ترجمان
بــركان وجحـيم الكتابــة لــ: جاك دريدا ترجمة: عبد القادر بودومة

بــركان وجحـيم الكتابــة لــ: جاك دريدا

ترجمة: عبد القادر بودومة

(les yeux de la langue) يحمل نشر مقال ''أعين اللغة'' أهميتين: الأولــى: تمنح لنا إمكانية قراءة النص من منطلق الاهتمامات السياسية التي شغلت جاك دريدا والتي لا تزال تعرف وبصورة واضحة نماء متزايدا خاصة في أعماله المؤخرة·..

الثانيـة: أن المقال يقدم لنا اليوم الأرضية الخصبة للتأويل قصد إدراك التعقيد الحاصل في السياق الإسرائيلو- فلسطيني وبخصوص هذا الموضوع فإنه من الضروري الإشارة إلى أن جاك دريدا يتموقع حاليا ضمن التوجه الذي يؤكد على ضرورة التعجيل بإيقاف العنف وإنهاء جرائم الإرهاب وإدانته في الوقت ذاته، كل الضغوطات الممارسة من قبل الجيش أو الشرطة، متمنيا أن يحدث جلاء القوات الإسرائيلية من مناطق الاحتلال ولقد خصّ دريدا دراسته هذه لـ ''رسالة'' سبق وأن بعث بها للفيلولوجي والمؤرخ وعالم الأديان الإسرائيلي غرشوم شولم (1982 - 1897) - Gershom scholem المنقب والمتخصص في القبلانية (la cabal) وقد انضمّ بصورة مبكرة إلى الحركة الصهيونية وهو طالب لدى الفيلسوف والمفكر اليهودي الألماني فرانز روزنزفغ

(Franz Rozenzweig) صاحب عمل ''نجمة الخلاص''

l'Etoile de la rédemption

الــرسالة:

من غرشوم شوليم إلى فرانز روزنزفغ

أورشاليم 12 ديسمبر .1926

''أصبح هذا الوطن اليوم يشبه بركانا، لغته في فوران دائم، كثيرا ما تكلمنا عن كل ما قد يؤدي إلى الإخفاق والفشل الذي قد يأتينا من العرب، لكن ثمة خطر آخر يقلق مضاجعنا أكثر مما تقلقنا أمة العرب، وأعتقد بأنه بمثابة النتيجة الضرورية للمؤسسة الصهيونية· يتعلق الأمر باللغة العبرية فما هو راهن هذه اللغة بالنسبة إلى ما نحن عليه اليوم ؟ ألا تشكل هذه اللغة المقدسة التي تغذى بها أبناؤنا هاوية لن تكون بمنأى عن ضرورة فتح حوار حولها ؟ بالطبع، الناس عندنا لا يعرفون ما هم بصدد القيام به، إنهم يعتقدون بقدرتهم على علمنة اللغة العبرية (séculariser la langue hébraïque) نازعين عنها وسمها الرؤيوي (Apocalyptique) لكن الأمر غير صحيح، فما علمنة اللغة إلا نوع من الكلام، إنها عبارة منجزة، فمن المستحيل القيام بإفراغ كلمات اللغة مما تحمله من ازدحام في المعنى، على الأقل القيام بتقديس اللغة ذاتها، فالمزج اللغوي الخارق الذي نحن بصدد التكلم به اليوم في شوارعنا يحدّد بدقة الفضاء الألسني الذي أصبح غير قابل على التعبير والذي بإمكانه فعليا أن يجعل علمنة اللغة أمرا ممكنا، لكن إذا قمنا بنقل ما نقل من اللغة ذاتها إلى أبنائنا وكان من الضروري على جيلنا أن يبعث لغة الكتب القديمة من جديد· ألا يمكن القول أننا سنخاطر حينها بما تحمله اللغة الدينية من قوة وسيغدو الأمر سلبا وضدا على من سيتكلمون بها؟ ومن سيتحمل من جيلنا نتائج مثل هذا الانفجار؟ أما فيما يخصنا نحن فإننا لا نزال نحيا داخل لغتنا بالكيفية نفسها التي يحيا غيرنا بها مع لغتهم، فاقدين للبصر نمشي فوق الهاوية، لكن حينما يرد إلينا أو إلى ذريتنا البصر فإنه لا محالة، سيتم آنذاك السقوط في الهاوية؟ لحظتها يكون من الصعب على أحد منا معرفة ما إذا كانت هذه التضحية التي أتت على هلاك الكل كافية لأن تغلق أبواب الهاوية''·

ملاحظة: تم ترجمة ونشر هذه الرسالة لـ ''غرشوم شوليم'' إلى ''فرانز روزنزفغ'' لأول مرّة من قبل ''ستيفان موزيس'' (Stephan Mosés)  لأرشيفات العلوم الاجتماعية و الدينية سنة 1985 تحت رقم 60/.61

ما الذي ينبغي أن تكون عليه اللغة إذا، وبالأخص اللغة المقدسة (وسنرى أنه ليس ثمة لغة أخرى مقدسة غيرها حسب شوليم) كيما نلحظها تسقط وتكون الحدث نفسه؟ ما العلاقة بين نور الوضوح، جوهر اللغة والسقوط في عمق الهاوية؟ كيف نتلقى اسم الهاوية لحظة سماعنا له، الإسم الذي ينفتح على الاسم ذاته، إسم الإسم الذي كثيرا ما يتردّد ذكره في الرسالة والذي سنحظى بلقياه في الأسطر اللاحقة إذ تحاول هذه الأسطر فضح أولئك الذين يحملون جرأة شيطانية وعمياء في التوجه نحو إعادة الحياة إلى الأسماء المقدسة، بعثت وإحياء لغة معينة كي تغدو عالمية (esperento) ويصف شوليم هؤلاء بالمسحورين (ensorcelés) (وهم في حدّ ذاتهم سحرة، إنهم سحرة مبتدؤون) يمشون بصمت على الهاوية في الوقت الذي ينقلون فيه الأسماء والرموز إلى شبابنا، هذه الأسماء المقدسة هي فعلا ما يوصى به هؤلاء العميان كيما يتم تقديمها إلى شبابنا بدون رؤية وبدون دراية، إنها الهاوية، الهاوية المتوارية، الهاوية الممكنة، هذا ما يوصى به إلى أبنائنا بدون رؤيته وبدون معرفته، الهاوية هو الاسم ومواقعيته هي ما كانت تتماثل أمامنا اليوم، فإذا كان لا يحمل أسفلا ولا هاوية، فإنه يمكننا تركه يحتوي ويسجل ويفهم كل ما في أسفله، هذا الذي لا أسفل له بدون أسفل، يمشون عليه كالمجانين، ليس الهاوية إلا لغة تمتنع عن السيطرة وعن علمنتها وعن ألينتها (instrumentalisé)، ليس الهاوية أكثر من لغة ذلك لأن كل من اللغة والهاوية يمتلك الواحد منهما موقعا- مكانا، ومكانهما هو اللا- موقعية، كون هذه الأخيرة متموضعة في الاسم ذاته·

اللغة هي الإسم (Sprache ist Namer)الكلام هو في ذاته لسان ولغة ولا يكفي أبدا القول بأن اللسان هو بصدّد التشكل داخل الأسماء، فإن نتكلم يعني أن نسمي، أن ننادي، الكلام تسمية ومناداة، فحينما نتكلم فإننا نسمي في الوقت ذاته الذي ننادي فيه، لكن ما الذي أراد شوليم تسميته في رسالته؟ وأمام ما تحمله هذه المساءلة من عمق متميز كيف يمكننا قراءة الرسالة؟

حاولتُ أن أنجز قراءة باطنية للرسالة على الرغم من أنني لا أعتقد أبدا بوجود مثل هذه القراءة بصورة محضة، إذ لا يمكنها أن تكون بدقة ممكنة ولا يتطلب منا الأمر في مثل هذه الحالات حتى نسعى إلى البرهنة على وجودها ولأجل البقاء بالقرب من الرسالة فإنه بالإمكان لحدث بسيط أن يحدث كسرا في هذه الباطنية المفترضة للنص على الرغم من أن الوثيقة التي تشكل هذه الرسالة تحمل ثراءها ووضوحها العميقين، فإذا أردنا القول كبداية لهذه القراءة قصد عدم تضييع أي شيء ممكن منها، فإننا سنُجهد أنفسنا للحفاظ على قربنا من الرسالة·

هكذا يشكل بالنسبة لنا الصورة العامة المطروحة علينا على حافة - داخلي وخارجي - هذه القراءة، كحافة حجم الهاوية، لكن بأية لغة يمكننا أو بإمكاننا أن نلقي النداء الذي يمثل هو في حدّ ذاته تحذيرا أمام تهديدات علمنة اللغة المقدسة؟ هذا النداء الذي يحترس من العلمنة قصد حماية اللغة المقدسة والذي يشكل بدوره حدثا ويمكننا مساءلته من أين يجد موقعه؟ هل بداخل اللغة المقدمة أم بخارجها؟ وما هي طبيعة وحدود مكانها؟ ستعرف هذه المساءلة تأججها و تضخمها حينما نطرح السؤال التالي: هل بإمكاننا التكلم بلغة مقدسة وكأنها لغة أجنبية؟ هكذا يعرف السؤال إغراقه أو تعمقه، بصورة عامة، هل اللغة المقدسة هي أكثر صفاء ونقاء أم أكثر أجنبية وغرابة؟ وهل سيكون في مثل هذه الحالة أمام تتابع بمنطق متعارض ؟

هل أراد شوليم مثلا منذ ''depuis'' تجربة اللغة المقدسة الحديث عن أسماء مقدسة ممهدا لكل ما قاله وممهدا في حدّ ذاته منذ هذا العمل الإلغازي المتكلم عبر اللغة الألمانية؟ سأترك حاليا منذ ''َّىِِّمل''ئبين مزدوجتين بكل ما تحمله من إمكانيات بركانية، وأعتقد أن هذا يمثل بعدا آخر للسؤال الذي شكلناه عبر مسار قراءتنا لـ ''سبينوزا'' (Spinoza) أين يتموقع المقدس؟ إذا تحدثنا ـ خطأ حسب سبينوزا ـ اللغة المقدسة فهل بإمكاننا أن نعتبر الكلمات والأسماء هي الأخرى مقدسة؟ أم فقط تدل عليها، أم هي مجرد أشياء مسماة محددة بأسمائها؟ نلحظ أن سبينوزا سيلقي بجميع هذه الافتراضات، إذ المقدس بالنسبة إليه ليس متموقعا في الكلمات ولا في الأشياء  لكن بإمكاننا فقط القول بأنه بداخل المعنى القصدي في الكيفية التي تحملنا إلى أحدهما وإلى الآخرين، إلى أحدهما عبر الآخرين·

في أية لغة تم كتابة هذه الرسالة؟ لا يكفي بالطبع القول بأنها مكتوبة بالألمانية ولا يمكننا اختزال مثل هذه الظاهرة إلى مجرد محايثة· إن الرسالة وإن كتبت فعلا بالألمانية فهي أنجزت وبالإضافة إلى ذلك تقديما ذاتيا هو الآخر بمثابة الاعتراف الموجه من طرف أحدهما على الآخر، أو من أحد ما إلى ذلك الآخر الذي يتقاسم معه العلاقة التعاطفية، فهو المثقف الجريء الصارم الملتزم بلغته العبرية وليست هذه الأخيرة بالنسبة إليه مجرد لغة الأم فحسب، بل إنها اللغة التي يحيا بها كلغة ما فوق- الأم (archi-maternelle) أو أبوية ·(patriarchique) اللغة التي وبفضلها ولأجلها  منذ أن بدء الحديث بها وهما ينجزان تواصلهما الدائم منذ فترة طويلة (هذه اللغة في تعدّد معانيها تمثل موضوع الرسالة) ومنه كان هذا التعدد هو ما يشكل فعلا موضوعها الحقيقي· يمكنني هاهنا إنجاز محاولة جريئة عبر ذلك الذي سأسميه مجازفة وافتراضا بـاللغة الثالثة (troisième langue) ولا أقصد  من  وراء هذه الكلمة التحديد الغريب لها، أي أنها لغة غريبة، إنه وعبر اللغة الألمانية تم تشكيل تحذير مهم يتعلق بممارستين للغة العبرية الممارسة المقدسة (pratique sacré) والممارسة المعلمنة (pratique séculaire) وعبارة اللغة الثالثة هي بالأحرى مجرد تسمية لعنصر المختَلِفْ و المختَلَفْ Différenciant) ،Différencier) إنه الوسيط الذي لا يمكنه أن يشكل المعنى اللساني المحدد (stricto sensu) فهو بسط لتجربة اللغة التي ما هي بمقدسة وما هي بمدنسة ووحدها مثل هذه اللغة بإمكانها منح فرصة العبور وأخذنا نحو الآخر وترجمة أحدنا للآخر، ونداء أحدنا للآخر، وخلاف ذلك لا يمكن القول أنه وفي منطق هذه الفرضية (التي سنرى لما اضطر شوليم إلى أن يحكم بأنها مرفوضة وسيئة التشكل) ينبغي أن نتوقع تموقع كل من المرسل والمرسل إليه ما بين اللغتين، فالأول يظهر كـ ''عابر''، كـ ''مترجم'' ووسيط (médiateur-passeur-traducteur) يتلقى اللغتين معا والوسيط لا يتكلم اللغتين في آن واحد إلا حينما يتم تشكيل اللغة الثالثة، أو منذ اللحظة التي لا تعدو فيها تلك اللغة لا مقدسة ولا معلمنة أو كانت فيما سبق الاثنين معا، وحدها مثل هذه اللغة بإمكانها إنجاز الخطوة إلى حافة الهاوية·

وبحق فإنه إذا لم يكن ثمة لغة ثالثة، لغة حيادية على العموم وفيها يكون بالإمكان تدنيس المقدس بالدنيوي وإفساد الأسماء وإحداث تقابل خالص بالدنيوي وإذا كانت فرضية التعالي - الجدلي تحمل حيادها قصد تحقيق فكرة إبطال القداسة التي يطعن ويقف شوليم ضدها، وإذا كانت هذه الحيادية تلجأ إلى لغة ثالثة لها مسبقا نوعا من الحكم الميتا - ألسني (méta-linguistique) فهل كانت هي الأخرى بمثابة أقلمة إيجابية ion positive)(naturalisat لـ الـ ''فوق - طبيعي'' (Surnaturel) ؟ والإوالية (Axiomatique) التي تضبط رسالة شوليم هي: ''الكل آخر'' (tout-autre) وهي أيضا أي ''الكل آخر'' تمثل خطابها (الرسالة) وخطابية الـ ''كل آخر'' تأخذ بذاك الذي يحمل هيئة الغرابة والافتتان منا تتطرق الرسالة إلى التعارض الحاصل بين اللغة المقدسة واللغة المعلمنة باعتباره (أي التعارض) فعل خطابين، ففي الأسفل قد يتراءى لنا القول بهذا الأمر ممكنا، أما في أسفل الهاوية فليس يوجد إلا اللغة المقدسة، لغة واحدة، لا تعاني من التعارضات وهذا ما يحدث على الأقل للغة العبرية التي لا يمكننا أن نعتبرها إلا مقدسة تنفلت من كل حالة تركيب الذي يصيب باقي اللغات، لقد ولدت اللغة العبرية مقدسة ولا تمنح نفسها للعلمنة، إذ أنها لا تهب أية فرصة لأولئك الذين يحاولون منع قداستها عنها ، والعلمنة التي نحن بصدد الحديث عنها إنما تبدو حسب قول شوليم والتي يقوم بإدانتها والتأسف عليها والوقوف ضدها إنما هي مجرد وهم لا وجود له· فالأمر ليس إلا ''نوعا من الكلام'' ·(façon de parler) هذه العبارة ''نوع من الكلام'' هي الأخرى ليست إلا ''نوعا من الكلام'' وهكذا يستعملها شوليم في سياقها الفرنسي في النص الألماني وسنعود على الكيفية الخطابية في قول الخطابة لنبين أن العلمنة التي نتكلم عنها ما هي إلا ''نوعا من الكلام'' لا تجعل الظاهرة أقل حدّة أو أكثر تقلبا ولا حتى مجرد عَرَضٍ·

يظهر هذا كله في الأسطر الأولى من الرسالة، فبعد أن أثار شوليم صورة البركان volcan) (limage du و لمّح إلى الخطر المداهم للمؤسسة الصهيونية و الأكثر قلقا (unheimlich)(*) من خطر أمة العرب وأمام النتيجة الضرورية التي تجد هذه المؤسسة متورطة فيها، أقبل شوليم على الاعتراف (اعترافا يحمل حدّته العقائدية أمام اللاصهيونية المعروف بها المرسل إليه) بأن الإثم هو أكثر من أن يكون إثما سياسيا، بل إنه إثم متعلق باللغة وهو أيضا وبالإضافة إلى ذلك سياسيا، هذا الداء الذي لا ترجع طفولته إلى بداية الصهيونية وإنما كان نتيجة فطرية لكل مشروع دولة - أمة Etat-nation)) الصهيونية وأردف شوليم قائلا: ''فما هو راهن هذه اللغة بالنسبة إلى ما نحن عليه اليوم إلا تشكل هذه اللغة المقدسة التي تغذّى بها أبناؤنا جحيما لن يكون بمنأى عن ضرورة فتح حوار حوله ذات يوم؟ بالطبع الناس عندنا لا يعرفون ولا يعلمون ما هم بصدد القيام به، إنهم يعتقدون بقدرتهم على علمنة اللغة العبرية، نازعين عنها وسمها الرؤيوي لكن الأمر غير صحيح، فما علمنة اللغة إلا نوعا من الكلام، إلا عبارة منجزة···''· فما بين استعارة أو خطاب الهاوية والإثبات لن تكون العلمنة بصورة إجمالية إلا قلعة (ُِّْش) للخطابة، ولربما كانت هذه الصلة شيئا ضروريا، إذ ليس ثمة علمنة فاعلة توحي عموما بهذا الاعتراف الغريب والذي ننعته ببساطة علمنة، ليس له مكان إذ عمل لسطح لا أثر له على اللغة ذاتها التي تأتي على الرغم من ذلك إلا أن تبقى مقدسة في مداخلها العميقة، وقد تتميز الإضافة التي تحدث على مستواها الكيفية التي يمر عبرها الانتقال إلى سطح اللغة وهذه الإضافة هي الأخرى ليست إلا (نوعا من كلام/ اللغة إنه ميتا - لغة ,méta-langue نوعا من الكلام عن اللغة ولا يمكن للغة المعلمنة إلا أن تكون إضافة لـ ''ميتا - لسانية'' خطابية نوعا من الكلام، هو بمثابة الأثر الخطابي لـ ''ميتا- لغة'' لا يجب إخفاؤه لما يحمله من حدة وصرامة التي تجعلنا نعجز عن فعل ذلك في الأساس هو مبدأ شمولي للغة، أي تقني، موضوعي، علمي و حتى أنه فلسفي)

يدافع شوليم عن فكرة عدم وجود الميتا - لغة، فاللغة المعلمنة باعتبارها ميتا- لغة لا وجود لها نهائيا في ذاتها، إذ لا تعرف حضورا ولا حقيقة تميزها، عنوانها الوحيد هو ''نوع من الكلام'' (façon de parler). الأمر إذا يتعلق بالتصرف الذي نسلكه تجاه اللغة الوحيدة التي تشكل أو التي تحمل المقدس، نتصرف ونرتبط بها أن نتجه نحوها هو أيضا بمثابة التصرف فيها والحديث معها ولو أننا نتكلم عليها من منظور سلبي إذ لا يمكننا أبدا الكلام عنها في الإنكار والتجنب والحيرة وكأننا متسرنمون (somnambules) يسيرون فوق الهاوية· إنه لا يمكننا تجنب الكلام عن اللغة المقدسة، فنحن لا نتسرنم إلا لكوننا نعتقد بالسير على السطح، إننا نعتقد بالسطح، ومثل هذه الحقيقة لا تعود نهائيا إلى نظام موضوعي أو إلى معرفة موجهة من قبل لغة تعلمن السطح، إذ ليس هناك إلا الهاوية، اللغة المقدسة هاوية، نسير عميانا على السطح حينما نتكلم عن موضوع اللغة المعلمنة ومنه فنحن في حقيقة الأمر عميانا عن الحقيقة، وعن جوهرها السحيق الذي يحمل اللغة المقدسة، سأعود هاهنا من جديد إلى قراءة الفقرة التي سبق وإن أشرنا إليها في الرسالة··· ''أما فيما يخصّنا نحن فإننا لا نزال نحيا داخل لغتنا بالكيفية نفسها التي يحيا بها غيرنا مع لغتهم، فاقدين للبصر، نمشي فوف الهاوية، لكن حينما يرد إليها أو إلى ذريتنا البصر، فإنه لا محال سيتم آنذاك السقوط في الهاوية؟ لحظتها يكون من الصعب على أحد منا معرفة ما إذا كانت هذه التضحية التي أتت على هلاك الكل كافية لن تغلق أبواب الهاوية''· أمام هذه الوضعية ما الذي سيمنحه القلق الذاتي (unheimlichkeit) لتجربة التموقع؟ فبالإضافة إلى دافع السقوط الذي يترصدنا فإنه من الصعب معرفة ما إذا كان مرعبا ذلك المتعلق بالسير فوق السطح في حالة عمى وحيرة، أن نسقط فعليا في الهاوية ومن الصعب جدا معرفة ما إذا كان الشرّ يكمن في سقوط شخص ما بوضوح في الجوهر السحيق للغة، فالسقوط ذاته يؤدي إلى السقوط وقد يؤدي إلى بقائنا فوق السطح، فما الذي يقلق شوليم إذا ويمنح لرسالته نبرة ذات خصوصية رؤيوية؟ وهل يقلقه أولئك السائرون عميانا على سطح اللغة المقدسة؟ وهل يمكن أن يتمنى شوليم بقاء الهاوية مفتوحة أم يرجو إغلاقها؟ إن التجربة الحذرة والمباشرة للغة العميقة تخاطر إلى درجة أنه يغدو من الصعب معاشرتها، وإننا هنا بصدد التفكير في ذلك الرعب السبينوزي أمام فرضية إله غيور، إله من نار وفي الواقع فإن مثل هذا الرعب الذي أشرت إليه يعيد بغرابة ذلك الذي خصّه سبينوزا للعبرانيين الذين فرّوا من أمام التجربة المباشرة لحرقة الكلام الإلهي (النار، الهاوية، الفوهة···)·

 

لا أعتقد انه ثمة ما له القدرة على نزع ما تحمله رسالة شوليم من التباس وتردّد، إذ يعتبر الإبهام والغموض في حدّ ذاته مكمن القوة الفائقة للرسالة وفتنتها، ذلك لكونها تحمل دائما إلى الحيرة والتردد الذي لا يستطيع حتى شوليم التحكم فيهما، وهذا ما يمنح فعليا النبرة الرؤيوية للرسالة·

يستعين شوليم بلفظ ''الرؤيوية'' (Apocalyptique) ويستعملها بصورة ملتبسة وكأنه يجب علينا إنقاذها والاحتفاظ بها داخل اللغة ونجده في الوقت ذاته يستعين بهذا الذي يجب إنقاذه مرتين مشيرا إليه بصورة إلغازية· ففي المرة الأولى، سبق وإن أشرنا إليها، وبالتحديد قبل أن نأتي على الحديث عن علمنة العبرية باعتبارها ''نوعا من الكلام'' هذه العبارة في حدّ ذاتها ملتبسة، إذا بإمكاننا فهمها في معناها الاحتمالي (ليس ثمة علمنة ممكنة أو واقعية، فبإمكاننا فعلا الحديث عنها لكن وجودها الفعلي غير ممكن) ففي حالة ''نوع من الكلام'' نجد شوليم يسمي اسم العلمنة وفي الحالة الأخرى نجده عبر هذه العبارة ''نوع من الكلام'' يحدّد علمنة اللغة ذاتها، وقبل أن نلمس ذلك نجد شوليم يؤكد على ما يلي: ''بالطبع الناس عندنا لا يعرفون ولا يعلمون ما هم بصدد القيام به، إنهم يعتقدون بقدرتهم على علمنة اللغة العبرية، نازعين عنها وسمها الرؤيوي، لكن الأمر غير صحيح، فما علمنة اللغة إلا مجرّد نوع من الكلام، إنها عبارة منجزة···''· يقودنا هذا في البداية إلى التفكير في أن العلمنة أو إبطال القداسة هو بمثابة شنق للغة وذلك بنزع رأسها وشوكتها وسهمها الرؤيوي، هذه الشوكة الرؤيوية، هذا الرأس، أو هذا الهدف الغائي (téléologique) سيؤسس لقداسة اللغة، اللغة المقدسة (شوليم لا يتحدث عن القداسة في صياغتها العامة وإنما يتحدث عنها أو عن هذا النقاء غير المنفصل عن السياق السيمونطيقي للعبرية، الأسماء والتقارب) لن نكون شيئا بدون هذا الرأس المنجذب إلى الرؤيا·

كل التركيبات السيمونطيقية للرؤيا عليها أن تتلاقى هنا ولا تترك في هذه الرسالة:

.1 قيمة الوحي (révélation) أو الكشف (dévoilement) تكمن في تشفير ما كان محتجبا  ·(opocalyptô)

.2 المعنى المتداول لنهاية الأزمنة ويوم الحساب·

.3 الكارثة والنكبة (cataclysme)

فإذا أردنا القيام بقراءة باطنية ممكنة للكتابات والدراسات التي أنجزها ''شوليم'' فإنه يجب علينا استدعاء هذه الأعمال، خاصة تلك المرتبطة برؤية اليهود )

alyptisme juif)apoc ولربما أول عمل قد نصادفه هو ذلك الذي حاول من خلاله شوليم تقديم فهما لـمسيحية اليهود، واليهود والذي عنونه بـ ''ميسانية اليهود''

(Messianisme juif) مقدما احتجاجه ومعيدا النظر في التأويل المسيحي للميسانيسم ولنبوئية اليهود، ونعني هاهنا بالميسيانيسم ـ أي الباطنية ـ والروحانية: ''الإعتقاد بأن النداء إلى باطنية خالصة لا واقعية (إلى اليهود) بأنها محاولة تتهرب من الاختبار المسيحي في جانبه المجسد''، فمسيحية اليهود كان ممكنا توزيعها أو تمديدها ما بين توجهات عديدة تلك التي ميّز شوليم بينها وقام بعرضها كـ ''مسيحية محافظة وطوبائية وإن كان يبدو في بعض الأحيان أنه يقع المزج والخلط بينهم· المسيحية تحالف الإيمان بالانتظار الحي والشديد: إن الرؤيا (lapocalypse) هي بمثابة النظرة التي تنشأ عن هذا الانتظار المسيحي الشديد'' (ص29)· فالفاعلون في الرؤيا يميزون ما بين الرسل بهذا الذي يستقبله الرائي والمتمثل في تجلي المقدس والكشف عن المؤله الذي لا يتعلق أبدا بأحداث مرتبطة أساسا بنهاية التاريخ، فالرؤيا تتحدث عن التاريخ في مجمله، من الأصل إلى النهاية، وبصورة أخصّ ترقب مجيء إيون (aiôn) جديد (aiôn grec, olam hebreu) الذي ينبغي أن يرسي نفوذه في الأزمنة المسيحية· لفظ (aiôn) الإغريقي ترجم إلى الإنجيل الإغريقي إلى اللفظ العبري ((olam حينما يغدو له قيمة زمانية بصورة أخص (ص38)، فالرسل يميزون ما بين إيون الحاضر (olam huzeh) و إيون القادم (فقفو ٍفٌُ) بين الزمن الأول والزمن الأخير، لكن يعتبر هذا العصر الجديد الذي يذكرنا بزمن الفردوس (أوزي osée وإزاييه  مخisa) إنهما لا يمثلان الماهناك لزمن الرسل، فيغدو الخروج (lexil) ويُصبح التميز أكثر وضوحا حسب شوليم ما بين الزمن الحاضر والزمن القادم، غير أن الرؤى (las apocalypses) سينحدرون بالأخصّ إلى زمن النهاية التي يتحدث عنها دانيال ·(Daniel) فقيامية هذه الرؤى حين يتطرق مضمونها إلى الرسل القدامى (أوزي osée، أموس amos وإزاييه مخ(isa إنهم رسل لا يحملون خصوصية قومية وإذا كانت الرسل تعلن عن ضرورة إعادة بناء بيت داوود (David) فبسبب الانتحار المستقبلي الإسرائيلي الذي  يرجع إلى إله السلام الأبدي وعودة جميع الأمم متوجهة إلى إله إسرائيل الواحد معلنا عن نهاية الوثنية (Paganisme) والصنمية (Id?latrie) فأيونات (les e?ns) الرؤيوية يتلاحقون كيما يضعوا التعارضات: الحاضر - المستقبل، الظلام - النور، الإسرائيل - الأمم، الطهارة - الدنس، الخالص- الفاسد، الحياة - الموت···في الأصل الكوني وفي الكوسمو- سياسي للرؤى، حيث تصل أفكار بعث الموتى، والحساب الأخير، جنة أو نار، فاللفظ المحرك لرسالة شوليم هو العودة إلى اللغة المقدسة وهذا النوع من العقاب الكلي الذي ينجم عنها ويعتقد أن يكون لهذه القيامية الرؤيوية أفقا، ومن دون شك فإنها تحتفظ بجذورها وبتنبؤاتها القديمة، لكن هذه الأخيرة كانت على الأقل إذا أردنا تصديق شوليم واضحة ومتميزة في سياقها الأصلي، لكن غدت اليوم غامضة، مبهمة، وملغزة، تطلب منا فكّ شفراتها· فالخطاب الرؤيوي أصبح اليوم كتوما وسريا، والفاعلون المتسترون يقومون بدورهم بترقيم رؤاهم بدلا من القيام برميها وقذفها أمام أعدائهم مثلما فعل المبهمون والمخيرون وعليه فإن تلقين السياسة والتراتبية منوطة فقط بالمعرفة الرؤيوية التي كثيرا ما تثبت لدى حاخامات اليهود والتي تحافظ بدورها على مكان بجانب المعرفة العرفانية للـ ''مركاباه وMerkaba'' لعالم الملكوت المؤله ولغرائبه، معرفة انفجارية (une connaissance si explosives) إنه اللفظ المفضل لدى شوليم باعتباره لا يمكنه أبدا إلا أن ينتقل من الفم إلى الأذن، بدون المرور عبر الكتابة، فالكتابة هاهنا ليست مجرّد دنس فحسب وإنها هي وبالإضافة إلى ذلك خيانة لسرّها ولكتمانها، وبكيفية تحليلية فإن إيجابية العمل العلمي لشوليم حول القبلانية (alalismecab) (والمتمثل في التفسير الصوتي والرمزي للتوراة حسب التقاليد كما كان القدامى يفعلون) غالبا ما كان يشعر به كما هو من قبل القبلانيين الأحياء·

سأضع تحت كل هذا خطا، وأقول: إن ميزة العمي أو التستر للرسالة المسيحية، عن سياستها النخبوية والتلقينية أيضا قد ازدادت عندما تم إعلان اليهود وبصورة مؤقتة عن وجودهم القومي بعد حدث تدمير القبر (Temple) الثاني، هذه الميزة المزدوجة للمسيحية تتناول كل المشاكل التي تطرحها علينا قراءة هذه الرسالة، إنها وحسب شوليم تقوم برصد التأكيد الضروري على إعادة بناء الوجود القومي على الرغم من كونه يحملنا بعيدا عن هذا (ص31)، إن شوليم يحتج ضد كل علماء المسيحية أو اليهودية الذين أنكروا استمرارية الموروث الرؤوي لليهودية الحاخامية ويأخذ عليهم اعتقادهم الواهي والزائف بأنهم تمكنوا من علمنة اللغة العبرية وأنهم استطاعوا أن ينزعوا عنها شوكتها الرؤيوية، فإنهم حسب شوليم سيكونون بعيدين عن أولئك الذي حاولوا محو الرؤيوية اليهودية نهائيا في جلب الموروث الحاخامي منذ العصور الوسطى سواء أكانوا مسيحيين أم يهودا، لكن لا أحد منهم تمكن من بلوغ أهدافه هذه، فكل ما قاموا به هو أنهم أنكروا وتستروا، لكن من هنا فقط أثبتوا من جهة أخرى أن الرؤيوية تتشبث في بعض الأحيان بعمائها (cryptique) وبتسترها (occulté) ومستعدة دائما لإعادة التجلي والظهور والعودة من جديد· هذا الأمر يبدو حاليا جد متعذر بالتحديد إدراكه، أين يمثل حجاب العماء ظاهريتها ذاته وحالتها ونجاعتها·إذا نلاحظ في نداء شوليم أنه ثمة نوع من الرؤيوية، إنه بمثابة رأس الخيط للغة المقدسة، وهذا الشيء يمنح لها نبرة والتي تعتبر إحدى النبرات إيقاع الرؤيوية لرسالته، لكن ثمة نبرة أخرى نلمسها في رسالة شوليم تلك التي يرى فيها بصورة عكسية أن الرجوع إلى الرؤيوية هو شيء مفزع كونه يمثل اختيارا مرعبا ومخيفا· إنها المصادفة الثانية التي نلمسها في كلمة ''الرؤيوية'' فالكلمات الأخيرة من النص تم صياغتها كابتهال وكـ ''ذِكر'' فروعة السماء وبهائها ·(fasse le ciel que la légèreté avec laquelle nous avons été entraînés sur cette voie apocalyptique ne nous mène pas à notre perte) إننا لا نعلم جيدا ما إذا كان طريق الرؤيوية الذي وجدنا أنفسنا على أية حال مرتبطين به، سينقذنا أم سيضعنا ··· هذا اللا- تحديد سيبقى دون أن يُرفع، وسيبقى خاصا بالتجربة الرؤيوية وحدها، فمن كانوا يعتقدون بعلمنة اللغة المقدسة لم يقوموا حسب شوليم بذلك قصد إزاحة عنها طابعها المقدس، بل اعتقدوا وبخفتهم الرائعة أنهم سيتمكنون من إعادة بعث لغة الأصل من جديد، وانتعاشها في عالم حديث وفي دولة حديثة، لكن براعة هؤلاء المبتدئين نحو نهضة عبرية مقدسة لم ترتبط للأسف بواقعية الحساب، إذ أنهم لا يعتقدون به، فهم بالتالي لا يعتقدون بالرؤيا (apocalypse) التي نجد أنفسنا منقادين إليها، وفي ختام الرسالة، وعن مستقبل نحوها (grammaire) لا يمكننا أن نقرر أبدا ما إذا كان شوليم في الأصل مفزعا أم كان ينادي فقط بهذا اللا-مفرّ منه إذ النداء لهذا الذي لا مفرّ منه هو بمثابة: حتمية ثورة اللغة، لنسمع من جديد كلمة الإله عبر هذه اللغة الفاعلة والمحركة، إننا نتذكر هنا موقف سبينوزا حينما صوّر هلع اليهود أمام صوت الإله الملتهب·

(*)  بالألمانية في النص·

http://www.thakafamag.com/index.php?option=com_content&view=article&id=604:2010-09-17-21-38-24&catid=10:2010-06-27-02-14-58&Itemid=29
(les yeux de la langue) يحمل نشر مقال ''أعين اللغة'' أهميتين: الأولــى: تمنح لنا إمكانية قراءة النص من منطلق الاهتمامات السياسية التي شغلت جاك دريدا والتي لا تزال تعرف وبصورة واضحة نماء متزايدا خاصة في أعماله المؤخرة·..

الثانيـة: أن المقال يقدم لنا اليوم الأرضية الخصبة للتأويل قصد إدراك التعقيد الحاصل في السياق الإسرائيلو- فلسطيني وبخصوص هذا الموضوع فإنه من الضروري الإشارة إلى أن جاك دريدا يتموقع حاليا ضمن التوجه الذي يؤكد على ضرورة التعجيل بإيقاف العنف وإنهاء جرائم الإرهاب وإدانته في الوقت ذاته، كل الضغوطات الممارسة من قبل الجيش أو الشرطة، متمنيا أن يحدث جلاء القوات الإسرائيلية من مناطق الاحتلال ولقد خصّ دريدا دراسته هذه لـ ''رسالة'' سبق وأن بعث بها للفيلولوجي والمؤرخ وعالم الأديان الإسرائيلي غرشوم شولم (1982 - 1897) - Gershom scholem المنقب والمتخصص في القبلانية (la cabal) وقد انضمّ بصورة مبكرة إلى الحركة الصهيونية وهو طالب لدى الفيلسوف والمفكر اليهودي الألماني فرانز روزنزفغ

(Franz Rozenzweig) صاحب عمل ''نجمة الخلاص''

l'Etoile de la rédemption

الــرسالة:

من غرشوم شوليم إلى فرانز روزنزفغ

أورشاليم 12 ديسمبر .1926

''أصبح هذا الوطن اليوم يشبه بركانا، لغته في فوران دائم، كثيرا ما تكلمنا عن كل ما قد يؤدي إلى الإخفاق والفشل الذي قد يأتينا من العرب، لكن ثمة خطر آخر يقلق مضاجعنا أكثر مما تقلقنا أمة العرب، وأعتقد بأنه بمثابة النتيجة الضرورية للمؤسسة الصهيونية· يتعلق الأمر باللغة العبرية فما هو راهن هذه اللغة بالنسبة إلى ما نحن عليه اليوم ؟ ألا تشكل هذه اللغة المقدسة التي تغذى بها أبناؤنا هاوية لن تكون بمنأى عن ضرورة فتح حوار حولها ؟ بالطبع، الناس عندنا لا يعرفون ما هم بصدد القيام به، إنهم يعتقدون بقدرتهم على علمنة اللغة العبرية (séculariser la langue hébraïque) نازعين عنها وسمها الرؤيوي (Apocalyptique) لكن الأمر غير صحيح، فما علمنة اللغة إلا نوع من الكلام، إنها عبارة منجزة، فمن المستحيل القيام بإفراغ كلمات اللغة مما تحمله من ازدحام في المعنى، على الأقل القيام بتقديس اللغة ذاتها، فالمزج اللغوي الخارق الذي نحن بصدد التكلم به اليوم في شوارعنا يحدّد بدقة الفضاء الألسني الذي أصبح غير قابل على التعبير والذي بإمكانه فعليا أن يجعل علمنة اللغة أمرا ممكنا، لكن إذا قمنا بنقل ما نقل من اللغة ذاتها إلى أبنائنا وكان من الضروري على جيلنا أن يبعث لغة الكتب القديمة من جديد· ألا يمكن القول أننا سنخاطر حينها بما تحمله اللغة الدينية من قوة وسيغدو الأمر سلبا وضدا على من سيتكلمون بها؟ ومن سيتحمل من جيلنا نتائج مثل هذا الانفجار؟ أما فيما يخصنا نحن فإننا لا نزال نحيا داخل لغتنا بالكيفية نفسها التي يحيا غيرنا بها مع لغتهم، فاقدين للبصر نمشي فوق الهاوية، لكن حينما يرد إلينا أو إلى ذريتنا البصر فإنه لا محالة، سيتم آنذاك السقوط في الهاوية؟ لحظتها يكون من الصعب على أحد منا معرفة ما إذا كانت هذه التضحية التي أتت على هلاك الكل كافية لأن تغلق أبواب الهاوية''·

ملاحظة: تم ترجمة ونشر هذه الرسالة لـ ''غرشوم شوليم'' إلى ''فرانز روزنزفغ'' لأول مرّة من قبل ''ستيفان موزيس'' (Stephan Mosés) لأرشيفات العلوم الاجتماعية و الدينية سنة 1985 تحت رقم 60/.61

ما الذي ينبغي أن تكون عليه اللغة إذا، وبالأخص اللغة المقدسة (وسنرى أنه ليس ثمة لغة أخرى مقدسة غيرها حسب شوليم) كيما نلحظها تسقط وتكون الحدث نفسه؟ ما العلاقة بين نور الوضوح، جوهر اللغة والسقوط في عمق الهاوية؟ كيف نتلقى اسم الهاوية لحظة سماعنا له، الإسم الذي ينفتح على الاسم ذاته، إسم الإسم الذي كثيرا ما يتردّد ذكره في الرسالة والذي سنحظى بلقياه في الأسطر اللاحقة إذ تحاول هذه الأسطر فضح أولئك الذين يحملون جرأة شيطانية وعمياء في التوجه نحو إعادة الحياة إلى الأسماء المقدسة، بعثت وإحياء لغة معينة كي تغدو عالمية (esperento) ويصف شوليم هؤلاء بالمسحورين (ensorcelés) (وهم في حدّ ذاتهم سحرة، إنهم سحرة مبتدؤون) يمشون بصمت على الهاوية في الوقت الذي ينقلون فيه الأسماء والرموز إلى شبابنا، هذه الأسماء المقدسة هي فعلا ما يوصى به هؤلاء العميان كيما يتم تقديمها إلى شبابنا بدون رؤية وبدون دراية، إنها الهاوية، الهاوية المتوارية، الهاوية الممكنة، هذا ما يوصى به إلى أبنائنا بدون رؤيته وبدون معرفته، الهاوية هو الاسم ومواقعيته هي ما كانت تتماثل أمامنا اليوم، فإذا كان لا يحمل أسفلا ولا هاوية، فإنه يمكننا تركه يحتوي ويسجل ويفهم كل ما في أسفله، هذا الذي لا أسفل له بدون أسفل، يمشون عليه كالمجانين، ليس الهاوية إلا لغة تمتنع عن السيطرة وعن علمنتها وعن ألينتها (instrumentalisé)، ليس الهاوية أكثر من لغة ذلك لأن كل من اللغة والهاوية يمتلك الواحد منهما موقعا- مكانا، ومكانهما هو اللا- موقعية، كون هذه الأخيرة متموضعة في الاسم ذاته·

اللغة هي الإسم (Sprache ist Namer)الكلام هو في ذاته لسان ولغة ولا يكفي أبدا القول بأن اللسان هو بصدّد التشكل داخل الأسماء، فإن نتكلم يعني أن نسمي، أن ننادي، الكلام تسمية ومناداة، فحينما نتكلم فإننا نسمي في الوقت ذاته الذي ننادي فيه، لكن ما الذي أراد شوليم تسميته في رسالته؟ وأمام ما تحمله هذه المساءلة من عمق متميز كيف يمكننا قراءة الرسالة؟

حاولتُ أن أنجز قراءة باطنية للرسالة على الرغم من أنني لا أعتقد أبدا بوجود مثل هذه القراءة بصورة محضة، إذ لا يمكنها أن تكون بدقة ممكنة ولا يتطلب منا الأمر في مثل هذه الحالات حتى نسعى إلى البرهنة على وجودها ولأجل البقاء بالقرب من الرسالة فإنه بالإمكان لحدث بسيط أن يحدث كسرا في هذه الباطنية المفترضة للنص على الرغم من أن الوثيقة التي تشكل هذه الرسالة تحمل ثراءها ووضوحها العميقين، فإذا أردنا القول كبداية لهذه القراءة قصد عدم تضييع أي شيء ممكن منها، فإننا سنُجهد أنفسنا للحفاظ على قربنا من الرسالة·

هكذا يشكل بالنسبة لنا الصورة العامة المطروحة علينا على حافة - داخلي وخارجي - هذه القراءة، كحافة حجم الهاوية، لكن بأية لغة يمكننا أو بإمكاننا أن نلقي النداء الذي يمثل هو في حدّ ذاته تحذيرا أمام تهديدات علمنة اللغة المقدسة؟ هذا النداء الذي يحترس من العلمنة قصد حماية اللغة المقدسة والذي يشكل بدوره حدثا ويمكننا مساءلته من أين يجد موقعه؟ هل بداخل اللغة المقدمة أم بخارجها؟ وما هي طبيعة وحدود مكانها؟ ستعرف هذه المساءلة تأججها و تضخمها حينما نطرح السؤال التالي: هل بإمكاننا التكلم بلغة مقدسة وكأنها لغة أجنبية؟ هكذا يعرف السؤال إغراقه أو تعمقه، بصورة عامة، هل اللغة المقدسة هي أكثر صفاء ونقاء أم أكثر أجنبية وغرابة؟ وهل سيكون في مثل هذه الحالة أمام تتابع بمنطق متعارض ؟

هل أراد شوليم مثلا منذ ''depuis'' تجربة اللغة المقدسة الحديث عن أسماء مقدسة ممهدا لكل ما قاله وممهدا في حدّ ذاته منذ هذا العمل الإلغازي المتكلم عبر اللغة الألمانية؟ سأترك حاليا منذ ''َّىِِّمل''ئبين مزدوجتين بكل ما تحمله من إمكانيات بركانية، وأعتقد أن هذا يمثل بعدا آخر للسؤال الذي شكلناه عبر مسار قراءتنا لـ ''سبينوزا'' (Spinoza) أين يتموقع المقدس؟ إذا تحدثنا ـ خطأ حسب سبينوزا ـ اللغة المقدسة فهل بإمكاننا أن نعتبر الكلمات والأسماء هي الأخرى مقدسة؟ أم فقط تدل عليها، أم هي مجرد أشياء مسماة محددة بأسمائها؟ نلحظ أن سبينوزا سيلقي بجميع هذه الافتراضات، إذ المقدس بالنسبة إليه ليس متموقعا في الكلمات ولا في الأشياء لكن بإمكاننا فقط القول بأنه بداخل المعنى القصدي في الكيفية التي تحملنا إلى أحدهما وإلى الآخرين، إلى أحدهما عبر الآخرين·

في أية لغة تم كتابة هذه الرسالة؟ لا يكفي بالطبع القول بأنها مكتوبة بالألمانية ولا يمكننا اختزال مثل هذه الظاهرة إلى مجرد محايثة· إن الرسالة وإن كتبت فعلا بالألمانية فهي أنجزت وبالإضافة إلى ذلك تقديما ذاتيا هو الآخر بمثابة الاعتراف الموجه من طرف أحدهما على الآخر، أو من أحد ما إلى ذلك الآخر الذي يتقاسم معه العلاقة التعاطفية، فهو المثقف الجريء الصارم الملتزم بلغته العبرية وليست هذه الأخيرة بالنسبة إليه مجرد لغة الأم فحسب، بل إنها اللغة التي يحيا بها كلغة ما فوق- الأم (archi-maternelle) أو أبوية ·(patriarchique) اللغة التي وبفضلها ولأجلها منذ أن بدء الحديث بها وهما ينجزان تواصلهما الدائم منذ فترة طويلة (هذه اللغة في تعدّد معانيها تمثل موضوع الرسالة) ومنه كان هذا التعدد هو ما يشكل فعلا موضوعها الحقيقي· يمكنني هاهنا إنجاز محاولة جريئة عبر ذلك الذي سأسميه مجازفة وافتراضا بـاللغة الثالثة (troisième langue) ولا أقصد من وراء هذه الكلمة التحديد الغريب لها، أي أنها لغة غريبة، إنه وعبر اللغة الألمانية تم تشكيل تحذير مهم يتعلق بممارستين للغة العبرية الممارسة المقدسة (pratique sacré) والممارسة المعلمنة (pratique séculaire) وعبارة اللغة الثالثة هي بالأحرى مجرد تسمية لعنصر المختَلِفْ و المختَلَفْ Différenciant) ،Différencier) إنه الوسيط الذي لا يمكنه أن يشكل المعنى اللساني المحدد (stricto sensu) فهو بسط لتجربة اللغة التي ما هي بمقدسة وما هي بمدنسة ووحدها مثل هذه اللغة بإمكانها منح فرصة العبور وأخذنا نحو الآخر وترجمة أحدنا للآخر، ونداء أحدنا للآخر، وخلاف ذلك لا يمكن القول أنه وفي منطق هذه الفرضية (التي سنرى لما اضطر شوليم إلى أن يحكم بأنها مرفوضة وسيئة التشكل) ينبغي أن نتوقع تموقع كل من المرسل والمرسل إليه ما بين اللغتين، فالأول يظهر كـ ''عابر''، كـ ''مترجم'' ووسيط (médiateur-passeur-traducteur) يتلقى اللغتين معا والوسيط لا يتكلم اللغتين في آن واحد إلا حينما يتم تشكيل اللغة الثالثة، أو منذ اللحظة التي لا تعدو فيها تلك اللغة لا مقدسة ولا معلمنة أو كانت فيما سبق الاثنين معا، وحدها مثل هذه اللغة بإمكانها إنجاز الخطوة إلى حافة الهاوية·

وبحق فإنه إذا لم يكن ثمة لغة ثالثة، لغة حيادية على العموم وفيها يكون بالإمكان تدنيس المقدس بالدنيوي وإفساد الأسماء وإحداث تقابل خالص بالدنيوي وإذا كانت فرضية التعالي - الجدلي تحمل حيادها قصد تحقيق فكرة إبطال القداسة التي يطعن ويقف شوليم ضدها، وإذا كانت هذه الحيادية تلجأ إلى لغة ثالثة لها مسبقا نوعا من الحكم الميتا - ألسني (méta-linguistique) فهل كانت هي الأخرى بمثابة أقلمة إيجابية ion positive)(naturalisat لـ الـ ''فوق - طبيعي'' (Surnaturel) ؟ والإوالية (Axiomatique) التي تضبط رسالة شوليم هي: ''الكل آخر'' (tout-autre) وهي أيضا أي ''الكل آخر'' تمثل خطابها (الرسالة) وخطابية الـ ''كل آخر'' تأخذ بذاك الذي يحمل هيئة الغرابة والافتتان منا تتطرق الرسالة إلى التعارض الحاصل بين اللغة المقدسة واللغة المعلمنة باعتباره (أي التعارض) فعل خطابين، ففي الأسفل قد يتراءى لنا القول بهذا الأمر ممكنا، أما في أسفل الهاوية فليس يوجد إلا اللغة المقدسة، لغة واحدة، لا تعاني من التعارضات وهذا ما يحدث على الأقل للغة العبرية التي لا يمكننا أن نعتبرها إلا مقدسة تنفلت من كل حالة تركيب الذي يصيب باقي اللغات، لقد ولدت اللغة العبرية مقدسة ولا تمنح نفسها للعلمنة، إذ أنها لا تهب أية فرصة لأولئك الذين يحاولون منع قداستها عنها ، والعلمنة التي نحن بصدد الحديث عنها إنما تبدو حسب قول شوليم والتي يقوم بإدانتها والتأسف عليها والوقوف ضدها إنما هي مجرد وهم لا وجود له· فالأمر ليس إلا ''نوعا من الكلام'' ·(façon de parler) هذه العبارة ''نوع من الكلام'' هي الأخرى ليست إلا ''نوعا من الكلام'' وهكذا يستعملها شوليم في سياقها الفرنسي في النص الألماني وسنعود على الكيفية الخطابية في قول الخطابة لنبين أن العلمنة التي نتكلم عنها ما هي إلا ''نوعا من الكلام'' لا تجعل الظاهرة أقل حدّة أو أكثر تقلبا ولا حتى مجرد عَرَضٍ·

يظهر هذا كله في الأسطر الأولى من الرسالة، فبعد أن أثار شوليم صورة البركان volcan) (limage du و لمّح إلى الخطر المداهم للمؤسسة الصهيونية و الأكثر قلقا (unheimlich)(*) من خطر أمة العرب وأمام النتيجة الضرورية التي تجد هذه المؤسسة متورطة فيها، أقبل شوليم على الاعتراف (اعترافا يحمل حدّته العقائدية أمام اللاصهيونية المعروف بها المرسل إليه) بأن الإثم هو أكثر من أن يكون إثما سياسيا، بل إنه إثم متعلق باللغة وهو أيضا وبالإضافة إلى ذلك سياسيا، هذا الداء الذي لا ترجع طفولته إلى بداية الصهيونية وإنما كان نتيجة فطرية لكل مشروع دولة - أمة Etat-nation)) الصهيونية وأردف شوليم قائلا: ''فما هو راهن هذه اللغة بالنسبة إلى ما نحن عليه اليوم إلا تشكل هذه اللغة المقدسة التي تغذّى بها أبناؤنا جحيما لن يكون بمنأى عن ضرورة فتح حوار حوله ذات يوم؟ بالطبع الناس عندنا لا يعرفون ولا يعلمون ما هم بصدد القيام به، إنهم يعتقدون بقدرتهم على علمنة اللغة العبرية، نازعين عنها وسمها الرؤيوي لكن الأمر غير صحيح، فما علمنة اللغة إلا نوعا من الكلام، إلا عبارة منجزة···''· فما بين استعارة أو خطاب الهاوية والإثبات لن تكون العلمنة بصورة إجمالية إلا قلعة (ُِّْش) للخطابة، ولربما كانت هذه الصلة شيئا ضروريا، إذ ليس ثمة علمنة فاعلة توحي عموما بهذا الاعتراف الغريب والذي ننعته ببساطة علمنة، ليس له مكان إذ عمل لسطح لا أثر له على اللغة ذاتها التي تأتي على الرغم من ذلك إلا أن تبقى مقدسة في مداخلها العميقة، وقد تتميز الإضافة التي تحدث على مستواها الكيفية التي يمر عبرها الانتقال إلى سطح اللغة وهذه الإضافة هي الأخرى ليست إلا (نوعا من كلام/ اللغة إنه ميتا - لغة ,méta-langue نوعا من الكلام عن اللغة ولا يمكن للغة المعلمنة إلا أن تكون إضافة لـ ''ميتا - لسانية'' خطابية نوعا من الكلام، هو بمثابة الأثر الخطابي لـ ''ميتا- لغة'' لا يجب إخفاؤه لما يحمله من حدة وصرامة التي تجعلنا نعجز عن فعل ذلك في الأساس هو مبدأ شمولي للغة، أي تقني، موضوعي، علمي و حتى أنه فلسفي)

يدافع شوليم عن فكرة عدم وجود الميتا - لغة، فاللغة المعلمنة باعتبارها ميتا- لغة لا وجود لها نهائيا في ذاتها، إذ لا تعرف حضورا ولا حقيقة تميزها، عنوانها الوحيد هو ''نوع من الكلام'' (façon de parler). الأمر إذا يتعلق بالتصرف الذي نسلكه تجاه اللغة الوحيدة التي تشكل أو التي تحمل المقدس، نتصرف ونرتبط بها أن نتجه نحوها هو أيضا بمثابة التصرف فيها والحديث معها ولو أننا نتكلم عليها من منظور سلبي إذ لا يمكننا أبدا الكلام عنها في الإنكار والتجنب والحيرة وكأننا متسرنمون (somnambules) يسيرون فوق الهاوية· إنه لا يمكننا تجنب الكلام عن اللغة المقدسة، فنحن لا نتسرنم إلا لكوننا نعتقد بالسير على السطح، إننا نعتقد بالسطح، ومثل هذه الحقيقة لا تعود نهائيا إلى نظام موضوعي أو إلى معرفة موجهة من قبل لغة تعلمن السطح، إذ ليس هناك إلا الهاوية، اللغة المقدسة هاوية، نسير عميانا على السطح حينما نتكلم عن موضوع اللغة المعلمنة ومنه فنحن في حقيقة الأمر عميانا عن الحقيقة، وعن جوهرها السحيق الذي يحمل اللغة المقدسة، سأعود هاهنا من جديد إلى قراءة الفقرة التي سبق وإن أشرنا إليها في الرسالة··· ''أما فيما يخصّنا نحن فإننا لا نزال نحيا داخل لغتنا بالكيفية نفسها التي يحيا بها غيرنا مع لغتهم، فاقدين للبصر، نمشي فوف الهاوية، لكن حينما يرد إليها أو إلى ذريتنا البصر، فإنه لا محال سيتم آنذاك السقوط في الهاوية؟ لحظتها يكون من الصعب على أحد منا معرفة ما إذا كانت هذه التضحية التي أتت على هلاك الكل كافية لن تغلق أبواب الهاوية''· أمام هذه الوضعية ما الذي سيمنحه القلق الذاتي (unheimlichkeit) لتجربة التموقع؟ فبالإضافة إلى دافع السقوط الذي يترصدنا فإنه من الصعب معرفة ما إذا كان مرعبا ذلك المتعلق بالسير فوق السطح في حالة عمى وحيرة، أن نسقط فعليا في الهاوية ومن الصعب جدا معرفة ما إذا كان الشرّ يكمن في سقوط شخص ما بوضوح في الجوهر السحيق للغة، فالسقوط ذاته يؤدي إلى السقوط وقد يؤدي إلى بقائنا فوق السطح، فما الذي يقلق شوليم إذا ويمنح لرسالته نبرة ذات خصوصية رؤيوية؟ وهل يقلقه أولئك السائرون عميانا على سطح اللغة المقدسة؟ وهل يمكن أن يتمنى شوليم بقاء الهاوية مفتوحة أم يرجو إغلاقها؟ إن التجربة الحذرة والمباشرة للغة العميقة تخاطر إلى درجة أنه يغدو من الصعب معاشرتها، وإننا هنا بصدد التفكير في ذلك الرعب السبينوزي أمام فرضية إله غيور، إله من نار وفي الواقع فإن مثل هذا الرعب الذي أشرت إليه يعيد بغرابة ذلك الذي خصّه سبينوزا للعبرانيين الذين فرّوا من أمام التجربة المباشرة لحرقة الكلام الإلهي (النار، الهاوية، الفوهة···)·


لا أعتقد انه ثمة ما له القدرة على نزع ما تحمله رسالة شوليم من التباس وتردّد، إذ يعتبر الإبهام والغموض في حدّ ذاته مكمن القوة الفائقة للرسالة وفتنتها، ذلك لكونها تحمل دائما إلى الحيرة والتردد الذي لا يستطيع حتى شوليم التحكم فيهما، وهذا ما يمنح فعليا النبرة الرؤيوية للرسالة·

يستعين شوليم بلفظ ''الرؤيوية'' (Apocalyptique) ويستعملها بصورة ملتبسة وكأنه يجب علينا إنقاذها والاحتفاظ بها داخل اللغة ونجده في الوقت ذاته يستعين بهذا الذي يجب إنقاذه مرتين مشيرا إليه بصورة إلغازية· ففي المرة الأولى، سبق وإن أشرنا إليها، وبالتحديد قبل أن نأتي على الحديث عن علمنة العبرية باعتبارها ''نوعا من الكلام'' هذه العبارة في حدّ ذاتها ملتبسة، إذا بإمكاننا فهمها في معناها الاحتمالي (ليس ثمة علمنة ممكنة أو واقعية، فبإمكاننا فعلا الحديث عنها لكن وجودها الفعلي غير ممكن) ففي حالة ''نوع من الكلام'' نجد شوليم يسمي اسم العلمنة وفي الحالة الأخرى نجده عبر هذه العبارة ''نوع من الكلام'' يحدّد علمنة اللغة ذاتها، وقبل أن نلمس ذلك نجد شوليم يؤكد على ما يلي: ''بالطبع الناس عندنا لا يعرفون ولا يعلمون ما هم بصدد القيام به، إنهم يعتقدون بقدرتهم على علمنة اللغة العبرية، نازعين عنها وسمها الرؤيوي، لكن الأمر غير صحيح، فما علمنة اللغة إلا مجرّد نوع من الكلام، إنها عبارة منجزة···''· يقودنا هذا في البداية إلى التفكير في أن العلمنة أو إبطال القداسة هو بمثابة شنق للغة وذلك بنزع رأسها وشوكتها وسهمها الرؤيوي، هذه الشوكة الرؤيوية، هذا الرأس، أو هذا الهدف الغائي (téléologique) سيؤسس لقداسة اللغة، اللغة المقدسة (شوليم لا يتحدث عن القداسة في صياغتها العامة وإنما يتحدث عنها أو عن هذا النقاء غير المنفصل عن السياق السيمونطيقي للعبرية، الأسماء والتقارب) لن نكون شيئا بدون هذا الرأس المنجذب إلى الرؤيا·

كل التركيبات السيمونطيقية للرؤيا عليها أن تتلاقى هنا ولا تترك في هذه الرسالة:

.1 قيمة الوحي (révélation) أو الكشف (dévoilement) تكمن في تشفير ما كان محتجبا ·(opocalyptô)

.2 المعنى المتداول لنهاية الأزمنة ويوم الحساب·

.3 الكارثة والنكبة (cataclysme)

فإذا أردنا القيام بقراءة باطنية ممكنة للكتابات والدراسات التي أنجزها ''شوليم'' فإنه يجب علينا استدعاء هذه الأعمال، خاصة تلك المرتبطة برؤية اليهود )

alyptisme juif)apoc ولربما أول عمل قد نصادفه هو ذلك الذي حاول من خلاله شوليم تقديم فهما لـمسيحية اليهود، واليهود والذي عنونه بـ ''ميسانية اليهود''

(Messianisme juif) مقدما احتجاجه ومعيدا النظر في التأويل المسيحي للميسانيسم ولنبوئية اليهود، ونعني هاهنا بالميسيانيسم ـ أي الباطنية ـ والروحانية: ''الإعتقاد بأن النداء إلى باطنية خالصة لا واقعية (إلى اليهود) بأنها محاولة تتهرب من الاختبار المسيحي في جانبه المجسد''، فمسيحية اليهود كان ممكنا توزيعها أو تمديدها ما بين توجهات عديدة تلك التي ميّز شوليم بينها وقام بعرضها كـ ''مسيحية محافظة وطوبائية وإن كان يبدو في بعض الأحيان أنه يقع المزج والخلط بينهم· المسيحية تحالف الإيمان بالانتظار الحي والشديد: إن الرؤيا (lapocalypse) هي بمثابة النظرة التي تنشأ عن هذا الانتظار المسيحي الشديد'' (ص29)· فالفاعلون في الرؤيا يميزون ما بين الرسل بهذا الذي يستقبله الرائي والمتمثل في تجلي المقدس والكشف عن المؤله الذي لا يتعلق أبدا بأحداث مرتبطة أساسا بنهاية التاريخ، فالرؤيا تتحدث عن التاريخ في مجمله، من الأصل إلى النهاية، وبصورة أخصّ ترقب مجيء إيون (aiôn) جديد (aiôn grec, olam hebreu) الذي ينبغي أن يرسي نفوذه في الأزمنة المسيحية· لفظ (aiôn) الإغريقي ترجم إلى الإنجيل الإغريقي إلى اللفظ العبري ((olam حينما يغدو له قيمة زمانية بصورة أخص (ص38)، فالرسل يميزون ما بين إيون الحاضر (olam huzeh) و إيون القادم (فقفو ٍفٌُ) بين الزمن الأول والزمن الأخير، لكن يعتبر هذا العصر الجديد الذي يذكرنا بزمن الفردوس (أوزي osée وإزاييه مخisa) إنهما لا يمثلان الماهناك لزمن الرسل، فيغدو الخروج (lexil) ويُصبح التميز أكثر وضوحا حسب شوليم ما بين الزمن الحاضر والزمن القادم، غير أن الرؤى (las apocalypses) سينحدرون بالأخصّ إلى زمن النهاية التي يتحدث عنها دانيال ·(Daniel) فقيامية هذه الرؤى حين يتطرق مضمونها إلى الرسل القدامى (أوزي osée، أموس amos وإزاييه مخ(isa إنهم رسل لا يحملون خصوصية قومية وإذا كانت الرسل تعلن عن ضرورة إعادة بناء بيت داوود (David) فبسبب الانتحار المستقبلي الإسرائيلي الذي يرجع إلى إله السلام الأبدي وعودة جميع الأمم متوجهة إلى إله إسرائيل الواحد معلنا عن نهاية الوثنية (Paganisme) والصنمية (Id?latrie) فأيونات (les e?ns) الرؤيوية يتلاحقون كيما يضعوا التعارضات: الحاضر - المستقبل، الظلام - النور، الإسرائيل - الأمم، الطهارة - الدنس، الخالص- الفاسد، الحياة - الموت···في الأصل الكوني وفي الكوسمو- سياسي للرؤى، حيث تصل أفكار بعث الموتى، والحساب الأخير، جنة أو نار، فاللفظ المحرك لرسالة شوليم هو العودة إلى اللغة المقدسة وهذا النوع من العقاب الكلي الذي ينجم عنها ويعتقد أن يكون لهذه القيامية الرؤيوية أفقا، ومن دون شك فإنها تحتفظ بجذورها وبتنبؤاتها القديمة، لكن هذه الأخيرة كانت على الأقل إذا أردنا تصديق شوليم واضحة ومتميزة في سياقها الأصلي، لكن غدت اليوم غامضة، مبهمة، وملغزة، تطلب منا فكّ شفراتها· فالخطاب الرؤيوي أصبح اليوم كتوما وسريا، والفاعلون المتسترون يقومون بدورهم بترقيم رؤاهم بدلا من القيام برميها وقذفها أمام أعدائهم مثلما فعل المبهمون والمخيرون وعليه فإن تلقين السياسة والتراتبية منوطة فقط بالمعرفة الرؤيوية التي كثيرا ما تثبت لدى حاخامات اليهود والتي تحافظ بدورها على مكان بجانب المعرفة العرفانية للـ ''مركاباه وMerkaba'' لعالم الملكوت المؤله ولغرائبه، معرفة انفجارية (une connaissance si explosives) إنه اللفظ المفضل لدى شوليم باعتباره لا يمكنه أبدا إلا أن ينتقل من الفم إلى الأذن، بدون المرور عبر الكتابة، فالكتابة هاهنا ليست مجرّد دنس فحسب وإنها هي وبالإضافة إلى ذلك خيانة لسرّها ولكتمانها، وبكيفية تحليلية فإن إيجابية العمل العلمي لشوليم حول القبلانية (alalismecab) (والمتمثل في التفسير الصوتي والرمزي للتوراة حسب التقاليد كما كان القدامى يفعلون) غالبا ما كان يشعر به كما هو من قبل القبلانيين الأحياء·

سأضع تحت كل هذا خطا، وأقول: إن ميزة العمي أو التستر للرسالة المسيحية، عن سياستها النخبوية والتلقينية أيضا قد ازدادت عندما تم إعلان اليهود وبصورة مؤقتة عن وجودهم القومي بعد حدث تدمير القبر (Temple) الثاني، هذه الميزة المزدوجة للمسيحية تتناول كل المشاكل التي تطرحها علينا قراءة هذه الرسالة، إنها وحسب شوليم تقوم برصد التأكيد الضروري على إعادة بناء الوجود القومي على الرغم من كونه يحملنا بعيدا عن هذا (ص31)، إن شوليم يحتج ضد كل علماء المسيحية أو اليهودية الذين أنكروا استمرارية الموروث الرؤوي لليهودية الحاخامية ويأخذ عليهم اعتقادهم الواهي والزائف بأنهم تمكنوا من علمنة اللغة العبرية وأنهم استطاعوا أن ينزعوا عنها شوكتها الرؤيوية، فإنهم حسب شوليم سيكونون بعيدين عن أولئك الذي حاولوا محو الرؤيوية اليهودية نهائيا في جلب الموروث الحاخامي منذ العصور الوسطى سواء أكانوا مسيحيين أم يهودا، لكن لا أحد منهم تمكن من بلوغ أهدافه هذه، فكل ما قاموا به هو أنهم أنكروا وتستروا، لكن من هنا فقط أثبتوا من جهة أخرى أن الرؤيوية تتشبث في بعض الأحيان بعمائها (cryptique) وبتسترها (occulté) ومستعدة دائما لإعادة التجلي والظهور والعودة من جديد· هذا الأمر يبدو حاليا جد متعذر بالتحديد إدراكه، أين يمثل حجاب العماء ظاهريتها ذاته وحالتها ونجاعتها·إذا نلاحظ في نداء شوليم أنه ثمة نوع من الرؤيوية، إنه بمثابة رأس الخيط للغة المقدسة، وهذا الشيء يمنح لها نبرة والتي تعتبر إحدى النبرات إيقاع الرؤيوية لرسالته، لكن ثمة نبرة أخرى نلمسها في رسالة شوليم تلك التي يرى فيها بصورة عكسية أن الرجوع إلى الرؤيوية هو شيء مفزع كونه يمثل اختيارا مرعبا ومخيفا· إنها المصادفة الثانية التي نلمسها في كلمة ''الرؤيوية'' فالكلمات الأخيرة من النص تم صياغتها كابتهال وكـ ''ذِكر'' فروعة السماء وبهائها ·(fasse le ciel que la légèreté avec laquelle nous avons été entraînés sur cette voie apocalyptique ne nous mène pas à notre perte) إننا لا نعلم جيدا ما إذا كان طريق الرؤيوية الذي وجدنا أنفسنا على أية حال مرتبطين به، سينقذنا أم سيضعنا ··· هذا اللا- تحديد سيبقى دون أن يُرفع، وسيبقى خاصا بالتجربة الرؤيوية وحدها، فمن كانوا يعتقدون بعلمنة اللغة المقدسة لم يقوموا حسب شوليم بذلك قصد إزاحة عنها طابعها المقدس، بل اعتقدوا وبخفتهم الرائعة أنهم سيتمكنون من إعادة بعث لغة الأصل من جديد، وانتعاشها في عالم حديث وفي دولة حديثة، لكن براعة هؤلاء المبتدئين نحو نهضة عبرية مقدسة لم ترتبط للأسف بواقعية الحساب، إذ أنهم لا يعتقدون به، فهم بالتالي لا يعتقدون بالرؤيا (apocalypse) التي نجد أنفسنا منقادين إليها، وفي ختام الرسالة، وعن مستقبل نحوها (grammaire) لا يمكننا أن نقرر أبدا ما إذا كان شوليم في الأصل مفزعا أم كان ينادي فقط بهذا اللا-مفرّ منه إذ النداء لهذا الذي لا مفرّ منه هو بمثابة: حتمية ثورة اللغة، لنسمع من جديد كلمة الإله عبر هذه اللغة الفاعلة والمحركة، إننا نتذكر هنا موقف سبينوزا حينما صوّر هلع اليهود أمام صوت الإله الملتهب·

(*) بالألمانية في النص·

Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2078448 :: Aujourd'hui : 232 :: En ligne : 4