ترجمان
هل العلم بدون وعي مدان؟



إدغار موران Edgar MORIN

ترجمة: محمد فرطميسي



اهتزت فكرة الحقيقة أمام وقائع أثبتها العلماء. فهل بإمكان الفلسفة مساعدة العلم على حل هذه التناقضات؟

في الوقت الذي يشيد فيه قرننا هذا صرحا رهيبا من المعارف، يغوص وبشكل مذهل في أزمة أسس المعرفة. لقد بدأت الأزمة في الفلسفة. إذ بقدر ما ظلت الفلسفة الحديثة تعددية في مشكلاتها وموضوعاتها، بقدر ما انتعشت بفضل جدل بين البحث عن أساس يقيني للمعرفة، والرجوع المستمر لشبح اللايقين. كانت أزمة الأسس، بمثابة الحدث المفتاح للقرن العشرين. فبعد أن سحب النقد الكانطي من ملكة الفهم إمكانية إدراك الأشياء في ذاتها، أعلن نيتشه، بكيفية مغايرة تماما، حتمية النزعة العدمية؛ في القرن العشرين، وضع هيدجر موضع تساؤل أساس الأسس، أي طبيعة الكائن. من الآن فصاعدا، نذرت الفلسفة المعاصرة نفسها، لتقويض معمم، ولتجذير تساؤل يضفي النسبية على كل المعارف، بدل تشييد أنساق على أسس متينة.

لم يكف العلم، على العكس من ذلك، طيلة القرن التاسع عشر، ومع مطلع القرن العشرين، عن البرهنة على أنه عثر على الأساس التجريبي-المنطقي لكل حقيقة. يبدو أن نظريات العلم هذه تجيء من الواقع ذاته، عن طريق الاستقراء الذي يقر بالتحققات/الإثباتات التجريبية بوصفها أدلة منطقية، ويرفعها إلى مستوى القوانين العامة. يبدو في نفس الآن، أن الدعامة المنطقية-الرياضية الضامنة للتماسك الداخلي للنظريات المتحقق منها، إنما تعكس بنيات الواقع ذاته. في هذه الشروط بالضبط، تعهد فريق من الفلاسفة والعلماء الراغبين في الخلاص نهائيا من الثرثرة المتكلفة والاعتباطية للميتافيزيقا، بتحويل الفلسفة إلى علم، وذلك بتأسيس كل قضاياها على منطوقات متماسكة، وقابلة للتحقق منها. هكذا إذن ادعت جماعة فيينا أنها أسست اليقين الفكري على الوضعية المنطقية، كما كان العمل الذي باشره فتجنشتاين L.Wittgenstein على مستوى اللغة، ودافيد هيلبرت على مستوى الصياغة الأكسيومية للنظريات العلمية، ملازما لما قامت به جماعة فيينا.

لقد بدا، والحالة هذه، أن تنقية الفكر بإزالة كافة الشوائب، وضروب البداءة، هو محض وهم. فعلا لقد برهن كارل بوبر أن التحقق La vérification غير كاف بغية التأكد من حقيقة نظرية علمية. وكشف، عندما قام بقلب فكرة الوضوح الظاهري الذي تحمل بموجبه النظرية العلمية طابع اليقين، أن علمية نظرية ما تكمن في قابليتها للدحض La réfutabilité.

ونبقى في سياق منظور كارل بوبر لنقول إن ذلك الأمر يصح أيضا بالنسبة لفكرة كون المنطق الاستنباطي يمتلك قيمة حاسمة في البرهان، وأساسا للحقيقة غير قابل للدحض. والحال أن هذا الصرح المنطقي ذاته بدا أنه غير كاف. هناك من جهة، إنجازات الميكروفيزياء التي لامست نموذجا من الواقع ينهار أمامه مبدأ عدم التناقض؛ ومن جهة ثانية، أقامت مبرهنة غوديل Gödel اللايقين المنطقي داخل الأنظمة الصورية المركبة. منذ ذلك الحين، لم يعد التحقق التجريبي، ولا التحقق المنطقي كافيين لتشييد أساس يقيني للمعرفة.

في الوقت نفسه، انحل الجوهر المحدد والمميز للواقع في معادلات الفيزياء الكوانطية، وأخلى النظام الكوني المكان لنوع من النظام غامض ولغزي. فبدا الكون أخيرا كما لو كان ثمرة انشطار خارق ومثير، وكأنما خضعت صيرورته لتبديد وحيد الاتجاه، هذا بالرغم من أن كل إنجازات المعرفة تقربنا من ذلك المجهول الذي يتحدى مفاهيمنا ومنطقنا، وذكاءنا. فتنضاف بذلك أزمة أسس المعرفة العلمية إلى أزمة المعرفة الفلسفية، حيث يلتقيان معا حول الأزمة الأنطولوجية للواقع، مما يجعلنا نواجه "مشكلة المشاكل… أي أزمة أسس الفكر" (بيير كورنير P.Cornaire).

في الواقع، مهما تجددت، وتنوعت البحوث المتعلقة بالمعرفة العلمية، فإنها ستجد نفسها أمام المشكل كما طرحه كانط، ومن خلاله، المشكل الفلسفي الكلاسيكي حول علاقة الجسد والنفس. هكذا نجد أنفسنا على أرضية علمية من دون التخلي عن التساؤل الفلسفي. لا يتعلق الأمر بتقاسم لتلك الأرضية العلمية، أو بالمحافظة على منطقة منيعة تخص الفلسفة وحدها. إذ لا وجود لحدود طبيعية بين أحدهما والآخر. فضلا عن ذلك فإن العصر الذهبي لازدهار الفلسفة وميلاد العلم، كان –بحق- هو عصر الفلاسفة العلماء أمثال جاليلي وديكارت وباسكال وليبنتز. ومهما بدا اليوم أن العلم والفلسفة منفصلان، فإنهما يصدران عن نفس التقليد النقدي، الذي لا غنى عن استمراريته ودوامه لحياة كل منهما. زيادة على ذلك، وحتى بعد انفصالهما، فقد وجدت لدى الفلاسفة دائما تلك الرغبة في أن تغدو الفلسفة "معرفة المعرفة العلمية، وعيها بذاتها" (كارل بوبر).

إن مشكلة العلم، كموضوع للتفكير الفلسفي، تطرح أكثر من أي وقت مضى، ذلك أن العلم بما هو كذلك، إشكالي. إن شئت قلت، إن العلم سلطة معقدة، شكل متميز وراق من العقلانية، لكنه لا يدمج الذات المفكرة. إنه يجهل الملاحظ-المشيد للمفاهيم. لقد حاول هوسرل جادا تبيان كيف أن "أزمة العلوم الأوروبية" تعبر بعمق عن أزمة احتجاب الذات المنتجة للعمل. إن العودة التأملية إلى وضعية العلم، تمكن وحدها، في نظره، من تبيان الأزمة التي تتمظهر كذلك في المجال السياسي. تتمثل الفكرة الأساسية عند هوسرل، في عدم اكتراث العلماء أثناء مسعاهم العلمي بذاتيتهم الخاصة وتأثيرها على عملهم. بعبارة أخرى، إن من ننعتهم بـ"العلماء" يفرغون العلم من فاعليه الحقيقيين، ومن سياقه الإنساني.

إن السؤال الذي ينبغي علينا طرحه باستمرار، على موضوع الحقيقة العلمية هو: هل تنفلت القوانين والاكتشافات، والموضوعية التي يضمنها العلم، من الشروط التاريخية والاجتماعية والسيكولوجية الماثلة زمن ظهورها، أمر أنها تظل سجينة تلك الشروط؟ لقد بين مفكرون أمثال كارل بوبر، وتوماس كوهن، وجيرار هولتن، وإسمير لاكاتوس، أن ثمة مسلمات غير معللة موجودة طي النظريات العلمية، بل الأدهى من ذلك، أن هناك "تيمات"، أفكارا استحواذية قبلية، تحرك ذهن العلماء، شأن الحتمية عند إنشتاين، واللاحتمية عند نيلزبور Niels Bohr. لقد كشف كوهن Kuhn النقاب عن وجود براديغمات (أنماذج)، أو مبادئ خفية تتحكم في المعرفة، وتسمح بتنظيمها.

إن العلم يمشي على أربعة قوائم: التجريبية، والعقلانية، والتخييل والتحقق. هكذا يغدو بعض العلماء عقلانيين أكثر، وآخرين تجريبيين أكثر، وسواهم تخييليين أو مسكونين بقابلية التحقق. إن هذه القوائم الأربعة متكاملة، بالرغم من كونها عرضيا متصارعة، وهو صراع تتغذى منه حيوية العلم. إن العلم ينتج نفسه بنفسه. وهو لا يفعل ذلك في مجال مغلق، بل ضمن شروط تاريخية مضبوطة ودقيقة؛ إن استقلالية العلم لا تنفصل عن عملية التجديد المستمرة التي يقوم بها، في الآن نفسه، في مواجهة النزعات الدوغمائية، والإفراط في التخصص. أكيد أن العلم يفرز، في نفس الوقت، العماء والوضوح. لكن علينا أن نعرف كيفية مقاومة الإصلاح المضاد، في كل قضية شبيهة بقضية سوكال Sokal، والهادفة إلى إقامة مرتبة رفيعة للعلم، متعلقة قطعا بالمؤسسة الانضباطية التقليدية، جاعلة من العلم حصنا منيعا عن الجاهلين بأصوله.

لكل مواطن الحق في المعرفة. وبالتالي فإن المشكلات الأساسية للنظريات العلمية الكبرى، والأفكار الثاوية طيها، قابلة للتداول، ولا يجب أن تبقى –بأي حال- وقفا على العلماء وحدهم. إن علماء أمثال إيليا بريجوجين I.Prigogine، وريفز H.Reeves، ودي إسبانيا، وفرانسوا جاكوب… يبذلون جهدا لإشراكنا معارفهم، وهم بهذا يشخصون دور مفكري النهضة الأوروبية Les humanistes.

هناك إذن في الحالة الراهنة، قصور الفلسفة وحدها، وعدم كفاية العلم وحده لإقامة المعرفة. ونظرا لتعقد المشكلات التي تثيرها هذه المعرفة، فلن نعمل على صياغة ميتا-علم، أو ميتا-فلسفة، بل سنناضل بالأحرى ضد كل فلسفة مصابة بفقر الدم، وضد كل علم بدون وعي. إن كان النشاط الفلسفي يمد العلم بالتفكير الضروري الذي يحتاجه، فإن النشاط العلمي يغذي الفلسفة بالمعرفة. عندئذ يكون بوسع العلم والفلسفة الظهور في حوار كوجهين مختلفين، ومتكاملين لعلمة واحدة: الفكر.

المصدر:

Le nouvel observateur, Numéro Hors-série, N° 32, (Les grandes questions de la philosophe), Mars / 1998.


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1927244 :: Aujourd'hui : 1215 :: En ligne : 7