نص فلسفي حول التواصل
 
2009-11-25   

 





الاتصال عند عالم اللغة واقعة صريحة، بل من أكثر الوقائع صراحة و وضوحا. فالناس تتكلم حقا مع بعضها. لكن الاتصال في البحث الوجودي هو لغز من الألغاز، بل أعجوبة من الأعاجيب. لماذا؟ لأن الوجود معا، الذي هو شرط وجودي لإمكان أي بنية حوارية للخطاب، يبدو و كأنه طريقـة في التعـدّي على العزلة العميقة المضروبة على أي وجود إنساني والتغلب عليها. ولا أعني بالعزلة كوننا نشعر في الغالب بالاعتزال عن زحام ما، أو كوننا نعيش أو نموت فـُـرادى، بل أعنى، بمعنى أكثر جذرية، أن ما يجربه شخص ما لا يمكن نقله من حيث هو تجربة كاملة بعينه إلى شخص آخر سواه. تجربتي لا يمكن أبدا أن تصير مباشرة تجربتك. والواقعة التي تدور في خَـلَدِ إنسان لا يمكن أن تنتقل كما هي إلى خَلَدِ آخر. لكن هناك، مع ذلك، شيئا يعبر منّي إليك. شيء ينتقل من نطاق حياة إلى أخرى. و ليس هذا " الشيء ما " هو التجربة، كما تمّ تجريبها، بل معناها. و هنا تكمن المعجزة. حيث تظل التجربة، بما هي تجربة، و كما عيشت، أمرا شخصيا خاصا، لكن مغزاها و معناها يصبحان عامّين، و على هذا النحو يصبح الاتصال انتصارا على عدم إمكان نقل التجربة المعيشة كما عيشت.
يستحق هذا الوجه الجديد لجدل الواقعة والمعني شيئا من الاهتمام. و ليست الواقعة هي التجربة كما عُــبِّـر عنها و نـُـقِـلت فقط، بل هي التبادل فيما بين الذوات نفسه، هي حدث الحوار. فالحوار واقعة تربط بين واقعتين، هما التكلم، و السماع. و من خلال هذه الواقعة الحوارية يصير الفهم بوصفه معنى أمرا متجانسا.

بول ريكور، نظرية التأويل: الخطاب و فائض المعني ، ً 43 ـ 44




 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2291486 :: Aujourd'hui : 830 :: En ligne : 15