هل يمكن القول ان شعب أرقى من شعب؟
 
2010-02-24   

هل يمكن القول ان شعب أرقى من شعب؟




 
تفاعلات الأصدقاء

2010-02-24
الدار البيضاء

هل يمكن القول إن شعبا أرقى من شعب؟


لعل ما يعلن عنه الواقع من تناقضات و تناحرات تغذي في الإنسان روح العصبية و تدفعه إلى التحلي بمختلف أشكال النرجسية و حب الذات فيعتبر نفسه فوق الناس جميعا مثلما يكون الأمر عند أي شعب من الشعوب إذا ما توفرت له بعض الدوافع و دفعته نحو اختزال الرقي و التقدم في ذاته. فما هي إذن المبررات التي تجعل شعبا ما يخيل له أنه أرقى من الشعوب الأخرى؟ و هل بالفعل هناك شعب أرقى من شعب؟ و كيف نتبين معالم هذا الرقي؟ و إلى أي مدى يمكن الإقرار بأفضلية شعب على شعب؟

لا بد في البداية من الوقوف عند معنى الرقي حتى نستطيع تحليل مضمون أطروحة الموضوع تحليلا جيدا يتمكن من استجلاء أبعادها و بيان مختلف عناصرها. فالرقي يعني التقدم و التطور الحضاري و هذا الرقي يرتبط بمجموعة من الظروف الذاتية و الموضوعية التي تتوفر فتحوله إلى واقعا معاشا يمكن أن نلمس معالمه بكل دقة و وضوح.
فالرقي يرتبط إذن بالتقدم التكنولوجي و تطور أساليب الحياة الاجتماعية و التحول الذي يشهده الإنسان من حالة إلى أخرى يكون فيها أكثر تحكما في الطبيعة التي توجد من حوله.

كذلك الرقي يرتبط بالقوة الاقتصادية و التطور المادي الذي يشهده شعب ما فيدفعه إلى طلب الريادة و الادعاء بأنه الأفضل و بناء على ذلك يستمد أحقيته في قيادة الشعوب الأخرى و التحكم فيها بقوة السلاح و المال مثلما نشاهد اليوم الشعوب الغربية التي تدعي أنها أفضل و أرقى الشعوب و تستمد هذه المشروعية من خلال ما شهدته من تطور و تقدم صناعي و تقني و عسكري حوّلها إلى قوة مهيمنة على مختلف الأصعدة مقابل الشعوب الأخرى التي كانت تغطّ في نوم عميق.فالذي يجعل شعب ما يدعي أنه الأرقى إنما يكمن في جمعه لأسباب القوة و الهيمنة ، هذه الأسباب التي ترتبط بمنطق القوة و الهيمنة و النفوذ و التسلط و التي تفقد قيمتها بمجرد ذهاب أسبابها و تلاشيها.

لكن السؤال الذي نطرحه في هذا المستوى بعد أن وقفنا عند بعض الدواعي و المبررات التي تدفع شعب ما إلى الإقرار بأنه أرقى الشعوب يتمثل في الوقوف عند قيمة هذا الإقرار فهل بالفعل يوجد شعب أرقى من شعب ؟

إن الإقرار بذلك يعني إقرار بانعدام المساواة بين الشعوب و خاصة تغذية السلوك العدواني لدى الشعوب التي تحس بأنها تقع تحت وطأة الهيمنة و لكنها لا تملك أسباب التحرر فتختزن ذلك الظلم و التسلط و تحول علاقتها بمن يدعي انه أرقى منها إلى علاقة عدوانية شيئا فشيئا علاقة القوي بالضعيف كما نتبين ذلك اليوم، علاقة عنصرية كل طرف ينغلق فيها عن ذاته و لا يمد يده إلى الآخر .حيث أن هذا الإقرار قد يكون محكوما بمنطق إقصائي و دوافع إيديولوجية مثلما يدعي اليهود أنهم شعب الله المختار أو مثلما ادعى هتلر بأن الشعوب الآرية هي الشعوب التي أسست الحضارة و يجب أن تقود العالم .
إذن ما نلاحظه أن هذا الإقرار ينبني على أسباب واهية و ادعاءات باطلة سرعان ما تنهار عندما نكشف بطلانها و تهافتها و نرى أن ليس هناك شعب أرقى من شعب و إنما هناك شعب أذكى من شعب ، حيث أن الشعب الأذكى هو الذي يستطيع تطويع ما توفر له من أسباب مادية إلى تأمين اكبر قدر من الرقي و التقدم. مثل هذا الإقرار يغذي في الإنسان شعور الحقد و الحسد و البغض.

كذلك يمكن أن ننظر إلى الرقي من جهة بعده القيمي لا الحضاري يعني القيم الروحية لا القيم المادية فنلاحظ أن مثل هذا الإقرار ينبني على أسباب تتعلق بالقيم المادية و التي عادة ما يقابلها انهيار في القيم الروحية التي تفقد قيمتها عندما تفقد طابعها الانساني لأن القيم الإنسانية هي قيم ذات طابع كلي يجمع حولها الجميع و لا يمكن أن تكون علامة نبرهن من خلالها على رقي شعب دون شعب لأن في الالتزام بها نحقق رقي الإنسان بشكل عام و ذلك بالاهتمام بما هو إنساني فيه و هو ما يشترك فيه مع الجميع دون اختلاف أو تمييز.

كذلك مثل هذا الإقرار ينجر عنه تبعات خطيرة ربما نعيش البعض منها في عالمنا المعاصر إذ انه ينتج علاقات صراع و تشنج بين الشعوب التي تدعي الرقي من جهة و الشعوب الأخرى التي تبحث لها عن مكانة على الخارطة العالمية فمثل هذا الإقرار يجعلنا نفقد ما هو إنساني في الإنسان و نلتقي بما هو عدواني و غريزي فيه من حب للحرية و ولع بالسيطرة و حب الذات من هنا يكون مثل هذا الإقرار خطرا على الوجود الانساني في كليته لأنه ينبئ عن نشوب حروب بلا هوادة يأكل فيها القوي الضعيف ،حروب دمار لكل ما يوجد على الأرض من كائنات ،و ما الصراعات الدائرة اليوم على الساحة العالمية إلا انعكاس لمثل هذا الإقرار الذي يريد أن يقنعنا بسيادته علينا حتى و إن استلزم ذلك دفننا بالطائرات و جرف بيوتنا و إيوائنا في مقابر جماعية.

إن الانخراط في مثل هذا الإقرار ينم عن عدم احترام لخصوصيات الشعوب و السعي إلى توحيد الجنس البشري لكن توحيدا ليس على أساس يحكمه التباين و الاختلاف و التنوع و إنما على أساس اللون الواحد و القالب الواحد و النموذج الواحد الذي يحكمه منطق القوة و النفوذ.

إن الإقرار بأفضلية شعب على شعب أو بأن شعب ما أرقى إنما هو أمر باطل أسس على باطل لأنه ينحي القيم الإنسانية جانبا و ينبني على أسس رخوة و إن اتسمت بالصلابة فإن صلابتها محدودة و ظرفية سرعان ما تتبخر بمرور الوقت حينما يكتشف الإنسان أنها غير صحيحة لأن وراءها نوازع و دوافع عدوانية و عصبية تسعى إلى تكريس العنصرية و شحن النفوس بالبغضاء و العداوة و القضاء على كل ماهو جميل في هذا الوجود.
لنتساءل ماذا ينتج لنا مثل هذا الإقرار؟

إن الواقع يمثل شاهدا وفيا على مثل هذا الادعاء الذي حول العالم إلى بؤر توتر متفجرة في كل لحظة و الذي جعلنا في حالة استنفار كامل يبحث عن الأمن و السلم و الحب و العدل و ما ينتمي إليها من القيم الإنسانية التي افتقدها عصرنا الذي تحول فيه الإنسان إلى وحش كاسر يدافع عن نفسه بكل الطرق لأنه ملّ الاستغلال و التبعية و الخضوع.

تلك هي تبعات هذا القول و الذي يجعل الجميع متحفزين و متأهبين للقفز إلى المقدمة لأجل تحقيق رقي زائف نعتبره لأنه يتأسس على أسس غير ثابتة سرعان ما تنهار لأنها لا تستند إلى ما هو إنساني جامع و شامل بين جميع البشر و إنما تنطلق مما هو خصوصي منغلق على نفسه و لا يرى إلا نفسه في هذا الوجود مما ينتج هلاكه شيئا فشيئا و هذه هي النتيجة الحتمية لمثل هذا الادعاء و التي ربما نشهد معالمها تصاغ في واقعنا شيئا فشيئا كلما تغيرت موازين القوى.

خلاصة الأمر إن القول بأن هناك شعب أرقى من شعب و إن استند إلى مبررات منها ماهو موضوعي يمكن تتبعه و منها ماهو ذاتي يصعب تتبعه، إلا انه في واقع الأمر ينتج تبعات تهدد الكيان الانساني لأنها لا تنصت لما هو إنساني فيه و إنما تنطلق مما هو غريزي فيه لا يسعى إلى جعله كائنا منفتحا يؤسس وحدته عبر انفتاحه على غيره.و إنما تجعله كائنا منغلقا على ذاته يرفض الاختلاف و لا يرى في العالم سوى نفسه وحيدا و الآخرون هم خدما يسعون لإرضائه و لا يزال يتمتع بحلمه هذا حتى يستفيق في يوم لابد انه آت على صوت يأتيه من خلف الباب يدعوه إلى الاستعداد إلى الرحيل و مغادرة الوجود دون استئذان لأن ساعة الاستئناف ولّت و لم يكن الزاد كافيا للتخلص من براثن الموت البطيء.


badkha2000@hotmail.com




Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2246902 :: Aujourd'hui : 1389 :: En ligne : 10