الدولة بين السيادة والمواطنة
 
2013-05-31   

الدولة بين السيادة والمواطنة
اعداد زهير الخويلدي
"اخترع الانسان الدولة لكي لا يطيع الانسان الآخر“
إذا افترضنا أن إنسانية الإنسان لا تتحقق إلا بسيادته على ذاته في فضاء مدني عمومي يضمن له حقوقه ويحميه من كل اعتداء خارجي ويجعل منه مواطنا محترما، واذا كان وجود الدولة هو أمر ضروري لقيام المجتمع واستقراره? فضمن أي تصور للسلطة السياسية يكون هذا الفضاء ممكنا ؟ وهل بإمكان المواطنة بالمعنى الديمقراطي ضمان هذا المطلب ؟ ألا يدعونا واقع التعدد والاختلاف اليوم إلى فتح السياسي على أفق إتيقي يؤسس لمواطنة كونية ؟ وماهي العلاقة بين المواطنة والسياسة في اطار الدولة؟ هل تؤسس الدولة سيادتها على القوة أم على الحق؟ وهل تلجئ الى العنف المشروع أم تحترم حقوق المواطنة؟ وهل يجوز أن يعتدي النظام العالمي على سيادة الشعوب باسم الدفاع عن حقوق الإنسان؟
1- السيادة هي أساس المواطنة:
” الاستبداد هو ممارسة للسلطة لا تستند لأي حق? و يقوم على استخدام امرئ للسلطة من أجل مصلحته الخاصة لا من أجل خير المحكومين“ جون لوك
الدولة لغة هي من فعل دال وتعني التداول على الأمر، ولكنها تفيد أيضا الغلبة والسيطرة والحكم. أما المعنى الاصطلاحي فهي الجسم السياسي والحقوقي الذي ينظم العلاقات بين الأفراد وتتكون من جانب مادي هو الهياكل والإقليم والسكان وجانب معنوي هو الدستور والثقافة واللغة والعلم والنشيد الرسمي.
أما المعنى الفلسفي للدولة فهو السلطة زائد قانون زائد مؤسسات. لكن على ماذا تتأسس الدولة؟ هل على السيادة أم على المواطنة؟ وكيف يفسد الاستبداد طبيعة الدولة؟ وما السبيل الى دولة الحقوق والحريات؟
يمكن للدولة أن تستمد سيادتها من قيمة المواطنة خاصة عندما تتمثل في سيادة الشعب نفسه بنفسه وعندما يتكون الشعب من مجموعة من المواطنين الأحرار الذين يمارسون الواجبات التي عليهم ويطالبون بضمان حقوقهم. لكن على ماذا يتأسس معنى السيادة أولا؟ وماذا تعني؟
ان السيادة Souveraineté مشتقة لغويا من كلمة سيد Souverain وتعني الحاكم المسيطر والذي يتمتع بالنفوذ والهيبة والمالك الفاضل والشريف الكريم. وتدل على المقدم على غيره جاها أو مكانة أو منزلة أو غلبة أو قوة أو رأيا أو أمرا. أما اصطلاحا فالسيادة هي السلطة العليا والمطلقة التي تنفرد بالقرار والإلزام ولها الكلمة العليا واليد الطولى والحكم الشامل في انشاء الخطاب الملزم وتنظيم العلاقات والتصرف في الأمور التي تجري فوق إقليمها أو خارجه.
هناك معنيان أوليان للسيادة: المعنى الأول: الحق في امتلاك والتحكم في قطعة أرض أو بحر والأجواء المحيطة بها وأعماق البحر وباطن الأرض. أما المعنى الثاني فيشير الى حق الحكم لفئة ما أو لفرد معين على لمجموعة تستوطن لتلك البقعة الجغرافية.
*السيادة ترتبط بالأفراد نقول هؤلاء الأفراد لهم سيادة مطلقة على أنفسهم أي أحرار في التصرف.
*السيادة يمكن أن ترتبط بالدول نقول دولة ذات سيادة أي كيان له استقلالية كاملة في التصرف في شؤونه الداخلية والخارجية دون تدخل خارجي.
*السيادة يمكن أن ترتبط بالمجموعة الدولية فلأمم المتحدة لها حق التدخل في بعض الدول حسب القانون الدولي من أجل حماية بعض القيم ضد أي انتهاك مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان،نقول إذن إن القانون الدولي له سيادة على كل الدول الموقعة عليه والمعترفة به كقانون دولي. بيد أن كل ذلك لم يكن ليحصل في تاريخ فهم السيادة الوطنية للدولة إلا بعد التطور التاريخي لمفهوم السيادة . فماهي مختلف التحولات التي شهدها مفهوم السيادة؟
اختلفت آراء رجال القانون والحقوق في تحديد مفهوم السيادة فذهب بعضهم إلى أنها الملك، وقال آخر الشعب، وآخر البرلمان.. فأرسطو يرى أنها السلطة العليا في الدولة، والمفكر الفرنسي جان بودان يفسرها بأنها: "السلطة العليا المعترف بها والمسيطرة على المواطنين والرعايا دون تقييد قانوني، ما عدا القيود التي تفرضها القوانين الطبيعية والشرائع السماوية. " لكن ماهي مظاهر السيادة ؟
1- المظهر الداخلي : وهو أن تبسط السلطة السياسية سلطاتها على إقليم الدولة بحيث تكون هي السلطة الآمرة التي تتمتع بالقرار النهائي .
2- المظهر الخارجي : يعني استقلالية الدولة وعدم خضوعها لدولة أخرى. حول هذا الموضوع يقول اسبينوزا:" تكون المدينة مستقلة عندما تستطيع أن تحافظ على ذاتها وأن تقاوم الاضطهاد وتكون تابعة لغيرها عندما تعيش على الخوف من جبروت مدينة أخرى."

وما المقصود بالسيادة الوطنية؟
" الغاية التي أنشئت من أجلها الدولة هي الخير المشترك“
إن تصاعد سلطة القانون والعقل هو وثيق الصلة بمبدأ السيادة (souveraineté) والدولة المدنية، والسيادة تعنى القوة أو السلطة العليا المطلقة في الدولة التي هي فوق الجميع لأنها أصلا من أجل الجميع، تمثل الإرادة العامة للشعب وهي فوق أي إرادة فردية لا تقبل النقاش في حقها حيث تأسست. إن الرأي الذي دعا إلى سيادة الشعب ويحّمل الحكام مسؤولية أي انتهاك للحقوق، ويسمح للشعب بمقاومة حكامه عند ظهور بوادر انحراف واضطهاد، هو رأي جان جاك روسو واضع اصطلاح السيادة الشعبية الذي يدعو إلى توزيع السيادة بين جميع أفراد الشعب، على أساس المساواة بدون تفريق أو استثناء، إلا ما يكون ناجما عن صغر السن أو فقدان الأهلية أو من جراء الأمراض العقلية أو الأحكام القضائية، بحيث تصبح السيادة في هذه الحالة، سيادة مجزأة بين العدد الأكبر، وبعبارة أخرى فان السيادة هي جمع أصوات المواطنين كافة، لاستخراج الأكثرية منها. إذ يقول روسو:" حالما يوجد سيد لا وجود بعد لشعب يتصف بالسيادة" ويضيف:" لما كان الشعب صاحب السيادة لا وجود له خارج الأفراد الذين يتكون منهم فإنه لا مصلحة له ولا يمكن أن تكون له مصلحة خلاف مصلحتهم" . وبالتالي يرفض روسو تجزيء رجال السياسة للسيادة تبعا لمصالحهم إلى قوة وإرادة ويتبنى فكرة انبناء السيادة على فكرة المواطنة والإرادة العامة بقوله:" إن السيادة لا تتجزأ لنفس الأسباب التي تجعلها غير قابلة للتنازل لأن الإرادة إما أن تكون عامة وإما ألا تكون كذلك: فهي إما إرادة الشعب في مجموعه وإما إرادة جزء منه فقط. وفي الحالة الأولى تكون هذه الإرادة المعلنة عمل من أعمال السيادة ولها أن تسن القوانين وفي الحالة الثانية ليست سوى إرادة خاصة أو عمل من أعمال الإرادة ولا تكون مرسوما على أكثر تقدير." فكيف تتجلى السيادة في الواقع الاجتماعي؟
إن تمتع الدولة بالسيادة يعني أن تكون لها الكلمة العليا التي لا يعلوها سلطة أو هيئة أخرى . وهذا يجعلها تسمو على الجميع وتفرض نفسها عليهم باعتبارها سلطة آمرة عليا . لذلك فسيادة الدولة تعني وببساطة أنها منبع السلطات الأخرى . فالسيادة أصلية ولصيقة بالدولة وتميز الدولة عن غيرها من الجماعات السياسية الأخرى . والسيادة وحدة واحدة لا تتجزأ مهما تعددت السلطات العامة لان هذه السلطات لا تتقاسم السيادة وإنما تتقاسم الاختصاص . لذلك يمكن نقد فكرة سيادة الشعب لكونها تجسد علاقة التبعية بين النائب والناخب وحتى العلاقة التمثيلية لا ترتقي إلى درجة التمثيلية الحقيقية. لذلك عند فوكو "ترتبط السيادة بشكل من أشكال السلطة التي تمارس على الأرض ومنتجاتها وخيراتها أكثر من ارتباطها بالأجساد وما تقوم به من أنشطة. وقد بقيت نظرية السيادة وسيلة نقدية موجهة دائمة ضد الملكية ومبدأ منظم للقوانين التشريعية الكبرى التي تسمح بتركيب آليات المجتمع الانضباطي. ويضيف في هذا السياق النقدي:" إن الأنظمة التشريعية سمحت بنوع من ديمقراطية السيادة الجماعية في الوقت الذي وجدت فيه هذه السيادة مثقلة في عمقها بآليات الإكراه الانضباطي." لكن كيف يؤدي احترام الدولة لقيم المواطنة الى اكتسابها لقيمة السيادة؟
2- المواطنة هي مصدر السيادة:
" لا يمكن أن نحدد الديمقراطية بطريقة بسيطة فسيادة الشعب المواطن تتضمن في نفس الوقت التقنين الذاتي لهذه السيادة عن طريق طاعة القوانين وتحويل السيادة إلى المنتخبين" .
يفترض أن تتحول السيادة بدورها إلى إطار عام تتحقق فيه قيمة المواطنة خاصة حينما يتعلق الأمر بالسيادة العالمية في ما يتعلق بالإدارة السياسة للكوكب من طرف هيئة تنسيقية تمثل الحكومة العالمية، لكن قبل ذلك من هو المواطن؟ وماهي صفات المواطنة؟ يعتقد عامة الناس أن المواطنة تتلخص في الحضور المادي في بلد ما أو أنها تتلخص في مجموعة من الحقوق التي لا يقابلها أي التزام. وهذا الاعتقاد خاطئ لسببين أوّلا لأنه يقوم ضمنيا على خلط بين المواطن والمواطنة. وثانيا لأنه يخلط بين المواطنة وأصناف الانتماء الأخرى سواء كانت ثقافية أو دينية أو إيديولوجية أو اجتماعية. في حين أن فهم المواطنة يقتضي تحديدها في علاقاتها بالسيادة السياسية وبالديمقراطية وهو ما تفطّن إليه أرسطو عندما أقرّ "المواطن كما حدّدناه هو على الخصوص مواطن الديمقراطية" والديمقراطية ليست شيئا آخر عدا سيادة الشعب للشعب، وهذا يعني أن المواطن هو عنصر فاعل في الحياة العامة، عنصر فاعل في المدينة. لكن كيف تعريف المواطنة وماهي شروط تحقيقها؟
المواطنة Citoyenneté في اللغة: يعود أصل كلمة المواطنة ومدلولها إلى عهد الحضارة اليونانية القديمة ، والكلمة من ( Polis ) ) وكانت تعني المدينة باعتبارها بناء حقوقيا ومشاركة في شؤون المدينة. كما تستعمل كلمة المواطنة كترجمة لكلمة الفرنسية ( Citoyenneté ) ، وهي مشتقة من كلمة ( Cité ) . وتقابلها باللغة الإنجليزية كلمة ( Citizenship ) المشتقة من كلمة ( City ) ، أي المدينة . أما المواطنة بمعناها اللغوي العربي، فهي مشتقة من وطن ، وهو بحسب كتاب لسان العرب لابن منظور " الوطن هو المنزل الذي تقيم فيه ، وهو موطن الإنسان ومحله … ووطن بالمكان واوطن أقام ، وأوطنه اتخذه وطنا ، والموطن … ويسمى به المشهد من مشاهد الحرب وجمعه مواطن.
المواطنة في الاصطلاح هي صفة المواطن الذي له حقوق وعليه واجبات تفرضها طبيعة انتمائه إلى وطن. ومن هذه الحقوق على سبيل المثال لا الحصر : حق التعليم ، حق الرعاية الصحية ، حق الشغل.أما الواجبات ، فمنها على سبيل المثال لا الحصر كذلك : واجب الولاء للوطن والدفاع عنه ، وواجب أداء العمل، وإتقانه … إلخ . وبناء عليه فالمواطنة علاقة الفرد بدولته ، علاقة يحددها الدستور والقوانين المنبثقة عنه والتي تحمل وتضمن معنى المساواة بين من يسمون مواطنين . وبالتالي المواطنة نسبة إلى الوطن وهو مولد الإنسان والبلد الذي هو فيه، ويتسع معنى المواطنة ليتمثل التعلق بالبلد والانتماء إلى ثراته التاريخي ولغته وعاداته. وكما يقول اسبينوزا: إن غاية الدولة في الواقع هي الحرية“.
والحق أنه يقصد بمفهوم المواطنة حقوق وواجبات الأفراد والجماعات داخل الدولة بمفهومها الحديث وظهر كنتاج لعصر النهضة والتنوير اللذين سادا في أوروبا في القرن السابع عشر، وعلى أنقاض حكم الإقطاع المتحالف مع الكنيسة الكاثوليكية. أما فيما بعد، فإن مفكري عصر التنوير طرحوا العقد الاجتماعي الذي يقوم ما بين أفراد المجتمع والدولة أو الحكم، وعلى آلية ديمقراطية تحكم العلاقة بين الأفراد أنفسهم بالاستناد إلى القانون. وعليه فقد ساد مفهوم المواطنة، حيث تحول المواطن إلى ذات حقوقية وكينونة مستقلة، بعد أن كانت القبيلة أو العشيرة أو الوحدة العضوية هي ذلك الإطار، الذي ترتبط علاقاته بالآخرين بناءً على موازين القوى ومنطق القوة أصلاً. ومع انتصار الثورة الصناعية البرجوازية وتحرير الأقنان والعمالة الزراعية لتظهر طبقة عامة رثة في المصانع، ولتأخذ القضية شكلاً جديداً هو الحقوق المدنية في الدساتير مع استمرار استغلالهم واضطهادهم في الواقع.
إن المفهوم الحديث للمواطنة تطور مع الدولة الحديثة التي تعتبر لنفسها السيادة المطلقة داخل حدودها، وان أوامرها نافـذة على كل من يقطن داخل تلك الحدود الجغرافية. لكن ومن اجل منع استبداد الدولة وسـلطاتها فقد نشأت فكرة المواطن الذي يمتلك الحقوق غير القابلة للأخذ أو الاعتداء عليها من قبل الدولة. فهذه الحقوق هي حقوق مدنية تتعلق بالمساواة مع الآخرين وحقوق سـياسية تتعلق بالمشاركة في اتخاذ القرار السياسي، وحقوق جماعية ترتبط بالشئون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
استناداً لما سبق، أصبحت قيمة المواطنة هي الآلية للحد من الصراعات الإثنية، والعرقية، والاجتماعية، والجنسوية، على قاعدة مبدأي عدم التميز والمساواة. في هذا الإطار يصرح اسبينوزا:" ينبغي أولا تأسيس مدينة أو أكثر وتحصينها وأن يتمتع جميع المواطنين سواء أقاموا داخل الحصن أو خارجه لانشغالهم بالفلاحة بنفس الحقوق الوطنية وذلك بشر" أن يكون لكل مدينة العدد الكافي من الموطنين للدفاع عنها وعن المجموعة العامة" .لقد وقع توسيع مدلول المواطنة فيما بعد لتتجاوز هذه الصفة دائرة المدينة الدولة نحو المواطنة العالمية وهي صفة تلتصق بإنسان يقطن هذا العالم ويتساوى مع الآخرين في هذه القيمة الإنسانية. لقد أضافت نظرية المواطنة في الفكر الحديث إلى الإنسان الحر والعقلاني الإغريقي منظومة القيم الحقوقية الكونية التي تجعل الناس جميعا يتمتعون بحق العيش بكرامة وحرية ويتساوون في الحقوق والواجبات وخاصة الحق في انتخاب الحكام ومن ينوبهم في تصريف شؤون الدولة والحق في الترشح للمناصب الرئاسية ومختلف الوظائف الموجودة في المجتمع دون أي تمييز وكذلك الحق في مراقبة آليات الحكم ومناقشة تدبير شؤون المدينة مع بقية المواطنين.
لكن مما تتكون المواطنة ؟ وماهي حقوق المواطنة؟
” الدكتاتورية هي حتما نظام عنف لا يعترف إلا بقوة واحدة ويستبعد كل قوة أخرى“
تتمثل أهم حقوق المواطنة فضلاً عن المساواة القانونية بمجموعة الحقوق الآتية: الحق في السلامة الجسدية والعمل والحق في السكن وحق التعليم والحق في دعم ورعاية الدولة والحق في الخدمات الصحية وحق اللجوء إلى القضاء والحق في الملكية وفي التصرف والحق في الخصوصية وفي اللغة وفي رفض ذكر القومية أو الدين في الوثائق الرسمية والحق في الإدارة الذاتية: للمواطن الحق في انتخاب الإدارة الذاتية والمحلية والبلدية لمحافظته ومنطقته وقضائه وناحيته وغيرها من الوحدات الإدارية في الدولة انتخاباً مباشراً. وحق الحماية والتعويض وحق الإرث والشهادة والاختيار .
أما عن الحقوق الإجرائية فإن للمواطن الحق في عدم اعتقاله أو استجوابه من قبل أي سلطة بدون أمر قانوني ساري المفعول صادر عن حاكم مختص، وحق المتهم أو الموقوف والحق في بيئة نظيفة والسفر بحرية والحق في التنمية والملكية في الحد الذي لا يضر بالسياق الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيش فيه والحق في السلام، وفي التضامن الإنساني...من هذا المنطلق تحيل المواطنة باعتبارها مفهوم فلسفي قانوني إلى شرطين : 1 – - شرط الدولة الوطنية : وما يستتبع ذلك من إقامة مجتمع وطني يقوم على اختيار إرادة العيش المشترك بين أبنائه .
2 – - شرط النظام الديمقراطي : ومتطلباته للتوازن بين الحقوق والواجبات ، بين الخاص والعام ، بين الخصوصيات والشمول.
وباختصار ، " فالمواطنة مفهوم تاريخي شامل ومعقد له أبعاد عديدة ومتنوعة منها ما هو مادي قانوني ، ومنها ما هو ثقافي سلوكي، ومنها أيضا ما هو وسيلة أو غاية يمكن بلوغه تدريجيا ، لذلك فإن نوعية المواطنة في دولة ما تتأثر بالنضج السياسي والرقي الحضاري". واضح إذن ، أن المواطنة ، خيار ديمقراطي اتخذته مجتمعات معينة ، عبر مراحل تاريخية طويلة نسبيا ، فهي كما قال المفكر المصري السيد ياسين : " ليست المواطنة جوهرا يعطي مرة واحدة وللأبد "
ماهي أبعاد المواطنة؟
” إن غاية الديمقراطية و مبدأها هو تخليص الناس من سيطرة الشهوة العمياء و الإبقاء عليهم بقدر الإمكان في حدود العقل بحيث يعيشون في وئام و سلام “
هناك بعد قانوني يتطلب تنظيم العلاقة بين الحكام والمحكومين استنادا إلى العقد اجتماعي يوازن بين مصالح الفرد والمجتمع. * البعد السياسي للمواطنة: فالمواطنة حقوق وواجبات وهي أداة لبناء مواطن قادر على العيش بسلام وتسامح مع غيره على أساس المساواة وتكافؤ الفرص والعدل، قصد المساهمة في بناء وتنمية الوطن والحفاظ على العيش المشترك فيه، ولمفهوم المواطنة أبعاد متعددة تتكامل و تترابط في تناسق تام. البعد الاقتصادي للمواطنة: يستهدف إشباع الحاجيات المادية الأساسية للبشر ويحرص على توفير الحد الأدنى اللازم منها ليحفظ كرامتهم وإنسانيتهم ويتمثل في دفع الضرائب. * البعد الاداري للمواطنة.: يعنى بالجوانب الروحية والنفسية والمعنوية للأفراد والجماعات على أساس احترام خصوصية الهوية الثقافية والحضارية ويرفض محاولات الاستيعاب والتهميش والتنميط. * البعد الاجتماعي للمواطنة: يقصد بالمواطنة العضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع بما يترتب عليها من حقوق وواجبات، وهو ما يعني أن كافة أبناء الشعب الذين يعيشون فوق تراب الوطن سواسية بدون أدنى تمييز قائم على أي معايير تحكمية مثل الدين أو الجنس أو اللون أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي والموقف الفكري. ويرتب التمتع بالمواطنة سلسلة من الحقوق والواجبات ترتكز على أربع قيم محورية هي: أولا- قيمة المساواة: التي تنعكس في العديد من الحقوق مثل حق التعليم، والعمل، والجنسية، والمعاملة المتساوية أمام القانون والقضاء، واللجوء إلى الأساليب والأدوات القانونية لمواجهة موظفي الحكومة بما في هذا اللجوء إلى القضاء، والمعرفة والإلمام بتاريخ الوطن ومشاكله، والحصول على المعلومات التي تساعد على هذا. ثانيا- قيمة الحرية: التي تنعكس في العديد من الحقوق مثل حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، وحرية التنقل داخل الوطن، وحق الحديث والمناقشة بحرية مع الآخرين حول مشكلات المجتمع ومستقبله، وحرية تأييد أو الاحتجاج على قضية أو موقف أو سياسة ما، حتى لو كان هذا الاحتجاج موجها ضد الحكومة، وحرية المشاركة في المؤتمرات أو اللقاءات ذات الطابع الاجتماعي أو السياسي. ثالثا- قيمة المشاركة: التي تتضمن العديد من الحقوق مثل الحق في تنظيم حملات الضغط السلمي على الحكومة أو بعض المسئولين لتغير سياستها أو برامجها أو بعض قراراتها، وممارسة كل أشكال الاحتجاج السلمي المنظم مثل التظاهر والإضراب كما ينظمها القانون، والتصويت في الانتخابات العامة بكافة أشكالها، وتأسيس أو الاشتراك في الأحزاب السياسية أو الجمعيات أو أي تنظيمات أخرى تعمل لخدمة المجتمع أو لخدمة بعض أفراده، والترشيح في الانتخابات العامة بكافة أشكالها.
رابعا - المسئولية الاجتماعية: التي تتضمن العديد من الواجبات مثل واجب دفع الضرائب، وتأدية الخدمة العسكرية للوطن، واحترام القانون، واحترم حرية وخصوصية الآخرين.
وفي كلمة واحدة يمكن اعتبار المواطنة كمجموعة من القيم لتدبير الفضاء العمومي المشترك ويمكن تحديد أهمها: 1- - الانتماء أي شعور الإنسان بالانتماء إلى مجموعة بشرية ما وفي مكان ما (الوطن) على اختلاف تنوعه العرقي والديني والمذهبي، مما يجعل الإنسان يتمثل ويتبنى ويندمج مع خصوصيات وقيم هده المجموعة. -2 - الحقوق: التمتع بحقوق المواطنة الخاصة والعامة كالحق في الأمن والسلامة والصحة والتعليم والعمل والخدمات الأساسية العمومية وحرية التنقل والتعبير والمشاركة السياسية ...-3 - الواجبات: كاحترام النظام العام والحفاظ على الممتلكات العمومية والدفاع عن الوطن والتكافل والوحدة مع المواطنين والمساهمة في بناء و ازدهار الوطن. 4- - المشاركة في الفضاء العام: المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية (الانتخاب والترشيح) وتدبير المؤسسات العمومية والمشاركة في كل ما يهم تدبير ومصير الوطن. لكن الأمر الذي يثير إشكالا هو ظهور الدولة العالمية والمواطنة العالمية حيث تعرض مستقبل السيادة الوطنية إلى الخطر في ظل تشريع حق التدخل في سيادة الدول من أجل فرض احترام حقوق المواطنة باعتبارها قيمة كونية، في هذا السياق يقول ريكور:" صاحب السيادة ينزع دوما إلى ابتزاز السيادة ذاك هو الداء السياسي الجوهري." فهل يؤدي الإقرار بفكرة السيادة العالمية إلى طمس فكرة السيادة الوطنية؟ ألا يوجد تعارض بين سيادة الدول وفكرة المواطنة العالمية؟ وكيف يمكن تحقيق المصالحة بين سيادة وطنية ومواطنة كونية؟
3-الدولة العالمية والمواطن العالمي:
" كل فرد هو في نفس الوقت مواطن العالم ومواطن دولته"
لقد برز للعيان راهنا أن الدولة العالمية هي الراعية لحقوق المواطنة عندما يقع الاعتداء عليها من طرف الدولة الوطنية وقاعدتها القانونية أن الإنسان ليس فقط موطنا داخل دولة ذات سيادة بل هو مواطن عالمي وموجود في العالم ويطلب من هذه الحكومة العالمية أن تصون كرامته إذا تعرض إلى أي اعتداء. يعبر هابرماس عن هذه الفكرة الجديدة بقوله:" "إن مفتاح الحق لدى المواطن العالمي يكمن في كونه يعني منزلة الحق الفردي للذوات مؤسسين لهم انتماء مباشر إلى جماعة المواطنة العالمية الحرة والمسؤولة".
يميز جاك ماريتان بين الدولة والكيان السياسي، الدولة ترعى النظام العام وتفرض القوانين وتمتلك السلطات وتقوم بخدمة الشعب، أما الكيان السياسي فهو الشعب المنظم بقوانين عادلة والمتكون من مؤسسات متعددة وجماعات محلية داخلية فيه ومن المجتمع الأخلاقي المنبثق منه. وينتهي إلى فكرة الحكومة العالمية في إطار النظام السياسي للعالم ويقر بأن مسألة الكيان السياسي مرتبطة بالنظرية السياسية البحتة في النظام العالمي.
إذ يقول في هذا السياق:" ستكون الحكومة العالمية دولة عليا منبثقة من كيان سياسي ومفروضة على الدول الخاصة وتتدخل في شؤونها حتى وان جاءت هذه الحكومة نتيجة انتخابات عامة وتمثيل." ويضيف في نفس السياق:" يجب ألا تتكون الدولة العالمية من مندوبين عن الحكومات المختلفة وإنما بالتصويت الحر من جانب الرجال والنساء" .
غير أنّ ارتباط المواطنة بالسيادة العالمية يجعلها في موقف صعب إذ تكون وضعيتها حرجة للغاية ويمكن أن يفقدها الفرد كلما عمد إلى نسيان طبيعتها أو كلّما فسدت الديمقراطية فالسيادة عند "روسو" كما هو الحال عند "مونتسكيو" غير قابلة للقسمة ثم هي مطلقة بما أنها فوق القانون، إذ هي التي ترسي القانون، والخطر يتأتى من ربط السيادة بالدولة إذ قد تتماهى السيادة مع الدولة مثلما هو شأن الخلط بين الدولة والمجتمع المدني وهو خلط حذّر منه "هيغل" عندما نقد نظرية العقد الاجتماعي، فالخلط بين السيادة والدولة والمجتمع المدني والدولة يؤدّي إلى ما سمّاه "سان سيمون" بدولنة المجتمع l’Etatisation de la societe أي سيطرة الدولة على كلّ هياكل ومؤسسات المجتمع المدني فنسقط في نوع جديد من الاستبداد السياسي، ولكن نوع خطير بما أنه استبداد باسم الديمقراطية سمّاه "توكفيل" بالاستبداد الناعم.
حول هذا التناقض بين السيادة والمواطنة يصرح هابرماس: "تتمثل النتيجة الأكثر أهمية لحق يقلص من سيادة الدول في كون بعض الأفراد يتحملون مسؤولية شخصية عن الجرائم المقترفة في حق الدولة أو جرائم الحرب."
ثم إنّ المماهاة بين السيادة والدولة قد تؤدّي إلى تصوّرات تجزّئ السيادة مثلما هو الشأن مع "غروسيس" الذي يحدّد السيادة باعتبارها مجموعة مهام يمارسها صاحب السيادة مثل سلطة "صكّ العملة"، سلطة إقامة العدالة... وكلّ المهام التي تقوم بها الدولة والتي تسمى في السجلّ السياسي الحقوقي المهامّ الملكية التي تؤسّس قوة الدولة والتي يمكن التفريط فيها، والسيادة بهذا المعنى تكون قابلة للقسمة ولذلك كان "روسّو" قد انتقد تصوّر "غروسيس" للسيادة وأقرّ بكون السيادة كاملة وغير قابلة للقسمة. ذلك أنّ السيادة في معناها الدقيق هي السلطة العليا، و الذي يمارس هذه السيادة ليس له سلطة فوقه، فمهامه لا ترتبط بأي سلطة أعلى منه، وهو ما يتضمن كون صاحب السيادة حر بصفة كاملة و مستقل.
هذه الاستقلالية والحرية للسيادة تتمظهر في مستوى الحق التأسيسي في الدول الديمقراطية، فالشعب حر في أن يشرع القوانين التي يريد، وحر في أن يراجع الدستور متى شاء، بل و حر حتى في تجاوز الدستور حسب بعض الحقوقيين. كما تتمظهر هذه الاستقلالية في مستوى القانون الدولي فكل شعب حر في تقرير مصيره و يتمتع بمساواة حقوقية مع بقية الشعوب. ذلك انه إن كانت سلطة السيادة عليا فإنها بالضرورة غير قابلة للقسمة وهي حق غير قابل للتصرف إذ لا تستطيع أن تكون عليا و أن تتنازل عن جزء من سلطتها لفائدة أي جهة أخرى في نفس الوقت. كما يجب أن نلاحظ أنه ثمة اليوم عدو آخر يترصد بالمواطنة و السيادة معا،إنه هيمنة الاقتصاد والسوق العولمي على السياسي. وأول تداعيات العولمة على المواطنة تتمثل في تحويل المواطن إلى مستهلك في سيرورة تحويل وجهة عندما لا يتعلق الأمر بتحويل مقصود ومعلن. وبالتالي هذه العملية تنخرط في نزعة قوية تتمثل في الحط من شأن السياسة في مقابل إرادة الرفع من شأن السوق باعتباره المجال العالمي لسيادة المواطن. وهكذا تنحط المواطنة إلى الدرجة الصفر من القيمة، و تتوقف حرية الاختيار لدى المواطن عند أنواع الاستهلاكيات في السوق، أما صناديق الاقتراع و بطاقات الانتخاب فتبدو في إيديولوجيا السوق تخلفا.
إن هذا الانزياح في معنى المواطنة الذي لا يكاد يرى، إذ يمرر باسم الديمقراطية ذاتها، يطرح مشكلا خطيرا على الإنساني، مشكل سلب عدد متزايد من الأفراد من مشاركتهم في السيادة، خاصة وأن الخيار الاستهلاكي لا يمثل خيارا عقلانيا بالنسبة للمصلحة العامة، لان المصلحة العامة لا تختزل في مجموع المصالح الخاصة بكل فرد كما تروج له الفردانية في النظم الديمقراطية المعاصرة.
أن يكون الواحد منا مواطنا عالميا هو أن يعرف وأن يفهم وأن يشارك في حوارات المدينة الذي تمثلها اليوم "القرية العالمية" واللاّتجانس ليس حاجزا وإنما هو مثلما بيّن ذلك "إدغار موران" عامل محرّر: "إنه يجعل الإمبراطوريات القديمة والحديثة تنهار ويفضل التجارب والوضعيات الجديدة". حول هذا الموضوع يبين كانط أنه" "نظرا لأن سيادة الدولة سيادة لا تقهر فإن اتحاد المواطنة العالمية هو فيدرالية بين الدول وليس بين مواطنين عالميين". من هذا المنطلق يميز موران بين النزعة الدولية ومفهوم العالمية بقوله:"ان التيار الدولي يريد أن يجعل من النوع شعبا أما العالمية فتريد أن تجعل من العالم دولة." فماذا ينتظر الإنسان المرآوي من دولة الرفاه الرخوة غير الاستنقاص من السيادة الوطنية في سبيل تسويق دعائي لمنظومة حقوق الإنسان والمواطن؟



 
تفاعلات الأصدقاء

0000-00-00


1


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2244841 :: Aujourd'hui : 1866 :: En ligne : 26