ترجمان
اليوميّ و اليوميّة



الكاتب: جان لوفيفر

المصدر: الموسوعة العالميّةالرّقميّة

تعريب: الجيلاني الدريدي



قبل سلسلة الثّورات التّي افتتحت بها العصور الحديثة، كان السّكن و اللّباس و الشّرب و الأكل، و باختصار العيش، يقدّم تنوّعا عظيما، فلا يخضع إلى أيّ نسق و يختلف وفقا للجهات و الأوطان و وفقا للطّبقات و لفئات الشّعب، وفقا للمنتجات الطّبيعيّة و وفقا للفصول و المناخات و المهن و الأعمار و الأجناس. هذا التّنوّع لم يكن معروفا كما هو أو معترفا به، فهو يفلت من كلّ مقارنة و كذلك من كلّ حصر عقليّ. والعقل لم يتدخّل في التّنوّع إلا لتحطيمه. أمّا اليوم فنلاحظ نزوعا كونيّا للانتظام. حيث العقلانيّة هي الّتي تسيطر و حتّى إذا صاحبها اللاعقليّ فإنّه لا ينوّعها. العلامات العقليّة على طريقتها تنضاف إلى الأشياء لكي تصرّح بمظهر مالكيها و هيبتهم و موقعهم في السّلّم(...)

1- الأشكال و الوظائف و البنى:

ما الّذي حدث؟ لقد كان ثمّة دائما أشكال، وظائف وبنى. كانت الأشياء كما المؤسّسات، المواضيع كما الذّوات تقدّم للحواسّ أشكالا متاحة و قابلة للمعرفة. وكان النّاس فرادى أو جماعات يحقّقون وظائف، بعضها فزيولوجيّ (الأكل،الشرب والنوم...) وبعضها الآخر اجتماعيّ(العمل، التنقّل...) وكانت هناك بنى. بعضها طبيعيّ والآخر صناعيّ تسمح بتحقيق خاصّ أو عامّ لهذه الوظائف. غير أنّ هناك اختلافا جذريّا، إذ لم تكن هذه الأشكال و الوظائف و البنى معروفة بماهي كذلك ولامسمّاة. وكانت بماهي في نفس الوقت مترابطة و متمايزة تمثّل كلاّ واحدا. وكان الفكر التحليليّ يواجه غالبا، ومنذ ديكارت هذه المجموعات المتعيّنة. كان كلّ تحليل لموضوع أو لواقع اجتماعيّ يبين عن سقط يقاومه.

وكانت الوقائع غير القابلة للتّحليل من قبل الفكر الإنسانيّ موضوعا لتحليل لا متناهي يختصّ به الفكر الإلهيّ. كان كلّ مجموع مركّب من أصغر موضوع اعتياديّ إلى الأعمال الكبرى في الفنّ و العلم يمتلك قيمة رمزيّة و يرتبط بالمعاني الأكثر اتّساعا في العالم: الألوهيّة و الإنسانيّة، القوّة و الحكمة، الخير و الشرّ، السّعادة و الشّقاء، الدّيمومة أو الزّوال.

وكانت هذه القيم تتغيّر بنفسها وفقا للحقب و الطّبقات الاجتماعيّة و الأسياد. وكان كلّ موضوع بماهو مرتبط هكذا بأسلوب معيّن (سواء تعلّق الأمر بكتب أو لباس، بأداة مطبخ أو منزل...)، و بماهو منتج، يتضمّن وظائف و بنى تتحجّب من خلال أشكال معيّنة.

ما الذي طرأ؟ إنّ العنصر الوظائفي كان قد تحرّر و أصبح معقلنا. ثمّ أصبح منتجا صناعيّا و في النهاية أصبح مفروضا بالقسر و الإقناع، أعني من خلال الإشهار و ضغط القوى الإقتصاديّة و السياسيّة.

إنّ العلاقة: شكل- وظيفة- بنية لم تتلاش، بل بالعكس إنّها تعلن نفسها و تنتج كماهي، و هي منظورة و مقروءة أكثر فأكثر. و هي مفروضة في وضوح العبارات الثلاث. إنّ موضوعا حديثا يقول بوضوح ما هو( من جهة دوره، كما من جهة موقعه ) و هوما لا يمنع التّكرارات الدالّة: علامات الإشباع، السّعادة، القبول و الثّروة. إنّ وضوح هذه الملامح الثّلاثة يظهر ببداهة في كلّ شيء من الكنبة أو طاحونة القهوة الحديثة إلى السيّارات.

2- الأنساق و الأنساق الفرعيّة:

ضمن هذه الظّروف، تتكوّن مجموعة من الأنساق و الأنساق الفرعيّة، كلّ يضع بحسب طريقته مجموعة متناسقة إلى حدّ ما من المواضيع الثابتة، فتغيّر المعمار مثلا، ( المحلّي و الجمهوري و الوطني) وحلّ محلّه نسق معماريّ حضريّ، نسق كونيّ من البنى و الوظائف من أشكال هندسيّة تظهر بمظهر عقلانيّ. كذلك الأمر بالنسبة إلى الغذاء المنتج صناعيّا أو بالنّسبة إلى نسق مجموع المنتجات الخاصّة بالأدوات المنزليّة ذات الوظائف الخاصّة كالمبرّد و الثّلاجة والفرن الكهربائي...إلخ.

و في النّهاية بالنّسبة إلى السّيّارة، يتكوّن نسق حقيقيّ مستعدّ للتّضحية بالمجتمع من أجل سيطرته، و يحدث أن تتحطّم أحيانا هذه الأنساق و هذه الأنساق الفرعيّة أو تتشظّى.

ومهما يكن، فإنّ السّكن و الموضة و الغذاء مالت و تميل إلى الآن لتكوين أنساق فرعيّة مغلقة مستقلّة و متخارجة في ما بينها. كلّ منها يبدو كأنّه يقدّم تنوّعا أكبر ممّا قدّمته سابقا أنماط الحياة. غير أنّ هذا التّنوّع ليس إلا مجرّد مظهرلأنّه ليس إلا مجرّد تجميع.

وحين يعرف الطّابع السّائد الذي يجعل من مجموعة العناصر قادرة على التّجمّع، فإنّ هذا المجمّع ينكشف و يصبح التّنوّع المصطنع رتيبا، و عندها يتشظّى النّسق.

إنّ لهذه الأنساق معيارا مشتركا: الوظائفيّة بماهي قانونها العامّ. يتحدّد اليوميّ إذن بماهو مجموع الوظائف الّتي تربط و تعيد ربط الأنساق الّتي تبدو متمايزة. و بحسب هذا التّعريف، يكون اليوميّ المنتج الأكثر عموميّة في هذه الحقبة حيث يولّد الإنتاج الاستهلاك و حيث يكون الإنتاج موجّها من قبل المنتجين، لا من قبل العمّال بل من قبل المتصرّفين و مالكي وسائل الانتاج ( التّقنية و المعارف و الآلات).

اليوميّ هو إذن الأكثرعموميّة و الأكثر تفرّدا، الأكثر اجتماعيّة و الأكثر فرديّة، الأكثر بداهة و الأحسن اختفاءا. وهو معلن في وضوح الأشكال و مفروض بحسب الوظائف و متضمّن في البنى. وهو يمثّل القاعدة التي يتأسّس عليها المجتمع البيروقراطي و الاستهلاك الموجّه.

3- المسمّى المشترك:

إنّ اليوميّ هو إذن مفهوم، و من أجل الإحاطة به يجب الانتباه إلى الواقع الّذي يشير إليه و التخلّص من الأفكار الباهتة و القديمة و المنقوصة: هب لنا اليوم خبزنا اليوميّ ؟؟ حتّى فترة قريبة كان يتمّ إنتاج الأشياء المنقولة و الثّابتة واحدة تلو الأخرى و إلحاقها بمعايير أخلاقيّة و اجتماعيّة سائدة و برموز. لكن و منذ القرن العشرين انهارت المعايير بما فيها أكبر وأكثر أشكالها قدما. (و من بينهاالشكل المتعلق بالأب الأبديّ أو المؤقّت الإلهيّ أوالبشريّ).

كيف يمكن إدراك هذه المجموعة العجيبة و غيرالمفهومة إلى الآن من الأحداث؟ تهاوي المرجعيات (في الأخلاق، في التّاريخ، في الطّبيعة، في الدّين، في المدينة، في فضاء وجهات النظر القديمة، في أنغام الموسيقى ...إلخ؟). الوفرة حلّت محلّ النّدرة في الدّول الصّناعيّة الكبرى، وفرة عقلانيّة، مبرمجة. تحطيم الطّبيعة المحيطة، إدّعاء العلامات، الحرب و العنف المنتشرين، الثّورات التي تتعاقب و تدوم قليلا أو ترتدّ إلى الوراء؟

يبقى اليوميّ الرّاسخ المرجع الوحيد بالنّسبة إلى الحسّ المشترك. أمّا المثقّفين فإنّهم يبحثون بعيدا عن مرجع آخر في اللّغة و في الخطاب و أحيانا في حزب سياسيّ. تتمثّل القضيّة هنا في تفكيك العالم الحديث، هذا اللّغز المرعب انطلاقا من اليوميّ.

لايمثّل مفهوم "اليوميّة" إذن نسقا بل هو المسمّى المشترك لمجموع الأنساق الموجودة و الّذي يتضمّن الأنساق القانونيّة و التّعاقديّة و التّربويّة و الجبائيّة و الأمنيّة...إلخ.

بداهة... لماذا تصبح معرفة البديهيّ هي ذاتها بديهيّة؟ ما فوق الواقعيّ، الغريب، المفاجئ، أيضا العجيب، ألا يمثّل هو أيضا جزءا من الواقعيّ؟ لماذ لايكشف مفهوم اليوميّة عن الغريب في الاعتياديّ؟

4- التّكرار و التّغيّر:

إنّ تكوّن مفهوم اليوميّ يوضّح الماضي، لقد كان ثمة دائما حياة يوميّة و إن كانت جدّ مختلفة عن حياتنا. غير أنّ اليوميّ هو دوما عنصر مكرور و محجّب إلى حد ّما بالهواجس و القيود. نكتشف إذن المشكل الكبير للتّكرار، و هو أحد أصعب المشاكل الّتي تطرح. فاليوميّ يتموقع عند التقاء وجهتين للتّكرار: الانتظام الدّوري المتحكّم في الطّبيعة و الخطيّة المتحكّمة في المسارات العقلّية. يتضمّن اليوميّ من جهة الدّورات (اللّيالي/ الأيّام /الفصول/ عمليّات الجني/ النّشاط العطالة ، الجوع و إشباعه، الرّغبة وتحقيقها ، و الحياة و الموت) و يتضمّن من جهة أخرى حركات تكراريّة، تلك الّتي تظهر في العمل و في الاستهلاك.

ينحو المظهر الثّاني للتّكرار في الحداثة إلى التقنّع و إلى محو المظهر الأوّل. يفرض اليومي تماثله، إنّه الثّابت وسط التّغيّرات التي تحجبه. فالأيّام تتتابع و تتشابه و لكن و باعتبار التّناقض الذي تحويه اليوميّة فإن كلّ شيء يتغيّر.

غير أنّ التّغير مبرمج و الاهتراء مقصود. الإنتاج يرمي إلى إعادة الإنتاج و ينتج التّغييرات نفسها بشكل يجعل انطباعا بالّسرعة ينضاف إلى انطباع التّماثل. نجد أنّ البعض يهرع لتسارع الزّمن الآخرون يهرعون للعصيان. و الكلّ على حقّ.

5- السّلبيّة العامّة و المتنوّعة:

إنّ اليوميّ بماهو المسمّى المشترك للأنشطة، و محلّ ّ الوظائف ومركزها، يمكن أن يحلّل أيضا كمظهر من مظاهر تماثل القطاعات الكبرى للحياة الاجتماعية: العمل، العائلة، و الحياة الخاصّة و التّسلية. هذه القطاعات المتمايزة شكلا تفرض عمليّا بنية و احدة.، أين تكمن خاصّيّتها المشتركة: سلبيّة المتفرّج أمام الصّور و المشاهد. و في العمل، سلبيّة أمام القرارات الّتي لا نصيب العامل فيها. و في الحياة الخاصّة، الاستهلاك المفروض باعتبار أنّ الاختيارات موجّهة و الحاجات ناشئة من الإشهار و دراسات السّوق.

هذه السّلبيّة العامّة موزّعة أصلا بشكل غير متساو. إنّها تثقل كاهل النّساء، و الطّبقة العاملة، و الأجراء غير التّكنوقراط، و الشّباب و باختصار الأغلبيّة. ولكن ليس على نفس النّحو و لا في نفس الوقت بالنّسبة إلى الجميع في آن.

6- الحداثة:

يختفي اليوميّ اليوم وراء غطاء هو الحداثة، الوقائع المتنوّعة و الاندفاعات الّتي يثيرها الفنّ، الموضة و الحدث الجديد تخفي رماديّة اليوميّ الباهتة دون محوها تماما. الصّور و السّينما والتّلفاز تنوّع اليوميّ عارضة إيّاه مرّة بمظهره الخاصّ و مرّة بمظهر اللاّيوميّ: كالعنف، الموت، الكارثة، حياة الملوك و النّجوم، هؤلاء اللذين يعتقد أنّهم يفلتون من اليوميّة. الحداثة و اليوميّة يمثّلان على هذا النّحو بنية عميقة. و هذه البنية لا يكشفها إلا تحليل نقديّ.

هذا التّحليل النّقدي لليوميّّ الذي يلغي كلّ التّأويلات، كان هو نفسه موضوع تأويل بوجوه متناقضة. فالبعض يتعاملون مع اليوميّ بتسرّع، يريدون تغيير الحياة بسرعة، وحالا يجب عليهم ذلك. وآخرون يعتبرون أنّه ليس للمعيش أهمّيّة و لا فائدة. فعوض فهمه يجب وضعه بين قوسين و اختزاله لفتح المجال واسعا أمام العلم و التّقنية و التّقدّم الاقتصاديّ...إلخ.

بالنّسبة إلى أولئك، يمكن أن نردّ بأنّ تحويل اليوميّ يتطلّب شروطا. فالقطع مع اليوميّ بالحفلات العنيفة أو الهادئة لا يدوم. فلكي نغيّر الحياة، لا بدّ أن نغيّر المجتمع و الفضاء المدينة. أمّا بالنّسبة إلى هؤلاء، فإنّنا نردّ بأنّه من المرعب اختزال المعيش، ذلك أنّ مصاعب الإنسانيّة لا تسمح بأن نساوي البشر بالحشرات. إنّه باستعدادنا بالوسائل الجبّارة و المخاطر المرعبة الّتي تتربّص بنا، نلج ما فوق الإنسانيّة.

لوفيفر.(اليوميّ و اليوميّة)

Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2307023 :: Aujourd'hui : 574 :: En ligne : 7