حنة أرندت ناقدة النظم الشمولية والفكر الصهيوني
 
2010-08-21   


حوليات ماربورج تنشر رسائل جديدة لها


رسائلها المكتشفة حديثاً تكشف عمقاً جديداً لعلاقتها بمارتن هيدجر
العلاقة بين التلميذة والأستاذ تتحول لقصة حب القرن العشرين
كوشنر: حنة أرندت كانت عاشقة لشيئين هيدجر والفلسفة
حنة تشكك في ألمانية هيدجر في إحدى رسائلها بسبب كاثوليكيته
هل توسط هيدجر سراً لدى النازيين للإفراج عن حنة أرندت؟



بقلم - باسم توفيق:حينما سُئل المشرع الروماني شيشرون بينما تقوده قوات اوكتافيوس للإعدام عن ماذا يتمنى قال (اتمنى أن اعرف الآن ماذا سوف يقول التاريخ عني) ومن نفس المنطلق كان فلاسفة البدايات من القرن العشرين يضعون نصب أعينهم ماذا سوف يقول التاريخ عنهم ربما أيضاً قد غفل التاريخ بعضهم وأنصف بعضا آخر لكن على أية حال كل يوم تكشف الوثائق الجديدة عمقا آخر للأشخاص والأماكن والأحداث.

في الشهر الماضي نشر قسم الفلسفة في جامعة ماربورج الألمانية في حولياته جزءاً من مجموعة خطابات أرسلتها الفيلسوفة الكبيرة حنة أرندت إلى أستاذها الفيلسوف الكبير مارتن هيدجر وكانت هذه الرسائل قد اكتشفت العام الماضي بين مجموعة أوراق وكتب كان قد أهداها المشرف على مكتبة هيدجر إلى الجامعة وتعتبر هذه الرسائل تراثاً جديداً يضاف إلى تاريخ حنة ارندت تلك المفكرة اللغز التي شغلت عقول المحللين ونقاد الفلسفة لعقود طويلة.

يقول سام كوشنر الكاتب والناقد الذي نشر الخطابات (كانت مجموعة الخطابات مفاجئة لي ولعل الذي أهداها للجامعة لم يفطن لها لكن الحقيقة انها تضيف عمقاً وبعداً جديداً لأرندت أقول ذلك لأنني رأيت فيها أرندت عاشقة متيمة بشيئين مختلفين وهما هيدجر والفلسفة حيث درج في اعتقادنا دائماً ان الحكمة تتعارض مع الاستسلام للعواطف لكن أرندت تثبت في خطاباتها لهيدجر عكس ذلك).

ولدت حنة ارندت لعائلة علمانية من يهود ألمانيا بالقرب من هانوفر، وتربت بين كونسبرج وبرلين. وتعتبر محطات سيرتها الذاتية بحد ذاتها تجسيداً لأهم أحداث وخصائص هذا القرن الدموي بحيث يمكن القول مع إرنست جيلنر (ان حياة هذه الناقدة اللاذعة تجسد أيضاً جملة الحياة الفكرية والسياسية في عدة قرون أوروبية) .

فعلى الرغم من انجذاب أرندت لدراسة الفلسفة منذ صغرها ثم انتظامها في دراستها بشكل نظامي في الجامعة حيث درست الفلسفة في جامعة ماربورج مع مارتن هيدجر، الذي دخلت معه في علاقة طويلة، رومانسية وعاصفة، والتي كانت قد انتقدت في وقت لاحق بسببها اثر دعم هيدجر للحزب النازي بينما كان يشغل منصب عميد جامعة فرايبوج.

جاء وصول النازيين وإيديولوجيتهم الشمولية إلى الحكم في ألمانيا في عام 1933 شكل نقطة تحول مركزية في حياة ارندت دفعتها إلى الابتعاد عن الفلسفة بمفهومها النظري البحت والتوجه إلى العمل السياسي بشكل عملي.

لكن أيضاً تكشف الخطابات عن انها لم تكن ترى ذلك الخطر في الحزب النازي في بدايته حيث تخبر هيدجر في احد الخطابات (ليس عليك ان تجزع من وصول حزب عنصري إلى السلطة فالحقيقة ان التميز في بعض الأحيان يفيد نظرية تأكيد الهوية فألمانيا التي نعيشها الآن ليست هي ألمانيا منذ خمسين عاماً فالأعراق والاصول تختلط بشكل متلاحق. فرنسيون وأرمن وسويسريون وإيطاليون أصبحوا يشكلون بعضاً من ذلك النسيج أنت أيضاً يا حبيبي قد تكون في الأصل لست ألمانياً أذن لماذا انت كاثوليكي) بالطبع قد تكون أرندت تمزح مع هيدجر في انه ربما له أصول ليست ألمانية لأنه كاثوليكي لكن على الأقل قد اثارت هنا أرندت فكرة مهمة وهي ان التمييز بين كاثوليك ألمانيا والغالبية العظمى من البروتوستانت كان أمراً واقعاً كذلك يذكر كوشنر أن هذه أول مرة وفي هذا الخطاب بالتحديد تصف أرندت هيدجر بكلمة (حبيبي).

علينا أيضاً الا نتعجب من هذه الصيغة بين تلميذ وأستاذه حيث نعرف ان هيدجر قد قرب تلاميذه إليه بشكل كبير بغض النظر عن وقوعه في حب أرندت من عدمه ما دفع بعض النقاد ان ينتقدوا هيدجر من خلال تلاميذه كان كتاب (أطفال هيدجر) لريتشارد والن من أهم الكتب الذي اتبع هذه الفكرة حتى انه يصفهم (ولو من قبيل المزاح) بأبناء الشيطان.

ونعود مرة أخرى للعلاقة بين أرندت وهيدجر والتي تسمى في الأوساط الفلسفية بـ (قصة حب القرن العشرين) حيث توصل شتفان هوكس في كتابه الشهير (بين الحب والفلسفة) ان هيدجر كان واقعا في حب أرندت أيضاً ولم تكن العلاقة من طرف واحد كما صورها البعض لكن الحقيقة ان هيدجر كان حذراً جدا في اخفاء مشاعره لأنه كان كاثوليكيا متزوجا ويعيش في مناخ محافظ كما ان إعلانه لهذا الحب كان من شأنه ان يقضي على سمعته الأكاديمية أيضاً.

وعلى ما يبدو ان أرندت كانت مدركة تماما لهذه المخاطر التي تكتنف علاقتها بهيدجر وخاصة مدى تأثير ذلك على مستقبله من هنا قررت أرندت ان تترك الدراسة عند هيدجر وأن تكمل دراستها عند صديقه ومعاصره الفيلسوف الكبير كارل ياسبرز حتى نالت الدكتوراه في الفلسفة عام 1928.

ولقد أثبتت الخطابات المكتشفة حديثا ان أرندت كانت مشفقة على مستقبل هيدجر فهي تقول في أحد الخطابات (ارجو ان لا تلقى باللائمة علي بل استميحك عذرا ان تلقي باللائمة على قلبي حيث دفعني دفعا لأمد يدي لأتحسس وجهك حينما كنت تتحدث... انت لن تعرف أبداً مدى وحشة عشرين يوما قضيتها في درسدن بعيدا عني... كانوا عشرين عاماً... كانت سجائري تطير بالدخان وقطع من قلبي... ارجو ان تلقي باللائمة على قلبي وليس يدي أو شخصي).

يقول كوشنر ان هذه المقطوعة تصلح ان تكون جزءا من قصيدة حب مفعمة بالمشاعر حيث كانت تخشى أرندت على هيدجر من اندفاعها في مشاعرها وهي بالأساس تخشى ان يعكر ذلك الجو الأسري الذي يعيش فيه هيدجر حتى أنها تقول له في احد خطاباتها (انها لجد سعيدة هذه المرأة التي تدعى زوجتك انها أسعد مخلوقة في الكون لأنها تنعم بين أحضانك بالحنان... لكنها مدينة لي بجزء كبير من هذه السعادة).

هنا يؤكد المحللون ان هيدجر أيضاً كان متيماً بحنة أرندت لأنه إن لم يكن كذلك ربما لم يكن يسمح لها بأن تقول هذه الجمل وإلا لما احتفظ بهذه الخطابات كل هذه السنوات.

وفي صيف عام 1933 اعتقلت المخابرات النازية حنة أرندت، ثم أطلقت سراحها فيما بعد. ثم نجحت هذه "اليهودية الألمانية المطاردة من قبل النازيين"، على حد تعبيرها، في الهروب من براثن النازية إلى باريس ثم إلى نيويورك، حيث عملت صحفية، ومراجعة لغوية ومحاضرة جامعية وبدأت عملها السياسي الحقيقي، فسعت لاستكشاف أصول الأنظمة الشمولية حيث وضعت أرندت الشكلين الأكثر بروزا للأنظمة الشمولية وهما النازية الألمانية والستالينية الروسية تحت المجهر في كتابها الموسوعي "أصول الشمولية" إدراكاً لخطورة هذه النظم والأهم خطورة الاعتقاد بأنها أصبحت تنتمي إلى الماضي واكدت أرندت التحدي الذي تثيره هذه الإيديولوجيات باعتبارها تشكل انبثاقا لظاهرة جديدة جذريا تجبر كل الباحثين على القيام بمراجعة كاملة لأدوات التحليل العلمي المعهودة، علاوة على أنها انعطافة نكوصية لم يشهدها تاريخ الفكر الأوروبي قبل ذلك.

ويقول المؤرخ وكاتب السير يوهان فريدريش (إن هناك احتمالا كبيرا لأن يكون هيدجر قد توسط لدى أحد القيادات النازية الكبيرة للإفراج عن حنة أرندت حينما تم اعتقالها حيث كان هيدجر مقربا من كبار رجالات النازية).

ونحن نميل لتصديق رأي فريدريش لأن هناك دلائل كثيرة عليها أهمها ان امر الافراج عن أرندت مجهول السبب ومن يؤكدون أن هذه الافراج يعود لوضعها كمفكرة فلسفية لا يستند الى مبرر قوي فلقد كان هناك الكثير من الرجال والنساء ذوي الثقل العلمي والأدبي وتم ارسالهم إلى معتقلات الجيتو الشهيرة على سبيل المثال لا الحصر استر كوفمان وهي من أشهر مهندسات ألمانيا.

والذي يدعم رأينا أيضاً هو أن هناك دلائل قوية ان هيدجر سهل لها أيضاً الهروب لباريس قلقد ذهبت الى باريس ومكثت فترة عند الينا كريفت وهي إحدى قريبات هيدجر كما يقول فريدريش أيضاً.

وحينما شعرت أرندت بمدى الخطر الذي يشكله الفكر الصهيوني بدأت بمناهضة هذه الحركة المدمرة للهوية اليهودية على عكس زعم الحركة بتأكيد الهوية وكانت أرندت في بداية حياتها منضمة لإحدى هذه المنظمات لكنها فطنت بعد ذلك لمدى الكراهية والحقد التي يحملها باطن هذه الحركات النفعية على حد تعبيرها

واللافت ان أرندت لم توجِّه نقدها إلى زعماء الصهيونية فحسب، ولكنها أنكرت كلَّ شرعية يمكن أن يدعيها أو يتظلَّل بها المشروع الصهيوني. وهي، إذا كانت تعاونت في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الفائت مع بعض المنظمات الصهيونية، فإنها في العام 1948 كانت من الأصوات المعارضة لإقامة دولة يهودية في فلسطين، بالإضافة إلى الخلاف السياسي مع الحركة الصهيونية في كيفية التعامل مع "المسألة العربية" في فلسطين.

والحال إن أرندت لم تُخْفِ يومًا أنها تأثرت بما أشاعته الصهيونية من "نظر نقدي، وتحديدًا النقد الذاتي في أوساط الشعب اليهودي". وقيمة الصهيونية، في رأيها، "أخلاقية في الدرجة الأولى"، بمعنى أنها تحرر الأفراد اليهود من الضرورة المستمرة لتقديم الدليل على نيَّاتهم الحسنة، ومن هُجاس اليهودي المندمج "في أن يكون يهوديًّا أو لا يكون".

كما شددت في معرض نقدها المبدئي لاستراتيجية عمل نخبة "الواقعية السياسية الصهيونية"، التي قادها هرتزل، على أن "قياديي الحركة الصهيونية تناسوا هذه الحقيقة"، معتبرة أن ذلك يعود إلى "ابتعاد هؤلاء عن المثالية الأدبية اليهودية واندراجهم في لعبة القوى العظمى القائمة على منطق القوة".

وفضلا عن ذلك هاجمت الفيلسوفة الملتزمة أرندت مؤسس دولة إسرائيل دافيد بن غوريون، الذي كان يوصف في المرحلة السابقة لتأسيس إسرائيل بالاعتدال، واعتبرته "أصوليا قومويا يحاول الهيمنة على الشعوب المتوسطية ولا يحاول كسب تعاطفها.

"فالعمل السياسي يبقى، وفق رؤية حنة ارندت، بالدرجة الأولى مسؤولية أخلاقية تجاه الآخر! كما أن مغزاه الحقيقي يجب أن يتمثل في الدفاع عن حرية وآدمية الإنسان بغض النظر عن المكان والزمان وهذه مجرد أضواء بسيطة على فكرها لكن تظل حنة أرندت كأنثى وعلاقتها بهيدجر لغزا مازال يحوي العديد من الأسرار على الرغم من ان الخطابات المكتشفة حديثا والتي بدأت حوليات جامعة ماربورج نشرها الشهر الماضي تعتبر هذه الخطابات إضاءة جديدة على تلك العلاقة العاطفية التي اشتهرت بـ (قصة حب القرن العشرين)

http://www.raya.com/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=511690&version=1&template_id=48&parent_id=42




 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1858208 :: Aujourd'hui : 1329 :: En ligne : 9