نص مرلوبونتي حول علاقة التكامل بين الأنا والآخر
 
2013-11-14   

ما أنا أو الآخر، علينا أن نختار بينهما، هكذا قيل. غير أننا نختار الواحد ضد الآخر، ونؤكد حينئذ النزاع. فيحولني الآخر إلى موضوع ثم ينفيني، وأنا بدوري أحول الآخر إلى موضوع ثم انفيه، هكذا قيل. لكن نظرة الآخر لا تحولني في حقيقة الأمر إلى موضوع، كما أن نظرتي لا تحول الآخر إلى موضوع إلا إذا انسحب كل منا داخل طبيعته المفكرة وأضحى كل منا نظرة لا إنسانية بالنسبة إلى الآخر، إلا إذا أحس كل منا بأفعاله، لا من حيث أن الآخر يستعيدها ويفهمها، بل من حيث هو يلاحظها كما لو كانت أفعال حشرةهذا ما يحصل مثلا عندما يسلط علي نظر شخص مجهول.
غير أن الإحساس بوطأة موضعة كل واحد منا بفعل نظرة الآخر، هذا الإحساس لا يصبح ممكنا في هذه الحالة إلا لأنه يحل بدل تواصل ممكن. إن نظرة كلب إلي لا تحرجني البتة. فرفض التواصل هو كذلك ضرب من التواصل. إن الحرية التي تتخذ الأشكال، والطبيعة المفكرة، وهوية الشخص التي لا يشاركه فيها احد، والوجود الذي لا قيمة له ولا معنى، كل هذا يرسم لدي ولدى الآخر حدود كل تعاطف، ويعلق التواصل فعلا، ولكن لا يقضي عليه.
فان كان الأمر يتعلق بشخص مجهول لم ينطق بعد تجاهي بكلمة واحدة، يبقى بوسعي الاعتقاد انه يعيش في عالم مغاير لعالمي، عالم لا تستحق فيه أفعالي ومشاعري أي مكان. لكن يكفي أن ينطق بكلمة اوان تصدر عنه حركة تنم عن نفاذ صبره حتى يكف عن الاستعلاء علي. ذلك إذن هو صوته، وتلك هي أفكاره. ذلك هو إذن المجال الذي كنت اعتقد أني لا أطاله. إن أي كـــائن [ أنساني] لا يستعلي على الكائنات [ الإنسانية ] الأخرى بشكل نهائي إلا متى ظل عاطلا وجاثما على اختلافه الطبيعي.
موريس مرلوبونتي: ظاهـــراتية الإدراك



 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1808685 :: Aujourd'hui : 89 :: En ligne : 5