أفكار أولية حول التسامح
 
2012-05-28   


تؤكد قراءة التاريخ ان من المتعذر استكمال اسباب استتباب الامن و استقرار السلم و انماء الوئام الاجتماعي- وغير ذلك من مقومات البيئة الملائمة للتقدم والابداع البشري- في غياب التسامح، كما تؤكد ان البديل للتسامح كان و ما زال الصدام والعنف و التمزق الاجتماعي و الحروب. ومع ذلك فان مصطلح التسامح اثار و يثير الكثير من الاختلاف و الجدال حول بعض جوانبه. و دون ان يكون المعني التقليل من الجوانب الاخرى يعنى هذا الحديث بالجانب المفهومي فقط من التسامح تقديرا منه بان من شأن وضوح المفهوم ان ييسر تناول الجوانب الاخرى.

نشأة المصطلح

تنامت الدعوة الى التسامح، بمفهومه الاصطلاحي، في التاريخ الحديث على اثر ما شهدته أوربا في القرنين السادس عشر و السابع عشر من اشتداد موجة التعصب الديني العدواني و ما رافقه من لا تسامح ديني و حروب دينية ممتدة بين الطوائف المسيحية في اوربا. ويذكر انه في القرون الخمسة السابقة للقرنين المذكورين مباشرة ايضا كانت اوربا ضالعة في حروب دينية ضد العالم الاسلامي تمثلت في ما عرف لاحقا بالحروب الصليبية و امتداداتها من المواجهات العسكرية. و مع ان تلك الحروب الصليبية، وإن مثلت قمة التعصب و اللاتسامح الديني الاوربي تجاه المسلمين،انطوت- في نفس الوقت- على استمرار نوع مما كان قد بدأ قبل ذلك بعدة قرون من التفاعل الثقافي الاوربي- الاسلامي، لا تتوافر حتى الان دراسات علمية كافية خاصة بالاثر المحتمل لذلك التفاعل الثقافي الاوربي - الاسلامي في تأثر الثقافة الغربية بحالة التسامح الديني في الثقافة العربية او انتقال، كما يفيد البعض، بعض فكرة التسامح الديني اليها من الثقافة العربية. و لا يكفي لاثبات ان فكرة التسامح قد انتقلت من الثقافة العربية الى الثقافة الغربية او ان هذه الاخيرة قد تأثرت بما انطوت عليه الثقافة العربية من تسامح ثبوت انتقال بعض المضامين الثقافية بين الثقافتين العربية و الغربية و لا وجود عدة إشادات غربية بما كان يسود العالم الاسلامي من تسامح ديني.

و تؤرخ كتابات معاصرة لظهور الدعوة الى التسامح، بمفهومه الاصطلاحي، في العالم العربى في التاريخ الحديث بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين حيث تداعي بعض المثقفين، و خاصة من الاخوة المسيحيين العرب، الى الدعوة اليه.

عالميا، كانت الدعوة الى التسامح بدأت تأخذ بعدها العالمي الرسمي منذ ان بدأت المواثيق الدولية تذكرها او تشير اليها في نصوصها ربما بدءا من ميثاق الامم المتحدة ثم الاعلان العالمي لحقوق الانسان. و اثمرت الجهود الدولية بشأن نشر ثقافة التسامح عن صدور " اعلان مبادئ التسامح" عن المؤتمر العام لليونسكو في عام 1995 و اعلان عام 1996 عاما دوليا للتسامح. و اكتسبت الدعوة الدولية للتسامح زخما ملحوظا على اثر التصاعد الاخير في احداث العنف و الارهاب و كراهية الاجانب واضطهاد/ سوء معاملة الاقليات و رواج بعض نظريات الصراع او الصدام الثقافي/ الحضاري.

ذلك عن تجدد او تنامي الدعوة الى التسامح و ظهور مصطلح التسامح في التاريخ الحديث، بيد ان من المؤكد ان بداية الدعوة الى التسامح في التاريخ البشري تعود الى ما قبل التاريخ الحديث و ربما يصح التأريخ لبداياتها ببداية الرسالات السماوية و التي مثلت الدعوة الى التسامح، و إن بألفاظ مختلفة،بين البشر احد مضامينها الثابتة التي توالى الرسل، عليهم السلام، على دعوة البشر اليها. و يتوافر التراث الاسلامي الفقهي و الفلسفي على كثير من المرتكزات والاسس والاحكام التي من شأن تطويرها الاسهام في بلورة مفهوم افضل و اوسع قبولا للتسامح وفي تأصيل و تكريس ثقافة التسامح.

و منذ ان بدأت الدعوة للتسامح كان، و مازال، هناك من يؤيدونها و من يعارضونها ليس فقط على المستوى العملي و انما المستوى النظري ايضا. ومع ان الارجح ان الدعوة للتسامح تحظى اليوم بقبول عالمي اوسع مما كانت في الماضي او عند تجدد الدعوة اليها في التاريخ الحديث الا ان االواقع، التاريخي و المعاصر، يكشف ان الالتزام العملي بالتسامح ظل ضعيفا كما تشهد بذلك وقائع تاريخية ارتكبها الأوربيون عقب تنامي الدعوة للتسامح في اوربا، مثل العنف الاستعماري و عنف الحروب وخاصة الحربين العالميتين و عنف التمييز العنصري، بل ما زال الالتزام العملي بالتسامح يشهد انتكاسات خطيرة و احيانا مروعة حتى حيث نشأ المصطلح كما تشهد بذلك وقائع معاصرة مثل احداث التطهير العرقي و العنف الاجتماعي و بعض الدعوات و التوجهات اللاتسامحية و التي يحظى بعضها بالدعم الرسمي مثل الضغط على الجاليات الاجنبية نحو الاندماج في - و ليس التفاعل الايجابي مع- الاكثرية و منع بعض المظاهر الثقافية. و من المؤكد ان مظاهر اللاتسامح بين العرب و المسلمين انفسهم لا تقل فظاعة عما اصابهم او يصيبهم من غيرهم، كما ان لا تاريخهم و لا حاضرهم يخلو من بعض مظاهر اللاتسامح مع غيرهم.

المفهوم الاصطلاحي للتسامح

تمحور المفهوم الاصطلاحي للتسامح، في مبتدأ تنامي الدعوة اليه في الثقافة الغربية الحديثة، حول التسامح الديني و خاصة بين طوائف الدين الواحد( المسيحية) و – لاحقا و الى درجة اقل- بين الاديان المختلفة ايضا. و اتسع المفهوم في ما بعد، مع ظهور و تطور افكار عصر التنوير، ليشمل بالاضافة الى التسامح الديني التسامح الثقافي و السياسي و الاجتماعي. و تبع هذا التوسع المفهومي في مجالات التسامح توسع مفهومي في نطاق سريان التسامح و الذي كان قد اقتصر في البدء، عمليا على الاقل، في نطاق الانسان الاوربي فقط. و رغم ان الدعوة الى توسيع نطاق التسامح ليشمل كل الجنس البشري قد شابت مبرراتها عند البعض بعض الشوائب الا انها تواصلت و اسهمت في ترويج فكرة تعميم التسامح على كل البشر.

و قد تعرض المفهوم الاصطلاحي الغربي للتسامح لبعض النقد و سوء/ تناقض الفهم او التفسير و،احيانا، الرفض من البعض سواء في الغرب او في العالم الاسلامي. فبينما- مثلا- رأى البعض ان هذا المفهوم اساسه تسامح القوي مع الضعيف و بالتالي اعتبره مفهوما يكرس عدم تكافؤية العلاقة وعدم المساواة بين اطرافها ويثير شعور التكبر او شعور التفضل و التصدق من قبل المسامِح و الشعور المضاد من قبل المسامَح رأى البعض الاخر ان القصد من المفهوم هوالترويج لتسامح الشعوب المستضعفة المستعمرة مع قوى الاستعمار و الاستكبار بغرض تدجين تلك الشعوب والحد من مقاومتها لقوى الاستعمار في حين ان البعض الثالث رأى ان مفهوم التسامح يكرس الافراط في المساواة بين الصواب و الخطأ و بين اصحاب الحق و اصحاب الباطل وبين الشرفاء و المجرمين.

وكيفما كانت الانتقادات و التفسيرات التي طالت المصطلح،و التي لسنا بصدد تتبعها، من المهم لحسن فهم ليس فقط تلك الانتقادات و التفسيرات و انما ايضا مضمون المصطلح نفسه و ما يثور حوله من جدال و اختلاف الاخذ في الاعتبار ان هذا المصطلح،مثل غيره من المصطلحات الاجتماعية- الثقافية المؤثرة، كان و ما زال، حتى في موطن نشأته، محل صراع ملحوظ بين مختلف القوى الاجتماعية و الثقافية التي تحاول – في اطار الصراع الاصطلاحي المحتدم في هذا العصر- توظيف هذا المصطلح، مبنى او دلالة او تفسيرا، لصالح معتقداتها و توجهاتها و مواقفها و سلوكياتها، و ان هذا الصراع لا يخلو من قدرغير قليل من اللاموضوعية واللاتسامح. و لذلك فانه ليس من غير المفهوم انه و إن جاءت بعض الانتقادات و التفسيرات و المضامين اوالتوضيحات التعريفية موضوعية فان الكثير منها قد اخطأت الفهم او تعمدت التشويش والتشويه.

و اذا اقتصر الحديث هنا على مقاربة المفهوم الاصطلاحي الغربي السائد للتسامح بالمقارنة مع مفهوم التسامح في الثقافة العربية يلاحظ انه بالرغم من التوسع المذكور انفا في مجالات و نطاق سريان المفهوم الاصطلاحي السائد للتسامح ظل هذا المفهوم ، سواء في الثقافة الغربية او عند متبنيه او دعاته في الوسط الثقافي العربي بل – الى حد ما- حتى في التنظير الدولي الرسمي، محدود الدلالة. فقد ظلت دلالة مصطلح التسامح، كما تعكس ذلك تعريفات القواميس و دوائر المعارف و اقوال الكتاب و المفكرين و- الى حد ما- نص "اعلان مبادئ التسامح" الدولي،تتركز في معنى لا يتطلب سوى موقف او سلوك محدود و- غالبا- سلبي ( كفّي) لا يتعدى تحمل الآخر، بمعنى عدم ممارسة أي اكراه او تعصب ضده بسبب اختلافه شكلا او لونا او انتماء او ثقافة او رأيا او بقصد حمله قسرا على غير معتقداته و أعرافه، و احترام شخصه و معتقداته و سلوكه و– كما اتجه التركيز مؤخرا- حقوقه. و قد دفع ربط هذا المفهوم للتسامح بالاختلاف البعض الى تأكيد ان هذا الارتباط هو ارتباط وجود وعدم و بحيث ان انتفاء الاختلاف يعني انتفاء الحاجة الى التسامح اصلا. ولا يخفى ما في ربط التسامح، وجودا وعدما، بحالة الاختلاف فقط من تكريس لمحدودية المفهوم الاصطلاحي للتسامح.


و لعل ادراك محدودية المفهوم الاصطلاحي السائد للتسامح هو ما جعل البعض يحاول توسيعه بينما اتجه البعض الاخر الى هجر المصطلح والدعوة الى تجاوزه بناء على ما يراه من ان مصطلح التسامح مصطلح تاريخي مرحلي تجاوزته الثقافة الغربية بانتقالها الى الدعوة الى علاقة الحوار و التي هي في نظرهم اكثر تقدما من علاقة التسامح، او بابتكارها مصطلح التعددية الثقافية و الذي يعتبرونه النسخة الاحدث من مصطلح التسامح الذي لم تعد نسخته صالحة للتداول.

و مع ان الانتقاد لمحدودية المفهوم الاصطلاحي الغربي السائد للتسامح يثور اساسا داخل ثقافة النشأة أي الثقافة الغربية نفسها و ربما وحدها، يبدو لنا ان هذه المحدودية لها الكثير مما يفسرها و ربما يبررها داخل الثقافة الغربية. فبالإضافة الى، كما سبقت الاشارة، ظروف او سياق نشأة مصطلح التسامح في الثقافة الغربية الحديثة و طبيعة الفكر الغربي و مسار تطوره و اسباب اخرى، ربما بعضها اهم، نعتقد انه كان للعامل اللغوي ايضا دور في حصر الثقافة الغربية لمفهومها الاصطلاحي للتسامح في الدلالة المحدودة المذكورة آنفا. فالجذر اللغوي( tolerate) للمقابل اللاتيني لمصطلح او رمز التسامح لا يكاد معناه المعجمي ذو الصلة بمصطلح التسامح يتعدى فعلين، ذوي طبيعة سلبية تقريبا، هما تحمّل و سمح بمعنى لم يمنع؛ ولا يستبعد ان يكون ذلك قد اسهم في الحد من امكانات تطوير و توسيع الدلالة الاصطلاحية لمصطلح التسامح اللاتيني في الثقافة الغربية. و تبدو محدودية دلالة الجذر اللاتيني اوضح عند المقارنة بما لجذر لفظ التسامح في اللغة العربية ( سمح) من – كما يرد لاحقا- دلالات متعددة وثرية.

وربما كان لمحدودية مفهوم المصطلح اللاتيني و التباس مضمونه دور في اتجاه الترجمة العربية في البدء الى تعريب هذا لمصطلح بلفظ التساهل و ليس لفظ التسامح و في ان البعض ما زالوا يفضلون استخدام لفظ التساهل و ليس لفظ التسامح كمقابل عربي للمصطلح اللاتيني ( tolerance).

و من الواضح ان الغلبة اليوم في الخطاب العربي هي لاستخدم لفظ التسامح بدلا عن لفظ التساهل الا انه لا يبدو ان هذا التحول من لفظ التساهل الى لفظ التسامح اقترن بتحول او تحوير يذكر في الدلالة و التي ظلت هي نفس الدلالة المحدودة للمصطلح المقابل في الثقافة الغربية. و بالنظر الى سعة و ثراء معنى لفظ و مفهوم التسامح في اللغة و الثقافة العربية فان استخدام لفظ او مصطلح التسامح، كما هو السائد في الادبيات العربية المعاصرة، بذات الدلالة السائدة المحدودة لمصطلح tolerance في الثقافة الغربية يجسد بشكل واضح اشكالية عامة في التعامل مع المصطلحات، و خاصة الثقافية، الاجنبية و هي اشكالية مدى لزوم/ملاءمة او عدم لزوم/ملاءمة التقيد في تعريب مصطلح ثقافي نشأ في لغة و ثقافة اخرى بذات الدلالة الاصطلاحية لذلك المصطلح في لغة وثقافة النشأة و دون اعتبار كاف لدلالات و معاني اللفظ او الرمز المقابل في اللغة و الثقافة العربية. و بينما لا يخفى خطأ التهوين من هذه الاشكالية و غيرها من اشكاليات نقل او تعريب المصطلحات، لما هو معلوم ما للمصطلحات الثقافية من دور ثقافي كبير و احيانا خطير و خاصة ولكن ليس فقط عندما تكون منقولة عن ثقافة اخرى، لا يبدو ان الثقافة العربية قد استكملت بعد بلورة الاسس و الضوابط السليمة لنقل المصطلحات الثقافية الاجنبية الى الثقافة العربية على نحو يمكّن من حسن معالجة الاشكاليات العامة المشار اليها و يحقق الافادة القصوى للثقافة العربية و اهلها.

و لعل الارجح في ما يتعلق بمصطلح التسامح، بشكل خاص، هو ان من غير الضروري و ربما من غير الملائم التقيد في مفهومه الاصطلاحي في الثقافة العربية بذات الدلالة المحدودة لمقابله اللاتيني في الثقافة الغربية. و لا يناسب المقام تفصيل القول في الدواعي اللغوية و الاصطلاحية و الثقافية و الدينية لهذا الترجيح بيد انه يمكن الاشارة بايجاز الى انه بينما لا يبدو ان هناك- مبلغ علمنا- سبب لغوي او اصطلاحي يستلزم التقيد الصارم في تحديد مفهوم التسامح في الثقافة العربية بذات الدلالة الاصطلاحية للمقابل اللاتيني( tolerance) في الثقافة الغربية، يلاحظ ان مما يعيب مثل هذا التقيد انه يختزل ما للتسامح في الثقافة العربية من مفهوم ليس فقط ثري و واسع و انما ايضا عريق التداول و ذي ابعاد تراثية و دينية اكسبته المزيد من الاصالة و الاحترام و الجاذبية الى دلالة مستعارة محدودة و ضيقة. و الظاهر انه ليس مما يفيد الثقافة العربية اختزال رموزها و قيمها الثقافية الايجابية ذات الدلالات الواسعة، كما هو شأن رمز او قيمة التسامح، الى دلالات محدودة ضيقة لما في ذلك من افراغ لا مبرر له لتلك الرموز و القيم من كثير من المعاني و الدلالات الايجابية و التي ظلت، و يمكن ان تستمر،تلك الرموز و القيم تسهم في تكريسها و نشرها في المجتمع العربي بقدر اقبال هذا المجتمع على تداول الفاظ تلك الرموز و القيم. و لا يخفى ما للفظ التسامح و مشتقاته في المجتمع العربي من تداول واسع يعززه و يزيده سعة ووسعا ما للفظ التسامح من جاذبية و وقع محبوب على النفس العربية كما يشير الى ذلك التردد الملحوظ للفظ التسامح ومشتقاته و الالفاظ ذات الصلة بمعانيه و ليس فقط في الامثال العربية و الشعر العربي المعبر عن الحكمة و الاعتزاز او التفاخر و في ادب التخاطب، كما يشير الى ذلك التعارف السائد على التأدب في المخاطبة باستخدام- مثلا- عبارة " لو سمحت " او لقب "سماحة..." - مما لا يخلو من دلالة على مكانة السماحة- و انما ايضا في بعض النصوص المقدسة كالحديث النبوي الشريف. و لعل، ما كان المجتمع العربي ليولي السماح و التسامح كل ذلك الاعتزاز و التقدير لو ان مفهوم التسامح و السماح في الثقافة العربية لا يتعدى ذلك المفهوم المحدود والسلبي للمقابل اللاتيني في الثقافة الغربية.

صحيح ان هنالك، كما سبقت الاشارة، محاولات لتوسيع المفهوم الاصطلاحي للمقابل اللاتيني tolerance للفظ التسامح بإدراج معاني اضافية الا ان هناك عوامل لا تساعد على هذا التوسيع/ الادراج منها ان محدودية الدلالة اللغوية للفظ tolerate - كما تقدم التوضيح- لا تساعد على استيعاب المصطلح لغويا لتلك المعاني الاضافية مما يجعل هذه المعاني تبدوا منبتة الصلة بالدلالة اللغوية لمبنى او رمز المصطلح الامر الذي يعرض مفهوم المصطلح لمزيد من الغموض و الاختلاف.

مفهوم التسامح في الثقافة العربية

لعل من اول ما يتبادر الى ذهن أهل اللسان العربي في ما يتعلق بمعنى التسامح ان التسامح يفيد تبادل السماح او السماحة و المسامحة. و السماح او السماحة و المسامحة قيم لها دلالاتها الايجابية في اللغة و الثقافة العربية. و من بين المعاني التي توردها المعاجم اللغوية للسماح او السماحة تعد معاني عدم الضيق و عدم الشدة، و اللين و التساهل، و الموافقة، و الجود و الكرم الأقرب الى، او الأدخل في، مفهوم التسامح في الثقافة العربية. و يشيع في لغة الخطاب السائد استخدام لفظ المسامحة لمعنى العفو و التنازل و لفظ السماح لمعنى الموافقة وعدم الاعتراض و لفظ السماحة لمعنى الزين و الجمال سواء المادي او المعنوي. وقد يعبر البيان الشرعي (النص القرآني او الحديث النبوي) او الخطاب الفقهي عن التسامح او بعض مدلولاته بالفاظ من مثل الصلح و الصفح و التعارف و اليسر و الرفق و المداراة.

و من الواضح ان المعاني اللغوية للفظ التسامح تتضمن معاني او قيما كلية، مثل الكرم/ الاكرام و الجمال، تتسع لمدى واسع من المدلولات الايجابية المادية و المعنوية. و من شأن ذلك ان يسهم في اتاحة مجال اوسع لتوسيع و تطوير المفهوم الاصطلاحي للتسامح في الثقافة العربية دون الاصطدام بعوائق لغوية. و بالاضافة الى ثراء دلالات او معاني جذره (سمح) يضفي الوزن الاشتقاقي( تفاعل) للفظ التسامح ايحاءات او معانى اضافية، مثل تبادلية عملية التسامح، على مفهوم التسامح في الثقافة العربية.

و المعاني اللغوية السابقة للتسامح لها مدلولات عدة تتصل بالسماح/ السماحة الا ان بعضها اوفر سماحا/ سماحة من البعض الاخر. و من ذلك ان- مثلا- الامتناع عن قسر الاخر على ترك عقيدته و الامتناع عن خطاب الاخر بالقول الفظ فيهما سماح، و لكن اعانة هذا الاخر على بناء معبده الذي يمارس فيه شعائر عقيدته المختلفة و مخاطبته بكنيته او لقبه الاحب اليه فيهما مزيد سماح، أما حب الهداية للاخر و دعوته بالحكمة الى عقيدة اسمح و دفع خطابه الفظ بالخطاب الاحسن ففيهما سماح اكبر و اعظم. و في ضوء ما هو ملاحظ من ان الاسمح في مدلولات التسامح غالبا ما ينطوي او يستلزم ما دونه سماحا يمكن القول ان التسامح في الثقافة العربية مستويات الاعلى منها تستوعب و تزيد على الادنى. ولعل ادنى مستويات التسامح- فكريا- هو تجنب سوء الظن وسوء التفكير بالاخر، و- انفعالا او شعورا- عدم كراهة شخص الاخر، و- عمليا- الامتناع عن التضييق و الشدة عليه. و كلما ازداد التفكير و الانفعال و الفعل المتصل بالاخر حسنا و اكراما للاخر ازداد سماحا و سماحة و ارتقى صعودا في مدارج التسامح.

و بناء على تعدد مستويات و عمق او شدة التسامح يمكن التمييز عموما بين درجتين من التسامح ربما امكن تسمية ادناهما بالتسامح الكفّي( السلبي) و اعلاهما بالتسامح الفعّال ( الايجابي).

والمعني بالتسامح الكفي التسامح الذي يتمثل في الكف عن اتيان ما فيه شدة اوضيق على الاخر او انتهاك لحقوقه. و يتحقق ذلك، في ادنى مستوياته، بمجرد اللامبالاة بالاخر و الانعزال عنه او الامتناع عن التفاعل معه و، في اعلا مستوياته، بتحمل ما هو مختلف عن ما يرضاه و يوافق عليه مما ليس فيه مساس مباشر بشخصه او حرماته من سلوك او سمات او ثقافة الاخر الذي يتفاعل معه. و هذا القدر من التسامح ليس بالضرورة ان يكون قائما على اقتناع او ايمان ذاتي بمبدأ او قيمة التسامح مع الاخر بل الغالب فيه الافتقار للايمان بالتسامح و كثيرا ما يكون اساسه او باعثه شيئا اخر غير الايمان بالتسامح مثل الضعف او العجز عن اللاتسامح مع الاخر، او الخوف من عاقبة او تكلفة اللاتسامح، او حالة نفسية تدفع صاحبها الى الانكفاء و الرغبة عن التفاعل مع الاخر لا سلبا و لا ايجابا، او انتفاء العلم بما في الاخر مما لا يرضي او لا يسر؛ و قد يكون المقتضي مجرد تكتيك مرحلي تطلبه سبب او آخر. و لا يخفى ان تسمية، على الاقل، بعض مدلولات هذه الدرجة تسامحا لا تخلو من "تسامح".

و المعني بالتسامح الفعال هو التسامح الذي لا يقف عند حد الكف عن ما فيه شدة او ضيق على الاخر او انتهاك لحقوقه بل يزيد عليه إتيان سلوك، انفعالي او فكري او قولي او فعلي، فيه اكرام للاخر مثل احترام الاخر و حقوقه ( و الاحترام سلوك انفعالي فكري اكثر من مجرد الكف عن الاعتداء و الذي قد يكون- كما تقدم- لسبب اخر غير الاحترام)،و التعاون و التمازج معه، و العفو عنه، و التنازل له،و حب الخير له و الدفاع عنه و حقوقه و- في قمة التسامح- ايثاره على النفس. فكل هذه التفاعلات فيها عدم تشدد مع الاخر و فيها اكرام للاخر و تجمل معه، وعدم التشدد قصدا و الكرم/ الاكرام و الجمال من معاني السماح، و السماح في أي سلوك يحيله تسامحا ولو كان بيعا او شراء مداره، اساسا، سلعة او خدمة و ليس الانسان.

و وفقا للثقافة العربية فان الاخر الذي يشمله التسامح قد يكون انسانا يتفق او يختلف مع المتسامح شكلا او لونا او عرقا او ثقافة او دينا او رأيا، او يكون شيئا مما يعزه هذا الانسان من دين او ثقافة او... الخ، ولكنه قد يكون مخلوقا اخر اكثر اختلافا كالحيوان والذي يُحظر قصده بالعنف ويتعين احترام حقوقه وحسن معاملته و في كل ذلك سماح و سماحة مع الحيوان. بل ان المضمون الديني من الثقافة العربية يدعو، كما تفيد نصوص عديدة، الى السماح والتسامح مع النفس وعدم التضييق عليها و التشدد في معاملتها.

و لا يكتمل وضوح مفهوم التسامح في الثقافة العربية حتى يكون واضحا ان:

1- احترام الاخر و حقوقه لا يستلزم قبول او اقرار صحة او مشروعية افعال او اقوال او معتقدات الاخر التي هي محل التسامح و انما ينصب الاقرار او القبول على عدم مشروعية او صحة قسر الاخر او إكراهه على تغييرها او التحول عنها او عقابه عليها حتى و ان كانت خاطئة او مشروعية العفو فيها ان كانت مما يشرع فيها المساءلة او المطالبة. بل ان الاحترام للاخر ليس بالضرورة ان يمتد- على عكس ما تنص بعض التعريفات الغربية للتسامح- الى كل سلوك و ممارسات الاخر وخاصة تلك التي تثير في النفس السوية الاشمئزاز و الاستهجان اللاشعوري و ليس الاحترام مثل القتل و الاغتصاب و…الخ.

2- التسامح مع الاخر في ما هو محل اختلاف من فعل او قول او اعتقاد و إن كان يعني عدم مشروعية قسر هذا الاخر على غير ذلك الفعل او القول او الاعتقاد الا انه لا يستلزم- على عكس ما تنص عليه تعريفات بعض القواميس الغربية او تدعيه بعض التيارات- التزام الحياد تجاه ذلك الفعل او القول او الاعتقاد وعدم انتقاده وبيان وجه الخطأ فيه، كما لا يمنع دعوة هذا الاخر الى ما يعتقد الداعي انه الفعل او القول او الاعتقاد الاحسن. بل ان التصدي لبيان وجه الخطأ و الدعوة الى الاحسن او الصواب هو مقتضى السماح و بالتالي التسامح في مفهوم الثقافة العربية شرط ان يكون البيان و الدعوة بالحكمة و التي هي احسن. اما الامتناع عن بيان وجه الخطأ للاخر و دعوته الى الحق ففيه- اولا- تعمد منع الخير عن الاخر وكرهه له و البخل به عليه و ليس من السماح او الاكرام او الجود منع الخير او البخل به على الاخر و- ثانيا- اخلال بحق الاخر في مساعدته على انقاذ نفسه مما يغرق فيه من خطأ او ضلال او شر، و استحقاق الاخر لهذه المساعدة المعنوية لانقاذه من الغرق المعنوي الذي يشرف عليه لا يقل صوابا و اهمية و الحاحا عن استحقاقه للمساعدة المادية اللازمة لانقاذه اذا ما تعرض لغرق مادي في ماء او غاز خانق مثلا و – ثالثا- اخلال بالواجب الشرعي في بيان الحق و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر، وما وجب شرعا او قانونا للاخر هو حق للاخر و السماح يكون في الوفاء بحق الاخر لا في الاخلال به.

3- التسامح مع الاخر قد يتمثل في- و هو مما لا يعنى به المفهوم الاصطلاحي الغربي للتسامح - العفو عنه و التنازل له في ما هو حق للعافي او المتنازل يشرع له فيه العفو او التنازل الا ان التسامح لا يقتضي و لا يجيز العفو او التنازل للاخر في ما هو ليس بحق للعافي او المتنازل لان أي عمل من هذا القبيل، دون تفويض من صاحب الحق، يعد اعتداء على حقوق طرف ثالث يستلزم مبدأ التسامح احترام حقوقه لا الاعتداء عليها. و من هنا فانه، وان كان - كما يقول الفقهاء- الاصل في حقوق الله في هذه الدنيا انها مبنية على السماح و في حقوق الشخص الثالث( العباد) مبنية على المطالبة، ليس من التسامح ان يعفو الانسان عن الاخر في حق من حقوق الله او في حق من حقوق شخص ثالث دون سماح او تفويض من الله جل شأنه او من الشخص الثالث الا انه- في نفس الوقت- ليس من حق الانسان ان يشدد على الاخر في حق لله سبحانه و تعالى او لشخص ثالث دون تفويض من الله او موافقة الشخص الثالث او في ما تسامح فيه الله جل جلاله او الشخص الثالث. و الواقع انه و ان كان العفو فيه تسامح الا ان العفو/ التنازل و السماح/ التسامح غير متلازمين، فلا العفو هو دائما سماح و لا السماح يستلزم دائما العفو. و على سبيل المثال لا يبدو ان من السماح او التسامح العفو عن الاخر في جرم سبق ان اعفي فيه اكثر من مرة لان من الواضح ان العفو في هذه الحالة لم يعد يخدم القصد منه بل اصبح عامل تشجيع للاخر على التمادي في ارتكاب جرمه أي التمادي في اللاتسامح مع غيره، و لا يعد من السماح او التسامح أي فعل لم يعد يفضي الا الى تشجيع اللاتسامح حتى و لو كان هذا الفعل هو العفو. كذلك ليس من السماح العفو عن اخر في امر من الخطأ او المتعذر تعميم العفو فيه لسبب او اخر، كان يكون فيه تشجيع على اللاتسامح مع المجتمع، لان فعل العفو عندئذ يلتبس بالمحاباة لاخر معين أي بالتعصب له و التعصب ضد غيره، و التعصب هو نقيض السماح. و لعل ما تقدم يوضح بعض اسباب حظر الشرع العفو في بعض الحالات.

4- في الثقافة العربية يعد التسامح هو الاصل بمعنى ان وجود التسامح او ممارسته لا يتطلب شيئا آخر يقتضيه او يحسّنه او يجيزه او يبرره لان التسامح يقتضي نفسه بنفسه لكونه – في حد ذاته- خيرا و صلاحا و قيمة ايجابية. ولذلك فان افتراض او تصور البعض في الثقافة الغربية، و من تابعهم من غيرها من الثقافات، بان التسامح انما يقتضيه نسبية الحقيقة/ المعرفة و كون البشر كلهم خطاؤون ليس صوابا ليس فقط لان التسامح كما سبق القول لا يفتقر لما يقتضيه و انما ايضا لما يتضمنه او يقتضيه ضمنيا مثل هذا الافتراض او التصور من ان الاصل هو اللاتسامح!و هو ما لا دليل عليه. و صحيح ان من شأن مقولة نسبية الحقيقة و مقولة ان البشر خطاؤون ان تقللا من اغترار الشخص بصوابية او احقية موقفه او قوله على نحو يجعله يشك في سلامة الاستهانة بما سواهما او قسر غيره عليهما بيد انه لا شي يمنع تماما من ان تنعكس ذات المقولتين سلبا على التسامح نفسه فتثيران الشك في صوابيته على نحو يقلل من الايمان به و الالتزام به عمليا و ربما يدفع الى اللامبالاة تجاهه او حتى العدول عنه. و بينما مقولة ان البشر خطاؤون و الذي يكاد احتفاء البعض الشديد بعزوها الى بعض دعاة التسامح من المثقفين الغربيين يوهم بانها من اكتشافهم هي مقولة صحيحة وعريقة في الثقافة العربية فان مقولة نسبية الحقيقة لا تصح الا بقدر انطباقها على نفسها.

5- التسامح في الثقافة العربية لا تقتصر الحاجة اليه – كما يوهم المفهوم الاصطلاحي الغربي و يصرح به البعض- على حالات الاختلاف فقط و لكنه ايضا لا يشترط التماثل و لا يفتقر الى التوافق على كلمة سواء الا بقدر ان يكون المراد بهذه الكلمة السواء هو التسامح نفسه. بل ان رفض البعض الدعوة الى الكلمة السواء، ايا كان معناها، لا يستلزم عدم التسامح معهم خاصة وانه لا يكتمل للدعوة نفسها بعدها العملي الا بالتسامح مع من يرفضونها. و مع ذلك صحيح ان التماثل/ التوافق او وجود قواسم مشتركة يشجع على التسامح و التواؤم حتى على مستوى السلوك الحيواني، حيث عادة ما – كما يقال- تقع الطيور على أشكالها، ولكن لا يبدو ان التسامح يشترط التماثل و لا حتى على مستوى السلوك البشري البدائي.

6- ان التسامح و ان كان قد ينطوي احيانا و خاصة بمفهومه في الثقافة العربية على تفضل و تصدق كما في تسامح العفو عن الاخر في ما وجب عليه إلا أن- اولا- التسامح، سواء بمفهومه في الثقافة العربية او بمفهومه الاصطلاحي الغربي، الغالب فيه وأساسه انه فرض وواجب، شرعا و قانونا،كما في تسامح احترام حرية الاعتقاد وعدم الاعتداء او التضييق على الاخر و – ثانيا- ان صفة التفضل و التصدق انما تثير النفور لدى الاخر اذا ما اقترنت بإيفائه حقا من حقوقه الواجبة له- لما يتضمنه ذلك من عدم اعتراف بتلك الحقوق التي ينبغي ان ينالها الاخر دون منّ من احد- لا اذا اقترنت بمنحه ما لا يجب له ( و هو ما يخصه البعض باسم السماحة) او إعفائه مما يجب عليه( و هو ما يخصه البعض باسم المسامحة)؛ ولا يكون التسامح، في مفهومه في الثقافة العربية، تفضلا الا اذا كان منحا لما لا يجب او اعفاء مما يجب. و من هنا لا يبدو مبررا تماما نفور البعض من وصف العلاقة بالاخر بالتسامح كما لا يبرر هذا النفور ما يقال من ان لفظ التسامح لم يكن متداولا في الخطاب الفقهي الموروث. و بالمثل لم يقدم من يدعون الى استبدال الفاظ او مفاهيم اخرى وردت في القرآن الكريم مثل التعارف بلفظ التسامح مبررات كافية.

المصدر:

http://mansourdialogue.org/Arabic/fikr2.html

 

 

 




 
تفاعلات الأصدقاء

0000-00-00
هشام عبد المنعم حسن الجوهرى

التسامح و قبول الآخر دليل على رقى الفكر
mobile2025@yahoo.com


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2301718 :: Aujourd'hui : 1883 :: En ligne : 12