ترجمان
الجزء الثاني من رسالة في النزعة الانسانية لهايدغر



كيف يتعلق الوجود إذن بالوجود-المنفتح؟ -إذا ما جاز لنا طرح سؤال كهذا- إن الوجود نفسه هو العلاقة، من حيث أنه يحمل إلى ذاته الوجود-المنفتح في ماهيته الوجودية الأصيلة، أي الانجذابية، ثم يردها إلى ذاتها بوصفها المحل حيث تقيم حقيقة الوجود في قلب الموجود. ولأن الإنسان، كتواجد-منفتح، يصل إلى الإقامة داخل هذه العلاقة التي بها يكون قدر الوجود، بإسنادها انجذابا، أي بتحملها داخل الهمّ، فهو لا يتعرف أولا على الأقرب ويتعلق بما يأتي بعد، بل يعتقد أنه هو الأقرب. غير أن هذا الأقرب مما هو أقرب والذي يكون في ذات الوقت الأبعد بالنسبة للفكر المألوف من أي بعيد لديه، هو الجوار ذاته: حقيقة الوجود.
"السقوط" هو الاسم الذي يطلقه "الوجود والزمان" على نسيان حقيقة الوجود لأجل اجتياح للموجود غير مفكر فيه في ماهيته. فكلمة "سقوط" لا تحيل إلى خطيئة للإنسان بالمعنى الأخلاقي الفلسفي مجردا من الطابع الديني، بل تحيل إلى ذلك الارتباط الأساسي للإنسان بالوجود داخل علاقة الوجود بماهية الإنسان. بنفس الكيفية لا تنطوي لفظتا "الأصيل" و"المزيف" اللتان تقدمان لهذا الفكر، على أي اختلاف أخلاقي-وجودي أو "أنتروبولوجي". بل تدلان على تلك العلاقة الانجذابية لماهية الإنسان بحقيقة الوجود التي تظل ما يتوجب التفكير فيه قبل أي شيء آخر، ذلك أنها ظلت إلى حدود الآن متوارية عن الفلسفة. غير أن هذه العلاقة لا تكون ما هي عليه على أساس الوجود-المنفتح. بل إن ماهية الوجود-المنفتح هي التي تكون على العكس من ذلك وجودا أصيلا وانجذابا انطلاقا من حقيقة الوجود.
إن ذلك الذي لوحده يطمح الفكر -الذي يسعى إلى التعبير عن نفسه للمرة الأولى في "الوجود والزمان"- إلى بلوغه، لهو شيء بسيط. ومن حيث هو كذلك، فإن الوجود يظل ملغزا، إنه الجوار العاري الذي يعلن عن نفسه كقوة لا تحمل طابع الإلزام. الجوار الذي يبسط ماهيته بوصفها اللغة نفسها. غير أن اللغة لا تكون لغة فقط بالمعنى الذي نتمثلها من خلاله، أي كوحدة من ثلاثة عناصر: بنية صوتية (أو تعبير خطي)، لحن وإيقاع، دلالة (أو معنى). إننا نرى في البنية الصوتية والتعبير الخطي جسم الكلمة، ونرى في اللحن والإيقاع النفس كما نرى في القيمة الدلالية عقل اللغة. فنحن نفكر عادة في اللغة في توافق مع ماهية الإنسان الذي يتم تمثله كحيوان عاقل، أي كوحدة لجسم ونفس وعقل، غير أنه مثلما يظل الوجود-المنفتح محتجبا في إنسانية الإنسان الحيواني، وتظل تبعا لذلك علاقة حقيقة الوجود بماهية الإنسان محتجبة، كذلك التأويل الميتافيزيقي للغة على النمط الحيواني يحجب ماهيتها التاريخية الأنطولوجية فتبعا لهذه الماهية، تكون اللغة هي مسكن الوجود الذي يتحقق به ويسوى عليه. لهذا، ينبغي التفكير في ماهية اللغة في توافق مع الوجود ومن حيث هي هذا التوافق نفسه، أي من حيث هي مأوى لماهية الإنسان.
ليس الإنسان مجرد كائن حي يمتلك اللغة، إضافة إلى ملكات أخرى. إن اللغة هي، بالأحرى، مسكن الوجود حيث يقيم الإنسان، فيتواجد بذلك تواجدا منفتحا بانتمائه لحقيقة الوجود التي يرعاها.
يترتب إذن عن هذا التحديد لإنسانية الإنسان كوجود-منفتح، أن ما هو أسلسي، ليس الإنسان. بل الوجود l’Etre كبعد لانجذاب الوجود-المنفتح. غير أن البعد هنا ليس حيزا مكانيا. ذلك أن كل حيز مكاني وزماني، ينشر ماهيته اخل هذا البعد الأصيل الذي هو الوجود بما هو.
إن الفكر يصغي لهذه العلاقات البسيطة. وهو يبحث، في قلب اللغة التي ظلت لزمن طويل تقليدية، لغة الميتافيزيقا ونحوها، عن الكلام الذي يعبر عنها (العلاقات). بقي لنا أن نعرف ما إذا كان لا يزال بإمكان هذا الفكر أن يتحدد كنزعة إنسانية، هذا إذا ما افترضنا أن تسميات كهاته يمكن أن يكون لها مضمون ما. لا يمكنه ذلك وبكل تأكيد مادامت النزعة الإنسانية تفكر من منظور ميتافيزيقي، أو تكون وجودية تتبنى قضية سارتر هذه: "نوجد بالضبط في بعد حيث لا يوجد سوى البشر فقط" فنحن إذا ما فكرنا انطلاقا من "الوجود والزمان"، يكون علينا أن نقول، بالأحرى: "نوجد في بعد حيث هناك الوجود بالأساس". لكن من أين البعد؟ وما البعد؟ إن الوجود والبعد ينطبقان، لذلك قيل في "الوجود والزمان" ص(212)، عن قصد وعن تبين: "هناك" الوجود "Il y a"، l’Etre، "هناك" هذه لا تترجم بدقة "es gibt" لأن "es" أي الذي يعطي (:donne gibt) هو الوجود نفسه. يعطي (donne) تدل بالمقابل على ماهية الوجود، الماهية التي تعطي، التي تمنح حقيقتها. الإنعطاء داخل المنفتح وبهذا المنفتح، ذلك هو الوجود نفسه.
نستخدم الصيغة "هناك" "es gibt" في ذات الوقت، للتفادي المؤقت ل: الوجود يوجد (l’Etre est)، ذلك أن "يوجد" هذه تقال عادة على شيء كائن، هذا الشيء ندعوه الموجود. الوجود يوجد ولكن الوجود بالضبط ليس هو الموجود. أن نعلن أن الوجود يوجد بدون أي توضيح، معناه أننا نتمثله وبكل يسر كـ"موجود" على نمط الموجود المألوف الذي يحدث بوصفه علة ويكون محدثا بوصفه معلولا. ومع ذلك، لقد سبق لبارميندس أن قال عند فجر الفكر "الوجود يوجد". داخل هذه العبارة يتكتم السر الأصلي لكل فكر. فلربما لا يمكن ل"يوجد" (يكون) أن تقال على الأرجح إلا بالنسبة للوجود، بحيث يكون كل موجود لا يوجد pas "est" n’ ولا يمكنه بالضبط أن يوجد. لكن لأن الفكر عليه أولا أن يتوصل إلى قول الوجود في حقيقته عوض تفسيره كموجود وانطلاقا من الموجود، فمن اللازم، أمام الإصغاء اليقظ للفكر، أن يظل السؤال مفتوحا: هل يوجد الوجود؟ وكيف يوجد؟.
إن عبارة بارميندس "الوجود يوجد" لم يفكر فيها إلى اليوم ويمكننا أن نقيس من هنا مدى التقدم الحاصل في الفلسفة. إن الفلسفة لا تتقدم حين تصغي (تستجيب) لماهيتها. إنها تخطو في عين المكان لتتمكن من التفكير باستمرار في ما هو عينه. التقدم، بمعنى الابتعاد عن هذا المكان، خطأ يلاحق الفكر كالظل الذي يلقي به. ولأن الوجود لم يفكر فيه بعد، قيل عنه أيضا في "الوجود والزمان" "هناك"... غير أننا لا نستطيع أن ننظر في هذه ال"هناك" من دون استعداد وبلا نقطة ارتكاز. إن الـ"هناك" هذه تهيمن بوصفها قدر الوجود الذي يحمل تاريخه إلى اللغة في قول المفكرين الأساسيين. لذلك فالفكر الذي يفكر في اتجاه حقيقة الوجود يكون، من حيث هو فكر، تاريخيا. ولا وجود لفكر نسقي تقترن به استوغرافيا الآراء السابقة على سبيل الإبانة، كما أنه لا وجود، كما اعتقد هيجل، لنسق بإمكانه أن يضع قانون فكره كقانون للتاريخ ويذيب من تم التاريخ في النسق. هناك، إذا ما فكرنا بشكل أكثر أصالة، تاريخ الوجود الذي ينتمي إليه الفكر وهو يستذكر داخل عنصره هذا التاريخ الذي به كان حصوله. الاستذكار-مفكرا-داخل-الوجود يختلف أساسا عن مجرد تذكر للتاريخ مأخوذا بمعنى الماضي الذي انقضى. إن التاريخ لا يحصل أو أولا كحصول والحصول ليس هو الانسياب الزمني. حصول التاريخ يبسط ماهيته بوصفه قدر حقيقة الوجود انطلاقا من الوجود. الوجود يأتي إلى قدره من حيث هو عينه إنه ينعطي وهذا يعني أن الوجود مفكرا فيه طبقا لقدره: ينعطي ويتكتم في آن واحد. لذلك فالتحديد الهيجلي للتاريخ كتطور "للروح" ليس مخطئا، وهو ليس كذلك مخطئا في جانب ومحقا في آخر. إنه صحيح صحة الميتافيزيقا التي حملت للمرة الأولى، مع هيجل، ماهيتها مفكرا فيها على نحو مطلق، إلى اللغة داخل النسق. فالميتافيزيقا المطلقة تنتمي، ومعها أشكال القلب التي ألحقها بها ماركس ونيتشه، إلى تاريخ حقيقة الوجود. وما ينجم عنها لن يكون بالإمكان التصدي له ولا أيضا إقصاؤه بتفنيده. لا يسعنا سوى استقباله من حيث أنه حقيقتها، في ارتباطها الأصلي بالوجود ذاته، تتستر داخله وتفلت من دائرة الرأي الإنساني المحض. فكل تفنيد في مجال الفكر الأساسي يكون دون معنى. وصراع المفكرين "صراع عشق"، عشق ذات الشيء، إنه يسعفهم، الواحد تلو الآخر، لبلوغ الانتماء البسيط لما هو عينه le Même، وفي هذا الانتماء يتوافقون مع قدرتهم داخل قدر الوجود.
إذا كان للإنسان مستقبلا أن يصل إلى التفكير في حقيقة الوجود، فسيفكر حينئذ انطلاقا من الوجود-المنفتح. فالإنسان وهو يتواجد تواجدا منفتحا، يقيم في قدر الوجود. ويكون الوجود-المنفتح للإنسان، من حيث أنه وجود-منفتح، تاريخيا غير أنه لا يكون كذلك لمجرد أن كل ضروب الأشياء تنبثق في الزمن مع الإنسان والقضايا الإنسانية. فلأن الأمر يتعلق بالتفكير في الوجود-المنفتح لكينونة ال-هنا، كان اختبار تاريخيته مسألة جد أساسية بالنسبة للفكر في "الوجود والزمان".
لكن ألم يرد في "الوجود والزمان" (ص212) حيث تأتي الصيغة (هناك) "es gibt" إلى اللغة "لا يكون هناك وجود إلا بقدر ما تكون الكينونة - هنا"؟. لا يحتمل هذا الأمر أدنى شك. ويعني ذلك: أن الوجود لا يحمل نفسه إلى الإنسان إلا بقدر حصول فسحة الوجود. غير أن حصول ال-هنا، الفسحة باعتبارها حقيقة الوجود، هو قرار الوجود نفسه. إن الوجود هو قدر ومصير الفسحة. لا تفيد هذه الجملة مع ذلك، أن الإنسان كدازاين يكون، بالمعنى التقليدي للوجود existentia وبالمعنى الحديث لواقع الأنا أفكر، ذلك الكائن الذي به يكون الوجود. فهي لا تعني أن الوجود نتاج للإنسان. في مقدمة "الوجود والزمان" (ص38) يرد ما يلي -معبرا عنه بشكل بسيط وواضح، بل وبأحرف بارزة-: "الوجود هو المتعالي الخالص والبسيط". فكما أن انفتاح الجوار الفضائي يتجاوز كل شيء قريب أو بعيد حين نعتبره من منظور هذا الشيء، كذلك الوجود يكون أساسا بمعزل عن كل موجود لأنه الفسحة عينها. وبهذا، يكون الوجود قد تم التفكير فيه انطلاقا من الموجود ووفقا لكيفية في الرؤية لا يمكن تفاديها للوهلة الأولى داخل الميتافيزيقا التي لا تزال تهيمن. لذلك، فمن منظور كهذا فقط ينكشف الوجود من خلال المجاوزة ومن حيث هو هذه المجاوزة.

Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1814539 :: Aujourd'hui : 473 :: En ligne : 5