ترجمان
حد السياسة الحيوية


" السياسة الحيوية هي الفعل الذي تصبح به مراقبة شروط الحياة إنسانية مهمة سياسية صريحة ( الصحة، التغذية، الديموغرافيا، عرض المخاطر الطبيعية والتقنية ، الخ)"
دواعي الترجمة:
الإشكال الذي أردت الخوض فيه عن طريق ترجمة هذا النص القصير للفيلسوف الفرنسي جون ليك نانسي من كتابه خلق العالم أو العولمة يدور حول الوظيفة الملتبسة لمفهوم السياسة الحيوية ويمكن طرحه على النحو التالي: هل السياسة الحيوية هي فن عنصري في تدبير المدينة أم إنها بديل حيوي غير أيديولوجي من أجل المحافظة على الوجود؟ هل ننادي بإسقاط التحالف بين العولمة والسياسة الحيوية أم ننشد مولد السياسة الحيوية عند العرب والمسلمين؟ أيهما أفضل لنا اليوم الديمقراطية وحقوق الإنسان أم السياسة الحيوية؟ وهل ثمة تعارض بينهما؟ وما السبيل إلى تجاوزه؟وكيف السبيل الى تخليص السياسة الحيوية من الداروينية الاجتماعية؟
النص المترجم:
" لقد استعملنا كثيرا منذ عدة سنوات حد السياسة الحيوية. هذا اللفظ قد تم خلقه من طرف فوكو ووقع استعادته عن طريق العديد من المنظرين في دلالات مختلفة. إن تنوع هذه الدلالات وبعض من هذا اللاتعين العام حول هذا الحد يقتضيان وضع النقاط على الحروف. إن استعمال الحدود المماثلة في الشكل بالخصوص مثل الإتيقا الحيوية يوقع في الخلط لأن السياسة الحيوية تهتم بالقرارات الأخلاقية التي ينبغي اتخاذها أمام الإمكانيات الجديدة للتقنية البيولوجية ( أو للتكنولوجيا الحيوية)، و تطمح أبدا إلى أن تفيد اتيقا معينة موجهة إلى البيوسBios طريقة تامة .
على خلاف ذلك تشير السياسة الحيوية إلى نظام من السياسة محدد بطريقة تامة بواسطة الحياة، موجها نحو العناية بها ومراقبتها. وهذا يعني من حيث المبدأ ليس سياسة موضوعها الحياة أو الكائن الحي بل الحياة التي تحدد السياسة أو تعايش السجل السياسي مع سجل الحياة .
قد يفيد اللفظ بالنسبة إلى فوكو، وبطريقة ضيقة جدا انطلاقا من القرن 18، الفعل الذي تصبح به مراقبة شروط الحياة إنسانية مهمة سياسية صريحة ( الصحة، التغذية، الديموغرافيا، عرض المخاطر الطبيعية والتقنية ، الخ). إلى هنا قد تهتم بالسلطة قليلا وتطبيقها يشمل مواضيع أخرى مباشرة: أولا الإقليم. حول هذه الأطروحة التاريخية ذات المصلحة الأكيدة ليس لي ما أضيفه، أو على الأقل ماهو سيطلب مني أيضا على ما يبدو هو امتحان أكثر دقة لما كانت عليه قبل العصور الحديثة الاهتمامات البيولوجية ( هناك أيضا سياسة القمح إلى روما وسياسة للولادات في أثينا على سبيل المثال).
يعتبر فوكو أن السياسات الشمولية –النازية أولا والاشتراكية أيضا- كانت سياسات حيوية لأنها كانت موجهة نحو التحكم في السكان ، في عرق أوفي شعب معرف وفق معايير الصحة والحيوية المنتجة الخ، أكثر منه نحو الهيمنة على الخصوم. ( يضع فوكو كل هذه السياسات ضمن مقولة واسعة جدا هي العنصرية). لن أدخل هنا في امتحان دقيق لهذه الأطروحات. رغم أنني أعتقد أنه من الضروري التساؤل حول إن كانت الحياة تشكل بالفعل موضوعا (واقعيا أو مزعوما هذا أمر آخر) لهذه السلطات، أو أن الأمر لا يتعلق بالأحرى بشكل مقصود ( عرق، إنسانية عاملة) والتي تأتي لتنضاف إلى الأشكال التقليدية للسيادة. إن اختزال هذه الأشكال إلى الحياة هو غير كاف لتأسيس قوتها السياسية والتأثيرية.
يبدو أنه حسب التوسيع الذي أعطي لاحقا للمفهوم أو حسب ما حدث في الواقع بالأحرى من تغيير في المفهوم تحت نفس اللفظ يمكننا أن نفهم ما يلي: السياسة ( التي نواصل دمجها أساسا بالدولة) تتناول تطوريا كموضوع التصرف التوجيهي للحياة الطبيعية. لكن يظهر أن القول حياة طبيعية منذ انتاجها إلى المحافظة عليها في حاجياتها وتمثلاتها هو من هنا فصاعدا غير منفصل عن مجموع الشروط التي تسمى تقنية والتي تمثل ما ينبغي بالأحرى أن نسميه الاقتصاد التقنيécotechnie أين يتطور بالنسبة إلينا (وبواسطتنا) جنسا كاملا من الطبيعة. هذه الحياة هي بالتحديد الحياة التي لم تعد مجرد الحياة إذا ما عنينا بها الاعتناء بالذات والتعلق بالذات. ما يقع عرضه بالأحرى مع الاقتصاد التقني هو الطابع لامتناهي الإشكال لكل تحديد ذاتي بصفة عامة. انه في هذا السياق تكون سياسة حيوية ممكنة بما أنها تعرف كتصرف تقني في الحياة. هذا يفترض أن الوجود إذا ما أخذ بعين الاعتبار ليس من حيث الميل وجودا يراهن على شيء آخر غير تناسله واعتنائه الوسائلي بالغايات التي تظل أسرار بالنسبة إلى السلطة ، أو على الأقل لا تكون مجرد غايات عمياء أو لا يكون لحركة التصرف التقني في كليته أية غاية.
هكذا يتأسس البيوسbios – أو الحياة بوصفها شكل من الحياة، وبوصفها مراهنة على معنى أو على وجود- على الزوي zoè ، أي الحياة التي هي ببساطة حية، لكن هذه الأخيرة هي في الواقع قد صارت تخنيهtekhnè . ليست السياسة إذن ضمنيا شيئا آخر غير التصرف الذاتي في الاقتصاد التقني وهو الشكل الوحيد للاستقلال الذاتي الممكن الذي يمكن تحديدا أن يكون في متناول أي من الأشكال المعروفة إلى حد الآن من السياسة: أنها ليست السيادة التي تؤسس ذاتها بذاتها بما أنه ليس هناك ما يجب تأسيسه، ولا النقاش حول العدالة في مدينة أرستقراطية، بما أنه ليس هناك مدينة ولا احتجاج أو مخالف،طالما أن الحي والسلطة يسيران في نفس الاتجاه ضمن توافق هلامي وخال من كل غائية أو إن شئنا من الحقيقة.
لا حياة بوصفها شكل من الحياة ولا سياسة بوصفها شكل من التعايش، هذا هو ما يعني لاإراديا لفظ السياسة الحيوية. ويمكن أيضا أن نقر بالفعل أننا لسنا في وضع يسمح لنا باستعادة هذا الحد أو ذاك تحت أي معنى من المعاني المقبولة. بالأحرى إن كل من الواحد والأخر هما خاضعان من هنا فصاعدا إلى ما يحملهما معا في الاقتصاد التقني.
بيد أن الخطر من اللفظ إذن يتجلى في كونه يفضي إلى تأويلين حيث الأول يحافظ بشكل غريب على معنى غير ممكن التعبير عنه بواسطة الألفاظ. يمكن أن نسعى إلى التفكير في أن هذه الحياة المختزلة في غياب شكل آخر غير التصرف تهتم به سلطة اقتصادية واجتماعية والتي هي نفسها لا تبحث إلا عن العناية بنفسها توجد جدليا عارية من الأهداف التي بواسطتها قد تسترجع حالة الولادة ومعروضة في غياب لمعنى حدوثها العاري وهكذا تتمكن من الإمساك به في إبداعه الخاص أي ولادة مبهمة منحدرة من جهلها نفسه ومن غياب التسويغ على هامش الهيمنة التي تمارس عليها.
إن شكل الحياة يصير اللعبة السرية بطريقة لائقة في التخفي عن الآلة الطاحنة. على خلاف ذلك يمكن أن نفكر أن النفوذ الأكثر انكشافا للإنتاج التقني للحياة يضع هذه الخيرة في حالة من الإنتاج الذاتي في كليتها ومن إعادة تملك خارجية الهيمنة في نوع من الإنتاج الذاتي أو الخلق الذاتي المشترك حيث الحياتية تشد وتستكمل في ذاتها كل سياسة.
إن ما يعاد إقحامه في اللعب بطريقة أو بأخرى وبواسطة تنصيص على الحياة وحدها أو على السياسة المعاد امتلاكها بطريقة مشتركة هو الفرضية الجدلية المزدوجة التي من خلالها تنكشف هيئة حدية (طبقة عاملة) حيث الاغتراب يعطي طابع الحقيقة من ناحية ، في حين أنه من ناحية أخرى تفعل السلطة المعاد امتلاكها بواسطة الجماعة الحية نفي الفصل السياسي.
هذا التشكيل وهذا النفي يترددان على الوعي الغربي منذ أن وضع الاكتشاف الديمقراطي حدا للسياسة المتأسسة على أشكال من ثبت الهوية. غير أنه لا يكفي دون شك أن نبحث عن شكل جديد (يكون ليس له شكل ومبهم وخال من الهوية) وليس هناك تجديل في نفي القطب الهوياتي identificatoire.
ربما هذان الباعثان المتعارضان أو المتزاوجان يمكن أن يعطيا الطاقة نحو عدة نزاعات ضرورية- وهناك منها هنا العديد...لكن لا تستطيع أن تضطلع بالمشكل المفتوح بواسطة الديمقراطية من حيث هو مشكل مطروح من طرف الاقتصاد التقني الذي يستلزمه بالفعل أو الذي ينتج غياب الشكل المفصول وغياب الغاية الهوياتيةidentifiable لأنه إلى حد الآن يلعب كل جزء من الحياة أو من السياسة، من معنى الحياة أو من شكل السياسة بين الأشكال والغايات وبين ظاهراتيانيةphénoménalision الغائية وغائية الظاهراتيانيةphénoménalision .
لا يتعلق الأمر هنا بالذهاب أبعد من هذا التسجيل للحضور. ألا ينبغي على الأقل أن نسعى إلى إظهار أن ما يصنع عالما اليوم هو بالضبط المزاوجة بين مسار تجذير العقلنة الاقتصادية التقنية اللامحدودة وتبخر إمكانيات أشكال الحياة و أو الأساس المشترك. إن العالم في هذه الظروف أو العولمة ليس سوى الإعلان الدقيق والقاسي عن هذا المشكل.
المرجع:
Jean – Luc Nancy, la création du monde ou la mondialisation, Galilée , 2002
Michel Foucault: Naissance de la bio-politique, Ed: Seuil/ Gallimard, Paris, 2004
ترجمة زهير الخويلدي
كاتب فلسفي

Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2126831 :: Aujourd'hui : 396 :: En ligne : 5