الاشهار أو سلاح الاغراء الشامل
 
2011-11-16   


حظي الإشهار باهتمام كبير من الباحثين و ذلك في إطار علم اجتماع الاتصال لما يتميز به هذا من مركزية في النشاط الاقتصادي الحديث, فنجاح المنتج و وصوله إلى جمهور المستهلكين يمر حتمًا عبر قناة الإشهار.
و من المواضيع التي حظيت بالمشروعية العلمية السوسيولوجية نجد الدعاية بنوعيها السياسي (la propagande) و الاقتصادي الإشهار la publicité) ) و ذلك لتنوع الأساليب و الإستراتجيات المُستخدمة لاستمالة الجماهير و جعلها تتبنى إيديولوجية سياسية معينة أو نمط استهلاك بعينه, فالإشهار هو السلاح الناجع و الفعال للنظام الرأسمالي القائم على امتداد الأسواق و انفتاحها ما يُتيح للشركات المتعددة الجنسيات الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستهلكين بأقل وقت .
و لتحقيق هذا الهدف لا بد من منهجية فعالة تضمن إبلاغ الرسالة المُضمنة في الومضة الإشهارية وجعلها راسخة في الأذهان بحيث يُصبح شراء المستهلك للسلع يُلبي حاجة نفسية أكثر منه احتياج استهلاكي. و من هنا يتبين لنا الوظيفة الأولى التي يلعبها الإشهار و هي خلق الاحتياج لهذا المنتج أو غيره, و لقد لاحظ "كارل ماركس"في دراسته لنمو و تطور الرأسمالية أن السلع لا تُوجد إلا بالاستهلاك الذي يُساهم بدوره في خلق الحاجة للمُنتج مما يُساهم في دوران عجلة الإنتاج, فاقتصاد السوق لا ينتعش إلا بوجود سوق استهلاكية كبيرة. لذلك يُصبح دور الإشهار هاما و ضروريا, و ما يُهمنا هنا هو كيفية اشتغال الإشهار و أهم الاستراتيجيات التي يعتمد عليها ولعل التساؤل الأبرز هو :هل أن الإشهار علم أم فن؟ يُجيب عالم الاجتماع الفرنسي Edgar Morin على السؤال في كتابه المُعنون « Sociologie » بالقول " الإشهار هو نظام أفعال يُريد أن يتأسس على علم. لكن فلنُحدد بأنه لا وُجود لعلم إشهار بل فن و استراتيجيا تسعى لاستخدام معطيات علمية."(1)و هذه المعطيات العلمية التي يتحدث عنها Morin ستوفرها مخابر البحث في علم النفس خاصة و كذلك السيميولوجيا و علم الاجتماع كل هذا من أجل غاية وحيدة و هي الوصول إلى المُستهلكين و إجبارهم على الشراء.


فبداية من أربعينيات القرن العشرين ظهر اهتمام وكالات الإشهار بالبحوث السيكولوجية و خاصة أعمال الباحث الألماني Ernest Dichter ليظهر ما يُعرف بتقنية التحفيز الُمعمق و التي تعتمد بالأساس على الرمزية الجنسية لإغراء المستهلك و ذلك باستخدام مُحفزات جنسية بارزة أو مخفية و عادة ما تكون غير مرتبطة بالمُنتج المُعلن عنه. و مع أعمال Dichter تم الاستعانة ببحوث Pavlov المتعلقة "بالمُثير و الاستجابة " و ذلك للتمكن من استمالة المستهلك غرائزيا, فالإشهار يُقدم المُتعة إلى الجمهور و بالمٌقابل هذا الأخير مُطالب برد الجميل من خلال عملية سراء البضاعة. فالعلاقة بين المُستهلك و المُنتج تُصبح من النوع العاطفي أي أن اختيارنا ينبني على ردة فعل ايجابية تُجاه البضاعة. و لنكن واضحين فآخر ما يُفكر فيه مُصمم الإشهار مُخاطبة عقل المُستهلك, بل مُخاطبة الغرائز و تحفيزها لتقود صاحبها و تجعله يُقدم على الشراء.
و مع تطور علم النفس الاجتماعي و خاصة البحوث المُتعلقة بتأثير وسائل الاتصال الجماهيري أصبح هناك توجه نحور استثمار نجاح صورة شخص ما اجتماعيا سواء كان رياضي أو مُمثل أي ما يُسمون "النجوم" ليقع إيهام الجمهور و الذي يكون من مستوى اجتماعي مُتوسط أنه بشراء هذا المُنتج أصبح ينتمي إلى هذه الفئة الاجتماعية المحظوظة, و هنا الإغراء لا يكون جنسيا بل اجتماعيا.
و خلال السبعينات من القرن العشرين حصل تحول في استراتيجيات الإشهار حيث أصبح التركيز على العامل الثقافي أي خلق ثقافة جديدة تقوم على "نمط العيش"(style de vie) أي التثقف من الخارج(l’acculturation) فيتبنى المُستهلك ثقافة دخيلة على ثقافته الأصيلة لندخل عصر star stratégie و التي ظهرت مع الفرنسي Jaques Séguéla . و تقوم هذه الإستراتيجية على جعل العلامة التجارية للبضاعة هي الأبرز ما أدى إلى حرب فعلية بين العلامات المُتعددة كل واحدة تُقدم إلى المُستهلك بأفضل صورة مُمكنة و ذلك لكسب وفاء و تعاطف الجمهور مع هذه العلامة دون غيرها فتحول العلامة إلى نجم جماهيري و هذا المقصود بstar stratégie .
و مما تقدم نلاحظ أن الإشهار كنوع من الاتصال الجماهير يعتمد على الإغراء بمستوياته المُتعددة حتى يضمن رواج المُنتج و بالتالي تحقيق أرباح كبرى و التي تبقى الهدف الأبرز للشركات العملاقة لذلك تسعى بشتى الوسائل إلى تطوير مضامين إعلاناتها مُوظفة البحوث العلمية سواء كانت اجتماعية أو نفسية حتى أن Vance Packard يقول:"منذ سنة 1951 شجع Dichter وكالات الإشهار على لتُعرف على ما كانت عليه في الواقع بأنها من بين مخابر علم النفس الأكثر تقدما."(2) و يُمكننا بذلك إدراك أهمية وظيفة الإشهار في النظام الرأسمالي حتى أن البعض يعتبرها الذراع المُسلح للغزو الثقافي والذي يخدم المصالح الرأسمالية من خلال التشجيع على تبني نمط حياة جديد يقوم على الاستهلاك الكثيف لمُنتجات معينة أصبحت اليوم من رموز الرأسمالية كمطاعم Mac Donald و غيرها,و لعل المُقلق هو ما يُمكن أن نُسميه العنف المُمارس على الجمهور الذي أصبح في مواجهة كم هائل من الإعلانات في أغلب الأحيان يُشاهدها رغمًا عنه من خلال الفواصل الإشهارية أثناء متابعته لفيلم على سبيل المثال أو من خلال المطبوعات التي تغزو صناديق البريد كل يوم. فإمطار أو قصف- إن صح التعبير-الجمهور بهذا القدر من الإعلانات الهدف منه إذا لم تصل الرسالة في المرة الأولى حتمًا ستصل في إحدى المرات اللاحقة.
إذا فالإشهار على قدر كبير من الأهمية العلمية حتى نتعرف على كيفية اشتغال هذه الإعلانات التي تدوم ثواني معدودة و لكن أثرها بلا حدود لذلك حظي بالاهتمام الذي يستحق سوسيولوجيا .
أسامة بويحي
باحث في علم الاجتماع

الهوامش:

Edgar Morin, Sociologie, Fayard, Paris, 1994.
Vance Packard, La Persuasion clandestine,Calmann-Lévy, Paris.

http://anfasse.org/index.php?option=com_content&view=article&id=2785:2010-07-03-18-47-43&catid=37:2011-01-25-23-08-06&Itemid=592




 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2103550 :: Aujourd'hui : 173 :: En ligne : 4