الأدب و الشعر

 

سلمى علي

أما كيف توجد الموجودات عن الأول، فالفارابي يفسّره تفسيراً افلوطينياً، على أساس فكرة الصدور أي صدور الموجودات عن الأول على جهة

الفيض.


يقول الفارابي في كتاب "آراء أهل المدينة الفاضلة": "والأول هو الذي عنه وُجد. ومتى وُجد للأول الوجود الذي حوله، لزم ضرورة أن يوجد عنه سائر الموجودات التي وجودها لا بإرادة الإنسان واختياره، على ما هي عليه من الوجود، الذي بعضه مشاهد بالحس، وبعضه معلوم بالبرهان.


ووجود ما يوجد عنه إنما هو على جهة فيض وجوده لوجود شيء آخر، وعلى أن وجود غيره فائض عن وجوده هو. فعلى هذه الجهة لا يكون وجود ما يوجد عنه سبباً له بوجه من الوجوه، ولا على أنه غاية لوجود الأول، كما يكون وجود الابن من جهة ما هو ابن غاية لوجود الأبوين، من جهة ما هما أبوان. يعني أن الوجود الذي يوجد عنه لا يفيده كمالاً ما، كما يكّون لنا ذلك عن جل الأشياء التي تكون منا، مثل أنّا بإعطائنا المال لغيرها نستفيد من غيرنا كرامة أو لذة أو غير ذلك من الخيارت، حتى تكون تلك فاعلة فيه كمالاً ما. فالأول ليس وجوده لأجل غيره، ولا يوجد به غيره حتى يكون الغرض من وجوده أن يوجَد سائر الأشياء، فيكون لوجوده سبب خارج عنه فلا يكون أولاً، ولا أيضاً بإعطائه ما سواه الوجود ينال كمالاً لم يكن له قبل ذلك، خارجاً عما هو عليه من الكمال، كما ينال من يجود بماله أو بشيء آخر فيستفيد بما يبذل من ذلك لذة أو كرامة أو رئاسة أو شيئاً غير ذلك من الخيرات. فهذه الأشياء كلها محال أن تكون في الأول، لأنه يسقط أوليته وتقدّمه، ويجعل غيره أقدم منه وسبباً لوجوده، بل وجوده لأجل ذاته. ويلحق جوهره ووجوده ويتبعه أن يوجد عنه غيره. فلذلك وجوده الذي به فاض الوجود إلى غيره هو في جوهره. ووجوده الذي به تَجوهُره في ذاته هو بعينه وجوده الذي به يحصل وجود غيره عنه وليس ينقسم إلى شيئين يكون بأحدهما تجوهر ذاته وبالآخر حصول شيء آخر عنه. كما أن لنا شيئين فتجوهر بأحدهما وهو النطق، ونكتب بالآخر وهو صناعة الكتابة. بل هو ذات واحدة، وجوهر واحد، به يكون تجوهره، وبه بعينه يحصل عنه شيء آخر.


ولا أيضاً يحتاج في أن يفيض عن وجوده شيء آخر إلى شيء غير ذاته يكون فيه، ولا غَرَض يكون فيه، ولا حركة يستفيد بها حالاً لم تكن له، ولا آلة خارجة عن ذاته، مثلما تحتاج النار في أن يكون عنها وعن الماء بخار إلى حرارة تبخر بها الماء، وكما تحتاج الشمس في أن تسخن ما لدينا إلى أن تتحرك هي ليحصل لها بالحركة ما لم يكن لها من الحال، فيحصل عنها وبالحال التي استفادتها بالحركة حرارة فيما لدينا، أو كما يحتاج النجار إلى الفأس وإلى المنشار حتى يحصل عنه في الخشب انفصال وانقطاع وانشقاق.


وليس وجوده، بما يفيض عنه وجوده غيره، أكمل من وجوده الذي هو بجوهره، ولا وجوده الذي بجوهره أكمل من الذي يفيض عنه وجود غيره، بل هما جميعاً ذات واحدة.


ولا يمكن أيضاً أن يكون له عائق من أن يفيض عنه وجود غيره، لا من نفسه ولا من خارج أصلاً".


فالموجودات تفيض عن الأول لا عن قصد منه يشبه قصودنا، ولا عن طبع بحيث لا تكون له معرفة ورضى بصدورها وإنما ظهرت الأشياء عنه لكونه عالماً بذاته، وبأنه مبدأ النظام الخير في الوجود على ما يجب أن يكون عليه. وإنما علمه هو العلة لوجود الأشياء. وعلمه للأشياء ليس علماً زمانياً. ووَجوده هو بعينه وجوده الذي به يحصل وجود غيره عنه.


وإذا فاضت الموجودات عنه، كانت بترتيب مراتبها، "فحصل عنه لكل موجود قسطه الذي له من الوجود من مرتبته منه. فيبتدي من أكملها وجوداً، ثم يتلوه ما هو أنقص منه قليلاً. ثم لا يزال بعد ذلك يتلو الأنقص، إلى أن ينتهي إلى الموجود الذي إن تُخُطَّيَ عنه إلى ما دونه تُخُطِّيَ إلى ما لم يمكن أن يوجد أصلاً، فتنقطع الموجودات من الوجود".





الواحد أو الموجود الأول ، وهو ينعت بعدة أسماء على نحو متنوع : المطلق ، الخير ، اللامتناهى ، الآب ، ( أول الأقانيم الثلاثة ) ، وهو الغاية أو الهدف الذي يطمح إليه الكل ، ومن هذا الواحد يكون الفيض الأول : الفكر أو العقل الإلهي
و هذا الفكر الإلهي وهو العقل يترجم إلى أكثر من معنى : عقل أو عقل إلهي ، فكر أو مبدأ عقلي الروح ، وهو واسطة بيننا وبين الواحد الذي معرفته فوق قدرتنا على المعرفة وهو عقل كلي يتضمن جميع العقول الجزئية ، والوحدة الكاملة للعقول الإلهية المعرفة فى لغة أفلاطون إنها المثل و المثل هي العلل القديمة أو الصور العقلية لكل ما هو محسوس


و من العقل تصدر النفس الكلية أو روح الكل ، كذلك العقل الإلهي له فعلان : إلى أعلى تأمل الواحد وإلى أسفل التكوين أو الإيجاد ، لذلك النفس الكلية بواسطة جزئها الإلهي تتأمل العقل الإلهي بواسطة جزئها الهابط أو المبدأ العقلي ويتكون الكون أو العالم المدرك المحسوس على غرار النماذج المعقولة إنها النفس الكلية تكون كل النفوس ونفس الإنسان لذلك تكون نفس الكل
ويرى بعض الباحثين أن أقانيم أفلوطين هي نفس أقانيم أفلاطون : فالأخير قال : الصانع ، والمثل ، والنفس الكلية ، والموجودات أو المادة ؛ وقال الأول : الواحد ، والعقل ، و النفس ، الكلية ، والموجودات أو المادة .



فإن الموجودات التي تتميز بالكثرة تصدر عن الواحد : البسيط ، المطلق ، اللامتناهى ولكن كيف يتم ذلك ؟ ، أقصد كيف تصدر الكثرة عن الواحد ؟ لجأ أفلوطين لحل هذه المشكلة إلى استخدام التشبيهات والصور الشعرية و البلاغية فإن أفلوطين تصور فكرة الفيض " بطريقة شاعرية على أنها تشبه النور الذي يشع من مركز مضيء ويزداد إعتاماً وهو يتجه إلى الخارج إلى أن يتلاشى أخيراً في حلكة تامةوهذه الحلكة التامة هي المادة أو الهيولى و الهيولى باعتبارها نفياً للنور وباعتبارها حداًّ للوجود هي فى ذاتها لا وجود وهكذا نجد أن المعضلة الرئيسية فى كل الفلسفة اليونانية وهى مشكلة زمان الهيولى – وثنائية الهيولى و الفكر و التي رأينا أفلاطون وأرسطو يناضلان – عبثاً – لإخضاعها وحلها – قد انزلقت بخفة على يد أفلوطين وامتزجت بالتشبيهات الشعرية والعبارات المطاطة



قالوا : ان الفيلسوف إفلاطون (ت 347 ق . م) له شرف الأسبقية في محاولة الأستدلال بالأطروحة الأشرفية التي تعارض الأنسان لنجاح نظريته في ((المسائل العقلية)) وعلى هذا ذهب قائلاً :



((إن الموجودات التي نراها في عالمنا المادي لا تتصف بصفة الكمال المطلق ، فلا بد أن يكون لها مثال كامل في عالم آخر يختلف عن هذا الذي يسمى بعالم الكون والفساد أنه عالم العقول المفارقة للمادة))



Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1922734 :: Aujourd'hui : 483 :: En ligne : 8