نص لكاسرر عن مكونات الطبيعة البشرية
 
2013-11-14   

هناك عمقان في الانسان : عمق فكري و عمق بصري خالص . الأول يبلغه العلم و الثاني يبلغه الفن , والأول يعنينا في فهم علل الأشياء و الثاني في رؤية صورها . و في الفن ننهمك في مظهرها القريب ونستمتع بهذا المظهر إلى ابعد حد بكل ما فيه من غنى و تنوع , و لا نهتم بوحدة القوانين, و إنما بتكثر ضروب الحدس و تنوعها . حتى الفن قد يوصف بأنه معرفة . و لكنها , معرفة من نوع خاص , و لكن حقيقة الجمال لا توجد في الوصف أو التفسير النظري للأشياء و إنما تكون في الرؤية المتعاطفة للأشياء . و تتوازى هاتان النظرتان إلى الصدق و الحقيقة و لكنهما لا تتعارضان أو تتناقضان . و ليس من الممكن أن يصطدم العلم بالفن أو يتناقضا , لان كل منهما يدور في فلك مستقل عن الآخر , و التفسير العلمي القائم على الأفكار لا يعيق التفسير الحدسي الذي يقوم عليه الفن , و إنما لكل منهما رجاله و لكل منهما زاويته . لقد علمتنا سيكولوجيا الإدراك الحسي أننا إذا لم نستعمل كلتا العينين , إذا لم تكن لدينا ازدواجية في النظر, فإننا لا نستطيع أن نغير طرق الرؤية أي نستطيع أن نستغل نظراتنا إلى الحقيقة بتبادل , أن رؤية صور الأشياء ليست اقل أهمية و ضرورة من معرفة علل الأشياء . في التجربة العلمية نصل بين الظواهر حسب مقولة العلية أو الكلية . فعلى قدر اهتمامنا بالعلل النظرية أو المعلومات العلمية للأشياء نعدها علل أو وسائط . و هكذا , يحتجب عنا مظهرها القريب المباشر حتى نراها وجها لوجه , أما الفن فانه من الناحية الأخرى يعلمنا أن نستنظر الأشياء . الفن يعطينا صورة للحقيقة الواقعة أغنى واشد حيوية و أكثر ألوانا كما يمنحنا بصرا نافذا في مبناها الصوري . و ما يميز طبيعة الإنسان انه لا يسلك سبيلا واحدا معينا مرسوما إلى الحقيقة بل يستطيع أن يختار وجهة نظره و ينتقل من واحد من وجوه الأشياء إلى وجه آخر.
"ارنست كاسيرر" " مقال في الإنسان ".



 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1808683 :: Aujourd'hui : 87 :: En ligne : 3