ترجمان
لوي ألتوسير

ماركس والنزعة الإنسانية

لوي ألتوسير

 

ترجمة: د. محمد سبيلا

       

هناك مسلك أخير، جد مختصر، للتعرف على قضية أخرى مثيرة: إنها أطروحة النزعة الإنسانية النظرية لماركس. وفقط من أجل التمتع بلذة الاستماع لجوقة الأبواق الإيديولوجية التي جوزيت بها، سأقول بأني، حتى ولو لم أكن قد دافعت عن هذه الأطروحة، فإنه كان علي أن أبتدعها.
        إنها أطروحة جادة، شريطة أن نأخذ بعين الاعتبار وبشكل جدي، إحدى الكلمتين اللتين تتضمناها. وهي ليست الشيطان مع ذلك، إنها كلمة نظري. لقد قلت وكررت بأن مفهوم أو مقولة الإنسان لا تلعب لدى ماركس دورا نظريا. لكن يجب أن نوقن بأن كلمة نظري لا تعني شيئا بالنسبة لأولئك الذين لا يودون سماعها.
        فلنحاول سماعها.
        ومن أجل ذلك، نقول كلمة عن فويرباخ، الذي ترجمت له بعض النصوص. لا أحد سيجادل بأن فلسفة فويرباخ فلسفة ذات نزعة إنسانية نظرية بشكل واضح. يقول فويرباخ: تعلن كل فلسفة حديثة عن نفسها بواسطة كلمة جديدة. وفلسفة العصور الحديثة، فلسفتي، تعلن عن نفسها بواسطة كلمة إنسان. وفعلا، فالإنسانية والماهية الإنسانية، هي المبدأ المركزي لكل فلسفة فويرباخ، ليس معنى ذلك أن فويرباخ لا يهتم بالطبيعة، لأنه يتحدث عن الشمس، والكواكب، وأيضا عن النباتات واليعاسيب والكلاب وحتى عن الأفيال ليقول عنها بأنها لا تمتلك ديانة، لكنه، إذا صح القول، يلمس الطبيعة عندما يعرض علينا بهدوء القول بأن لكل نوع عالما خاصا به، وهذا العالم ليس إلا تجليا لماهيته. وهذا العالم مكون من موضوعات، ومن بينها موضوع متميز تتحقق فيه ماهية النوع وتشبع ذاتها: أي الموضوع الأساسي للنوع. وهكذا فإن الموضوع الإنساني لكل كوكب هو الشمس التي هي أيضا الموضوع الأساسي للكوكب... الخ.
        همذا ننتقل إلى الإنسان، إنه مركز عالمه كما هو مركز أفقه المطلق، عالمه المحيط. ليس هناك شيء من عالمه لا ينتمي إليه: وبالأحرى لا شيء في عالمه ليس هو، لأن كل موضوعات عالمه ليست موضوعاته إلا من حيث إنها تحقق وإسقاط لماهيته.
        إن الإنسان مركز عالمه، بالمعنى الفلسفي للكلمة، إنه ماهية عالمه الأصلية وغايته. وهذا هو ما يمكن أن ندعوه نزعة إنسانية نظرية بالمعنى القوي.
        يمكن أن يتفق معي على أن ماركس بعد أن تبنى بعمق إشكالية فويرباخ عن الماهية النوعية للإنسان والاستلاب، فإنه قد قطع مع فويرباخ وأن هذه القطيعة مع النزعة الإنسانية النظرية لدى فويرباخ تطبع بشكل جذري تاريخ فكر ماركس.
        لكنني أريد الذهاب إلى أبعد من ذلك، ن فويرباخ شخص فلسفي غريب يمثل هذه الخاصية، التي أرجو السماح لي بأن أعبر عنها بكونه "قد أنجز المهمة". إن فويرباخ ذو نزعة إنسانية معلن عنها. لكن يوجد وراءه إرث طويل من الفلاسفة الذين إذا لم يكونوا قد أعلنوا عن أنفسهم مثله، فإنهم لم يكونوا يشتغلون أقل منه بالإنسان، وإن كان ذلك بشكل أقل انكشافا. وأنا بريء من فكرة الحط من قيمة هذا التقليد الكبير في النزعة الإنسانية، الذي يرجع فضله التاريخي إلى كونه قد ناضل ضد الإقطاع وضد الكنيسة وإيديولوجيتها، وإلى كونه قد أعطى للإنسان كرامة ودرجات مهمة. لكن يجب استبعاد أنني أعارض في كون هذه الإيديولوجيا ذات النزعة الإنسانية، التي أنتجت أعمالا كبيرة ومفكرين كبار، يمكن فصلها عن البورجوازية الصاعدة التي كانت هذه الإيديولوجيا تعبر عن طموحاتها، وذلك بالتعبير عن مقتضيات اقتصاد تجاري ورأسمالي مصادق عليه ومقرر لقانون جديد، أي القانون الروماني القديم الذي تم تعديله في صورة قانون تجاري بورجوازي. فالإنسان الذي هو ذات حرة، الإنسان الحر أو فاعل أفعاله وأفكاره هو، قبل كل شيء، الإنسان الحر في أن يملك، وفي أن يبيع ويشتري. إنه ذات فاعلة من الزاوية القانونية.
        أختصر القول، وأزعم أنه ما عدا في بعض الاستثناءات الواردة في غير أوانها، فإن التقليد العظيم للفلسفة الكلاسيكية قد تناول من جديد في مقولات أنساقه حق الإنسان في أن يعرف، هذا الإنسان الذي جعل منه هذا التقليد الذات الفاعلة لنظرياته في المعرفة، ابتداء من الكوجيتو إلى الذات الاختيارية، ثم إلى الذات المتعالية. كما تناول هذا التقليد حق الإنسان في أن يفعل، وقد جعل منه الذات الفاعلة الاقتصادية والأخلاقية والسياسية. إني أعتقد، وهذا أمر لا أستطيع البرهنة عليه هنا، أن لي الحق في التأكيد بأن مقولة الإنسان، بمظاهرها المختلفة حيث تتوزع وتختفي في نفس الوقت، أو مقولة الماهية الإنسانية أو مقولة النوع الإنساني، كلها تلعب دورا نظريا أساسيا في الفلسفات الكلاسيكية الماقبل ماركسية. وعندما أتحدث عن الدور النظري الذي تلعبه مقولة ما، فإني أعني بذلك أنها تندمج بالمقولات الأخرى، وأنه لا يمكن فصلها عن المجموع دون أن يتأثر بذلك عمل الكل. وأعتقد إذن أني أستطيع القول: ماعدا في بعض الاستثناءات، فأن الفلسفة الكلاسيكية الكبرى تمثل، في أشكال غير معلن عنها، تقليدا إنسانيا نظريا لا غبار عليه. وإذا كان فويرباخ بطريقته الخاصة "قد أنجز المهمة"، وإذا كان قد وضع الماهية الإنسانية صراحة في مركز الكل، فذلك لأنه كان يعتقد بأنه يستطيع الإفلات من سبب اختفاء الإنسان عن الفلاسفة الكلاسيكيين، هذا الإنسان الذي كانوا يوزعونه إلى عدة ذوات. إن هذا التقسيم للإنسان، ولنقل إلى ذاتين على سبيل التبسيط، الذات العارفة والذات الفاعلة، الذي يطبع الفلسفة الكلاسيكية يحول بينها وبين إعلان عند فويرباخ الرائع بأنه يستطيع اختزال هذا التقسيم وهذا التعدد: فهو يحل تعددية الصفات في الذات الإنسانية محل تعدد الذاوات، ويعتقد أنه يحل بذلك مشكلة أخرى مهمة سياسيا، وهي التمييز بين الفرد والنوع بواسطة الجنس، الذي يحذف الفرد لأنه يجب أن يكون هناك دائما اثنان على الأقل لتتم العملية الجنسية، وهذا هو النوع. أريد أن أقول أننا من خلال طريقة فويرباخ في التفكير نستطيع أن نعرف ما كان مطروحا قبله، إنه الإنسان، ولكنه إنسان موزع بين عدة ذوات وموزع بين الفرد والنوع.
        ينتج عن هذا أن النزعة الإنسانية النظرية لدى ماركس تتجه إلى أبعد بكثير من مجرد تصفية الحساب مع فويرباخ: إنه يضع موضع شك فلسفات المجتمع وفلسفات التاريخ القائمة معا، وكذلك التقليد الفلسفي الكلاسيكي، ومن خلال ذلك كل الإيديولوجيا البورجوازية.
        وأقول بالتالي: أن النزعة اللاإنسانية النظرية لدى ماركس هي أولا وقبل كل شيء نزعة لا إنسانية فلسفية. وإذا كان ما قلته يحمل بعض الحقيقة، فيكفي أن نقربه مما ذكرته قبل قليل عن صلات ماركس مع سبينوزا وهيجل ضد فلسفات الأصل والذات لنقتنع بذلك. وبالفعل إذا ما فحصنا النصوص التي يمكن اعتبارها حاسمة في الفلسفة الماركسية، فإننا نرى أنه لا توجد فيها أية مقولة الإنسان أو أية صورة أخرى من صورها الماضية أو الممكنة. فالأطروحات المادية والجدلية التي تؤسس بوضوح كل الفلسفة الماركسية يمكن أن تكون محط كل أنواع التعليقات. وأنا لا أرى أنها قد تتلاءم مع أي تأويل ذي نزعة إنسانية: بل هي، على العكس من ذلك، قد أقيمت لكي مثل هذه التأويلات من حيث هي نوع من أنواع المثالية، ولكي تدعو إلى التفكير بشكل آخر مختلف كل الاختلاف.
        لكننا لم ننته بعد، ذلك أنه بقي علينا أن نتفاهم حول معنى النزعة اللاإنسانية النظرية للمادية التاريخية، أي حول إقصاء أفهوم (Concept
) الإنسان كمفهوم مركزي من قبل النظرية الماركسية عن التشكيلات الاجتماعية وعن التاريخ.
        هل ينبغي مقدما إبعاد اعتراضين اثنين؟ بدون شك، ذلك لأنهما يتولدان من جديد وباستمرار. فالأول يستخلص أن النظرية الماركسية المتصورة بهذا الشكل تنتهي إلى احتقار الناس وإلى شل صراعهم الثوري. لكن الرأسمال مليء بمعاناة المستغلين منذ أهوال التراكم البدائي إلى الرأسمالية الظافرة، وهو قد كتب من أجل تحريرهم من العبودية الطبقية، الأمر الذي لا يمنع ماركس بل يرغمه  في نفس المؤلف (أي الرأسمال) الذي يحلل ميكانيزمات استغلال الإنسان، على أن يغض النظر عن الأفراد المشخصين، وعلى أن يعاملهم، نظريا، على أنهم "ركائز" بسيطة لعدة علاقات. أما الاعتراض الثاني: فإنه يقدم مقابل النزعة اللاإنسانية النظرية لدى ماركس الإيديولوجيات ذات النزعة الإنسانية التي -إذا كانت تخدم على وجه العموم الهيمنة البورجوازية- فإنها أيضا، في ظروف معينة وفي شرائح اجتماعية معينة، وحتى في إطار شكل ديني، يمكن أن تعبر عن تمرد الجماهير ضد الاستغلال والاضطهاد. ولكن هذا لا يطرح صعوبة بمجرد أن نعرف أن الماركسية تعترف بوجود الإيديولوجيا وتفسرها حسب الدور الذي تلعبه في صراع الطبقات.
        إن الأمر الذي هو موضوع نقاش وجدل هو أمر آخر تماما: إنه الإدعاء النظري لتصور إنساني بالقدرة على تفسير المجتمع والتاريخ انطلاقا من الماهية الإنسانية، ومن الذات الإنسانية الحرة، ذات الحاجيات، وذات العمل، وذات الرغبة، وذات الفعل الأخلاقي والسياسي. وأؤكد أن ماركس لم يستطع تأسيس علم التاريخ وكتاب الرأسمال إلا شريطة القطع مع الادعاء النظري لكل نزعة إنسانية من هذا النوع.
        ضد كل الإيديولوجيا البورجوازية التي تسربت إليها النزعة الإنسانية يعلن ماركس: "إن المجتمع لا يتألف من أفراد" ولا ينطلق منهجي التحليل من الإنسان، بل من الحقبة الاقتصادية المعطاة"، ويعلن ضد كل الاشتراكيين ذوي النزعة الإنسانية وضد الماركسيين الذين أعلنوا في برنامج غوتا "أن العمل هو مصدر كل قيمة وكل ثروة"، ويعلن: "أن للبورجوازية حججا في غاية القوة بأن ينسبوا إلى العمل هذه القدرة التامة والكاملة على الخلق".
فهل يمكننا أن نتصور قطيعة أكثر جلاء؟
        يمكننا قراءة أثر ذلك في "رأس المال". فماركس يوضح أن ما يحدد، في المقام الأخير، تشكيلة اجتماعية ما، وما يعطينا عنها معرفة، ليس هو شبح ماهية ما أو طبيعة إنسانية ما، وليس الإنسان، وليس حتى "الناس"، بل علاقة، أي علاقة الإنتاج التي تشكل وحدة مع القاعدة أي مع البنية التحتية. ويبين ماركس، ضد كل مثالية ذات نزعة إنسانية، بأن هذه العلاقة ليست علاقة بين الناس، أي ليست علاقة بين أشخاص، ليست لا علاقة بين الذوات، ولا علاقة سيكولوجية، ولا أنتروبولوجية، ولكنها علاقة مزدوجة: علاقة بين مجموعات من الناس تخص العلاقة بين مجموعات الناس والأشياء، أي تخص وسائل الإنتاج. إن من بين أكبر التضليلات النظرية هو أن نعتقد أن العلاقات الاجتماعية يمكن اختزالها إلى علاقات بين الناس، أو حتى إلى علاقات بين مجموعات من الناس: لأن معنى ذلك افتراض أن العلاقات الاجتماعية علاقات لا تسري إلا على أشخاص، بينما هي علاقات تشمل الأشياء، أي تشمل وسائل الإنتاج المستمدة من الطبيعة المادية. يقول ماركس: إن علاقة الإنتاج هي علاقة التوزيع، فهي توزع الناس إلى طبقات، في نفس الوقت الذي تسند فيه وسائل الإنتاج إلى طبقة. إن الطبقات تتولد من تصارع هذا التوزيع الذي هو في نفس الوقت إسناد، وبالطبع فإن الأفراد الإنسانيين أطراف فاعلة وبالتالي مؤثرة في هذه العلاقة كما لو أن الأمر يتعلق بعقد حر، لكن وقبل كل شيء، من حيث أنهم مأخوذون فيها، وليس كونهم مأخوذين فيها ناتجا عن كونهم فاعلين فيها كما هو الأمر في حالة عقد حر، بل على العكس، فإنهم فاعلون فيها لكونهم منفعلين بها.
        إن من المهم جدا أن نرى لماذا يعتبر ماركس الناس فقط "كدعائم" (supports
) لعلاقة أو "كحاملين" لوظيفة في عملية الإنتاج المحددة بعلاقة الإنتاج. ليس بتاتا، لأنه يختزل الناس في حياتهم العينية إلى مجرد "حاملين" لوظائف: فهو يعتبرهم كذلك لأن علاقة الإنتاج الرأسمالية تختزلهم إلى هذه الوظيفة البسيطة في البنية التحتية وفي الإنتاج، أي في الاستغلال، فعلا إن إنسان الإنتاج الذي يعتبر كعنصر منتج، ليس سوى ذلك بالنسبة لنمط الإنتاج الرأسمالي، أي أنه محدد على أنه مجرد "حامل" للعلاقة، أي على أنه مجرد "حامل وظائف" مجهول كليا، ويمكن تعويضه لأن من الممكن الإلقاء به إلى الشارع إذا كان عاملا، وبإمكانه أن يغتني أو يفلس إذا كان رأسماليا. إنه في كل الحالات خاضع لقانون علاقة من علاقات الإنتاج التي هي علاقة الاستغلال، وبالتالي العلاقة تواجه طبقي. إنه خاضع لقانون هذه العلاقة ولمفعولها. إذا لم نمارس "تعليقا" نظريا على كل التحديدات الفردية المشخصة للبروليتاريين، والرأسماليين، ولحريتهم أو شخصيتهم، فإننا لن نفهم شيئا في "التعليق" العملي الرهيب الذي تخضع له علاقة الإنتاج الرأسمالية الأفراد، والذي لا يعاملهم إلا على أنهم حاملون للوظائف الاقتصادية لا أكثر.
        لكن أن نعامل الأفراد على أنهم مجرد حاملين لوظائف اقتصادية فهذا ليس بدون نتائج على الأفراد. ذلك لأنه ليس ماركس المنظر هو الذي يعاملهم كذلك، بل إن علاقة الإنتاج الرأسمالية هي التي تفعل ذلك !!
أن نعامل الأفراد على أنهم حاملون لوظائف قابلة للاستبدال، فهذا معناه، في الاستغلال الرأسمالي الذي هو الصراع الطبقي الرأسمالي الأساسي، أن نحددهم وأن نطبعهم بصورة لا رجعة فيها في جسمهم وفي حياتهم، وأن نختزلهم إلى أن يكونوا مجرد ذيول للآلة، وأن نلقي بنسائهم وأولادهم إلى جحيم المعمل، وأن نمدد لهم يوم العمل إلى أقصى حد، وأن نعطيهم فقط ما يمكنهم من التناسل، كما أن هذا يعني أيضا أن نشكل الجيش الاحتياطي الضخم حيث يستنفر حاملون آخرون مجهولون من أجل الضغط على الحاملين المستغلين الذين كان لهم حظ الحصول على عمل.
        لكن هذا يعني في نفس الوقت خلق ظروف تنظيم صراع الطبقة العاملة. إذ أن نمو وتطور الصراع الطبقي الرأسمالي، أي تطور الاستغلال الرأسمالي هو نفسه الذي يخلق هذه الظروف. فكم من مرة ألح ماركس، على واقعة أن التنظيم الرأسمالي للإنتاج، أي للاستغلال هو الذي يربي، بواسطة الإكراه، الطبقة العاملة على الصراع الطبقي، ليس فقط بتركيز جماهير العمال في مكان العمل، وليس فقط بتجميعهم، ولكن أيضا، بصورة خاصة لكون الاستغلال قد فرض عليهم نظاما مهولا في العمل وفي الحياة الجماعية وهو هذا النظام الذي سوف يتحمله العمال لكي يعيدوه على شكل تحركات جماعية ضد سادتهم.
        لكن من أجل هذا يجب أن يكونوا في نفس الوقت أطرافا فاعلة ومنفعلة ضمن علاقات أخرى.
        وذلك أن التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية لا تختزل فقط إلى علاقة الإنتاج الرأسمالية، أي إلى بنيتها التحتية فقط. إن الاستغلال الطبقي لا يمكن أن يستمر، أي أن يعيد إنتاج ظروفه، دون الاستعانة بالبنية الفوقية، وبدون العلاقات القانونية-السياسية والعلاقات الإيديولوجية التي هي محددة بعلاقات الإنتاج في آخر المطاف. إن ماركس لم يشرع في هذا التحليل إلا من خلال بعض الإشارات المختصرة. ولكن كل ما قاله لنا يضعنا على طريق تصور أن هذه العلاقات تعامل هي أيضا الأفراد الإنسانيين العينيين على أنهم "حملة" للعلاقات وعلى أنهم "ركائز" للوظائف حيث لا يكون الناس أطرافا فاعلين في هذه العلاقة إلا لأنهم منفعلون فيها. وهكذا، فالعلاقات القانونية تغض النظر عن الإنسان العيني لكي تعامله على أنه مجرد "حامل للعلاقة" القانونية، وعلى أنه مجرد موضوع قانوني، قادر على التملك، ولو أنه لا يمتلك سوى قوة عمله عارية. وهكذا أيضا تغض العلاقات السياسية النظر عن الإنسان الحي لتعامله كمجرد "ركيزة" للعلاقة السياسية، كمواطن حر، حتى ولو كان صوته الانتخابي يقوي عبوديته. وهكذا فإن العلاقات الإيديولوجية تغض النظر عن الإنسان الحي لتعامله كمجرد موضوع خاضع أو رافض للأفكار المهيمنة. لكن كل هذه العلاقات الي تجعل كل واحدة منها من الإنسان العيني ركيزتها، وتحدد وتطبع -مثلها في ذلك مثل علاقات الإنتاج- الناس في جسمهم وفي حياتهم. ومن حيث أن علاقة الإنتاج هي علاقة صراع طبقي، فإن الصراع الطبقي هو الذي يحدد في المقام الأخير علاقات البنية الفوقية وكذا تناقضاتها، والتحديد المتعدد (surdétermination
) الذي تطبع به هذه العلاقة البنية التحتية.
        وكما أن الصراع الرأسمالي يخلق، في الإنتاج، شروط الصراع الطبقي العمالي، فإننا نرى كذلك أن العلاقات القانونية والسياسية والإيديولوجية تساهم في تنظيم الطبفة العاملة وفي وعيها وذلك عبر الضغط الذي تمارسه هذه العلاقات، إذ أن صراع الطبقة البروليتارية قد تربى سياسيا في إطار وفي حضن العلاقات البورجوازية وبواسطة نضال الطبقة البورجوازية نفسها. فالكل يعرف أن البورجوازية لم تستطع قلب النظام القديم، وعلاقاته الإنتاجية، ودولته، دون أن تجند الجماهير الشعبية في صراعها. والكل يعرف أن البورجوازية لم تستطع الانتصار على الملكية العقارية الكبيرة إلا بتجنيد البروليتاريين في معركتها السياسية لتضحي بهم فيما بعد. إن البورجوازية، بواسطة قانونها وإيديولوجيتها وكذلك بواسطة رشاشاتها وسجونها، قد ربت العمال أيضا على الصراع الطبقي السياسي والإيديولوجي بما في ذلك إرغامهم على أن يفهموا أن الصراع الطبقي للبروليتاري ليست له علاقة بالصراع الطبقي للبورجوازية، كما ربتهم على خلخلة إيديولوجيتها.
        وهنا تدخل فكرة المطاف الأخير (La dernière instance
) أو اللعبة المتناقضة التي تحدثها في "البناء" لكي تلفت الانتباه إلى جدلية هذه الظواهر التي لا تخلو من مفارقات، التي كان ماركس يفكر فيها، ليس بالاستعانة بالمفهوم المزيف للإنسان، ولكن ضمن مفاهيم أخرى مختلفة تماما: علاقة الإنتاج، الصراع الطبقي، العلاقات القانونية والسياسية والإيديولوجية. من الناحية النظرية، لعبة المطاف الأخير تمكننا من مراعاة اختلاف وتفاوت أشكال الصراع الطبقي انطلاقا من الصراع الاقتصادي إلى الصراع السياسي والإيديولوجي، وبالتالي انطلاقا من لعبة التفاعلات الموجودة بين الصراعات، وانطلاقا من المتناقضات الموجودة في هذا الصراع.
        إن النزعة اللاإنسانية النظرية لدى ماركس في المادية التاريخية هي إذن رفض تأسيس تفسير التشكيلة الاجتماعية وتفسير تاريخها انطلاقا من مفهوم للإنسان ذي ادعاء نظري، أي كذات أصلية لحاجياتها (الإنسان الاقتصادي Homo-economicus
) وأفكارها (الإنسان العاقل Homo-Rationalis ) وأفعالها وصراعاتها (الإنسان الأخلاقي، القانوني والسياسي Homo-morolis, Juriducus, Politicus ) ذلك لأننا عندما ننطلق من الإنسان، فإننا لا يمكن أن نتجنب الانزلاق المثالي نحو الاعتقاد في القدرة التامة للحرية، أو للعمل الخلاق، أي أننا إنما نخضع ونتلقى بكل "حرية" القدرة التامة للإيديولوجيا البورجوازية المسيطرة، التي تعتبر وظيفتها هي حجب وفرض قدرة أخرى أكثر واقعية، وقادرة بشكل آخر، أي قدرة الرأسمالية، وذلك على هيأة أنواع وهمية من القدرة الحرة للإنسان، إذا كان ماركس لا ينطلق من الإنسان، ويرفض أن يولد نظريا المجتمع والتاريخ انطلاقا من مفهوم للإنسان، فذلك لكي يقطع مع هذا التضليل الذي لا يعبر إلا عن ميزان قوة إيديولوجي يجد أساسه في علاقة الإنتاج الرأسمالي. إن ماركس إذن ينطلق من العلة البنيوية التي تنتج هذا الأثر الإيديولوجي البورجوازي الذي يحافظ على وهم ضرورة الانطلاق من الإنسان: إن ماركس ينطلق من التشكيلة الاقتصادية المعطاة، وبالضبط في "رأس مال، من علاقة الإنتاج الرأسمالية ومن العلاقات التي تحددها هذه العلاقة في البنية الفوقية في المقام الأخير. ويبين في كل مرة أن هذه العلاقات تحدد وتطبع الناس، وكيف أنها تطبعهم في حياتهم الشخصية العينية، وكيف أن الناس العينيين يتحكم فيهم نسق هذه العلاقات عبر منظومة صراع الطبقات. يقول ماركس في المقدمة سنة 1857
: إن العيني هو تركيب لتحديدات متعددة، يمكننا أن نأخذ تعبيره من جديد ونقول: إن الناس العينيين محددون من طرف خلاصة التحديدات المتعددة من العلاقات التي هم مأخوذون فيها وأطراف فاعلة. إذا كان ماركس لا ينطلق من الإنسان الذي هو فكرة فارغة، أي مثقلة بالإيديولوجية البورجوازية، فذلك ليصل إلى الناس العينيين الملموسين، وإذا كان يمر عبر هذه العلاقات التي "يحملها" الناس العينيون، فذلك من أجل التوصل إلى معرفة القوانين التي تتحكم في حياتهم وفي صراعاتهم الملموسة.
        ربما كنا قد أشرنا إلى أن مرور ماركس عبر العلاقات، لم يبعده في أية لحظة عن الناس العينيين الملموسين، إذ أنه في كل لحظة من لحظات عملية المعرفة، أي في تحليله، يبين كيف أن كل علاقات الإنتاج -ابتداء من علاقات الإنتاج الرأسمالي التي تحدد في المقام الأخير كل العلاقات الأخرى القانونية والسياسية- هي التي تطبع الناس في حياتهم الملموسة التي تتحكم فيها أشكال ومفعولات الصراع الطبقي. إن كل "تجريد" لدى ماركس يقابله "تجريد" تفرضه هاته العلاقات على الناس، وهذا التجريد المشخص بشكل رهيب، هو ما يجعل الناس عمالا مستغلين أو رأسماليين مستغلين. وقد أشرنا أيضا إلى أن الحد النهائي لهذه العملية الفكرية أي "المشخص الفكري" الذي ينتهي إليه، هو هذا التركيب من المحددات المتعددة التي تحدد ملامح المشخص الواقعي.
        كان ماركس يضع نفسه بهذه الطريقة في مواقف طبقية، وكان يضع نصب عينيه الظواهر الجماهيرية لصراع الطبقات. كان يريد أن يعطي للطبقة العاملة إمكانية فهم ميكانيزمات المجتمع الرأسمالي وأن يكشف لها عن العلاقة والقوانين التي تعيش في ظلها، وذلك من أجل تقوية وتوجيه صراعها. لم يكن له موضوع آخر سوى صراع الطبقات، وذلك من أجل مساعدة الطبقة العاملة على القيام بالثورة وبالتالي القضاء -عند المرحلة القصوى للشيوعية- على الصراع الطبقي وعلى الطبقات.
        إن كل اعتراض قريب من الجدية على هذه النزعة الإنسانية النظرية المضادة لدى ماركس يعتمد -وأنا أعترف بذلك صراحة- على النصوص التي تتحدث في كتاب رأس المال عن موضوع الاستلاب. وأنا أذكر تجاوزا موضوع هذه النصوص لأنني لا أعتقد أن المقاطع التي تم التحدث فيها عن الاستلاب كانت لها أهمية نظرية، وأني لألمح من خلال ذلك إلى أن الاستلاب لم يظهر فيها كمفهوم مفكر فيه بحق، بل كبديل لعدد من الوقائع التي لم تتبلور بعد، حتى يتمكن ماركس من الالتجاء إليها: أي في أفق أشكال التنظيم وصراع الطبقة العاملة. إن موضوع الاستلاب في رأس المال يأخذ صورة مفهوم أو بالأحرى مجموعة من المفاهيم التي تتشكل بعد، وذلك لأن الشروط الموضوعية والتاريخية لم تنتج موضوعها بعد. وإذا كان لهذه الفرضية أساس فإننا يمكن أن نفهم بأن استجابة الكومونة لما توقعه ماركس، قد جعلت موضوع الاستلاب متجاوزا، كما جعلته الممارسة السياسية للينين متجاوزا. وفعلا بعد الكومونة لم يعد هناك مجال لطرح مسألة الاستلاب لدى ماركس، كما في مؤلفات لينين الهائلة.
        إن تلك مشكلة لا تلزم فقط النظرية الماركسية، بل تلزم أيضا الأشكال التاريخية لانصهارها مع الحركة العمالية. وهذا المشكل هو اليوم مشكل مطروح بشكل واضح وصريح، ويتعين دراسته وفحصه.

النص مأخوذ من:
Louis Althusser : Positions Ed. Sociales Paris, p. 159-172.

                                                       ترجمة: د. محمد سبيلا

 

Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2026203 :: Aujourd'hui : 193 :: En ligne : 3