المواطنة و الديموقراطية
 
2010-05-03   

في واقع الأمر ليس هناك وصفة قارة للديموقراطية, كما أنه ليس لها تعريف يمكن اختزاله في تعليمات جاهزة للتطبيق و ذلك لأن هناك أنواعا من الديموقراطية, و لأنها قبل هذا و ذاك مفهوم و واقع و نظام حكم متطور و متبدل يتغير مع الزمن و الظروف. و هذا أمر أضحى مسلما به و لم يعد يحتاج للتدليل.
فالديموقراطية نظام سياسي و اجتماعي و ثقافي مركب, لذلك فان ترويج و تكريس ثقافة الديموقراطية يعتبران أمرين حيويين و هامين للغاية. و ثقافة الديموقراطية لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزالها في نشر تعريف لها أو وصلات اشهارية تلفزية بهذه المناسبة أو تلك. إن هذه الثقافة لا تستلزم تلقين الناس تعريفا مختزلا للديموقراطية و إنما تستوجب تعريفهم بمقوماتها الضرورية و التي بفقدانها أو غيابها تفتقد الديموقراطية مضمونها الحيوي, علاوة على أنها مقومات لا يمكن الاستغناء عنها في عملية إرساء و بناء الديموقراطية. و من أهم هذه المقومات الفصل بين السلط و استقلال القضاء و حكم الأغلبية بواسطة تمثيل برلماني و الفصل بين الحيز العام و الحيز الخاص, لأنه لا يمكن تصور أي نوع من أنواع الديموقراطية دون تلك المقومات التي تتطور هي كذلك عبر تفاعلها على الصعيد السياسي و الاجتماعي.
و لعل من أهم تلك المقومات كذلك بالنسبة لبلادنا مفهوم و فكرة و واقع المواطنة من المنظور الديموقراطي, علما أنه ليست كل مواطنة ديموقراطية, إلا أن المواطنة الحقة هي مقدمة النظام الديموقراطي. لكن هل يجب تعميم ثقافة الديموقراطية قبل إقامة النظام الديموقراطي أم العكس؟ أي أيهما يجب أن يسبق الآخر, إقامة النظام الديموقراطي وتعميم مقومات الديموقراطية أم ثقافة الديموقراطية؟
إن محاولة الإجابة القاطعة على هذا السؤال من شأنها أن تدخلنا في دوامة لا طائل وراءها, لاسيما في حالة عدم وجود إمكانية انتشار ثقافة الديموقراطية و ثقافة الحقوق سواء تعلق الأمر بعلاقة الفرد مع الدولة أو بعلاقته مع بقية الأفراد.
و هل يمكن أن تكون ممارسة ديموقراطية قبل إرساء النظام الديموقراطي؟
و هذا سؤال خلافا لسابقه, يمكن الجواب عليه بالقطع, إذ لا يمكن ممارسة الديموقراطية قبل قيام نظام ديمقراطي دون تطوير و تكريس المواطنة. لأن المواطنة هي الإمكانية الوحيدة لتكريس سيادة القانون و المساواة أمامه و لممارسة الحد الأدنى من الحقوق, و من ضمن ذلك المطالبة بالحقوق.
فإذا كان المواطن يتوقع حقوقا سياسية بحكم كونه مواطن و كونه دافع الضرائب, فان الرعية لا تتوقع حقوقا سياسية و إنما التعامل بالحسنى و التسامح. لذلك تكون المواطنة هي المنطلق للمطالبة بالديموقراطية بغرض الوصول إلى السلطة و توسيع مفهوم المواطنة. لأن الديموقراطية هي في الحقيقة حكم ممثلي الأغلبية بموجب القيم الديموقراطية و على رأسها المواطنة.
إن غياب المواطنة يقوض من جدلية العلاقة القائمة بين المواطن - المجتمع المدني- الدولة الديموقراطية, علما أن الدولة في غياب المواطن تعتبر دولة لا يمكنها, حتى إن حاولت, تجسيد مفهوم و فكرة سيادة الشعب, كما أن الرعية المحكومة في غياب المواطنة لا يمكنها تجسيد مفهوم الحقوق على أرض الواقع المعيش و تساهم في تطويرها.
ففي عصرنا الحالي تشتق جملة من حقوق الفرد من مواطنته, أي من كونه مواطنا في الدولة. و بذلك تكون الدولة الديموقراطية هي دولة المواطنين. و تظل الإشكالية القائمة في المجتمعات الحديثة العهد بالديموقراطية هي تعويد الفرد أن يتصرف كمواطن و تعويد القوى السياسية أن تتبنى فعلا و فعليا مفهوم المواطنة و المساواة أمام القانون مادامت المواطنة تعتبر وجها من وجوه السيادة.
إدريس ولد القابلة
1/- السيادة والسلطة والمشروعية

إن الانتقال من مستوى الوجود الفردي والشخصي والجزئي، إلى مستوى الوجود المدني السياسي هو المقتضى الذي يتحقق به وجود الإنسان على وجه كوني. هذا الانتقال هو الذي يسمح، تحديدا، بالقطع مع مستوى الوجود الطبيعي المباشر المحكوم بمقتضى الحاجة البيولوجية إلى مستوى وجود، مختلف كليا، يقوم على انتظام اجتماعي مدني سياسي يتحقق ضمنه تحرر الإنسان من الضرورة الطبيعية ليدخل مجال الضرورة الاجتماعية. تتحدد هذه الضرورة الاجتماعية في ضرورة "العيش المشترك"ضمن قواعد ومقتضيات تجعل من العيش المشترك حافزا للاجتماع الإنساني، وليس عبئا، على الفرد احتماله رغما عنه.
يقتضي ضمان العيش المشترك توفر سلطة يكون بمقدورها تنظيم العيش المشترك ورعايته، بمعنى تثبيت المقومات التي تجعل من العيش المشترك مطلبا وليس عبئا. وهو ما يجعل من وجود سلطة تتوفر على آليات تمكنها من تثبيت مطلب العيش المشترك، و سواء ارتبطت هذه الآليات بأدوات المراقبة، أو بأدوات العقاب، فإنها ضرورة تجد مبررها في ذاتها.
يتعلق ضمان العيش المشترك ضرورة بوجود سلطة يكون موضوعها الشأن العام؛ بمعنى التوفيق بين المصالح المختلفة، وأحيانا المتناقضة بين الأفراد. هذا الاختلاف في المصالح، وبغض النظر عن تحديد مبرراته في هذا المستوى، يقود ضرورة إلى النزاع، نزاعا لا يتعلق بمصلحة شخصية وإنما باختلاف الأفراد في تحديد كيفية تنظيم الشأن العام وإدارته. إن هذا التحديد الأولي لدلالة السلطة هو الذي نقصده بمفهوم السلطة السياسية. يجب التنبيه في هذا المستوى أن الحديث لا يعود على دلالة السلطة بإطلاق وإنما فقط على دلالة السلطة السياسية. ذلك ، أنه لا يمكن اختزال دلالة السلطة في مجال السياسي حيث إن فهم حقيقة هذه الظاهرة الإنسانية يوجب حسب ما بينه فوكو الإقرار باتساعها لتشمل مختلف مجالات الوجود الإنساني وفي مختلف مستوياته.
بقدر ما تتعلق الممارسة السياسية الواقعية بالصراع على السلطة، والتحكم في أدوات الهيمنة التي تتيح الانفراد بتدبير الشأن العام، فإنه يجب أن ننتبه إلى ضرورة عدم الخلط بين مفهوم السلطة السياسية من جهة، ومفهوم السيادة من جهة ثانية. فالسيادة تمثل مبدأ الممارسة السياسية ذاتها من جهة الحق والمشروعية. وهي بذلك تتحدد باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه ممارسة السلطة، وبعبارة أخرى فالسيادة هي المصدر الذي تستمد منه السلطة السياسية مشروعيتها. فالسيادة هي ما يمنح السلطة السياسية على تنظيم وإدارة الشأن العام. أن نعين على هذا الأساس، الشعب كمصدر للسيادة، مثلا، لا يعني ضرورة أن الشعب هو الذي يمارس السلطة السياسية فعليا، وإنما فقط أن السلطة تمارس باسم الشعب، وهو واقع الحال في ضل النظام الديمقراطي. السيادة إذا هي الأساس والمصدر الذي يضفي على سلطة سياسية ما مشروعيتها.
السيادة تتحدد إذا باعتبارها الخاصية المميزة لكل سلطة سياسية، وهي ما يضفي المشروعية على هذه السلطة بحيث تكون سلطة الدولة هي تجسيد لسياستها. هذا الربط بين سلطة الدولة ومفهوم السيادة هو ما يجعل من سلطة الدولة سلطة عليا ومطلقة بحيث لا يتصور حدودا لسيادة الدولة ولا مبدأ أعلى من مبدأ سيادتها ذاته. أن تتمتع الدولة بالسيادة فإن ذلك يعني أن هذه السيادة هي منبع السلطات الأخرى. على هذا الأساس يكون للدولة الحق المطلق في تشريع القوانين وإنفاذها دون أن تكون، في ذلك، محتاجة للرجوع إلى مبدأ غير ذاتها، ولا إلى مشروعية غير مشروعيتها الخاصة. يحيل مفهوم السيادة بذلك على معاني الهيمنة والسلطة والتحكم التي يتقوم بها وجود الدولة في إطار حدود و مجال سلطتها الواقعي والقانوني. داخل مجال سلطة سيادة الدولة تكون الدولة هي المحتكرة لكل سلطة سواء تعلق الأمر بالتشريع القانوني أو بتنفيذ هذه القوانين.
إذا كانت السيادة تعني داخل حدود الدولة السلطة المطلقة والعليا فهي تفيد في إطار العلاقة بين الدول استقلالية الدولة عن كل سلطة خارجية، أي عن سلطة أي دولة أخرى. وبذلك فانه لا يمكن الحديث عن دولة دون توفرها عن سيادة تامة ومطلقة بما يجعلها قادرة على بسط سلطتها وممارسة هذه السلطة في استقلالية تامة عن تأثير أو مراقبة أي دولة أخرى. يحيل مفهوم السيادة في هذا السياق على مبدأ سيادة الأمة واستقلال إرادتها في مقابل سيادة بقية الدول الأخرى.
إن هذا التحديد الأولي لمفهوم السيادة من خلال ربطه باحتكار السلطة داخل حدود الدولة على أساس انفرادها بمشروعية تشريع القوانين وإنفاذها من جهة ، واستقلالها عن كل تأثير أو تدخل خارجي من جهة ثانية، أصبح اليوم، وفي ضل مظاهر العولمة الاقتصادية والسياسية خاصة يواجه تحديات حقيقية مع تشكل وتنامي ما أصبح يعرف بالقانون الدولي خاصة. إن سلطة الدولة وان بدت لا محدودة انطلاقا من مبدأ السيادة إلا أن الاتفاقات الدولية التي نشأ عنها القانون الدولي والمؤسسات الدولية الحقوقية جعلت من مفهوم السيادة الوطنية موضوع للمسائلة وإعادة التأسيس.

يستوجب هذا التحديد الأولي لمفهوم السيادة، بربطه بالمبدأ الذي يضفي على ممارسة السلطة من حيث التشريع والإنفاذ، مشروعية وقبولا، النظر في مقومات السيادة ذاتها من جهة التساؤل عن الأساس الذي يشكل السيادة ويجعل منها هذا المبدأ الأول للسلطة السياسية.
فبأي معنى تتحدد السيادة مصدرا للمشروعية ولمعقولية الممارسة السياسية أصلا؟ وضمن أية شروط ومقتضيات أخلاقية وواقعية يمكن للسيادة أن تكون ضامنا لتوفر شروط عيش مشترك يحقق كونية الوجود الإنساني؟

http://www.palmoon.net/1/topic-118-1428.html




 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2301718 :: Aujourd'hui : 1883 :: En ligne : 12