حقوق الإنسان بوصفها ضابطاً أخلاقياً
 
2018-09-20   

لا تعد ثقافة حقوق الإنسان عصرية لأنها صارت في مقدمة القضايا التي تشغل العالم في الوقت الراهن فحسب؛ وإنما لأنها قد تمثل حداً فاصلاً بين عصر تواترت فيه صور مختلفة للتشيؤ والتشوه طعنت وقهرت إنسانية البشر، وآخر يدنو إليه الكثيرون وفي أذهانهم أحلام كبيرة عن إطلاق وإغناء إنسانية الإنسان في سياق الاعتراف الـمقنن له بحقوق معينة غير قابلة للإنكار، كالحق في التعبير، وحرية العقيدة ...إلخ. ومن الـمعلوم أن شرعية حقوق الإنسان تتكون من ثلاث وثائق هي: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وعند هذا الحد؛ تتداخل منظومة حقوق الإنسان - بوصفها قيماً إنسانية عالمية- مع الإلزام الخلقي والقانوني على المستويين الفردي والجماعي بحيث تصير مواثيقها مصدراً أساسياً ومباشراً للأخلاق الفردية والجماعية. بخاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار أن البديل المنطقي الوحيد لفلسفة القانون الطبيعي كأساس نظري وعملي لعالمية حقوق الإنسان هو كونها تعبيراً عن إرادة جماعية ظاهرة تصر على تمكين كل الناس من دون استثناء من التمتع بحد أدنى من المعاملة اللائقة للإنسان. وعلى رغم ادعاء البعض الرافضمنظومة القيم الحقوقية بأن المصادر الأساسية لتاريخ وفلسفة حقوق الإنسان كتبها علماء غربيون لا يعرفون شيئاً عن النظم الثقافية الكبرى غير الغربية؛ فإن ذلك يتعارض صراحة مع بديهية أن كل مبدأ أو فكرة قانونية أو أخلاقية تقطع رحلة طويلة في الزمان والمكان قبل أن تتبلور في صيغتها النهائية. ومع ذلك؛ فإن المسألة لا تقتصر على اكتشاف- أو بالأحرى إعادة اكتشاف- مصادر ما لمشروعية المنظومة الراهنة لحقوق الإنسان في النظم الثقافية الكبرى، بما في ذلك بالطبع ثقافتنا العربية الإسلامية، إذ إنها فوق كل شيء ضرورة معرفية والتزام أخلاقي. بخاصة أن مصير حركة حقوق الإنسان والإمكانات الحقيقية المتعلقة بتطبيقاتها في كل مكان، في ما يؤكد الراحل محمد السيد سعيد، لا تتوقف فقط على إعمال قواعد قانونية وآليات حماية قضائية وتنفيذية وتشريعية، وإنما قبل ذلك كله تتوقف على مدى إيمان الناس بها، كمصادر أخلاقية فردية وجماعية، ورغبة بعضهم في قيادة الطريق نحو التمكين لها بروح التكرس الكامل، وعلى تكوين هذا الوجدان وهذه العاطفة الحاملة لأمانة التطبيق والتنفيذ والتطوير الدائم. ومن هنا، تتمثل منظومة حقوق الإنسان باعتبارها «منصة أخلاقية» تستند إلى مبدأين أساسيين هما: مبدآ القوة والـحق. فعلى رغم أن جميع أشكال الحرمان وأنماط إنكار آدمية الإنسان (الرق، العبودية، الأقنان) قد صارت جميعها إلى زوال، ولم يعد في الإمكان تبريرها، إلا أن أنواعاً مستحدثة منها لا تزال تعيش بيننا في نظم عديدة وبادعاءات متعددة. ولكن جوهرها يبقى دائماً واحداً: استخدام القوة - الـمطلقة أو الـمقيدة بقيود غير كافية - من أجل السيطرة على بعض بني البشر، وإنكار آدميتهم، وإيقاع الحرمان والتنكيل بهم، وإهدار كرامتهم. وإذا كان الناس يلقون معاملة غير متساوية؛ فلأن ذلك يعكس بالدرجة الأولى توظيفاً واستخداماً مفرطاً للقوة الجبرية من جانب من لهم مصلحة في الاستئثار بمزايا معينة بما يترتب عليه حرمان غيرهم. والقاعدة المبدئية لما يشبه القانون في هذا السياق، أنك إذا ما قبلت بأن تمارس منطق القوة على الآخرين، فإنك تضفي بذلك مشروعية على وقوعك أنت ضمن العلاقة نفسها، حال تبدُّل منطق القوة وانتقاله من بين يديك إلى الطرف الآخر. وأبلغ مثال على ذلك؛ هو أن تقبل كمسلم أن تحرم الأقلية الدينية في وطنك - بحكم ما لك من غالبية وقوة في هذا البلد أو ذاك - من حقهم في أن ينظروا إلى ديانتهم بالطريقة نفسها، أو أن ترتب لهم معاملة أدنى تنطوي مثلاً على حرمانهم من حقهم في ممارسة شعائرهم وطقوسهم، وبناء أماكن عبادتهم، أو الانتقاص من حقهم في المساواة القانونية الكاملة معك في جميع الحالات. فأنت باتخاذك مثل هذا المسار يتعين عليك أن تقبل أن يفعل أصحاب الديانة الأخرى ذلك، حين تكون لهم الغالبية أو القوة المطلقة. وعندئذ ستُحرم من حقك في ممارسة شعائرك الدينية على نحو ما فعلت بهم، وهكذا بالنسبة إلى كل ضروب عدم المساواة القائمة على أي اعتبار آخر: عرقي، أو جنسي ...إلخ. ومما لا شك فيه أن الاعتراف بتعددية حقوق الإنسان وأصولها الفلسفية ومرتكزاتها الأخلاقية، كأحد المصادر المباشرة للأخلاق الفردية والجماعية؛ فضلاً عن أنه يعد انتصاراً لنضال واسع وممتد، يمثل في الوقت نفسه إضافة قيمية حقيقية ومنجزاً معرفياً أخلاقياً يمكنه أن يضطلع بدور جوهري في الدفع نحو احترام حقوق الإنسان في كل زمان ومكان، بغض النظر عن اختلاف اللون والعقيدة والجنس. من جهة أخرى، تنقسم المسؤولية إلى نوعين: مسؤولية قانونية أو خارجية، ومسؤولية أخلاقية أو داخلية. والنوع الأول منهما ينصب على أفعالنا الخارجية، ويضع في المحل الأول من اعتباره جسم الجريمة، أو واقعة المخالفة؛ لا نية المجرم أو قصد المخالف. والمسؤولية القانونية نوعان: مسؤولية مدنية تقضي بإلزام الفرد التعويض عن الضرر الذي يُلحقه بالآخرين في حالات خاصة، وظروف معينة يحددها القانون، ومسؤولية جنائية تقضي بإلزام الفرد تحمل العواقب الناجمة عن خرقه النظام، أو تعديه على حقوق الآخرين. ولكن هناك مسؤولية أخرى لا ينظمها القانون ولا تنفذها المحاكم، وتلك هي «المسؤولية الاجتماعية» التي تعرض صاحبها لحكم الجمهور إن بالاستحسان أو بالاستهجان. فالرأي العام هو المحكمة اليومية التي تصدر أحكامها على أفعالنا الخارجية. أما النوع الثاني من المسؤولية؛ وهو المسؤولية الأخلاقية أو الداخلية، فإنه يعبر عن إحساس الفرد بنتائج أفعاله الحرة، ومحاسبته نفسه بطريقة ذاتية استباطنية. وضمن هذا السياق تتقاطع ثقافة حقوق الإنسان بوصفها ضابطاً أخلاقياً مع كل من المسؤولية القانونية الخارجية، والمسؤولية الأخلاقية أو الداخلية. أما على المستوى الفلسفي؛ فيمكننا أن نحدد موقف الفيلسوف من القيم المتعلقة بمنظومة حقوق الإنسان على مستويين: المستوى الأول متى تعرض لها في صميم مذهبه امتداداً لنظريته في الميتافيزيقيا والمعرفة. والمستوى الثاني متى بحثها مستقلة في علم من العلوم المعيارية. وعلى هذا الوجه فقد تقفز القيم إلى قمة المذهب الفلسفي، فتغدو طابعه الغالب ويكون لها دلالتها المنهجية العامة التي تسوق نظرة الفيلسوف إلى مشكلات الفلسفة جميعاً، وتحكم مواقفه منها وحلوله التي يقدمها؛ مثلما هي الحال لدى كل من نيتشة وشيللر. وقد تتوارى في ركن قصي من المذهب عندما لا يعرض لها إلا بوصفها قيمة خلقية أو منطقية أو غيرها من القيم النوعية على نحو ما صنع معظم الفلاسفة. في المقابل من ذلك؛ تتحدد صلة الفلسفة بالعلوم الاجتماعية على مستويين، المستوى الأول: منهجي حيث تُبرز الفلسفة الافتراضات والمزاعم المسبقة التي تتوارى خلف صوغ رجل العلم مفهوماته ومصادراته، كما تخدم الباحث العلمي في صقل أدواته المنهجية وصون اتساق بنائها المنطقي. أما المستوى الثاني فنظري حيث تزود الفلسفة العلوم الاجتماعية بالمشكلات التي ينبغي أن تتصدى لها بالبحث، أو تقدم لها تصنيفاً ناجحاً تعرضه على محكات التجريب. وذلك لا يعني أن الفلسفة وصية على العلوم؛ بل إنها تفيد دائماً من العلم ومن كل خطوات تطوره في تعديل آرائها وفروضها الواسعة، ولكنها قد تسبقه أحياناً إلى صوغ فروض لا تتمكن أدوات العلم في هذه المرحلة أو تلك من أن تؤيدها أو تفندها. ومن هذا المنطلق يمكن الفلسفة أن تعزز من وضعية ثقافة حقوق الإنسان في العلوم الإنسانية المختلفة؛ وفي مقدمها: القانون والاجتماع والإنتروبولوجيا. وفي الأخير، وكما يقول روبرت شولز: «ترفض بعض الخطابات أن تنفتح لنا؛ حتى ننضج بما فيه الكفاية»، وكذلك الحال في ما يتعلق بمقدار إلمامنا وإحاطتنا بجملة المصادر المباشرة للأخلاق الفردية والجماعية، حيث يتوقف نضجنا على إدراك ضرورة الانفتاح على العالم، مما يفرض على الإسلام في كل عصر أن يأخذ في الاعتبار المراحل المتتابعة من الإنثروبولوجيا الإنسانية؛ وبخاصة تلك التي وسمتها وبعمق الثورة التكنولوجية وبحث الآثار المترتبة عليها أخلاقياً، ليس فقط على المستوى العملي؛ وهو ما فهمه هيدغر تماماً، وإنما أيضاً على المستوى الثقافي وعلى مستوى المواقف والعقليات بما فيها مستوى النظر الفكري المجرد. 2018محمد حلمي عبدالوهاب | منذ 15 سبتمبر



 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن




Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2670685 :: Aujourd'hui : 53 :: En ligne : 15

Warning: Unknown: write failed: Disk quota exceeded (122) in Unknown on line 0

Warning: Unknown: Failed to write session data (files). Please verify that the current setting of session.save_path is correct (/tmp) in Unknown on line 0