نص بول ريكور حول التعدد الثقافي
 
2013-11-14   

ثمة مفارقة لا فكاك منها: فمن ناحية ينبغي على كل شخصية ثقافية أن تنغرس في ماضيها و أن تستنهض روحا وطنية تجعلها قادرة على الاضطلاع باستحقاقاتها الروحية و الثقافية في وجه الثقافة الغازية، ومن ناحية ثانية نجد أن الالتحاق بالحضارة الحديثة يتطلب الانخراط في عقلانية العلم و التقنية و السياسة، وهو ما يفرض في اغلب الأحيان التخلي نهائيا و بكل بساطة عن الموروث الثقافي. ما من ثقافة يمكنها أن تتحمل صدمة الحضارة العالمية و تستوعبها، فهذا أمر لا ريب فيه. و تجد المفارقة هنا تعبيرها في ما يلي: كيف نتوفق إلى سبيل الحداثة دون القطع مع أصولنا؟ كيف نوقظ ثقافة قديمة نائمة و نتطلع إلى الحضارة الكونية في آن؟
(...) ليس سهلا أن نتحصن بهويتنا و ننظر بعين التسامح إلى الحضارات الأخرى. وحين ننساق وراء الغريب الثقافي – سواء عبر نوع من الحياد العلمي أو من خلال الفضول و الحماسة إزاء الحضارات الغابرة، سواء عبر الحنين إلى ماض سحيق أو من خلال أحلام البراءة و الفتوة- نجد أن اكتشاف التعدد الثقافي لا يكون قط تمرينا مسالما (...) فمنذ اللحظة التي نكتشف فيها وجود ثقافات عدة بدل ثقافة واحدة، أي منذ اللحظة التي نعترف فيها بأفول ضرب من الاحتكار الثقافي – وهميا كان أو حقيقيا – نجد أن اكتشافنا هذا يهددنا بالانهيار. ويتملكنا الشعور فجأة بأنه لا يوجد سوى آخرون، بل إننا نحن أنفسنا نتحول إلى آخر من بين آخرين.
بول ريكور «التاريخ و الحقيقة» ص ص 293/294




 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1967906 :: Aujourd'hui : 1695 :: En ligne : 26