العدالة بين المساواة والانصاف
 
2013-05-31   

العدالة بين المساواة والانصاف
تدور الإشكالية العامة لهذا المحور حول تساؤل أساسي هو كالتالي: إذا كانت العدالة تهدف إلى خلق المساواة في المجتمع ، فهل بإمكانها إنصاف جميع أفراده؟

وللإجابة على هذه الإشكالية لا بد من مقاربة بعض المواقف الفلسفية التي تناولتها عبر تاريخ الفلسفة .

يرى أفلاطون(424-348ق.م) أن العدالة تتحدد باعتبارها فضيلة تنضاف إلى فضائل ثلاث هي: الاعتدال والشجاعة والحكمة ، فالعدالة حسب هذا الأخير هي أن يؤدي كل فرد الوظيفة المناسبة لقواه العقلية والجسدية والنفسية ، فهي (أي العدالة) تتحقق على مستوى النفوس حيث يحدث انسجام بين القوى الشهوانية والعقلية لدى الإنسان فالضامن الوحيد لتحقيق الفضيلة والعدالة هو الدولة التي تملك سلطة القانون والحكمة وتبعا لذلك فإن الوظائف التي تستدعي قدرات عقلية وانسجام الغرائز مع العقل ستكون من نصيب الحكماء والفلاسفة لأنهم هم القادرون على تحقيق الحق والعدالة.
الشيء الذي سيختلف معه أرسطو( 384-322ق.م ) فالعدالة بالنسبة إليه لم تعد صفة من صفات النفس بل فضيلة مدنية والعدالة قد تلحقها أخطاء لذلك فإن الإنصاف وحده يصلح قوانين العدالة فالعدالة بالنسبة لأرسطو تقوم على مبدأين هما : المساواة والإنصاف : أي منح الأفراد ما يستحقونه بغض النظر عن القانون.

ما يمكن استنتاجه من خلال نموذج أفلاطون وأرسطو هو أهمية العقل النظري في تحديد الممارسة سواء عند أفلاطون في تصوره للعدالة من منظور رؤيته للخلاص أو عند

أرسطو في تصوره للحياة السعيدة فالحكيم الذي يكرس حياته للتأمل كان يخص بالتقدير والاحترام وينظر إليه كنموذج لأنه يمثل الطريق إلى تحقيق العدالة وتكريس الحق.


أما دافيد هيوم ( 1711-1776م) وهو (من رواد المدرسة التجريبية ) فإن العدالة بالنسبة إليه تفقد معناها عندما تكون غير ذات نفع، ويدعو إلى التصرف أكثر إنصافا من أجل مصلحة ما، حيث ما وجدت مصلحة وجدت العدالة مادام الإنسان يميل بطبيعتها إلى تحقيقها.

وهناك من يذهب إلى السخرية من العدالة لاستحالة تحقيقها، أما الإنصاف فيتحقق بفعل العرف الذي يعتبر بمثابة الأساس الروحي لسلطته وسببا في القبول به، هذا ما عبر عنه أحد المفكرين يدعى باسكال.

وابتداءا من الستينات وبداية التسعينات من القرن الماضي ستعرف نظرية العدالة كإنصاف انتشارا كبيرا.

وقد حاول " جون راولس " تطوير نظرية أرسطو فيما يتعلق بالعدالة، من خلال نقده للفلسفة النفعية وذلك من خلال إعطائه قيمة كبرى لفكرة الإنصاف في المجتمع متنكرا للمفاهيم البراغماتية للحق والعدالة التي كرستها فلسفة : الإنسان حر في تحقيق منافعه الخاصة ولو على حساب الآخرين.

ويعني الإنصاف بالنسبة لراولس،إعطاء كل فرد في المجتمع حق الاستفادة بالتساوي من الحقوق الأساسية واعتبر أن اللامساواة مقبولة عقليا على أرضية تكافؤ الفرص التي تسمح للأفراد بلوغ مراتب ووظائف عليا في المجتمع، هكذا يحكم راولس على المؤسسات السياسية والاجتماعية هل هي عادلة ؟ أم ليس كذلك ؟.

يظهر إذن أن الإنصاف باعتباره الضامن الوحيد للمساواة بين الأفراد فيما بينهم أساسي لتحقيق العدالة، ذلك أن هذه الأخيرة " يمكن أن تقع في أخطاء وتنحرف " وبالتالي فإن هذه القاعدة عندما تغدو مرجعية شمولية، آنذاك يتحقق الحق شرطا أساسيا لتحقيق العدالة ؟.

هذه النتيجة يمكن استنتاجها على أرضية نقد القانون الوضعي الذي يكون في أغلب الأحوال بعيدا كل البعد عن الحق والعدالة والمساواة بين الأفراد والجماعات، أي أن القانون الوضعي لا يكون دائما مرجعية للدفاع عن الفرد والجماعة ضد الدولة، فحتى يتسنى للحق أن يشتغل فعليا كقيمة مشتركة من أجل العدالة والمساواة والحرية، بين مختلف جماعات المجتمع الواحد، أو بين مختلف المجتمعات وحتى يمكن أن يكون بمثابة حس مشترك للحوار والتواصل، يعني أن يظهر كإطار مرجعي شمولي تكمله الحياة الاجتماعية للناس.

العدالة أساس الحياة الراقية، ولتحقيقها على الإنسان الالتزام بمبادئها القائمة على الحرية والمساواة واحترام حقوق الأفراد السياسية.

وذلك لا يعني البقاء في حالة الطبيعة، كما صورها هوبز، ولكن المسألة تقتضي الاحتكام إلى معايير تنسجم وطبيعة الإنسان ككائن متميز، عاقل، واع، منتج، فالظلم رافق الإنسان منذ بداياته، ظلم الطبيعة، وظلم البشر للبشر...، خصوصا عند ظهور الملكية التي أدت إلى استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، ولعل حلم الإنسان لتحقيق العدالة ليس وليد اليوم، ولكنه ضارب في تاريخ البشرية، نصادف في مساره ما يسمى قوانين حمورابي التي ستبلور مبدأ العدالة حق لكل إنسان.

فالتاريخ البشري يمكن النظر إليه بوصفه تاريخ الظلم وتاريخ الصراعات الدامية من اجل فرض معيار موحد للعدالة ولعل اختلاف المواقف والاتجاهات الفلسفية التي تناولت هذا الإشكال تعكس ذلك الرهان.



 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2237956 :: Aujourd'hui : 1850 :: En ligne : 12