إلى أي مدى يمكن القول بنفعية الأثر الفني؟
 
2015-05-29   

إلى أي مدى يمكن القول بنفعية الأثر الفني؟



 
تفاعلات الأصدقاء

2015-05-29
abc

إلى أي مدى يمكن القول بنفعية الأثر الفني ؟ التحرير : توجد في كل المجتمعات و الدول العصرية هياكل تهتم بالفنون الجميلة، وهي هياكل ترتبط عموما بالمسألة الثقافية، مما يتضمن تحديد الإبداع الفني باعتباره عملا ثقافيا يتسم بالجدية و يرسي قيم جمالية أصيلة تليق بالإنسان من حيث هو كائن ينتج وجوده لذاته. غير أن بعض المواقف البراقماتية لا ترى في الفنون الجميلة إلا مجالا لإنتاج آثار نافعة، و بالتالي تكون غاية الأثر الفني مرطبة بالمصلحة. فكيف تتحدد قيمة الأثر الفني؟ هل تتحدد بالمنفعة المادية أم بما أراد الفنان أن يعبر عنه من تمثلات روحية لامصلاحية؟ و إلى أي مدى يمكن أن تحدد المصلحة جمالية الأثر الفني؟ ثم كيف يمكن أن نقيم الأثر الفني حتى نرد الاعتبار للفن في عصر غدى فيه الفن سجين العلاقات الاقتصادية؟ لا غروي أن الإقرار بأن قيمة العمل الفني تقاس بمدى منفعته، هو إقرار يتضمن أن الفن نافع، أي إن الفن وسيلة لتحقيق غاية خارجة عنه. فالفن، من هذا المنظور، ينتج أشياء يكون استعمالها مفيدا، إذ يهدف الفن إلى المفيد، و كل أثر فني تكون له بالضرورة قيمة استعمالية، غاية أُبدع من أجلها. فيتحدد الجميل تبعا لذلك بالنفع، فالجمال غير النافع هو قبح. و من هنا تبرز نفعية أو برقماتية الفن، و هذه النظرة البراقماتية تجعل من الأثر الفني قريبا من إنتاجات التقنية. كذلك هو الشأن عند اليونانيين القدامى الذين كانوا يجمعون دائما الفن و النافع، الفن و المستحب. فالأثر الفني عندهم يقوم بوظيفة، و الجميل هو النافع. و يبدو، في إطار هذه الرؤية للفن، أن الأثر الفني يشبع حاجة ما، فهو وسيلة لتحقيق غاية، و التمثال الجميل مفيد لأنه يمكن إحساسنا من التفتق و بالتالي يمكننا من الحصول على رغد ما. و وفق هذا التصور يكون الفن ناجعا، إذ يهدف إلى إشباع عملي، فهو يشبع بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة حجاتنا، و السؤال الأساسي الذي علينا طرحه أمام أثر فني هو : «لما يصلح هذا الأثر؟». و أفلاطون في محاورة «هيبياس الأكبر» يقدم تعريفا ـ سينفيه فيما بعد ـ للجميل يربط فيه الجمال و النفع، و هو تعريف السفسطائي هيبياس الذي يقول :«نحن نسمي أعينا جميلة لا تلك التي لا ترى شيئا و لكن تلك التي ترى و تصلح لهذه الغاية». و هذا يعني أن القبيح هو ما لا يصلح لشيء. ذلك هو موقف القدامى، و لكن يجب أن نلاحظ أن الجماليات المعاصرة تنحى أيضا نحو هذا الاتجاه، فالكرسي أو الأريكة الحديثة هي مواصلة للتقنية، و الجمالي في البيئة الإنسانية اليوم، بدءا بالأدوات الرائجة الاستعمال و انتهاء بتنظيم المدن ينحى إلى الوظيفي، النافع و الملائم. و الجماليات الصناعية المطبقة في البحث عن الأشكال الجديدة الملائمة لوظائف المنتوجات تلتقي بالتصور اليوناني القديم، فالجمالية الوظيفية المعاصرة تستعيد الفكرة اليونانية التي تقر أن النافع هو جوهر الأثر الفني. لكن هل يمكن فعلا أن نماهي بين الأثر الفني و المنتوجات التقنية؟ بين الفن و ما هو نافع؟ إن من يتأمل لوحة فنية يعلم جيّدا أن السؤال «لما تصلح هذه اللوحة؟» هو سؤال لا معنى له في التجربة الجمالية، إذ كيف يمكن أن يكون الأثر الفني وسيلة لبلوغ غاية؟ واقعا يكون استعماله مفيدا؟ هل أن الفن يهدف جوهريا إلى الوظيفي؟ كيف يمكن لانشراح نزيه، يدقق كانط، أن يكون في علاقة مع النافع؟ كيف يمكن أن نماهي الآثار الفنية بالإنتاجات التقنية التي هي نافعة بالماهية بما أنها تقتضي تطبيق معرفة في إنتاج خيرات مادية؟ في الواقع، تقتضي هذه الأسئلة الاستنكارية بأن الفن لا يمكن أن يرتبط بالمنفعة المادية، و عندما نخرج عن الزاوية البراقماتية يبدو أن النافع ليس له قيمة، بل أكثر من ذلك، يبدو النافع قبيح مثلما يذهب إلى ذلك الروائي الأنقليزي أوسكار وايلد في كتابه «نوايا»، فبعيدا عن إبتذالية الحياة اليومية ينتج الفن نشاطا ثمينا و لامصلحيا، ذلك أن الأثر الفني ينتزعني من عالمي الخاص و الضيق، عالم المنفعة و المصلحة و الحاجات اليومية المبتذلة، و ينعشني إذ يزج بي في عالم آخر، حتى و إن كان هذا العالم من وحي الخيال. فالأثر الفني لا يمدني بالنافع و المستحب بل عكس ذلك ينتزعني منه مثلما أقر ذلك أفلاطون في المحاورة المذكورة أعلاه عندما قال ردا على تحديد السفسطائي هيبياس للجميل :«إن القدر الجميل و الملعقة الجميلة تمكنني من مشاهدة الجمال في ذاته»، و الجمال الفني من هذا المنظور يتعالى على الوظيفة المبتذلة، و الأثر الفني لا يبدو صالحا لشيء مادي مباشر، إذ هو عمل ثقافي يمكننا من التعبير عما هو سامي في الإنسان، إذ هو «تعبير عن تمثلات الروح» يقول هيقل، و بالتالي تتحدد جماليته بالمطابقة بين الشكل المحسوس و المضمون الروحي، مطابقة تقتضي ضربا من التفكير يكون الخيال وسيلته الجوهرية. و مثل هذا النشاط السامي لا يمكن أن يرتبط بمصلحة مادية. و كانط يذهب إلى أبعد من ذلك عندما أقر في القرن الثامن عشر بأن الفن لا يمكن أن يكون وسيلة و إنما هو غاية في حد ذاته، ذلك أن الجميل في المنظور الكانطي هو موضوع حكم ذوقي نزيه، و لا نستطيع وفق هذا التصور أن نربط الفن بالنافع أو بالمصلحة العملية. و هذا يعني أن الجميل في الأثر الفني يبعدنا عن كل إشباع خبري أو مصلحي، خاصة و أن كانط كان له الفضل في التمييز بين ما يروق للحواس، أي ما يمكن أن يكون نافعا لحواسنا و هو المستحب و بين الإحساس النزيه بالإشراح الذي يمثله الجميل. فكيف يمكن للأثر الفني أن يكون نافعا في حين أنه لا يفتننا بطريقة محسوسة بما أنه يجرنا بعيدا عن العالم و يحررنا من إمبريالية رغباتنا الحسية؟ غير أن نقد الموقف البراقماتي الذي يربط بين الأثر الفني و المصلحة من قبل الموقف المثالي الذي يعتبر الفن غاية في حد ذاته، يبدو نقدا مغاليا. فهل أن النافع هو فقط وسيلة لتحقيق غاية ما؟ ألا يمكن أن يوجد نفع أوسع وأعمق من النفعية المادية الضيقة؟ هذا يعني أنه لا يمكننا أن نختزل النفع في الربح المادي فقط، إذ يمكن أن يعني النافع في معنى ثان ما هو قادر على تحقيق سعادة الإنسان. و النافع من هذا المنطلق يمكن أن يكون الكيفية التي أحقق بها الانشراح و السرور، و يكون الفن بمثابة الوعد بالسعادة. و بالتالي في ما عدى النفع المادي المباشر، يوجد نفع وجودي أعمق و أشمل، و لا يكون النافع من هذا المنظور وسيلة مرتبطة بتحقيق نتيجة ما و لكن نشاطا مرفوقا بالانشراح، نشاطا يثري الوجود الإنساني و يمكّن الفنان كما المستهلك من التفتق الروحي. ففي هذا المستوى و على عكس المنتظر تكون النزاهة ذاتها مصدرا للسعادة و الخلود، و الفن الذي هو ثمرة نشاط لا غاية عملية له يكون نافعا بما أنه ينتج قيما نوعية، فيكون الأثر الفني، في نفس الوقت، جميل و خير و نافع لأنه يسهم في سعادة الإنسان و تروحنه. جلي، إذن، أن ما يراهن عليه هذا المشكل، هو رد الاعتبار للفن في عصر غدى فيه الفن سجين العلاقات الاقتصادية التي تقوم على الربح، مما ساهم في تدهور الذوق الفني العام لدى الإنسان المعاصر، و أصبح الإبداع الفني مجرد وسيلة للتسلية أو ديكورا نجمل به منازلنا، و غدى الفنان مجرد متكسّب يسعى إلى تحقيق الربح. يتعلق الأمر،إذن، بتحرير الفن من السلطة الاقتصادية التي همشته و بالتالي تحرير الإنسان من التعامل البراقماتي الصرف مع الفن و الآثار الفنية. و هكذا نتبين أن تقييم الأثر الفني بنفعه يؤدي إلى تهميش البعد الثقافي للعمل الفني و ينزل به إلى مستوى الابتذال الذي من المفروض أن يحررنا منه. لكن رغم ذلك لا يمكن أن ننفي كل نفع على الآثار الفنية، إذ يبدو الإبداع الفني كالوعد بالسعادة و التروحن و يحقق بالتالي نفعا روحيا يخلصنا من الموقف المثالي الذي يعتبر الفن غاية في حد ذاته، ذلك أن مقولة «الفن للفن» هي مقولة صورية و جوفاء لا تخدم الفن بقدر ما تؤدي إلى نخبويته.
m_aram_16@hotmail.fr


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1867256 :: Aujourd'hui : 643 :: En ligne : 8