النموذج والنمذجة
 
2013-05-31   

العلم بين الحقيقة والنمذجة
اعداد زهير الخويلدي
1- دواعي الاهتمام بالنمذجة:
لماذا نحتاج الى النمذجة في العقلانية العلمية المعاصرة؟
- الانتقال من الكلي الأنثربولوجي الذي يهتم بالإنسان بوصفه كائن عارف تتشكل هويته عبر جدلية بين الانية والغيرية وبين الخصوصية والكونية الى الكلي الأبستيمولوجي الذي يهتم بالإنسان بوصفه كائن صانع تتشكل هويته من خلال الجمع بين العلم والمعرفة وبين التقنية والتكنولوجيا.
- الدوافع النفعية المتعلقة بحضارة المشهد وبالتصنيع وتفجر الثورة الرقمية والدخول إلى العصر التكنولوجي للعقل.
- أزمة الأسس التي عرفها العلم في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وانهيار الصرح القديم أمام قصوره النظري والتجريبي وحاجة العقلانية العلمية إلى أن تجدد شبابها.
- التطور الكبير الذي شهدته المعرفة ونشأة علوم جديدة كعلوم الذكاء الاصطناعي والسبيرنيطيقا والميديولوجيا والإعلامية.
- الوعي بطبيعة الظواهر الطبيعية على أنها لامتناهية التعقيد بحيث يصعب إيجاد مرجعية واحدة وقانون كلي يمكن أن يوحد الكثرة والتعدد التي تتميز به العقلانية العلمية اليوم.
لكن ماهو مفهوم النمذجة؟ وما الفرق بينها والنموذج؟
2- تعريف النمذجة العلمية:
إن النمذجة مشتقة من الجذر اليوناني Modulus مودي لوس والذي يفيد التصميم المصغر والمبسط والسهل الإستعمال، أما المعنى الاصطلاحي فهي تمشي منهجي ينتهج إزاء معطيات الواقع أساليب الإحاطة بكلية الموضوع المدروس والاهتمام بكل عناصره ويعتمد إستراتيجية الإهمال وإسقاط بعض الجزئيات والاختزال والانتقاء والتخصيص على نوعية من معطيات الواقع دون غيره (مثال تصميم الخرائط هو نوع من أنواع إنشاء النماذج...).
" النمذجة هي فعل بلورة وبناء قصدي بواسطة تجميع رموز ونماذج مصطنعة قابلة بأن تجعل ظاهرة تبدو معقدة مفهومة، وتوسع من استدلال الفاعل المشرع للمتدخل إراديا في حضن الظاهرة، وهو استدلال يرنو بالتحديد إلى توقع التبعات الممكنة من مشاريع الفعل هذه..."
النمذجة العلمية هي عملية إنشاء وتوليد نماذج مجردة أو اصطلاحية. تعرض العلوم بمجملها مجموعة متضخمة باستمرار من المناهج، التقنيات والنظريات حول كل نوع من أنواع النماذج العلمية المتخصصة.
" لفظ النمذجة وقع تعريفه على النحو التالي: بناء فكري لنموذج رياضي أي لشبكة من معادلة موجهة نحو وصف الواقع..."
بعض النظريات العامة حول النمذجة العلمية يتم عرضه في فلسفة العلوم ونظرية الأنظمة أو حقول جديدة مثل التمثيل المرئي للمعرفة .
على هذا النحو النمذجة هي اذن عملية صنع النماذج : من خلال تمثيل مرئي علمي ومحاكاة Simulation واتباع نمط من السلوك يقوم على مراقبة سلوك أحد الأشخاص وتقمصه.
النمذجة هي التمشي المنهجي الذي يفضي إلى إنتاج النماذج بعبارة أخرى إنها ليست سوى منهج إجرائي له غايات عملية ينطلق من مسلمة تقر بعدم إمكان إنتاج معرفة كاملة بل يكتفي فقط بإيجاد تمثلات عن الواقع لا يمكن أن نقول عنها أنها صادقة أو كاذبة بل هي فقط تمثلات ناجعة للفعل المستقبلي نظرا لما تحققه من توقعات ايجابية. في هذا السياق يقول فيلسوف النمذجة ليموانييه:" النمذجة (التصميم) طريقة ممتازة لا تقتصر على إبراز منجزات الطبيعة لكنها تنتج عددا لامحدودا ومتنوعا من الأعمال تتجاوز الطبيعة..."
هذه هي بعض التوصيفات الأولية للنمذجة ، فماذا عن النموذج؟
إن اللفظ نموذج مؤلف بين معنيين متناظرين ومتعارضين مع مفهوم التشابه وهما المحاكاة والتمثيل.
النموذج هو الذي يتيح تمثل شيئا ما في نظرية أو نظرية في شيء ما أو نظرية ما في نظرية أخرى أو بتعبير رونيه توم تماثل بين ظاهرة X وموضوع مهيكلM يسمح بالإجابة عن مشكل مطروح حول الظاهرةX. عندئذ يكون النموذج التمثل الذهني لشيء ما ولكيفية اشتغاله لأنه عندما نضع شيئا ما في نموذج نستطيع أن نقلد اصطناعيا تصرف هذا الشيء وبالتالي نتوقع حركته في المستقبل ونستعد لردود أفعاله.
هذا ما نجده في الحد الذي وضعه دوران:" يشمل معنى النموذج في دلالته الأكثر اتساعا كل تمثل لنسق واقعي مهما كان شكله"، وكذلك عند فاليزار في قوله:"يعرف النموذج بماهو كل تمثل لنسق واقعي سواء كان ذهنيا أو ماديا يتم التعبير عنه بلغة أدبية أو في شكل رسوم بيانية أو رموز رياضية."
والحق أن النموذج يستعمل:
- كمفهوم لتمثل شيء آخر يجب بناءه أو هو موجود سلفا ( النموذج الاختزالي أو التصميم، النموذج العلمي).
- كموضوع واقعي يحتاج إلى أن نعطيه تمثيلا وأن نبحث عن محاكاته ( مثل نموذج الرسم أو النموذج الذي يصنعه الأستاذ للتلميذ للتعبير عن بنية الدرس).
ما نلاحظه أن المعنى الأول هو معنى أصلي وأن المعنى الثاني يقع اشتقاقه من تطبيق المعماريين والمهندسين وبعد ذلك العلماء ويتمثل في بناء أنماط مثالية أو متصورة والتي تصلح لكي تكون نموذجا لبناء واقعي: ان النموذج يصبح اذن تجميعا لمفاهيم تمثل شيئا واقعيا موجود سلفا( موضوع، ظاهرة) بشكل مبسط حتى يسهل فهمه ويمكن توقع تصرفه في المستقبل. تقول سوزان باشلار:" النموذج وسيط نفوض له وظيفة المعرفة".
لقد اكتسب مفهوم النموذج حمولة منهجية واسعة الدلالة تنطبق على كل الأساليب والحقول والانتاجات التي لها علاقة بالمعرفة، كما مثل النقطة الحاسمة في الأبحاث الجوهرية للفلسفة المعاصرة وخاصة القسم الابستيمولوجي النقدي من فلسفة الطبيعة الذي يعتمد مقاربة رياضية تهتم بالظواهر الفيزيائية والمورفولوجية والبنيوية. اللافت للنظر على أن النمذجة هنا هي إعادة بناء وإعادة إنتاج وأن العلاقة بين النموذج الذي وقع تصميمه والواقع الذي تمت نمذجته ليست علاقة تطابق ومماهاة بل هي علاقة محاكاة تقريبية.
يوقل هانس فرودنتال:"ظل النموذج على الدوام الصورة التقريبية أو الدقيقة مبسطا ومختزلا لواقع فيزيائي أو بيولوجي أو اجتماعي... ويصلح النموذج في الحالة الأولى( الهندسة اللااقليدية) للتحكم نظريا في واقع معطى وفي الثانية ( الهندسة الاقليدية) يصلح لمليء بنية نظرية بمحتوى أكثر عيانا..."
يمكن تصنيف النماذج بالاعتماد على عدد من المعطيات:
- هناك نماذج واعية تحليلية ونماذج لاواعية
- هناك نماذج يقينية مستقرة وأخرى احتمالية قيد التجريب.
- هناك نماذج تفكيكية تقوم على التجريد وأخرى تركيبية تقوم على البناء.
- ثمة نماذج مغلقة تحتوي على عناصر معروفة ومضبوطة وأخرى منفتحة لا تتأثر بالزيادة والنقصان وتعتبر ذلك تكامل عضوي يكونها.
- ثمة نماذج مختزلة بسيطة يحتوى على عنصر واحد وهناك نماذج معقدة تتكون من عدة عناصر متشابكة ومتفاعلة ومنفتحة على عناصر أخرى.
- يمكن تصنيف النماذج على أساس الارتباط بالزمان والمكان بحيث هناك نموذج تعاقبي يرتكز على مفهوم التتالي بين السابق واللاحق وهناك نموذج تزامني بنيوي يشتغل بالتعالي على التاريخ مثل النماذج اللغوية والرياضية.
- يمكن تصنيف النماذج على أساس الهدف الذي ترمي إليه وبالتالي نجد نموذج موضوعي مادي يدخل المنمذج إلى الواقع من أجل إدراكه وتفسيره ونجد نموذج ذاتي نفسي يدخل إلى العقل ويدرس علاقته بالواقع ويتقصى سبل المعرفة الأخرى عند الإنسان .
- ثمة نماذج متلقية تكتفي بتسجيل المعلومات الواردة من الطبيعة ونماذج اجتهادية تضيف عدة أبعاد جديدة للواقع وثمة نماذج تراكمية تقوم على التجميع والتحصيل والاستنتاج ونماذج توليدية تبدع وتنشئ أشياء جديدة تزيدها إلى رصيد المعرفة. لكن ماهي أبعاد التي تتوزع اليها النمذجة؟
3- أبعاد النمذجة العلمية:
تحيل النمذجة إلى ثلاث محاور كبرى منها:
- ماهو صوري أكسيومي مجرد ينتمي إلى البنية والمنظومة والنسق والنظرية ويدور في الرياضيات والمنطق,
- ماهو محسوس وعياني وينتمي إلى عالم التجربة والواقع ويكون بمثابة تصميمات ورسوم مجسمة.
- ماهو ناجع ووظيفي وينتمي إلى دائرة الصناعي والوظيفي من الآلات والتقنيات الصالحة للاستعمال.
إن تشكل النموذج لا يتم إلا بالأخذ بعين الاعتبار وجود ثلاث أبعاد:
- يشتمل البعد التركيبي على خاصية البناء النظري لنموذج معين ويركز على الشكل ويتعلق بالبناء الأكسيومي من خلال التركيز على الهيكلة البنيوية ومنظومة الأوليات والصياغة الصورية وذلك باختزال معرفة علمية معينة إلى عدد بسيط من الحدود والقضايا. كما يتركب النموذج من جهته التركيبية من ثلاث عناصر هي الثوابت والمتغيرات والثابتات ويتصف بثلاث خصائص هي الكلية والديناميكية والانتظام.
- يشتمل البعد الدلالي على مضامين ومحتوى القواعد التي ترتكز عليها النمذجة ويتعلق بإنتاج النظرية القادرة على تفسير الواقع وتأويل معطياته واكتشاف القانون الملائم للظواهر واستخراج المعنى حتى في ظل إنشاء واقع افتراضي. ويحرص على إيجاد علاقة ملائمة بين الرموز والتصاميم مع المعطيات التجريبية والوقائع الحسية ويقوم بالمعالجات التالية: الاستنباط والاستقراء والتوقع والوصف والتفكير ويخضع هذه العمليات إلى جملة من المعايير هي البساطة والمرونة والخصوبة وقابلية الدحض والشمولية.
- البعد التداولي ويتعلق بالعلاقة بين النظري والتجريبي ويطرح الجانب الأداتي والنجاعة والمنفعة كأهداف يسعى إلى تحقيقها النموذج، ويتحرك البعد التداولي ضمن مسار إدماجي للمعرفة في إطار الممارسة وذلك لوجود علاقة عضوية بين جهة الحقيقة وجهة الفعل لاسيما وأننا أمام فعل حقيقي وحقيقة فاعلة وكما يقول ريكور:" إن الحقيقة ذاتها لا تعدو أن تكون سوى الفعل عينه".
يقول أدغار موران: "بلا ريب أن النمذجة هي أهم وأول وسيلة من الوسائل التي نوفرها من أجل دراسة تصرف الأنساق الكبرى لامتناهية التعقيد complexes ..."
• نمذجة عمليات الأعمال - نمذجة المناخ - نمذجة البيانات - النمذجة البيئية - النمذجة الاقتصادية
• دراسات المستقبل - نمذجة جيولوجية - النمذجة الهيدرولوجية - نمذجة رياضية - نمذجة طبية
• نمذجة مورفولوجية - نمذجة المحيطات - نمذجة سياسية - نمذجة برمجيات - نمذجة إحصائية
• نمذجة اعتباطية - حركيات النظام - تجربة فكرية - نمذجة المرور والنقل
كلمة نموذج تستخدم أيضا في العديد من المجالات : عمليات تجريدية ومصطلحات
• نموذج (تجريدي)، تمثيل اصطلاحي أو نظري لظاهرة ما.
• نموذج (ألعاب الحاسب) , في الرسوميات الحاسوبية الثلاثية الأبعاد.
• نموذج حاسوبي ، برنامج حاسوبي يقوم بمحاكاة نموذج مجرد لعملية معينة.
• نموذج عقلي, تمثل إدراك الشخص لمعلومة معينة أو لعملية التفكير.
• نظرية النموذج ، دراسة تمثيل المصطلحات الرياضية.
• نموذج (برمجة لغوية عصبية), إحدى إجراءات البرمجة اللغوية العصبية.
• نمذجة صلبة, دراسة تمثيل الأجزاء الصلبة لجسم ما.
• نموذج معياري ، نظرية في فيزياء الجسيمات تصف المكونات الأساسية للمادة والقوى الأساسية في الطبيعة.
• بناء نموذج (فيزياء الجسيمات)
• نموذج (فيزياء), تمثيل فيزيائي لجسم ما.
• نموذج مقياسي ، تمثيل نمط بدئي للجسم الفيزيائي
• لغات نمذجة
يستعمل النموذج في العلوم في أربعة سياقات مختلفة هي:
- التصميم أو التخطيط الذي يصلح لإنتاج أنماط Protitypages .
- النموذج المفهومي الذي يصلح للتشخيص والفهم من خلال نظرة فكر تحليلية أو حسابية تمثل الظواهر والعلاقات بينها ، أما الحد الأقصى فإن نظرية النماذج تستثمر الصلاحية المنطقية للنماذج.
- التقليدات simulations ذات طبيعة تكهنية وتشخيصية التي تم وضعها بواسطة الحاسوب وتتفرع إلى نماذج حسابية ورقمية وتحليلية وتصنيفية تخزينية Stochastiques .
- الجسم النموذجي Organisme modèle هو نوع حي يمكن أن نرفعه بسهولة ونفلحه بغية إجراء بعض التجارب العلمية والتي يصعب علينا وضعه ضمن نسق بالغ التعقيد مثل النوع البشري.
4- حدود النمذجة: حدود معرفية وحدود فلسفية
تحوم الشبهات حول النمذجة من طابعها الاختزالي للواقع وللقدرة الإدراكية للعقل وللحقيقة وتأتي المخاوف من ارتباطها بالتاريخ والسياق الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي الذي تتنزل فيه. لقد أفقدت النمذجة المعرفة العلمية الحيادية التي كانت تتميز بها واللاتحيز والنزاهة والمساعي المبذولة من أجل التمكن من الفصل بين الذات والموضوع لاسيما أن النماذج يقع برمجتها داخل وحدات بحث ومخابر ومؤسسات تدين بالولاء إلى جهات دون غيرها ونظرا لأن القرارات التي تتخذ في هذه الجماعات تخدم مصالح اقتصادية لبعض الشركات وأغراض أيديولوجية ضيقة حتى وان ادعت الكونية وتوافقت مع مطمح البشرية في وجود أفضل. يقول ألان باديو:"يتحول الإخضاع التقني لشروط الإنتاج بالنسبة للنماذج الاقتصادية إلى ضرورة لازمنية لنمط اقتصادي..."
فإذا كانت النمذجة قد أعادت الغائية والذاتية إلى دائرة اهتمام العلماء فان ذالك كان على حساب الموضوعية والحتمية ، وإذا كان النموذج طرح سؤال المعنى وجعل الحكم المعرفي يرتد إلى مرتبة الحكم الجمالي فانه بذلك قد أجهز على الحياد التقليدي للعلم وعلى الضرورية والكلية وصار يدافع عن قرارات اعتباطية وأفقد الثقة في الحلم ببناء علم عقلي برهاني الذي راود البشرية لقرون.
إن النمذجة تورط العلم في ماهو إيديولوجي وتجعل رجال العلم يتخلون عن مسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية ويظهرون غير أبرياء في مبتكراتهم ومصنوعاتهم ، كما أن الاختراعات العلمية يتم برمجتها مسبقا لخدمة أغراض فئة معينة وتوجيهها من طرف مؤسسة معينة وليست منزهة أو محايدة بل موضع تجارة واستثمار. واضح إذن أننا " بلغنا اليوم عصر العلم الضخم والتقنية العلمية التي كونت سلطات جبارة لكن علينا أن نلاحظ بأن العلماء مجردون تماما من هذه السلطات رغم أنها تصدر من مخابرهم ذاتها بعد أن تمركزت من جديد بين أيدي المؤسسات وقوى الحكومات..."
ننتهي الى ما قاله نيكولا بولو: "النمذجة ليست طريقة علمية بل هي طريقة تستعمل العلم،".
اعداد زهير الخويلدي عن موسوعة ويكيبيا الحرة



 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2021204 :: Aujourd'hui : 28 :: En ligne : 10