السيادة والعبودية
 
2012-08-12   

ذا كان الحيوان يقف عند مستوى مجرد الإحساس بالذات، يرتفع الإنسان إلى مستوى أعلى هو مستوى الوعي بالذات. ولا يكشف هذا الوعي بالذات عن نفسه في التأمل والمعرفة، وإنما في الرغبة. والرغبة تتجه إما إلى هدف طبيعي أوهدف غير طبيعي. وفي الهدف الطبيعي، تظل الرغبة حيوانية، وتبقى مجرد إحساس بالذات. أما إذا اتجهت الرغبة إلى هدف غير طبيعي، أي إذا انصبت على رغبة مثلها، فإنها تبلغ عندئذ مستوى الوعي بالذات. ولنأخذ علاقة الرجل بالمرأة، كمثال. إن مجرد انصباب رغبة الواحد منهما على "جسم" الآخر (موضوع طبيعي) لا يجعل من الرغبة، رغبة إنسانية. أما إذا انصبت رغبة الواحد منهما على "رغبة" الآخر، أو بكلام آخر، إذا عبر واحدهما عن رغبته في أن يكون مرغوبا فيه ومحبوبا ومعترفا به من الآخر، فالرغبة تصبح عندئذ، رغبة إنسانية.
وكل رغبة بما هي رغبة، هي رغبة في قيمة، والقيمة العليا بالنسبة إلى الحيوان هي المحافظة على حياته الحيوانية. والقيمة العليا بالنسبة للإنسان، تتجاوز مجرد الرغبة في البقاء حيا، إلى الرغبة في الاعتراف. فلكي يختلف الإنسان جوهريا عن الحيوان، لكي يكون إنسانيا حقا، ينبغي أن يكون مستعدا للمخاطرة بحياته الحيوانية من أجل تحقيق رغبته في الاعتراف. فهذا الاستعداد لخوض الصراع حتى الموت من أجل تحقيق الرغبة في الاعتراف هو خلاصة التاريخ البشري وذروة التحقق الإنساني وأصل كل حديث عن الوعي بالذات. وهذا الصراع يفترض، كما هو واضح، تعدد الرغبات ، لكنه يفترض أيضا تفاضلها وتمايزها. والتعدد أمره مفهوم. أما التفاضل فيفترض أن أحد الخصمين المتصارعين سيرفض المخاطرة بحياته من أجل إرضاء رغبته في الاعتراف. وسيعترف هو على العكس بالآخر، من غير أن يعترف هذا الآخر به. وبذلك يخضع هو بينما يتميز الآخر ويتسيد. الوعي بالذات إذن ليس واحدا بل اثنين متمايزين أحدهما مستقل والآخر خاضع. أحدهما "سيد" والآخر "عبد".
وإذا كان صحيحا ان تاريخ البشرية العام هو تاريخ الجدل بين "السيادة" و"العبودية"، فإن هذا الجدل لن يتخذ معناه الكلي إلا داخل التصالح عن طريق التركيب. وعندئذ ستجد الرغبة الإنسانية إشباعها التام، ويبلغ التاريخ حده النهائي، ويحل محل الإنسان كما نعرفه الآن، والذي هو سيد من ناحية وعبد من ناحية أخرى، الإنسان الأخير الذي هو لا سيد ولا عبد بل مركب منهما.

ألكسندر كوجيف مدخل لقراءة هيجل
http://alexandra.ahlamontada.com/t1434-topic



 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1808683 :: Aujourd'hui : 87 :: En ligne : 2