نص بول ريكور حول حوار الحضارات
 
2013-11-14   

كيف يكون التقاء ثقافات متنوعة أمرا ممكنا، بمعنى التقاء لا يكون قاتلا للجميع؟ وبالفعل قد يستنتج من التأملات السابقة أن الثقافات غير قادرة على التواصل فيما بينها. ومع ذلك، فان غرابة الإنسان عن الإنسان ليست أبدا غرابة مطلقة. يقينا الإنسان غريب عن الإنسان ولكنه أيضا شبيهه على الدوام. فعندما نحل ببلد غريب عنا تماما كما حدث لي منذ سنوات في الصين، فإننا رغم إحساسنا بأقصى درجات الغربة نشعر بأننا لم نخرج البتة عن دائرة النوع البشري. إلا أن هذا الشعور يبقى شعورا أعمى يجب الارتقاء به إلى مستوى الرهان والإثبات الإرادي لوحدة هوية الإنسان. انه ذلك الرهان المعقول الذي أنجزه قديما عالم الآثار «شامبوليون» عند اكتشافه علامات مبهمة واقر مبدئيا انه إذا كانت تلك العلامات من فعل الإنسان، فانه يمكن بل ينبغي أن تترجم. صحيح أن الترجمة لا تفصح عن كل شيء، ولكنها تفصح دائما عن شيء ما (...) فالاعتقاد بان الترجمة ممكنة إلى حد ما، هو إقرار بان الغريب هو إنسان، بل هو باختصار الاعتقاد في إمكانية التواصل. وما قلناه عن اللغة وعلى العلامات يصدق أيضا على القيم والصور الأساسية وعلى الرموز التي تكون الإرث الثقافي لشعب ما. نعم، اعتقد انه بالإمكان فهم الاخر المغاير لي من خلال التعاطف والتخيل تماما كما افهم شخصية رواية أو مسرحية أو صديقا حقيقيا رغم كونه مختلفا عني. بل أكثر من ذلك يمكنني أن افهم دون تكرار، وأتمثل نفسي دون أن أحياها من جديد، وأن أكون آخر في الوقت نفسه الذي أكون فيه أنا ذاتي. أن أكون إنسانا، هو أن أكون قادرا على البقاء أنا نفسي. فان أكون إنسانا، هو أن أكون قادرا على الانتقال إلى مركز منظور آخر.
وعندئذ، تطرح مسالة الثقة: فما الذي يحدث لقيمي عندما افهم قيم الشعوب الأخرى؟ إن الفهم مغامرة مخيفة حيث تتعرض كل الموروثات الثقافية لخطر السقوط في تلفيقية غائمة. ومع ذلك يبدو لي أننا نجد فيما قلناه آنفا عناصر إجابة هشة ومؤقتة: إن الثقافة الحية الوفية لأصولها والتي تكون في نفس الوقت في حالة إبداع على صعيد الفن و الأدب والفلسفة والعطاء الروحي هي وحدها القادرة على تحمل ملاقاة الثقافات الأخرى، هي وحدها القادرة لا على الملاقاة فحسب بل على إضفاء معنى لهذه الملاقاة. وعندما يكون الالتقاء مواجهة بين اندفاعات خلاقة، يكون الالتقاء عينه خلاقا (...)
بول ريكور «التاريخ و الحقيقة




 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2179754 :: Aujourd'hui : 471 :: En ligne : 6