نص حول الدولة عند جون لوك
 
2013-03-07   

يبدو لي أن الدولة جماعة من الناس تكونت لغرض وحيد هو المحافظة على خيراتهم المدنية وتنميتها. وأنا أقصد بـ "الخيرات المدنية" الحياة، الحرية، سلامة البدن وحمايته ضد الألم، وامتلاك الخيرات الخارجية مثل: الأرض، النقود و‏المنقولات. .الخ. وواجب على الحاكم المدني أن يؤمن للشعب كله، ولكل فرد على حدة - بواسطة قوانين مفروضة بالتساوي على الجميع - المحافظة الجيدة وامتلاك كل الأشياء التي تخص هذه الحياة. وإذا أراد أحد انتهاك هذه القوانين على الرغم مما هو مسموح به وشرعي فإن تجرؤه ينبغي أن يقمع بواسطة الخوف من العقاب، والعقاب هو حرمانه من كل أو بعض هذه الخيرات التي كان من حقه، بل من واجبه، أن يتمتع بها لو لم يفعل ذلك. لكن وبما أنه لا أحد يرضى بإرادته عن حرمانه من جزء من خيراته و بالأحرى من حريته أو حياته فإن الحاكم مسلح بقوة مكونة من القوة المجتمعية [ من الأفضل القول: مسلح بالقوة المجتمعة لكل الرعايا le magistrat est armé de la force réunie de tous ses sujets ] لكل الأفراد من أجل معاقبة من ينتهكون حق الغير.
‏ويبدو لي. .أن اختصاص الحاكم يقتصر فقط على هذه الخيرات المدنية وأن حقوق السلطة المدنية تنحصر خصوصا في المحافظة على تلك الخيرات، وتنميتها خصوصا دون غيرها، ولا ينبغي أو لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تمتد إلى نجاة النفوس. لأنه لا الحاكم المدني، ولا أي إنسان آخر، مكلف برعاية النفوس
المصدر: لوك، رسالة في التسامح (ضمن الكتاب المدرسي منار الفلسفة أدبي ص 128)



 
تفاعلات الأصدقاء

2013-03-07
زهير

المحور الأول: مشروعية الدولة وغاياتها
إشكالية المحور: مم تستمد الدولة مشروعيتها؟ ما لذي يمنح للدولة مشروعية الوجود، ومم تستمد مشروعيتها في ممارستها لسلطتها؟ لنطرح السؤال بصيغة أكثر جذرية: لِم الدولة؟ ومادامت الكثير من القيم والممارسات تستمد مبرر مشروعيتها من غايتها، فهل يمكن أن نلتمس في غايات الدولة مصدرا من مصادر مشروعيتها؟
ملاحظة: التزاما بمبدأ الوضوح مع الذات ومع التلاميذ، ينبغي تنبيه هؤلاء إلى ضرورة التمييز بين مشروعية الدولة
 و مشروعية النظام السياسي، مخافة أن تؤدي حصة الفلسفة إلى "تضليلهم" من خلال صرفهم عن الإشكالات الفعلية للراهن ، من حيث أن جل النقاشات الحالية والفعلية إنما تدور حول مشروعية نظام سياسي ما يملك مقاليد السلطة (مشروعية ديموقراطية، مشروعية صناديق الاقتراع، مشروعية ثورية، مشروعية تاريخية..) وليس حول مشروعية الدولة كمجموعة أجهزة تمارس سيادة ضمن مجال ترابي محدد، ولكن لا بأس: مادام المنهاج يقول مشروعية الدولة، فلتكن مشروعية الدولة !!  ومبرر ذلك شمولية الخطاب الفلسفي الذي يتناول ما هو كلي (الدولة) بخض النظر عن الخصوصي (هذا النظام السياسي أو ذاك)

الأطروحات الفلسفية المتحاورة: في تاريخ الفلسفة، تتوزع التصورات بشأن مشروعية الدولة وغاياتها ما بين نسقيين فكريين كبيرين: يمنح النسق الأول الأولوية للفرد ، وهو ما يعطينا متلف التيارات الليبرالية، بينما يحرص النسق الثاني على الجماعة ممثلة في الدولة بدءا بأفلاطون وصولا إلى ماركس مرورا بهيغل.. 

1- التصور الليبرالي التعاقدي لمشروعية الدولة وغاياتها
استثمار نص جون لوك (نعم، استثمار وليس تحليلا بمعنى الدراسة المنظمة. وعليه سنكتفي بالبحث في النص عن موقف أطروحة فلسفية بصدد الإشكال المطروح)
النص:
يبدو لي أن الدولة جماعة من الناس تكونت لغرض وحيد هو المحافظة على خيراتهم المدنية وتنميتها. وأنا أقصد بـ "الخيرات المدنية" الحياة، الحرية، سلامة البدن وحمايته ضد الألم، وامتلاك الخيرات الخارجية مثل: الأرض، النقود و‏المنقولات. .الخ. وواجب على الحاكم المدني أن يؤمن للشعب كله، ولكل فرد على حدة - بواسطة قوانين مفروضة بالتساوي على الجميع - المحافظة الجيدة وامتلاك كل الأشياء التي تخص هذه الحياة. وإذا أراد أحد انتهاك هذه القوانين على الرغم مما هو مسموح به وشرعي فإن تجرؤه ينبغي أن يقمع بواسطة الخوف من العقاب، والعقاب هو حرمانه من كل أو بعض هذه الخيرات التي كان من حقه، بل من واجبه، أن يتمتع بها لو لم يفعل ذلك. لكن وبما أنه لا أحد يرضى بإرادته عن حرمانه من جزء من خيراته و بالأحرى من حريته أو حياته فإن الحاكم مسلح بقوة مكونة من القوة المجتمعية [ من الأفضل القول: مسلح بالقوة المجتمعة لكل الرعايا le magistrat est armé de la force réunie de tous ses sujets ] لكل الأفراد من أجل معاقبة من ينتهكون حق الغير. 
‏ويبدو لي. .أن اختصاص الحاكم يقتصر فقط على هذه الخيرات المدنية وأن حقوق السلطة المدنية تنحصر خصوصا في المحافظة على تلك الخيرات، وتنميتها خصوصا دون غيرها، ولا ينبغي أو لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تمتد إلى نجاة النفوس. لأنه لا الحاكم المدني، ولا أي إنسان آخر، مكلف برعاية النفوس
المصدر: لوك، رسالة في التسامح (ضمن الكتاب المدرسي منار الفلسفة أدبي ص 128)


مفاهيم النص: (سيتم تعريف بعض هذه المفاهيم سياقيا، أما بعضها الآخر والذي يشكل – للأسف - مفتاح فهم النص فلابد فيه من معارف خارج-نصية)
الدولة: (حسب النص) جماعة من الناس تكونت لغرض وحيد هو المحافظة على خيراتهم المدنية. من تعريف الدولة، يستشف المذهب التعاقدي لصاحبه، فالدولة عقد أبرمه أفراد لحماية خيراتهم. 
الخيرات المدنية: تنقسم (حسب النص) إلى خيرات :الحياة والحرية وسلامة الجسد من الأذى، وخيرات خارجية هي المنقولات والممتلكات. الفرق بينهما أن الأولى محايثة للذات بينما الأخرى موضوع تملك وتبادل وتجارة. وحيث أنه لم يسم النوع الأول من الخيرات المدنية، يمكننا تسميته –في إطار كفاية المفهمة- خيرات "ذاتية" (يبقى السؤال مطروحا لم سماها خيرات مدنية!؟ ومنه المفهوم التالي:
الحاكم المدني: (ذهب الكثير من التلاميذ إلى أن المدني هنا مقابل للعسكري  ، فرد البعض الآخر بان هذا التفسير غير مقنع، لأن هذا الحاكم سيصبح "مسلحا"  إذا تابعنا قراءة النص! لنقل إن الحاكم المدني هو ممثل السطلة العليا في الدولة المكلف بتطبيق أهم بنود العقد: المحافظة على الخيرات المدنية للأفراد، والتصدي لكل اعتداء عليها. وهناك اقتران بين صفته ذه والصفة التي منحت للخيرات
التساوي: تأكيد على مبدأ المساواة بين الأفراد المبرمين للعقد
امتلاك: تشديد على حق الملكية بشكل متكرر
الحاكم مسلح: يبدو إذن أنه ليس مجرد حاكم "مدني" بالمعنى الذي فهمه التلاميذ  ! فسلطة تنفيذ بنود العقد مؤازرة بقوة هي حصيلة اتحاد قوى الأفراد (يقول لوك في مكان آخر: في حالة الطبيعة لا يملك الفرد سوى قوته الخاصة، لكنه يملك في حالة الاجتماع قوة الجميع)
رعاية النفوس، نجاة النفوس: لم يفلح التلاميذ نهائيا في التفطن للمقصود من هذا المفهوم ! وأنىّ لهم ذلك إذا كان مؤلفو الكتاب المدرسي أنفسهم لم يبرهنوا حقا على فهمهم إياه كما يتضح من الخطاطة التي دبجوا بها كتابهم في الصفحة 131 !
المقصود بذلك نجاة النفوس salut des âmes من الضلال ومن الشقاء الأبدي في الآخرة، أي أن هداية النفوس إلى العقيدة الدينية الصحيحة أو القويمة ليس من اختصاص السلطة المدنية، بل هو شأن خاص فردي لا يدخل ضمن نطاق التعاقد. وإذا كانت لها من علاقة فهي ضمان حرية الاعتقاد والضمير والحيلولة دون انتهاكه من طرف الغير 
وعليه فــ "المدني" هنا لا يقابل "العسكري" بل "الديني"، ومنه حديثنا عن زواج ديني يعقد في الكنيسة وآخر مدني يعقد في البلدية.

أطروحة النص: تتحدد مشروعية الدولة انطلاقا من الغاية التي أنشئت من أجلها ألا وهي الحفاظ على الخيرات المدنية من حياة وحرية وملكية دون المساس بالعقيدة الدينية.

الممتع في الحصة:  
الممتع في نظري هو الأثر الذي تتركه المعارف الفلسفية لدى المتعلم ! أي قدرتها على استفزازه ومخاطبة عالمه الذهني أو الوجداني لبيتفاعا معها بصدق وعمق
الممتع هنا تعليقان:
أحدهما لتلميذ: "لكن الدولة في المنظور الإسلامي مطالبة برعاية النفوس ومحاربة المبتدعين!" وما لبث النقاش أن أفضى إلى: أن المقصود هو منعهم من إثارة الفتنة الاجتماعية وليس إرغامهم على اعتناق عقيدة معينة ! إذ لا معنى لأن ترغم من يعتقد أن الملائكة المرافقين للإنسان إثنان إن كان هو يعتقد أنهم ثلاثة !
أضاف صاحب التعليق أن الحاكم في دولة إسلامية قد يلجأ الحالكم على التدخل في خلاص النفوس بطريقة غير مباشرة من خلال بناء المساجد..
والتعليق الثاني لتلميذة:
لماذا يقول لوك: "وإذا أراد أحد انتهاك هذه القوانين على الرغم مما هو مسموح به وشرعي فإن تجرؤه ينبغي أن يقمع بواسطة الخوف من العقاب، والعقاب هو حرمانه من كل أو بعض هذه الخيرات التي كان من حقه، بل من واجبه، أن يتمتع بها لو لم يفعل ذلك."
كيف لا يكون التمتع بالخيرات حقا فقط بل واجبا؟ كيف يمكن أن يكون تمتعي بحريتي أو بحياتي واجبا وليس مجرد حق!!؟ هل أنا مرغم وملزم بالتمتع بها مثلا؟  

سياق النص:
لم أجد داعيا للتذكير بالسياق التاريخي النص قبل الانتهاء من الاشتغال على النص، حتى لا أؤثر على هذا الأخير فيغدو مجرد تحصيل حاصل. أي مجرد تعرف على ما نعرفه "حول النص"
والهدف من التذكير بسياق النص هو بيان كيف أن الفلسفة ليست سوى خلاصة روحية لعصرها، وأن تفلسف الفيلسوف لا يبتغي في النهاية سوى قراءة الواقع وتحليله، وليس التحليق في سماء المجردات !!
يتثمل سياق النص في الحروب الدينية التي مزقت أوروبا عامة وانجلترا خاصة منذ حركات الإصلاح الديني، لذلك فتصور لوك لغايات الدولة ولمجال سيادة السلطة المدنية إنما يهدف إلى تكريس التسامح والسلم المدني/الاجتماعي

تطوير أطروحة النص
الغرض من هذه الفقرة هو تأويل أفكار النص في اتجاه يمكننا -وبنوع من السلاسة - من الانفتاح على الموقف المقبل لهيغل الذي يتلخص في أن " الفرد لا يملك من الحقيقة ولا من الموضوعية ولا من الأخلاق إلا بمقدار ما هو عضو في الدولة"
يمكن أن نستنبط من اطروحة لوك مايلي:
أ- الفرد مقدّم على الدولة
ب- تستمد الدولة مشروعيتها من غايتها المتمثلة في حماية الخيرات المدنية للأفراد
ج- الدولة مجرد وسيلة
الخلاصتان أ و ب تضعان لوك أيضا ضمن التصور الليبرالي للدولة

http://falsafa.info/nasslockehegel.php