نص لهيجل عن الفن:الحقيقة والجمال
 
2015-06-01   

النص لو يفكّر الفنّان على طريقة الفيلسوف لأنتج عملا مناقضا تماما للأثر الفنّيّ من جهة الشكل الذي تظهر فيه الفكرة, لأنّ دور الخيال يقتصر على الكشف لأذهاننا عن علّة و ماهية الأشياء, لا في مبدأ أو تصوّر عام, و لكن في صورة حسّية و في واقع فرديٍ. و بالتالي فإن كل ما يتحرك و يتخمّر في خاطر الفنّان, لا يستطيع هذا الأخير أن يتمثّله إلاّ عبر الصور والمظاهر الحسّية التي جمّعها, في حين أنه يستطيع في نفس الوقت التحكّم في هذه المظاهر الحسّية ليجعلها ملائمة لهدفه و ليجعلها تتقبّل و تعبّر عن الحقيقة في ذاتها بطريقة كاملة. و في هذا العمل الفكري الذي يقتضي تشكيل و صهر العنصر العقلي و الشكل الحسّي في مجموع, على الفنّان أن يستدعي, لمعونته, ذهنا ناشطا و شديد اليقظة, و في ذات الوقت, حسّ حي و عميق. إنّه لمن الخطأ الفظّ, إذن, أن نعتقد أن قصائد مثل قصائد هوميروس تشكّلت كالحلم عند نوم الشّاعر. فبدون التفكير الذي يحسن التمييز و يحسن الفصل و يحسن الإختيار يكون الفنّان غير قادر على التحكّم في الموضوع الذي يريد إنجازه, و أنه من المضحك أن نعتقد أنّ الفنّان الحقيقي لا يعرف ما يفعل. هيقل:دروس في علم الجمال حلل هذه النص و ناقشه مستعينا بالأسئلة التالية : * ما الفرق بين الفلسفة و الفن حسب الكاتب ؟ * كيف يحدد هيقل علاقة الشكل بالمضمون ؟ * هل توافق الكاتب في نقده لنظرية الإلهام الفنّي ؟



 
تفاعلات الأصدقاء

2015-06-01
aza

التحرير : يسود الاعتقاد بأن الإبداع الفنّي يحصل بشبه عمل سحري، لا يعلم سرّه أحد. و أن الفنّان ذاته لا يستطيع تفسير ما يقوم به، فهو كالأداة في يد قوّة غير مفهومة تقوده، دون وعي منه, في عمله الإبداعي. إلاّ أنّ هيقل، في نصّه المقتطف من «دروس في علم الجمال»، يذهب عكس ذلك، حيث يرى أن الفن بما هو تعبير عن تمثّلات الروح، هو،تماما مثل التفلسف عمل فكري، لكن عمل فكري يستند إلى الخيال و يقتضي صهر العنصر العقلي و الشكل الحسّي. فما طبيعة الإبداع الفنّي؟ و ما الفرق بين نمط التفكير الفلسفي و نمط التفكير الفنّي؟ وكيف تتحدّد علاقة الشكل بالمضمون في العمل الفنّي؟ ثمّ ما هي مرتكزات هيقل في نقده لنظريّة الإلهام؟ و إلى أي مدى يمكن اعتبار الفنّ عملا فكريّا؟جلي، إذن، أنّ ما يراهن عليه هيقل في هذا النصّ, هو أن يجعل من الفن مسألة جدّية، حتّى يرتقي بالذوق الفنّي إلى مستوى التطلّعات الرّوحيّة للشعوب. إن كل تفكير بالنسبة لهيجل يعني إنتاج أفكار، و رغم كون الفكرة يمكن تمثلها بطرق مختلفة فان وجود فكر يعني وجود تفكير، عمل ثقافي ومفهومي. إلا أن التفكير الفلسفي تفكير خاص: فالفيلسوف هو الشخص الذي يأخذ الفكر المحض كموضوع، لكن هذا لا يعني أن الفيلسوف يبقى في التجريد المحض و الفارغ على غرار الريبي، ولكن يعني أن تفكيره ليس ترجمة مباشرة أو إعادة إنتاج للواقع، فأن نفكر فلسفيا هو أن نفكر بالكيفية التي تجعلنا نجد تدريجيا محتوى التفكير عبر أنماط و وسائط, مراحل وسطية تثري الفكر وتوضح الفكرة. والفيلسوف من هذا المنطلق هو الذي يظهر لنا الفكرة في شكل ما، بخطابه وبنظريته. وهذا الشكل هو الشكل الفلسفي الاستدلالي. ذلك أن اللغة المفهومية هي أداة الفيلسوف، تماما كما تمثل الريشة والألوان أدوات للرسام. فالفكرة يمكن أن تقدم في أنماط مختلفة باختلاف ضروب الفكر الذي ينتجها ويظهرها، ففي حين أن فكرة السلم يقدمها الفنان في شكل رمزي، "حمامة بيضاء"، مثل ما هو الشأن مع بيكاسو مثل, فإنها تتخذ من الخطاب الفلسفي شكلا نظريا و مفهوميا في تناقضها مع فكرة الحرب. وهكذا يستطيع هيقل أن ينقد الفنان الذي يأخذ عن الفيلسوف طريقته المميزة في التفكير، لأنه في هذه الحالة، لن ينتج أثرا فنيا ولكن انتحالا لفكر فلسفي، و عوض أن يعبر عن الفكرة التي يريد إظهارها في شكل فني, يقدمها في شكل شبه فكرة فلسفية. وهكذا عندما يحاكي الفنان الفيلسوف يكون إنتاجه مناقضا للأثر الفني لأنه لا يحترم خصوصية وأصالة ضرب الفكر الفني . ولكن فيما تتمثل هذه الخصوصية؟ إن العنصر الأساسي الذي يميز ضرب التفكير الفني على التفكير الفلسفي, هو الخيال. والخيال بالنسبة لهيقل ليس خاصية فلسفية فهو ليس جوهريا في إنتاج الأفكار الفلسفية، في حين أنه يمثل الأداة الأساسية والمفضلة بالنسبة للفنان عند تعبيره عن الواقع. لكن يجب أن نلاحظ أنه إذا كان الخيال يحقق للفنان أصالة منظوره, فإنه يصنع في نفس الوقت بعض الحدود. فبخياله, يصل الفنان مباشرة و دون واسطة إلى"علة و ماهية الأشياء" أي أن الخيال يمكّنه من استكناه عمق ومعنى الأشياء عبر الصور وأشكال والتمثيل. و عوض أن يحصل على هذه المعرفة، على طريقة الفيلسوف, أي انطلاقا من مبدأ ما أو من تصور عام، يرى الفنان، بفضل الخيال, الأشياء في صورة حسية, في واقع فردي, ومن هذا المنطلق تكون الطريقة التي يتمثل بها الفنان الأشياء دائما أكثر ذاتية, أكثر فردية, وبالتالي محدودة أكثر من طريقة الفيلسوف، فهذا الأخير يذهب بأقل سرعة نحو ماهية الشيء بما أنه في حاجة لكي يظهرها لنا في شكل فكرة, إلى عمل مفهومي طويل يتضمن عدة وسائط, و تكون حقيقة تمثلا ته أكثر كونية من تمثلات الفنان. الخلق الفني ينشأ،إذن، عن دور الخيال و عن طبيعة الأشكال المُفَكَّر فيها التي ينتجها الخيال، لكن ما يريد الفنان التعبير عنه هو كل «ما يتحرك ويتخمر في خاطره»، وهيقل يقدم من خلال هذه الصورة فكرة حركة تهز أفكار الفنان في داخليته، وإنه لفي هذه الداخلية شبه المبهمة لذهنه أين تهتز، تعتمل و تتخمر الأفكار, دون أن نستطيع تصوّر مأتاها و لا كيف يستطيع الفنان إخراج هذه الحياة الداخلية. المشكل هو إذن مشكل تمثل , الفنان عليه أن يتمثل هذا العالم الداخلي الذي يهزه في نفس الوقت الذي عليه فيه أن يوجد أشكال تمثلها للآخر عبر الأثر الفني. عليه إذن أن يترجم في أشكال حسية الأفكار التي توجد في ذهنه، وهنا بالذات يتدخل خياله. فالفنان هو ذاك الذي يُجَمَّع بإدراك حاد وحدّة الصور والمظاهر الحسية التي يقدّمها له الواقع الخارجي، فيخزّنها, و يمتلكها حتى يستطيع فيم بعد استثمارها ليعطي شكلا لأفكاره الخاصة. و هذه القدرة المميزة للفنان تمثل، في نفس الوقت, حدا له, إذ أنه لا يستطيع مثلا أن يعطيها شكلا مفهوميا مثل الفيلسوف. و مع ذلك فإن هذه الترجمة للفكرة الداخلية في شكل المظاهر الحسية ليس عملا ميكانيكيا بسيطا, إنها تفترض عمل الفنان، عمل مطابقة و ملاءمة، بالكيفية التي تجعل الأشكال تُطيع وتخضع للهدف، أي التعبير عن الفكرة. فليس الشكل في ذاته ولذاته الذي يحدد الأثر الفني : إنه العمل الذي بموجبه تجد الفكرة شكلها، و ليس أي شكل بل الشكل المعبر عن الفكرة. لذلك ليس من باب الصدفة أن يستعمل هيقل في مطلع الفقرة الثانية أفعال النّحت، صهر و تشكيل، ليصف العمل الذي يجمع فيه الفنان ما هو عقلاني وصوري، فهذا العمل هو عمل ثقافي، بمعنى أنه يحصل في ذهن الفنان ذاته، و يمثّل استباقا للعمل الجمالي واليدوي الذي يعطي الشكل للأثر الفني. فكل أثر فني هو نتيجة عمل يجمع العنصر العقلي (الفكرة ) والشكل الحسي، و الجمال يكمن في قدرة التحكم في الشكل الملائم للفكرة, في خضوع الشكلانيّ للمفهوميّ. فليس هناك جمال استيتيقي للمفهوم المحض تماما مثلما ليس هناك قيمة جمالية للشكل الفارغ من كل فكرة. لذلك كان على الفنان أن يكون له في نفس الوقت ذهنا ناشطا وحسا عميقا, لأن الأثر الفني ينتج عن الجمع بينهما. وهكذا نتبين أن هيقل يلح على أهمية النشاط الذهني والعقلي في الإبداع الفني وهو نشاط لا يؤخذ، في كثير من الأحيان، بعين الاعتبار أو على الأقل، لا يقدر حق قدره, إذ أننا نميل إلى الحكم على جمالية الآثار الفنية انطلاقا من أشكالها رغم أننا نحكم أيضا على بعض الأعمال بكونها صورية فارغة عندما تخلو من هذا البعد العقلي. وهنا بالذات تكمن أهمية المقاربة الهيقلية، فرغم كون ما نلاحظه في الوهلة الأولى في العمل الفني ليست الفكرة التي يعبر عنها الشكل, يمكن أن نقول أن الأثر الفني، بالنسبة لهيقل، يقتضي حضور الفكر من خلال الشكل دون أن تدوس الفكرة الشكل، أي أن نجاح الأثر الفني ينتج عن التوازن الناتج عن العمل الذهني للفنان بين الشكل والمضمون. من الواضح إذن، أن أسطورة الفنان المُلهم و المبدع لاشعوريا بوحي شبه سحري أو إلهي, هي بالذات ما ينتقدها هيقل في هذا النص, فإذا كان النشاط الذهني ضروريا للإبداع الفني ,إذا كان ذهن الفنان يجب أن يكون لا فقط يقضا بل ناشطا أيضا فإن وهم الحدس المبصر في الحلم من طرف الفنان لا يمكن أن يكون إلا خرافيا. ثم من يصدق هذا الوهم أمام صرامة الإيقاع في أبيات شعر هوميروس، و أمام البحث عن المجازات التي توشّي الأوديسا, من يصدق أن هوميروس أنتج مثل هذه الرائعة الفنية بطريقة لاشعورية أو رغما عنه.إن الفن ليس عملا عقليا محضا، و لكن الفنان هو دائما مفكر يستعمل عقله وفكره ليختار الأشكال التي يعبر بها عن أفكاره. والفنان الذي لا يتحكم في موضوعه و يترك نفسه لقوة إلهام خلاق, لا يستطيع أن يصيب هدفه. وحتى عندما يترك في الظاهر القواعد الكلاسيكية والصورية للخلق الإنشائي, يبقى الفنان سيد الأشكال التي يفرضها على الفكر, فالمعرّي ألزم نفسه بما لا يلزم في اللزوميات , لكن إبداعاته لم تكن حرة وفوضوية بل إن الحرية الظاهرة التي مارسها جعلت من الممارسة الفعلية والمتواصلة لعقله أكثر ضرورة.إن هيقل هو أحد أهم الفلاسفة الذين حاولوا فهم وتفسير ميكانيزمات الإبداع الفني في تفكيره حول الجماليات. و يرفض بقوة الأحكام التي تختزل الإبداع في الإلهام فالفنان لا يقدم ميكانيكيا إلهاما, ولكن في نفس الوقت الذي يؤكد فيه على أهمية العمل الذهني للفنان, يرفض اختزال الفن في الفلسفة يرفض المماهاة بين الإبداع الفني و الإبداع المفهومي.
xdeègh


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2307029 :: Aujourd'hui : 580 :: En ligne : 7