العلاقة بين الأنا والآخر
 
2013-05-31   

العلاقة بين الأنا والآخر
الغير هو في الوقت نفسه المماثل والمباين لي ,انه المماثل بسماته الإنسانية أو الثقافية المشتركة . والمباين بخصائصه الفردية أو فروقه العرقية . وفي الحقيقة يحمل الغير المباينة والمماثلة في ذاته . وتسمح لنا خاصية الذات من إدراكه في تشابهه وتباينه . فمركزية الذات في انغلاقها تجعل لنا الغير غريبا ، والانفتاح الغيري يجعله لنا اخويا . إن الذات بطبعها مغلقة . نحن في علاقة ملتبسة أمام شخص مجهول ، نتردد في التعاطف و الخوف ، لا ندري إن كان سيظهر لنا صديقا أو عدوا .
ولجعل العلاقة سليمة ومتجهة نحو الصداقة ونتبادل معه حركات مجاملة . أما في حالة العدوان فإننا نتأهب للفرار وللدفاع أو الهجوم (...) إن العلاقة مع الغير قائمة بالقوة في علاقة الذات بذاتها , يبين المبحث القديم للطبيعة المزدوجة والمتجذر بعمق داخل نفسيتنا ومعناه أن كل واحد منا يحمل داخله أنا آخر يكون في الوقت نفسه غريبا ومطابقا لذاته .( إننا نصاب بالذهول أمام المرآة, إذ نشعر بغربتنا عن أنفسنا ونتعرف على أنفسنا في ذات الوقت ). فلكوننا نحمل داخلنا هذه الثنائية حيث يكون "الأنا هو الأخر " فإننا نستطيع إقحام الآخر وإدماجه في الأنا الذي يخصنا ، بالتعاطف والصداقة والحب .
إن الحاجة إلى الآخر جذرية , إذ تشهد بعدم اكتمال الأنا حينما يكون فاقدا للاعتراف به وفاقدا للصداقة والحب . لقد كان " هيقو" على حق حين قال : " إن الجحيم كله في كلمة العزلة " وعبارة سارتر " الجحيم هم الآخرون" تصدق خصوصا على الوسط الثقافي الباريسي
.ادغار موران، انسانبة الإنسانية
نظام الحجاج:
1 - التماثل والتباين بين الأنا والآخر
2 - أشكال العلاقة بين الأنا والآخر
تحليل نظام الحجاج:
1 - التماثل والتباين بين الأنا والآخر
ا - التماثل:
التماثل بين الأنا والأخر من جهة الخصائص الإنسانية : في هذا الإطار يتماهى الأنا مع الغير من حيث الإنساني او الانسانية اي عبر جملة من الخصائص المشتركة لدى الافراد او المجتمعات مثال : كل الافراد كائنات عاقلة وهذا يعني ان الانا يماثل الاخر من خلال خاصية العاقلية . ان العقل سمة انسانية كلية ، يقول الفيلسوف الفرنسي ديكارت : "ان العقل اعدل الاشياء توزعا بين الناس " ==) التماثل عبر الإنساني بما هو كلي .
التماثل بين الأنا والآخر من جهة الخصائص الثقافية : في هذا الإطار يتماهى الأنا مع الغير من حيث الثقافي ذلك ان الانسان هو " كائن ثقافي " وهذا يعني ان الثقافة خاصية تميز بها الانسان عن غيره من الكائنات الاخرى ، انها سمة انسانية كلية رغم ان لكل فرد او شعب ثقافته الخاصة ==) التماثل عبر الثقافي بما هو كلي .
ب- التباين :
التباين بين الأنا والآخر من جهة الخصائص الفردية : في هذا الإطار يتباين الأنا مع الغير من حيث الفردي وهو ما يحيل إلى النسبية والتعدد والاختلاف سواء على الصعيد النفسي ( اختلاف المشاعر والأحاسيس من فرد إلى آخر ) أو الاجتماعي ( الثراء والفقر مثلا ) أو الفكري ( الجاهل و المتعلم مثلا )==) التباين عبر الخصائص الفردية .
التباين بين الأنا والآخر من جهة الخصائص العرقية : في هذا الإطار يتباين الأنا مع الغير من حيث العرقي وهو ما يحيل إلى النسبية والتعدد والاختلاف على الصعيد الطبيعي أو البيولوجي فلكل فرد خصائصه الوراثية من خلال وجود مدونة وراثية خاصة بكل فرد ( لون العين مثلا ) ==) التباين عبر الخصائص الوراثية .
==) نفي الهوية القائمة على التماثل المطلق أو الاختلاف المطلق واثبات الهوية المركبة.
التخلص الإشكالي : الأنا والآخر بين الصداقة و العداوة ، بين الانغلاق والانفتاح؟
2 - أشكال العلاقة بين الأنا والآخر :
ا - العداوة : وجه سلبي لعلاقة الأنا بالآخر ( الغريب / العدو ) نتيجة المركزية الذاتية و انغلاق الذات على ذاتها وهو ما يعكس هوية بسيطة قائمة على التطابق أو ضرب من " الشعور بالأنا " حسب تصور ابن سينا للإنسان أو قل بلغة الفيلسوف الألماني هيغل : " وجود لذاته بسيط ، مساو لنفسه ، ينفي من الذات كل ما هو آخر ، فماهيته وموضوعه المطلق هما بالنسبة إليه الأنا ". وفي هذا الإطار يمكن استدعاء المقاربة الديكارتية التي تجعل من الأنا وعيا متعاليا لا يشترط الآخر وجوديا ومعرفيا .
ب - الصداقة: الوجه الإيجابي لعلاقة الأنا بالآخر يتجاوز الانغلاق الذاتي إلى "الانفتاح الغيري " . إن أسلوب الحجاج الذي يستخدمه الكاتب في هذا المستوى هو الاستنتاج المباشر ( قضية واحدة – نتيجة ):
القضية : " ان كل واحد منا يحمل داخله أنا آخر يكون في الوقت نفسه غريبا ومطابقا لذاته " أي أن الهوية الذاتية مركبة او ثنائية تجمع بين الغربة والمطابقة والكاتب يقدم مثال المرآة لابراز هذه الجدلية القائمة في صلب الإنسان .
النتيجة : " فاننا نستطيع اقحام الاخر وادماجه في الانا الذي يخصنا " وهذا يعني ان شرط العلاقة السليمة بين الأنا والآخر هو هذا الإدماج او الإقحام للآخر في الأنا عبر تجربة الصداقة والتعاطف والحب . بناء على هذا المنطق التركيبي فان الصداقة لا تقوم على التباين المطلق او التماثل المطلق وانما هي تركيب من التماثل و التباين .
المقالة الجدلية : هل الشعور بالأنا يتوقف على الغير ؟

مقدمة ومحاولة طرح المشكلة
من المشاكل النفسية التي ظلت تؤرق الإنسان هي محاولة التعرف على الذات في مختلف الصفات التي تخصها ؛ بحيث اتجه محور الاهتمام إلى تشكيل بنية الأنا عبر الغير الذي بإمكانه مساعدته إلا أن ذلك لم يكن في حال من الاتفاق بين الفلاسفة الذين انقسموا إلى نزعتين الاولى تعتقد أن مشاركة الأخر أي الغير أضحت أمرا ضروريا والنزعة الثانية تؤكد على وجوب أن يتشكل الأنا بمفرده عبر الشعور وأمام هذا الاختلاف في الطرح نقف عند المشكلة التالية : هل الشعور بالأنا يتوقف على الغير ؟ وبعبارة أوضح وأحسن هل الشعور بالأنا مرتبط بالأخر أم انه لا يتعدى الذات نفسها؟
التحليل ومحاولة حل المشكلة
الأطروحة : الشعور بالأنا مرتبط بالغير يرى أنصار الأطروحة أن الشعور بالأنا يرتبط بالغير فلا وجود لفردية متميزة بل هناك شعور جماعي موحد ويقتضي ذلك وجود الأخر والوعي به .
البرهنة : يقدم أنصار الأطروحة مجموعة من البراهين تقوية لموقفهم الداعي إلى القول بان الشعور بالأنا يكون بالغير هو انه لامجال للحديث عن الأنا خارج الأخر
الذي يقبل الأنا عبر التناقض والمغايرة ومن هنا يتكون شعور أساسه الأخر عبر ما يسميه ديكارت بالعقل الذي بواسطته نستطيع التأليف بين دوافع الذات وطريقة تحديد كيفيات الأشياء والأشخاص وفي هذا السياق يعتقد الفيلسوف الألماني "هيغل " أن وجود الغير ضروري لوجود الوعي بالذات فعندما أناقض غيري أتعرف على أناي وهذا عن طريق الاتصال به وهنا يحصل وعي الذات وذات الغير في إطار من المخاطرة والصراع ومن هنا تتضح الصورة وهي أن الشعور بالأنا يقوم مقابله شعور بالغير كما انه لابد للانا أن يعي الأخر إلا أن الأخر ليس خصما ولا يتحول إلى شيء لابد من تدميره كما يعتقد البعض بل إلى مجال ضروري الاهتداء إليه لبناء ذات قوية فقد تختلف الذوات وتتنوع رؤى فكرية كثيرة ولكن لا يفسد ذلك ودا جماعيا وحتى وان استنطق الإنسان في نفسه غرائز الموت والتدمير الطبيعية فان مفهوم الصراع يناسب مملكة الحيوانات ومنطق قانون الغاب وهذا الأمر لا ينطبق على من خلقوا من اجل التعارف وليس بعيدا عن الصواب القول بان وعي الذات لا يصبح قابلا للمعرفة إلا بفعل وجود الأخر والتواصل معه في جو من التنافس والبروز ومن هنا يمكن التواصل مع الغير ولقد كتب المفكر المغربي محمد عزيز لحبابي " إن معرفة الذات تكمن في أن يرضى الشخص بذاته كما هو ضمن هذه العلاقة : "الأنا جزء من النحن في العالم "
وبالتالي فالمغايرة تولد التقارب والتفاهم ويقول تعالى : " ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" .
وهكذا فالشعور بالأخر تسمح لنا بالمتوقع داخل شخصية الأخر والاتصال الحقيقي بالأخر كما يرى ماكس شيلر يتمثل في التعاطف ومنه لا غنى للانا عن الغير .
نقد الأطروحة يمكن الرد على هذه الأطروحة بالانتقادات التالية
إن الشعور بالأنا يتأسس على الغير لكن الواقع يؤكد بأنه قد يكون عائقا وليس محفزا لتكون ذات قوية فكل" أنا" يعيش مجالا خاصا وفي ذلك رغبة فردية وشخصية .
نقيض الأطروحة " الشعور بالأنا شخصي
يرى أنصار الأطروحة أن الأنا يعيش مع ذاته ويحيا مشاريعه بنفسه وبطريقة حرة أي كفرد حر وهذا الامتلاك يكون بمقدوره التعامل مع الواقع بشكل منسجم .
البرهنة : يقدم أنصار هذا النقيض جملة من البراهين في تأكيدهم على الشعور بالأنا على انه شخصي ولا مجال لتدخل الغير الذي يعتبره أنصار النقيض بأنه عقبة لا بد من تجاوزها ؛
ومن هذا المنطلق يؤكد الفيلسوف الفرنسي مان دوبيران على أن الشعور بالواقع ذاتي وكتب يقول : " قبل أي شعور بالشيء فلابد من أن الذات وجود " ومن مقولة الفيلسوف يتبين أن الوعي والشك والتأمل عوامل أساسية في التعامل مع الذات ووعيها ولقد كان سارتر اصدق تعبيرا عندما قال " الشعور هو دائما شعور بشيء
ولا يمكنه إلا أن يكون واعيا لذاته " ومن هنا يتقدم الشعور كأساس للتعرف على الذات كقلعة داخلية حيث يعيش الأنا داخل عالم شبيه بخشبة المسرح وتعي الذات ذاتها
عن طري ما يعرف بالاستبطان فالشعور مؤسس للانا والذات الواعية بدورها تعرف أنها موجودة عن طريق الحدس ويسمح لها ذلك بتمثيل ذاتها عقليا ويكون الحذر من وقوف الآخرين وراء الأخطاء التي نقع فيها ولقد تساءل" أفلاطون"
قديما حول هذه الحقيقة في أسطورة الكهف المعروفة أن ما يقدمه لنا وعينا ماهو إلا ظلال وخلفها نختبئ حقيقتنا كموجودات " كما يحذر سبينوزا من الوهم الذي يغالط الشعور الذي لابد أن يكون واضحا خاصة على مستوى سلطان الرغبات والشهوات ومن هنا فقد الجحيم هم الآخرون على حد تعبير أنصار النقيض فيريد الأنا فرض وجوده وإثباته
ويدعو فرويد إلى التحرر الشخصي من اكراهات المجتمع للتعرف على قدرة الأنا في إتباع رغباته رغم أنها لا شعورية وهكذا فألانا لا يكون أنا إلا إذا كان حاضرا إزاء ذاته أي ذات عارفة .
نقد نقيض الأطروحة ان هذا النقيض ينطلق من تصور يؤكد دور الأنا في تأسيس ذاته ولكن من زاوية أخرى نلاحظه قاصرا في إدراكها والتعرف عليها فليس في مقدور الأنا التحكم في ذاته وتسييرها في جميع الاحوال ففي ذلك قصور .

التركيب من خلال لعرض الأطروحتين يتبين أن الأنا تكوين من الأخر كما انه شخصي هذا التأليف يؤكد عليه الفيلسوف الفرنسي غابريال مارسيل عن طريق التواصل أي رسم دائرة الانفراد دون العزلة عن الغير أي تشكيل للانا جماعي وفردي أي تنظيم ثنائي يكون ذات شاعرة ومفكرة في نفس الوقت .
خاتمة وحل المشكلة
يمكن القول في الختام أن الشعور بالأنا يكون جماعيا عبر الأخر كما انه يرتبط بالأنا انفراديا ومهما يكن فالتواصل الحقيقي بين الأنا والأخر يكون عن طريق الإعجاب بالذات والعمل على تقويتها بإنتاج مشترك مع الغير الذي يمنحها التحفيز والتواصل الأصيل وتجاوز المآسي والكوارث . داخل مجال من الاحترام والتقدير والمحبة .
معرفة الغير
هل يمكن معرفة الغير؟ وإذا افترضنا أن معرفة الغير ممكنة، فكيف يتسنى لنا ذلك ؟
ما الذي يجعل هذا السؤال مشروعا من الناحية الفلسفية؟ أو بعبارة أخرى، ما
الذي يجعل كل محاولة لمعرفة الغير تصطدم بمشكلات كبيرة ؟ لماذا يكون من
الصعب معرفة الغير؟ ربما ارتبطت الصعوبة بكيفية تصورنا لطبيعة وجوده. إن
القول بإمكانية معرفة الغير أو باستحالة معرفته يتوقف بالدرجة الأولى على
تصوراتنا لكيفية وجوده في العالم: هل هو ذات مفكرة، أنا آخر يتمتع بالوعي
والإرادة أم أنه موضوع من الموضوعات؟ وتختلف تصورات الفلاسفة لطبيعة وجود
الغير حسب زوايا نظرهم إلى الإنسان بصفة عامة وإلى وجود الأنا بصفة خاصة.
والحقيقة أن إشكالية وجود الغير ومعرفته لم تطرح بشكل جدي إلا في العصر
الحديث ابتداء من ديكارت بالخصوص. وأما ما جعل هذه الإشكالية تفرض نفسها
على المفكرين من بعده بقوة فهو قوله أن الحقيقة البديهية الأولى التي تدرك
بشكل فوري ومباشر فهي حقيقة الكوجيطو: "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، وهنا
برزت الأنا لأول مرة باعتبارها الحقيقة اليقينية الأولى، أما الأشياء
الأخرى والآخرون فإن وجوهم غير يقيني، بمعنى أنه لا يوجد دليل قاطع على أن
لها وجود فعلي، فقد نشكل أفكارا عنها، ولكننا لا ندري ما إذا كان وجودها
الفعلي هو ما ندركه بشكل مباشر. وهكذا فإذا كان إدراك الأنا قد تم بشكل
مباشر وبديهي، فإن إدراك الغير هو إدراك غير مباشر وغير يقيني.
ومما يترتب عن ذلك أيضا أن وجود الغير ليس ضروريا لوجود الأنا في نظر
ديكارت؛ فالأنا هي ذات مفكرة مكتفية بذاتها، تستمد وجودها من ذاتها، ولا
يتوقف وجودها على وجود غيرها، إنها المطلق. وبهذا يكون ديكارت قد انزلق
إلى براثن النزعة الفردانية solipsisme التي تقول بأن الذات المفكرة توجد
بمعزل عن وجود الآخرين في العالم. كل فرد، من وجهة النظر هذه يشكل عالما
خاصا منغلقا على ذاته. وما يترتب عن ذلك استحالة التواصل مع الغير ومعرفة
عوالمه الداخلية. كل ما يمكن معرفته منه هي مظاهره الخارجية، ومما يدل على
ذلك قول ديكارت في تأملاته الميتافيزيقية الثانية:
"إذا حصل أن شاهدت بمحض الصدفة رجالا يمرون في الشارع، فلا يفوتني القول
عند رؤيتهم إنني أرى رجالا، تماما مثل قولي: إنني أرى شمعا؛ ومع ذلك، ما
عساي أن أرى من خلال هذه النافذة غير قبعات ومعاطف ربما تغطي أشباحا أو
كائنات اصطناعية على هيئة رجال تحركهم دواليب. لكنني أجزم بأنهم أناس
حقيقيون. وهكذا أفهم بفضل القدرة على الحكم وحدها، التي ينطوي عليها عقلي،
ما كنت أعتقد أني أراه بأم عيني"
يدل هذا النص على أن ديكارت يشك في وجود الغير بوصفه ذاتا مفكرة واعية، فهو يرى القبعات والمعاطف ويحكم جازما
بأنهم أناس، ولكنه لا يدري على سبيل اليقين ما إذا كانت تلك الهياكل أو
الأجساد التي يراها تنطوي في داخلها على حياة شعورية ووعي. إن الإدراك
الحسي المباشر لا يخبره بوجود الوعي فيما يراه، ولكن، بإمكانه أن يفترض
ويستنتج من خلال نوع من الاستدلال العقلي وجود الوعي في تلك الأجسام، أو
أن يصدر حكما ويقرر جازما أن ما يراه كائنات إنسانية تتميز مثله بالوعي
والإرادة. ولكنه لا يدرك هذه الحالات إدراكا فوريا مباشرا مثلما يدرك
حالاته الشعورية، بل يدركها بشكل غير مباشر وعبر وسيط (الاستدلال). وهكذا،
فعندما أرى أجساما تكسوها جلاليب أو قبعات ومعاطف أعلم أن وراءها حياة
شعورية ووعيا. إن هذا النوع من الاستدلال يوحي بوجود حياة داخلية خلف جسد
الغير، ولكنه لا يمكنني من إدراكها بشكل مباشر ومن معرفة طبيعتها الخاصة.
وإذا نظرنا إلى الإشكالية المطروحة في ضوء النص السابق، الذي يلخص وجهة نظر ديكارت، فسنجد أنفسنا أمام احتمالين اثنين:
إما أن معرفة الغير لا يمكن أن تتجاوز المظاهر التي تبدو منه للعيان
(خصائص الجسد وسماته الفيزيولوجية)؛ وإما أن معرفته يمكن أن تتحقق بواسطة
نوع خاص من القياس وهو الاستدلال بالمماثلة الذي لا يوظف العمليات العقلية
كوسائط، وإنما يطمح إلى إدراك الحياة الشعورية للغير بشكل فوري ومباشر،
وهو النهج الذي سار عليه هوسرل للدفاع عن أطروحته التي تعتبر امتدادا
وتطويرا للحل الذي اهتدى إليه ديكارت لتجاوز النزعة الفردانية التي أوقعه
فيها الكوجيطو. تتلخص أطروحة هوسرل في إمكانية التوصل إلى معرفة الحياة
الداخلية للغير انطلاقا من تجاربنا الشخصية في الحياة.
يرى هوسرل أن معرفة الغير لا تمر عبر وسائط البرهان العقلي كما يعتقد
ديكارت، بل تنطلق من إدراك الجسد؛ ذلك لأن الغير يقدم نفسه كجسد ويتجلى من
خلاله؛ فعندما أرى جسد الغير أفهم تعبيرات ملامحه في ضوء تجربتي مع جسدي
الذي هو المحل الذي تجري فيه وقائع حياتي الشعورية، ويحصل لي اليقين على
الفور بأن الجسد الماثل أمامي ينطوي في أحشائه على حياة شعورية داخلية.
فإن رأيت احمرارا على وجنتيه أدركت على الفور أنه يعاني من الشعور بالخجل،
لأنني مررت بهذه التجربة الشعورية في السابق وكان لها نفس الأثر على وجهي
باديا للعيان. لقد أدركت ذلك على الفور عن طريق ما يسمى بالاستدلال
بالمماثلة. يشتغل هذا النوع من الاستدلال على النحو التالي:
1. أنطلق من نفسي، فألاحظ وجود علاقة بين جسدي وبين تجاربي الشعورية وحالات الوعي التي أمر بها؛
2. ألاحظ وجود تشابه بين جسمي وجسم الغير؛
3. استنتج وجود حياة شعورية ووعي في جسد الغير، ووجود علاقة بين جسده ووعيه.
فبواسطة هذا الاستدلال يمكنني أن أستنتج من قسمات وجه الغير وسماته
الفيزيولوجية حالاته النفسية أو الشعورية بشكل مباشر، لأن أسلوب الاستدلال
المعتمد يقوم المقارنة التلقائية غير المفكر فيها (=لا تستخدم العمليات
العقلية المجرد) بين أحوال جسدي وأحوال جسد الغير. والدليل على أن هذا
النوع من الاستدلال لا يعتمد على العمليات العقلية المجردة هو أن الطفل
الصغير يمتلك القدرة على إدراك التجارب الشعورية للآخرين بشكل تلقائي وفقا
لطريقة الاستدلال بالمماثلة. وما يأخذ على هذا المنهج هو أنه جعل من الأنا
المرجع الذي تقاس عليه أحوال الغير، ويكون من السهل أن يسقط الفرد حالاته
الشعورية على الغير. هذا بالإضافة إلى أن الغير كما يتبدى في ضوء هذا
المنهج هو الغير كما أتصوره أنا وليس الغير كما يتصور نفسه، فله عندي
دلالة خاصة قد تختلف عن الدلالة التي يضفيها هو على وجوده.
ولتجاوز هذه الصعوبة اقترح سارتر منهجا آخر يقوم على تصور مختلف لحقيقة
الغير بوصفه أنا آخر. إن حقيقة الغير، في نظره، ليست من جملة الحقائق
الباطنية المستغلقة على الفهم والملاحظة، بل هي قضية أحوال لها تمظهرات
شتى عبر سيرورة الحياة، تتجلى من خلال سلوكاته، وكيفية تنظيم مجالات حياته
وهيكلة محيطه وبشكل يجعله يحمل بصمات تجاربه الشعورية كالخوف والقلق وما
إلى ذلك، بحيث يمكن القول إن التجارب الشعورية للغير تلون عالمه وسلوكاته
وتصرفاتها.
التحليل الفينومينولوجي لظواهر الوعي والأنا والغير في فلسفة سارتر
كيف يتحدد مفهوم الوعي ومفهوم الأنا في فلسفة سارتر؟ وما نوع العلاقة
بينهما؟ وكيف تتحدد العلاقة بين الأنا والغير في إطار هذه الفلسفة؟ سوف
نتطرق في لحظة أولى إلى هذه القضايا في ضوء نظرية الفيلسوف الفرنسي جون
بول سارتر المبسوطة في كتابه الموسوم بـ"تعالي الأنا")ثم نقوم في لحظة ثانية برصد تطور مواقفه من مسألة الغيرية في أعماله المتأخرة التي تناول فيها قضايا الخيال والصور الفنية.
1. مفهوم الأنا المتعالي في فلسفة سارتر
يعتبر كتاب "تعالي الأنا" محاولة لوصف وتحليل ظواهر الوعي والوقائع
الجوانية من وجهة نظر فينومينولوجية. ويهدف إلى بيان ما إذا كان الأنا
ظاهرة من ظواهر الوعي ذاته كما هو الحال بالنسبة لكل من ديكارت وكانط
وهوسرل، أم أنه موضوع من موضوعات العالم كالأشجار والكراسي وما إلى ذلك.
وأما أطروحته الأساسية في هذا المجال فتتمثل في جوابه عن السؤال: "من أنا
؟" أو بعبارة أخرى: ما هي طبيعة أناي؟ وقبل أن يقدم أطروحته التي تمثل
جوابه على هذا السؤال استهل كتابه بنقد تصورات بعض الفلاسفة من أمثال
هوسرل وكانط وديكارت للأنا. نقرأ في مقدمة الكتاب:
"إن
الأنا بالنسبة لمعظم الفلاسفة "كائن يسكن" الوعي. ويدعي بعضهم أن له حضور
شكلي في صميم تجربة الحياة كمبدأ فارغ للتوحيد [= يؤدي وظيفة التوحيد أو
التركيب]. ويدعي آخرون – وهم في الغالب الأعم من علماء النفس – أنهم
اكتشفوا حضوره المادي في كل لحظة من لحظات حياتنا النفسية بوصفه مركز
الرغبات والأفعال. ونود أن نبين هنا أن الأنا لا يوجد في الوعي لا شكلا
ولا مضمونا، بل في الخارج، في العالم؛ إنه كائن من كائنات العالم، تماما
مثل ما هو الحال بالنسبة لأنا الغير"
تلخص هذه الفقرة مآخذ سارتر
على الفلاسفة والمفكرين الذين يقولون بأن الأنا المتعالية هي المبدأ
الشكلي الضروري لنشاط الوعي، وهي الأطروحة التي تبناها كل من كانط وهوسرل،
كما أنه رفض الأطروحة التي تقول بأن الأنا المتعالي توجد على مستوى نشاط
الوعي والتفكير، في أحضان الذات المفكرة، وهي الأطروحة التي نجدها عند كل
من ديكارت وهوسرل. وبعد أن عبر عن موقفه الرافض لهاتين الأطروحتين قدم
بديلا عنها، وهو أطروحته التي تقول: إن الأنا بطبيعته وتكوينه متعالي عن
الوعي. وقبل أن نستعرض تفاصيل هده الأطروحة ومبرراتها وما يترتب عنها،
دعونا نستعرض أهم مآخذ سارتر على الأطروحات السابقة.
يقول هوسرل: إن الوعي هو دائما وعي بشيء ما، فهو يتجه دائما نحو موضوع ما
ويكشف عنه، مثله في ذلك مثل شعاع الضوء، يسقط على الأجسام فتتجلى للناظر
إليها. توحي هذه الفكرة، إذا نظرنا إليها من وجهة نظر سارتر، بأن وراء كل
وعي "بنية وعي ضرورية" تنير بأشعتها الظواهر الموجودة في الحقل الذي يتجه
إليه الانتباه (=القصدية). وهكذا تكتسي بنية الوعي الضرورية أو الأنا
المتعالية طابعا خاصا وتصبح شخصية بالكامل. ومن هنا كان تساؤل سارت: هل
كان من الضروري أن يلجأ هوسرل إلى هذا المفهوم؟ وهل ينسجم مع تعريفه
للوعي؟ وكان جوابه طبعا بالسلب. وإنما اعترض سارتر على تصور هوسرل للأنا
المتعالية بدعوى أن إدراج "بنية الوعي الضرورية" في العالم المتعالي سيؤدي
إلى فساده من خلال حدوث شرخ في الوعي وانقسامه على نفسه؛ وسيؤدي الأنا
المتعالي بذلك في اعتقاده إلى موت الوعي. وإنما أراد سارتر بنقده لهذه
الأطروحة أن يفرغ الوعي من أي محتوى ليجعله شفافا ولاشخصيا.
وأما القول بأن الأنا المتعالية هي الشرط الشكلي الضروري لقيام الوحدة
وبناء التركيبات، فهو قول مردود في نظر سارتر: إن الأنا المتعالية ليست
الشرط الضروري الذي يضمن وحدة الوعي وتفرده، بل، وعلى العكس من ذلك، فإن
وحدة الوعي هي التي تقف خلف تشكل الأنا. فالأنا الذي نصادفه على مستوى
الوعي إنما يعبر عن الوحدة التركيبية لتمثلاتنا، تلك التركيبة التي تنصهر
فيها وتتوحد مختلف أبعاد الوعي ومكوناته على نحو مخصوص، وهذا ما يجعل من
الممكن التمييز بين "وعي" وآخر، بين حياة الوعي لدى زيد وحياة الوعي لدى
عمر. فلابد أن يكون هناك خيط رابط يوحد بين مكونات الوعي لدى زيد ويمنح
لوعيه خصوصية تميزه عن عمر.
حاول سارتر الدفاع عن أطروحته تلك في كتابه "تعالي الأنا" الذي يمثل بداية
قطيعته مع هوسرل؛ ولكن الحلول التي اقترحها لمسألة العلاقة بين الوعي
والأنا ومسألة الغيرية ظلت محدودة وغير مكتملة حسب تقديرات المحللين،
ولعلها كانت مشاريع حلول أو حلول تجريبية، وربما كان سارتر على وعي تام
بذلك قبل أن يتداول فيه المحللون؛ لاشك في أنه كان ينظر إليها على أنها
حلول مؤقتة لإشكالات عويصة كما يوحي بذلك العنوان الفرعي للكتاب(*)؛ يفهم
من هذا العنوان على أن الكتاب ليس أكثر من خطاطة عامة تمثل الخطوط العريضة
لمشروع بعيد المدى يهدف، من بين ما يهدف إليه، إلى الكشف عن طبيعة الوعي،
والمبدأ الذي تقوم عليه وحدته وتفرده، وعلاقته بالأنا وبالغير.
ففيما يتعلق بوحدة الوعي، يرى سارتر أن في كل لحظة من لحظات الوعي، أي
عندما نكون أمام موضوع ما، فإنه من الضروري أن تتوحد عمليات الوعي في
مواجهتنا لذلك الموضوع؛ فعندما يعض زيد تفاحة، فإن جميع عناصر الإدراك من
خشخشة وطعم ورائحة وما إلى ذلك يكون لها حينئذ حضور في وعي واحد متفرد هو
وعي زيد. فما الذي يمنح لوعي زيد وحدته ويجعل المدركات تنصهر فيه في إطار
تركيبة متميزة ؟ لو طرحتا هذا السؤال على كانط لأجاب: إنه الأنا المتعالي؛
ويرى سارتر على العكس من ذلك بأن الوعي يستمد وحدته من الموضوع لا من
الأنا المتعالي، وهو ما عبر عنه بقوله: "إن وحدة الوعي توجد على مستوى
الموضوع". إن الوحدة التي يشير إليها سارتر هنا هي وحدة "المئات من أنواع
الوعي النشيطة" التي ينصب اهتمامها على نفس الموضوع. وترتبط هذه الوحدة
بالمستوى المتعالي من الموضوع الذي يتجه إليه الانتباه. والمقصود بتعالي
الموضوع هنا امتداده إلى ما وراء التجربة الراهنة في اتجاه الماضي
والمستقبل، حيث أصبحت مظاهره الآنية تتوحد بمظاهره في الزمن الماضي
والمستقبل. إن الموضوع الذي يتجاوز لحظته بمظاهره العابرة للأزمان هو
موضوع متعالي أو ذو وحدة متعالية؛ وبناء على ذلك يمكن القول بأن وحدة
الوعي ليست شيئا آخر غير الوعي بتلك الوحدة المتعالية، إنها الوعي الخالص،
ذلك الوعي الذي تم تطهيره من شوائب الأنا أو بنيته ليصبح مجرد علاقة فارغة
بالوحدة المتعالية لموضوعه. ولكن، ما الذي يضمن استمرار وحدة الوعي عبر
الزمن ؟
للإجابة على هذا السؤال لجأ سارتر إلى مفهوم الوعي الزمني conscience
temporelle الذي استعاره عن هوسرل والذي يدل على أبعاد الوعي الثلاث في
علاقته بالزمن، وهي:
القصد intention ويعني في نفس الوقت الاتجاه المفرغ/المحايد نحو موضوع ما
(موضوع القصد objetintentionnel) والفعل الذي يضفي المعاني والدلالات على
ذلك الموضوع؛
التوجه القصدي نحو المستقبل protentionوهو نوع من التوقع المرتبط باللحظة
الراهنة ارتباطا جوهريا ويستبق الأحداث قبل وقوعها. فعندما تسمع نوطة
موسيقية، فإنها لا تصبح جزءا من معزوفة في وعيك إلا إذا تلتها نوطات أخرى،
وكنت تتوقع سماعها على نحو ما. فالتوقع هو جزء من إدراك النوطة بوصفها جزء
لا يتجزأ من المعزوفة.
التذكر rétention، وهو استحضار وقائع الماضي الفوري في الوعي، فكما أن
النوطة لا تعتبر جزءا من معزوفة إلا بتوفر شرط القدرة على توقع ما يليها،
كذلك لا بمكن إدراكها بوصفها جزءا من المعزوفة إلا إذا توفرت القدرة على
استحضار النوطات التي سبقتها على الفور. وفي حال عدم توفر هذا الشرط
فسيكون من المستحيل إدراك ما يجري في الزمن.
وهكذا، وبالعودة إلى مفهوم الوعي الزمني أو القصدية ذات الأبعاد الزمنية
الثلاث يكون سارتر قد وجد لأطروحته حول وحدة الوعي دعامة قوية. يقوم هذا
الدليل على مصادرة أساسية مفادها أن الزمن الداخلي يتألف في الواقع من عدة
لحظات مبثوثة فيه بشكل ضمني. والمقصود بذلك أن كل وعي ينطوي في ذاته على
الوعي بالماضي الفوري في علاقته بالوعي بما يجري في اللحظة الراهنة
وامتداداته نحو المستقبل. وهكذا تتحقق وحدة الوعي دونما حاجة إلى وجود
الأنا المتعالي الذي يعتبره هوسرل وكانط الشرط الضروري لقيام تلك الوحدة.



 
تفاعلات الأصدقاء

0000-00-00
شيخنا

أنا في غاية السرور لانضمامي إليكم
cheickna.koita.com@hotmail. com
0000-00-00
شيخنا

أنا في غاية السرور لانضمامي إليكم
cheickna.koita.com@hotmail. com


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2020466 :: Aujourd'hui : 853 :: En ligne : 9