نص لاسبينوزا عن السيادة والمواطنة
 
2013-11-14   

الدولة:السيادة والمواطنة
النص :
يُعتقد أن العبد هو من يفعل وفق أوامر و أن الإنسان الحر هو من يفعل وفق لذّته الخاصة. ألاّ أن ذلك ليس صحيحا بصفة مطلقة, لأنّه في الواقع أن يكون الواحد منّا أسير لذّته و غير قادر أن يرى أو أن يفعل إلاّ ما هو نافع, هو العبودية عينها, و أن الحرية لا تكون إلاّ لمن كان يعيش برضا تام وفق قوانين العقل. أما الفعل بأمرٍ, أعني الطاعة, فإنّه ينفي حقا, في معنى ما, الحريّة, و لكنّه لا يحوّل الفرد مباشرة إلى عبد, ذلك أن السبب المحدد للفعل هو الذي يعيّن العبوديّة. فإذا كانت غاية الفعل ليست منفعة الفاعل ذاته, بل منفعة الآمر, يكون عندها الفاعل عبدا, غير نافع لذاته.
و على العكس من ذلك, في الدولة و تحت إِمْرَةٍ يكون فيها القانون الأسمى خلاص كلّ الشعب لا خلاص من يأمر, فإن من يخضع في كلّ شيء لصاحب السيادة لا يجب أن يقال عنه عبدا غير نافع لذاته, و لكن رعيّة. و هكذا فإن الدولة هي الأكثر حرّية, لأن القوانين مؤسسة على العقل السّوي, و لأن كل واحد في هذه الدولة يمكن أن يكون حرًّا ما أن يريد ذلك, أي يعيش في رضا تام وفق قوانين العقل
سبينوزا Spinosaرسالة في اللاهوت و السياسة"
حلل هذا النص في شكل مقالة فلسفية مستعينا بالأسئلة التالية:
* ما هو الاعتقاد الذي يناقشه الكاتب ؟
*هل أن الطاعة مرادفة للعبودية؟
* كيف تتحدد حريّة الدولة؟
*هل تعتقد أن تأسيس الدولة على العقل يضمن حرية الرعية؟



 
تفاعلات الأصدقاء

2013-11-14
aza

التحرير:
تتحدّد الحرية في المعنى العام, أو اللاّفلسفي باعتبارها حالة من يفعل ما يريد و لا يخضع إلاّ لأمر نفسه متبعا لذّته الخاصة, وهو تحديد ينتج عنه ضرورة عدم إمكان قيام أي مشروع سياسي. لذلك فإن سبينوزا في هذا النص المقتطف من «رسالة في اللاهوت و السياسة» يبيّن أن الدولة هي الأكثر حرية و أن القوانين التي يشرعها العقل هي أوامر تؤسس حرية الأفراد. فكيف تكون الدولة الحرة ممكنة؟ و ما هي عيوب التحديد اللافلسفي للحرية؟ و هل أن كل طاعة ترادف العبودية أم إن طاعة القانون هي الحرية؟ ثم كيف برهن سبينوزا على موقفه؟ و إلى أي مدى يمكن الإقرار معه بأن تأسيس الدولة على العقل يضمن حرية الرعية؟
وفيا لممارسة فلسفية و إلى تقاليد وضعها أفلاطون, ينقد سبينوزا في الباية حكما مسبقا, فكرة خاطئة, تقودنا إلى تحديد الإنسان الحرّ باعتباره ذاك الذي يفعل وفق لذّته الخاصة. لكن تكتونيكا هذا الخطأ ـ إن صحّ التعبيرـ تتجاوز بكثير المستوى النحوي, لأنه دون تحديد متماسك و عقلاني للحرية, و بالتالي للإنسان الحر, لا يكون المشروع السياسي جاد. ذلك أن تحديد الدولة الحرة, بالنسبة إلى سبينوزا, هي مسألة جوهرية. دولة تكون فيها علاقات صاحب السيادة الذي يأمر الرعية المطيعة مخالفة لعلاقة السيد بالعبد. لذلك ينطلق سبينوزا بتحديد العبودية و الحرية ليبيّن أن تحقيق الدولة الحرة ممكن بشرط : أن يكون العقل هو الحاكم و له فقط تكون الطاعة.منذ بداية النص, إذن, يلاحظ سبينوزا حكما شائعا يتعلّق بالتحديد التعارضي للعبد و الإنسان الحر. إذ يعتبر بطريقة مبسطة للغاية, أن العبد هو الإنسان الذي لا يفعل إلاّ إذا كان مطيعا لأمر يحدده الآخر, و أن الإنسان الحر لا يفعل إلاّ بمقتضى اللّذة التي يأمل في تحقيقها من وراء فعله. وهذا يعني أن الحرية تقتضي استقلال الإرادة التي تدفع الفرد إلى الفعل وفق لذّته الخاصة, في حين أن العبد يتحدد بغياب مثل هذه الاستقلالية و بخضوع دون وهن لإرادة الآخر. و هذا الموقف ليس موقف الحس المشترك فقط, بل أنه يجد جذوره في تقاليد فلسفية يلعب فيها أرسطو دورا هاما, بما أنّه يحدد العبد ككائن يتوسط الإنسان و الحيوان, و ديكارت بطريقة ألطف, و في حقل فكري مختلف, بتحديده للحرية انطلاقا من حرية الاختيار, ساهم في بلورة الفكرة التي يكون بمقتضاها الإنسان الحر ذلك الذي يقرر بطريقة مستقلة وذاتية, رغم أن ديكارت بين أن هذه الإرادة يجب أن تكون موجهة بالعقل. و فطنة سبينوزا تتمثل في كونه هاجم أولا الأطروحة الأكثر صعوبة و متانة, تلك المتعلقة بالحرية ليبين فيما بعد بطلان مفهوم العبودية.
فما يضعه سبينوزا محل نظر هو العلاقة السببية بين الحرية و اللذة, ذلك أن تحديد الحرية باللذة هو تحديد غير متماسك إذا لم نحلل بالتفصيل وضع من يبحث عن لذّته, لأن «الفعل وفق اللذة الخاصة» و «أن يكون الواحد منّا أسير لذته» لا يختلفان كثيرا, فمن يفعل وفق لذّته يجعل من هذه اللذة غاية و هدف أفعاله. لكن هل أن الفكرة التي نحملها عن لذّتنا عقلانية؟ ألا يمكن أن نخطئ فنضر باتباعنا للذّتنا بمصالحنا؟ و هكذا فإن من يختار الحياة و الفعل وفق اللذة التي يرمي إلى تحصيلها, متبعا بذلك طريقا هيدونيا Hédoniste, يصبح عبدا حقيقيا بما انه يكبت قدراته الفكرية و يصبح عاجزا عن التمييز بين الخير و النافع بالنسبة له. و هكذا تصبح اللذة غاية تسبب الاغتراب, فالإنسان يعتقد نفسه حرا لأنه يبحث عنها فإذا به يصبح عبدا لأن الفكرة الوحيدة الملازمة له, تحقيق اللذة, تمنعه من الحكم عقلانيا على قيمة أفعاله و قراراته. هذا يعني أن البحث عن اللذة في حد ذاته مضلا, و يجعلنا نغترب وبالتالي اللذة لا يمكن أن تحدد الحرية. بل على عكس ذلك من يكون قادرا على تحديد ما هو نافع بالنسبة له, أي من يستعمل عقله و يفعل وفق أوامره, يكون حرا بما أنه يعيش بمعرفة الأسباب. و هكذا فإن الأهم قد قيل, و المشكل ليس مسألة أمر أو طاعة, و لكن مسألة معرفة من يأمر و لمن الطاعة: عندما يأمر العقل و نطيعه نكون أحرارا, و عندما تأمر الانفعالات أي لذتنا الخاصة و نطيعها بطريقة عمياء نكون عبيدا.
و هذا يعني أن الطاعة, عند سبينوزا, هي «الفعل بأمر» أي احترام نظام معطى. و لكن كل إنسان مطيع ليس عبدا بالضرورة, فالعبودية تتوقف على طبيعة الأمر و على طبيعة الآمر. فعندما أطيع أمرا يخدم مصالحي و منفعتي, لا تكون هناك عبودية, و في مقابل ذلك, إذا كنت أطيع أمرا يخدم مصالح من أعطنيه و يضر بمصالحي, عندها يمكن أن نتكلم عن عبودية. وفي هذه الحالة علينا أن نميّز بين وضعيتين, وضعية يكون فيها الأمر صادرا عن الآخر و وضعية يكون فيها الأمر صادر عن الشخص ذاته. فإذا كان الأمر صادر عن الآخر يجب عليا أن أحلل السبب المحدد لهذا الأمر ومعرفة ما إذا كان مضرا بمصلحتي, لأن ذلك هو المحدد لنوعية طاعتي. فبفعل يحقق مصلحة الآخر و يضر بمصلحتي أكون عبدا, و لكن عندما أتصرّف تحت إمرة الآخر إما لتحقيق مصلحة مشتركة أو لتحقيق مصلحته هو دون أن يضر ذلك بمصلحتي الخاصة, و إما لتحقيق مصلحتي الخاصة لا أكون عندها عبدا. و هذا يعني أن العقل وحده كملكة للحكم على النافع و غير النافع قادر على التمييز بين «الطاعة العبودية» و «الطاعة الحرية», أي أنه علينا أن نطيع دائما ما يمليه علينا العقل إذا أردنا ضمان حرّيتنا.و هكذا يرى سبينوزا أنني أستطيع أن أكون صاحب الأمر الذي أقدمه لذاتي, أستطيع أن آمر ذاتي بان افعل وفق لذّتي الخاصة و مع ذلك أكون عبدا, عبدا لانفعالاتي, و أستطيع على عكس ذلك أن أسلك وفق أوامر العقل وحده و أن أحترم القواعد التي يحددها فتكون طاعتي شرط حرّيتي. وهو ما يوافق ما ذهب إليه روسّو عندما أعلن «إن الطاعة للقانون الذي حددناه هي الحريّة», فطاعة الآخر لا ترادف العبودية, و طاعة ذاتي لا تحدد الحرية, فما يؤسسها في كل الحالات هي الغاية التي نطيع من أجلها و نطيعها: انفعالاتي تأمرني بأفعال تجعل مني عبدا, و الحكيم يأمرني بأفعال تجعلني طاعتها حرّا.هذه التعريفات لا تمثل, إذن, إلاّ أرضية نظرية يبني عليها سبينوزا نظريته السياسية. فإذا كانت الطاعة تتضمن بالتحديد العبودية, لا تكون الدولة الحرة ممكنة بما أن كل أمر من صاحب السيادة يجعل الرعية عبيدا . ونكون عندها أمام خيار صعب : إما دولة عبيد, و إما أناس أحرار دون إطار سياسي واجتماعي وهذا هو الخيار الذي يريد سبينوزا أن يخلّصنا منه بنقده للتصور الشائع حول العبودية و الحرية منذ بداية النص. و هذا يعني أن القواعد التي تحدد حرية الدولة ليس من طبيعة مخالفة لتلك التي تحدد حرية الإنسان. و الأمر مسألة عقلانية, فإذا كانت الأوامر التي نطيعها, أوامر عقلية, نكون أحرارا. وهكذا فان الأمر في الدولة الحرة يتحول من الأمر إلى قانون اسمي يأمر باسمه صاحب السيادة والرعية تطيع. و إذا كان هذا القانون الاسمي خادما لمصلحة صاحب السيادة وحده و أنانيته, على حساب الرعية, نكون عندها بصدد الاستبداد والدولة تكون دولة عبيد. ولكن على عكس ذلك إذا كان هدف هذا القانون «خلاص كل الشعب», إذا كان كل فرد يجد في سنّه و في طاعته تلبية لمصالحه, فان الطاعة الاجتماعية و السياسية المقبولة و المرداة تصبح حرية.
ما يراهن عليه هذا المقتطف هو, إذن, مشروعية الطاعة المدنية فسبينوزا يسعى إلى بيان أن كل رعية, كل مواطن ليس عبدا بمجرد طاعته لأوامر صاحب السيادة, وبذلك يضمن إمكان الدولة الحرة. و قد نعيب على سبينوزا اقتصاره على الجانب النظري, ذلك أنه إذا كان كل إنسان يخطئ, كيف يمكن أن نعطي الثقة لصاحب السيادة فلا يتجاوز سلطته و يستغل نفوذه في تحقيق مصالحه الخاصة عوضا عن المصلحة العامة؟ غير أن هذا النقد لا يكون وجيها, لأنه نقد غير عادل فسبينوزا يوضّح في سياق آخر في مؤلفاته هذه النقطة و يبين كيف أن الديمقراطية تقدم ضمانات كافية وضرورية ضد مثل هذه التجاوزات وكيف تستطيع الرعية بل و يجب عليها المحافظة على حريتها. هذا يعني أن النموذج السبينوزي للدولة ليس شبيها بالنموذج الأفلاطوني في الجمهورية الذي يتمثل في نموذج فرضي يبقى تطبيقه في الواقع صعبا, إن لم نقل مستحيلا. ذلك أن الدولة الأكثر حرية عند سبينوزا يمكن و يجب أن تكون واقعا سياسيا. و لكي تتحقق هذه الإمكانية يجب أن تكون القوانين التي تحكم هذه الدولة, القوانين التي يحترمها صاحب السيادة ويجعلها محترمة, القوانين التي يطيعها المواطنون صادرة عن العقل. ذلك هو الشرط الوحيد للحياة السياسية ولكنه شرط جوهري وصعب. إذ كيف يمكن أن نقدر الخاصية العقلانية للقانون؟في الحقيقة أجاب سبينوزا بطريقة أو بأخرى عن هذا السؤال فيبدو واضحا أن قانونا لا يهدف إلا لتحقيق مصلحة شخص واحد(صاحب السيادة) على حساب المصلحة العامة لا يمكن أن يكون عقلانيا. ثم إن العقل له خاصية الكونية, فهو ملك كل الناس و بالتالي كل واحد فينا يستطيع أن يقدر ما هو عقلاني وما هو غير عقلاني إذا احكم عقله. و هذا يعني أن كل واحد قادر على الحكم على الطاعة إذا ما كانت تضر بمصالحه الخاصة أو لا, إذا ما كانت تتعارض و مبادئ عقله. وفي نفس الوقت فإن القبول العام للقانون, قبول كل الأفراد لطاعة القانون يبرز أن هذا القانون عقلاني فكل فرد يجد ذاته بصورة ما في القانون, يجد إرادته و مصالحه, ويستطيع أن يعتبر ذاته مصدر القانون الذي يطيعه. وهذا يعني أن الدولة الأكثر حرية هي الدولة التي يطيع فيها كل الرعية القانون بحرية و بإرادتهم, لأنهم بطاعتهم لهذا القانون الذي يقرونه عادلا و عقلانيا يظهرون حريتهم كمواطنين. وهكذا فان قلب الحكم المسبق الذي انطلق منه سبينوزا يصبح الآن قلبا كليا: فمن يفعل وفق أمر, من يخضع لنظام القانون ليس عبدا بل هو إنسان حر بما انه لا يطيع إلا عقله باتباعه لما يمليه عليه القانون.وهكذا نتبيّن أن سبينوزا يرفض في هذا المقتطف كل إمكانية نظرية فوضوية. فليست الدولة في حد ذاتها بنية مضطهدة ومؤدية إلى الاغتراب, بل تبدو الشرط الضروري لتحقيق حرية الإنسان بما أنها تجسد العقل من خلال القانون. وبالتالي فان القوانين التي تدبّر الدولة هي قوانين مبنية على العقل السوي وأنها لا ترجع لاعتباطية الأمير و لا لعوارض النظام و القيمة الفلسفية للنص تبدو في الجهود التي قام بها سبينوزا ليحدد مجال الحرية ومجال العبودية وهذا المجال هو المشروعية العقلانية للقانون. فطالما يطيع الإنسان القوانين المطابقة لعقله يكون حرا ولكن ما إن يحصل الطلاق بين النظام والعقل فان العبودية تترصده. فالعبودية في آخر المطاف هي تنحي العقل أمام القوة.


xdeègh


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2020331 :: Aujourd'hui : 718 :: En ligne : 6