قولنا هذا لا يعني مطلقاً الاستخفاف بإسهامات جيمسون بوصفه منظراً نقدياً أصيلاً، بل لابد للمرء هنا من أن يتذكر موقفه المركزي في المناقشات الراهنة لما بعد الحداثة. لكن ربما كان أكثر إسهاماته أصالة هو منهجه في تأويل النظريات والتأويلات غير الماركسية المناوئة بطريقة تعري نتائجها الكاذبة وتحفظ لها ما فيها من صدق. ويعد هذا المنهج «ماوراء تعليقي» meta-commentary. لكن يبدو لي أن ماوراء التعليق عمل نحو تحقيق تركيب فكري- نقدي داخل الإنسانيات ولولاه لكان الخطاب والتحليل الفكري الحالي أكثر فقراً. يبدو أن كتاب جيمسون «الماركسية المتأخرة» Late Marxism 1990 قد عمل ضد هذه التوقعات. ويمثل هذا الكتاب جهد قراءة كبيراً لمن يتصدى له وقلّما يمكن لقارئه أن يصل لدرجة الفهم التام. فلماذا ذاك؟ إن القدرة العالية على الفرض التي تتجلى في هذا الكتاب تنبع من عدم احتمالية المهمة التي يكرس المنهج نفسه لها. وتتضمن هذه المهمة استبدال ادعاءين: أولاً، إن ادّعاء أدورنو بالماركسية (سواء أكان هو نفسه من تجشم عناء ادّعائه أم لا) لهو ادّعاء مشروع. ثانياً، إن ماركسية أدورنو هي بالتحديد ما نحتاجه اليوم. وعند استبدال الأول يلاحظ جيمسون أن «قانون القيمة» قد افترضته تأويلات أدورنو فضلاً عن الإشارة إلى «الحضور الكلي» لدى أدورنو للأداة المفهومية التي تسمى «المجموع». أما الادّعاء الثاني فقد ترسخ بفعل نجاح الرأسمالية المعاصرة «المتأخرة» في إزالة منافذ الطبيعة واللاوعي، والنفور والجمال، والفرد والممارسة praxis الجمعية على حد سواء. وهذا يعني أن تركيز أدورنو على حضور الرأسمالية المتأخرة بوصفها مجموعاً داخل أشكال مفاهيمنا. ويبدو أن مشكلة النظريات المعاصرة غير الديالكتيكية التي تخص الثقافة والمجتمع تتمثل، أو كما يشير جيمسون، بطرد مفهوم المجموع داخل الاعتقاد الأخلاقي القائل بأن ذلك يحررها من خطر التعقيد الذي يصاحب الأيديولوجيا والسياسة «التوليتارية» والتي وجدت لنفسها، ومنذ وقت طويل، طرقاً تمكنها من دس نفسها حتى في أكثر أشكال الوعي «عداءً» للتوليتارية. ويعد أدورنو الورقة الرابحة في اللعبة مابعد الحداثية. وربما كان ذلك مفهوماً مثيراً إن لم نقل جذاباً. والمشكلة، كما أراها أنا هنا، هي أن الاقتناع بذلك يتطلب أكثر من مجرد إشارة عامة إلى «الرأسمالية المتأخرة» ترافقها ملاحظة عابرة عن «تلاشي» الاشتراكية «القائمة حقاً» ونضوب صراعات التحرر. فإذا ما أريد الدفاع عن الادّعاء القائل بأن «الرأسمالية المتأخرة» قد سد منافذ الممارسة الفردية والجمعية على حد سواء بوصفه ادّعاءً يتماشى مع الماركسية لكانت هنا عندئذ محاولة – على مستوى الاقتصاد السياسي والسياسة بوصفها إيديولوجية وهيمنة – لتفسير هذا التغيير. لا أرغب باستبعاد احتمال إمكانية أن يكون لهذا التفسير أساس تاريخي ومادي وإن كان الحال كذلك فأنا لا أرى أي دليل عليه في «الماركسية المتأخرة» أو في أي من أعمال أدورنو الأخرى. والرد الذي يقدمه أدورنو هنا، على النحو الذي يصوغه جيمسون هو التساؤل عمّا إذا كان «التاريخ» نفسه، عند هذا المستوى تحديداً، قابلاً للتفكير إلا بوصفه «غياباً حاضراً» يمكن الإشارة إليه لكنه لا يخضع للمزيد من التأمل الواعي. لكنه إن لم يكن كذلك فكيف سيتأتى لنا عندئذ أن نتواصل مع نظرية «الرأسمالية المتأخرة»؟ ما الذي يسجل قدرتنا، إذن، على تسجيل نجاح تلك النظرية؟ لا يجدي نفعاُ هنا الاعتراف بالماركسية بوصفها «ظاهرة ثقافية تتباين تبعاً لسياقها السوسيواقتصادي» لكن هذا يجعل من ماركسية أدورنو «ظاهرة ثقافية» أيضاً يصعب فيها رؤية الكيفية التي تكون فيها «حقيقتها» أصدق من حقيقة الأخرين. لكن كتاب «الماركسية المتأخرة» يتواصل، بدلاً من ذلك، نحو إعادة قراءة أدورنو كي يتماشى إلى حد ما مع ماوراء التعليق. ولهذا سيعترض جيمسون على اتهام هابرماز بأن أدورنو وهوركهايمر، في كتابهما «دياكتيك الأنوار» Dialectic of Enlightenment ، يرتدّان إلى لا عقلانية لا ماركسية من خلال التأكيد على إمكانية قراءة هذا العمل بوصفه ملحقاً تاريخياً طبيعياً، من نوع ما، بجينالوجيا ماركس التاريخية الاجتماعية التي تخص الحداثة الرأسمالية. الخيار، إذن، متاح أمام الجميع لقبول أو رفض تأويلات جيمسون تبعاً لموقف كل شخص من أدورنو. ولا أظن أن ثمة شخصاً يرغب بالجدل بشأن براعتها، بوصفها قراءات لنصوص أدورنو نفسه. إلا أن الشكوى التي يمكن إثارتها ضدها هي صعوبة متابعة جيمسون في معظم صفحات كتابه «الماركسة المتأخرة». ومن النادر أن يقرأ المرء جزءاً من «الدياكتيك السلبي» Negative Dialectics ويشعر بالقدرة على الاسترخاء بعد الجهد المضني من جرّاء التركيز الشديد في القراءة. فكيف يمكن لأدورنو الذي يُعرف بوصفه حاملاً لحقيقة الماركسية في عصر مابعد الحداثة أن يكون هو الذات والموضوع في الآن نفسه في ماوراء التعليق؟ مثل هذا الموقف يُفقد ماوراء التعليق دافعيته بالمرة. وهنا أقول أن هذا تحديداً هو ما يفسر الصعوبة التي تكتنف عملية القراءة. http://www.alsada.se/?p=3800
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2126124 :: Aujourd'hui : 881 :: En ligne : 10