الديمقراطية بوصفها قيمة كونية
 
2010-02-12   

الديمقراطية بوصفها قيمة كونية

أمارتيا سين

نال أمارتيا سين جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 1998، وشغل منصب العميد في ترينيتي كوليدج في جامعة هارفارد (1998-2004)، وعمل كأستاذ في جامعتي لامونت وهارفارد. تستند مقالته التالية إلى خطابه الهام الذي ألقاه في عام 1999 في مؤتمر نيودلهي حول "بناء حركة عالمية من أجل الديمقراطية" وإلى ما ورد بشكل أكثر تفصيلاً في كتابه "التنمية بوصفها حرية".

اتفق أن سألتني إحدى الصحف اليابانية في صيف عام 1997 عما أظنه أهم شيء حدث خلال القرن العشرين، وقد وجدته سؤالاً يستحث الفكر إلى درجة غير اعتيادية، فقد حدث الكثير من الأمور الهامة خلال هذا القرن. ففيه انتهت الإمبراطوريات الأوروبية ولا سيما الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية اللتان سادتا خلال القرن التاسع عشر، وفيه شهدنا حربين عالميتين، وشهدنا صعود النازية والفاشية وسقوطهما. كما شهد هذا القرن صعود الشيوعية وانهيارها (كما حدث في الكتلة السوفيتية) أو تحولها بشكل جذري (كما هي الحال في الصين). وشهدنا كذلك انتقالاً من الهيمنة الاقتصادية الغربية نحو توازن اقتصادي جديد تلعب فيه اليابان ودول شرق وجنوب شرق آسيا دوراً أكبر. وعلى الرغم من أن هذه المنطقة تعاني في أيامنا هذه من مصاعب مالية واقتصادية إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة ذلك الانتقال في التوازن الاقتصادي والذي حدث على امتداد عدة عقود (وعلى امتداد كامل القرن تقريباً بالنسبة إلى اليابان). وهكذا، فإن هذه السنوات المئة الماضية لم تفتقر أبداً إلى الأحداث الهامة.

غير أنني، ومع وجود كل هذه التغيرات التي حدثت خلال القرن العشرين، لم أجد صعوبة في اختيار واحد منها بوصفه الحدث الأبرز خلال هذا القرن، ألا وهو صعود الديمقراطية. وسأسعى هنا، من دون أن أنكر أهمية الأحداث الأخرى، إلى الدفاع عن فكرة أن الناس، عندما سيفكرون في المستقبل البعيد في ما حدث خلال هذا القرن، لن يترددوا في إعطاء الأولوية لانبعاث الديمقراطية بوصفها شكل الحكم الأكثر قبولاً.

نشأت فكرة الديمقراطية، بالطبع، في اليونان القديمة قبل أكثر من ألفي عام. وكانت هناك أيضاً محاولات تدريجية تهدف إلى إقامة الديمقراطية في مناطق أخرى من العالم بما في ذلك الهند. ولكن الواقع هو أن فكرة الديمقراطية تبلورت وطبقت بشكل جدي (وإن يك محدوداً) في اليونان القديمة أكثر مما في غيرها من البلدان، وذلك قبل أن تنهار وتستبدل بأشكال أخرى للحكم أكثر تسلطاً وأقل اتسّاقاً. ولم تظهر أية أشكال أخرى في أي مكان آخر من العالم.

وبعد ذلك، احتاجت الديمقراطية كما نعرفها اليوم إلى وقت طويل لكي تنبعث. ولقد كان انبعاثها التدريجي، والمنتصر في نهاية المطاف، مشوباً بالعديد من التطورات من توقيع الماغنا كارتا في عام 1215 إلى الثورتين الفرنسية والأمريكية في القرن الثامن عشر إلى توسع حق الانتخاب في أوروبا وأمريكا الشمالية في القرن التاسع عشر. ولقد تم في القرن التاسع عشر تحديداً تكريس فكرة الديمقراطية كشكل "قياسي" للحكم تستحقه جميع الأمم، سواء أكانت في أوروبا أم أمريكا أم آسيا أم أفريقيا.

أما فكرة الديمقراطية كالتزام كوني فهي جديدة تماماً، وهي، بامتياز، نتاج القرن العشرين. لقد رأى المتمردون الذين فرضوا القيود على ملك إنكلترا من خلال الماغنا كارتا الحاجة إلى ذلك بوصفها حاجة محلية تماماً. وعلى النقيض من ذلك، ساهم الأمريكيون الذين قاتلوا من أجل الاستقلال والثوريون في فرنسا مساهمة كبيرة في فهم الحاجة إلى الديمقراطية بوصفها نظاماً عاماً. ومع ذلك، ظلت مطالبهم الفعلية مركزة تماماً على الشأن المحلي في كل من جانبي الأطلسي وظلت مؤسسة على التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الخاص بكل منطقة.

كان منظّرو الديمقراطية خلال القرن التاسع عشر يجدون أن من الطبيعي تماماً مناقشة مسألة ما إذا كان بلد ما "مؤهلاً للديمقراطية". ولم يتغير هذا التفكير إلا في القرن العشرين عندما تم الإقرار بأن هذا السؤال خطأ بحد ذاته: فلا يحتاج أي بلد إلى أن يُعدّ مؤهلاً للديمقراطية ولكن إلى أن يصبح مؤهلاً من خلال الديمقراطية. وكان ذلك في الواقع تغيراً خطيراً وسّع المدى المحتمل لانتشار الديمقراطية ليشمل مليارات الناس على اختلاف تواريخهم وثقافاتهم وعلى تفاوت مواردهم.

وحدث في هذا القرن أيضاً أن قبل الناس أخيراً فكرة أن "حق الانتخاب لجميع البالغين" يجب أن تنطبق على الجميع، أي ليس فقط على الرجال بل على النساء أيضاً. وعندما التقيت في كانون الثاني من هذا العام برئيسة سويسرا، روث دريفوس، خطر ببالي أن النساء السويسريات لم يكن لهن حتى حق الانتخاب قبل ربع قرن. لقد وصلنا أخيراً إلى نقطة الإقرار بأن مدى شمول ما هو كوني، كالرحمة، لا يمكن أن يُحدّ.

لا أنكر أن ثمة اعتراضات على دعوى الديمقراطية بأنها كونية. وهي اعتراضات تأتي في أشكال وصيغ مختلفة ومن اتجاهات مختلفة. وهذا في الوقع جزء من موضوع هذه المقالة. وسيكون عليّ أن أفحص دعوى الديمقراطية بوصفها قيمة كونية وأن أفحص أيضاً الاعتراضات المحيطة بهذه الدعوى. غير أنه سيكون من الضروري قبل أن أبدأ في ذلك أن نلتقط بوضوح المعنى الذي أصبحت فيه الديمقراطية قناعة سائدة في عالمنا المعاصر.

ثمة، في كل عصر ومناخ اجتماعي، قناعات كاسحة تبدو وكأنها تفرض احترامها بوصفها قاعدة عامة، شأنها شأن الإعدادات "الأساسية" لبرنامج حاسوب؛ فهي تعتبر صحيحة حتى يتم دحض دعواها بدقة بطريقة أو بأخرى. وفي حين أن الديمقراطية لم تطبّق بعد في جميع أنحاء العالم، ولم يتم القبول بها فعلاً بشكل متسّق في المناخ العام للرأي العالمي، إلا أن الحكم الديمقراطي قد اكتسب الآن مكانة ما يُقبَل على أنه صحيح بشكل عام. وباتت الكرة في ملعب من يرغبون في تسفيه الديمقراطية لكي يقدموا تبريراً لرفضهم لها.

لقد حدث هذا التغير التاريخي منذ عهد غير بعيد إذ لا تفصلنا سوى عقود قليلة عن تلك الأيام التي كان فيها أنصار الديمقراطية في آسيا وأفريقيا يضطرون للدفاع عن حجتهم وظهورهم إلى الجدار. وفي حين أن أسباب النقاش مع أولئك الذين يرفضون بشكل صريح أو ضمني الحاجة إلى الديمقراطية ما تزال قائمة، يجب علينا أيضاً أن نلاحظ بوضوح كيف تحول مناخ الرأي العام عما كان عليه في القرون السابقة. فلم يعد علينا أن نناقش في كل مرة، ومن جديد، مسألة ما إذا كان هذا البلد أو ذاك (جنوب أفريقيا، أو كمبوديا، أو الصين) "مؤهلاً للديمقراطية" (وهو سؤال كان يحتل الصدارة في خطاب القرن التاسع عشر) لأننا بتنا نعدّ الآن ذلك الأمر بديهياً. إن هذا الإقرار بالديمقراطية كنظام مهم على المستوى الكوني، والذي ينحو في اتجاه القبول بها كقيمة كونية، يشكل ثورة فكرية ويمثل واحدة من المساهمات الرئيسة للقرن العشرين. وفي هذا السياق فقط سيكون علينا أن نبحث مسألة الديمقراطية بوصفها قيمة كونية.

التجربة الهندية

إلى أي مدى نجحت الديمقراطية؟ في حين أنه ما من أحد يطرح بشكل جدي مسألة دور الديمقراطية في بلدان مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، إلا أن هذه المسألة ما زالت موضع بحث بالنسبة إلى العديد من بلدان العالم الأكثر فقراً. ومع أن المقام لن يتسع هنا للقيام بفحص مفصل لسجل الإنجازات التاريخية، إلا أنني سأدافع عن الحجة القائلة إن الديمقراطية قد نجحت بشكل جيد بما يكفي.

لقد كانت الهند، بالطبع، واحدة من أبرز الساحات التي دار فيها هذا الجدل. فقد عبّر البريطانيون في سياق رفضهم لمنح الاستقلال للهنود عن قلقهم بشأن قدرة الهنود على حكم أنفسهم. وفي الواقع، كانت الهند تشهد بعض الفوضى في عام 1947، عام الاستقلال. فقد كانت لها حكومة غير مُجرًّبة وكانت تعاني من تقسيم لم يتم هضمه بعد ومن اصطفافات سياسية غير واضحة ومن انتشار العنف بين المجتمعات المحلية وانتشار الفوضى الاجتماعية. وكان من الصعب الإيمان بمستقبل الهند كدولة موحدة وديمقراطية. وها نحن، مع ذلك، نرى بعد نصف قرن ديمقراطيةً نجحت، على عجرها وبجرها، نجاحاً ملحوظاً. فقد تمت معالجة الخلافات السياسية في ظل الأصول الدستورية وصعدت الحكومات وسقطت وفقاً للقواعد الانتخابية والبرلمانية. وها هي الهند، بما تمثله من تركيبة من فوارق واختلافات صعبة وثقيلة الوطأة وغير متجانسة، تنجح في البقاء كوحدة سياسية ونظام ديمقراطي. والواقع هو أن ديمقراطيتها الفاعلة هي ما يحافظ على وحدتها.

كذلك نجحت الهند في اجتياز الاختبار العسير في التعامل مع تنوع اللغات وتعددها ومع الطيف الواسع من الأديان فيها. فالاختلافات الدينية والمجتمعية تشكل بالطبع نقطة ضعف يستغلها الساسة الطائفيون، وقد جرى بالفعل استخدامها في عدد من المناسبات مما نشر الذعر في أرجاء البلاد. ولكن حقيقة أن العنف الطائفي يقابل بالذعر وبالإدانة في مختلف أرجاء البلاد تمثل في حد ذاتها الضمانة الأساسية التي تقدمها الديمقراطية في وجه الاستغلال الحزبي الضيق للمسألة الطائفية. وهو أمر أساسي بالطبع في بقاء وازدهار بلد كالهند هو وطن لا يضم فقط أغلبية هندوسية بل يأتي أيضاً في المرتبة الثالثة عالمياً من حيث عدد السكان المسلمين، كما يضم ملايين من المسيحيين والبوذيين والأغلبية الساحقة من السيخ والبارسيين والجاينيين في العالم.

الديمقراطية والتنمية الاقتصادية

كثيراً ما يزعم أن الأنظمة غير الديمقراطية هي الأفضل في تحقيق التنمية الاقتصادية، ويطلق على هذه القناعة أحياناً اسم "فرضية لي كوان يو" نسبة إلى أبرز المدافعين عنها، رئيس سنغافورة وزعيمها الأسبق. وهو محق بالتأكيد في أن بعض الدول التي تفرض أنظمتها بالقوة (مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة والصين) قد حققت معدلات نمو اقتصادي أسرع من دول أخرى ذات أنظمة أقل تسلطاً (كالهند وجامايكا وكوستاريكا). غير أن "فرضية لي كوان يو" تستند إلى تجريبية مشتتة تبني على معلومات انتقائية محدودة أكثر مما تبني على الاختبار الإحصائي للطيف الواسع من المعلومات المتوفرة. فلا يمكن تأسيس مثل هذه العلاقة العامة بناء على أدلة منتقاة. ولا يمكننا، مثلاً، أن نأخذ النمو الاقتصادي المرتفع في سنغافورة أو الصين "كبرهان قاطع" على أن التسلط ينجح أكثر من غيره في تعزيز النمو الاقتصادي كما لا يمكننا، بالقدر ذاته، أن نخرج باستنتاج مناقض نبنيه على حقيقة أن بتسوانا، ذلك البلد الذي يحقق أفضل معدلات التنمية الاقتصادية في أفريقيا بل وفي العالم، قد كانت واحة للديمقراطية في تلك القارة على امتداد عدة عقود. فلا بد لنا من إجراء دراسات تجريبية أكثر منهجية لنتمكن من الوصول إلى الاستنتاجات بشأن المزاعم والمزاعم المضادة.

والواقع هو أنه ما من دليل عام مقنع على أن الحكم التسلطي وقمع الحقوق السياسية والمدنية مفيد فعلاً للتنمية الاقتصادية. والحق هو أن الصورة الإحصائية العامة لا تسمح بمثل هذا الاستنتاج. فالدراسات المنهجية التجريبية (كالدراسات التي قام بها كل من روبرت بارو وآدم برزورسكي) لا تقدم أي دعم حقيقي لدعوى وجود تناقض عام بين الحقوق السياسية والأداء الاقتصادي. ويبدو أن الترابط بين الأمرين يعتمد على عدد من الظروف الأخرى ففي حين تشير بعض التقصيات الإحصائية إلى وجود رابطة سلبية ضعيفة تشير تقصيات أخرى إلى وجود رابطة إيجابية قوية. وهكذا، إذا نظرنا إلى جميع الدراسات المقارنة معاً ستبقى الفرضية القائلة إنه "ما من ترابط واضح سلباً أو إيجاباً بين الديمقراطية والنمو الاقتصادي" فرضية معقولة. وبما أن الديمقراطية والحرية السياسية هما أمران مهمان بحد ذاتهما ستبقى قضيتهما سليمة لا تشوبها شائبة.

يتضمن هذا السؤال أيضاً قضية مناهج البحث الاقتصادي. إذ يجب علينا ألا نكتفي بالنظر إلى الروابط الإحصائية بل أن نفحص ونتقصى أيضاً السيرورات السببية المعنية بالنمو الاقتصادي وبالتنمية الاقتصادية. فالسياسات والظروف الاقتصادية التي أدت إلى النجاح الاقتصادي لبلدان شرق آسيا باتت اليوم معلومة تماماً. وفي حين أن الدراسات التجريبية قد تركز على جانب أكثر من جانب آخر، إلا أن ثمة اليوم إجماع على لائحة تضم كل "السياسات المفيدة" بما ذلك الانفتاح على المنافسة واستخدام الأسواق العالمية، وتوفير الحوافز للاستثمار والتصدير، ورفع مستوى التعليم، والإصلاح الزراعي الناجح، والفرص الاجتماعية الأخرى التي تزيد من مستوى المشاركة في عملية التوسع الاقتصادي. ولا يوجد أي سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن أية واحدة من هذه السياسات لا تتلاءم مع ديمقراطية أوسع وتحتاج إلى دعمها بقوة عناصر التسلط التي اتفق تواجدها في كوريا الجنوبية أو سنغافورة أو الصين. والحق أن هناك أدلة قوية تشير إلى أن النمو الاقتصادي يحتاج إلى مناخ اقتصادي ودي أكثر مما يحتاج إلى نظام سياسي صارم.

ولكي نستوفي هذا الفحص لا بد لنا من أن نتجاوز الحدود الضيقة للنمو الاقتصادي لنمحص المتطلبات الأوسع للتنمية الاقتصادية، بما ذلك الحاجة إلى الأمن الاقتصادي والسياسي. وفي هذا السياق، يجب علينا أن ننظر في الصلة بين الحقوق السياسية والمدنية من جهة ومنع الكوارث الاقتصادية الكبرى من جهة أخرى. فالحقوق السياسية والمدنية تمنح الناس فرصة استقطاب الانتباه إلى الاحتياجات العامة والمطالبة بالقيام بالفعل العام المناسب. فكثيراً ما تعتمد استجابة الحكومات إلى المعاناة الحادة لشعبها على درجة الضغط الذي يمارس عليها. إن ممارسة الحقوق السياسية (كالانتخاب والانتقاد والاحتجاج ونحوها) قد تتمكن من تحقيق تغيير كبير في الحوافز السياسية التي تحرك الحكومة.

لقد ناقشت في دراسات سابقة لي الحقيقة الجلية في التاريخ المرعب للمجاعات في العالم والقائلة إنه ما من مجاعة كبرى قد حدثت في بلد مستقل وديمقراطي تتمتع فيه الصحافة بحرية نسبية. ولا يمكن لنا أن نجد استثناء لهذه القاعدة مهما غيرنا وجهة بحثنا: المجاعات التي حدثت مؤخراً في أثيوبيا، أو في الصومال، أو في أي نظام ديكتاتوري، والمجاعات في الاتحاد السوفييتي في الثلاثينيات، والمجاعة في الصين بين عامي 1958-1961 مع إخفاق "القفزة الكبرى إلى الأمام" أو قبلها، والمجاعات في أيرلندا والهند تحت الحكم الأجنبي. لقد عرفت الصين التي كانت تحقق نجاحاً اقتصادياً أفضل من الهند أكبر مجاعة في التاريخ إذ مات نحو 30 مليون إنسان جوعاً بين عامي 1958-1961 (في حين لم تتعرض الهند لمثل ذلك)، في حين ظلت السياسات الحكومية على خطئها من دون تصحيح طيلة ثلاثة أعوام. ولم تتعرض هذه السياسات للانتقاد نظراً لعدم وجود أحزاب معارضة في البرلمان وعدم وجود صحافة حرة وعدم وجود نظام انتخابات متعدد الأحزاب. والواقع هو أن غياب هذه المعارضة هو بالتحديد ما يسمح للسياسات الخطأ بالاستمرار على الرغم من أنها تؤدي لموت ملايين الناس سنوياً. ويمكن قول الشيء ذاته بشأن المجاعتين العالميتين اللتين تحدثان الآن في كوريا الشمالية وفي السودان.

كثيراً ما تترافق المجاعات مع ما ننظر إليه بوصفه كوارث طبيعية، وكثيراً ما ينصرف المعلقون إلى التبسيط في تفسير المجاعة بالإشارة إلى هذه الأحداث: الفيضانات في الصين خلال إخفاق "القفزة الكبرى إلى الأمام" في الصين، وسنوات الجفاف في أثيوبيا، وتلف المحاصيل في كوريا الشمالية. غير أن العديد من البلدان الأخرى التي تعرضت لكوارث مشابهة أو أسوأ منها تمكنت استجابات حكوماتها من الحد من الجوع. فبما أن الضحايا الأوائل للمجاعة هم عادة المعوزون من الناس، فإن بالإمكان الحؤول دون وقوع الوفيات من خلال خلق فرص العمل (برامج التشغيل) مما يوفر الطعام لضحايا المجاعة المحتملين. فحتى أكثر البلدان الديمقراطية فقراً، والتي واجهت سنوات قحط أو فيضانات هائلة أو غيرها من الكوارث الطبيعية، تمكنت من إطعام شعوبها ومن تفادي المجاعة (كالهند في عام 1973، وزيمبابوي وبتسوانا في أوائل الثمانينيات).

إن من السهل منع وقوع المجاعات إذا ما بذلت جهود جدية في سبيل ذلك، والحكومة الديمقراطية التي تواجه الانتخابات والانتقادات من الأحزاب المعارضة والصحف المستقلة لا يمكنها إلا أن تبذل مثل هذه الجهود. ولا عجب في أن الهند التي ظلت تتعرض للمجاعات تحت الحكم البريطاني حتى الاستقلال (كانت أخر مجاعة في عام 1943 قبل الاستقلال بأربع سنوات وقد شهدتها طفلاً صغيراً) قد اختفت المجاعات فجأة منها مع قيام ديمقراطية متعددة الأحزاب وصحافة حرة.

لقد ناقشت هذه القضايا في دراسات سابقة لي، ولا سيما في كتابي المشترك مع جان دريز، "الجوع والفعل العام"، لذلك لن أطيل أكثر في هذا المقام. تقدم قضية المجاعة مثالاً واحداً فقط عن قدرات الديمقراطية، ولكنه المثال الأسهل من عدة نواح على صعيد التحليل. وينطبق الدور الإيجابي للحقوق السياسية والمدنية أيضاً على ما يتعلق بمنع وقوع الكوارث الاقتصادية والاجتماعية بشكل عام. وعندما تجري الأمور بيسر وتكون جيدة بشكل روتيني فإن دور الديمقراطية كأداة لا يكون ملحوظاً بوضوح. أما عندما تتعقد الأمور، لسبب أو لآخر، فإن الحوافز السياسية التي يقدمها الحكم الديمقراطي تكتسب قيمة عملية كبيرة.

إن في ذلك، كما أعتقد، درساً مهماً. إذ ينصح الكثير من الاقتصاديين التكنوقراط باستخدام الحوافز الاقتصادية (التي يوفرها نظام السوق) فيما يتجاهلون الحوافز السياسية (التي يمكن للأنظمة الديمقراطية أن تضمنها). وهو ما يعني توجهاً نحو تبني مجموعة غير متوازنة في العمق من الأسس والقواعد. فقد لا يكون غياب القوة الواقية للديمقراطية ملحوظاً في حال كان البلد حسن الحظ بما يكفي بحيث لا يضطر لمواجهة أية محنة خطيرة وبحيث تسير أموره بسلاسة كافية. غير أن خطر انعدام الأمن نتيجة لتغير الظروف الاقتصادية أو غيرها من الظروف، أو نتيجة لعدم تصحيح أخطاء السياسات، قد يبقى كامناً يترصد وراء المظهر الجيد للأمور.

تكشف المشاكل التي تعرضت لها مؤخراً بلدان جنوب وجنوب شرق آسيا عن المغارم المرتبة عن الحكم غير الديمقراطي، وهو ما يتجلى في منحيين لافتين للنظر. الأول، هو أن الأزمة المالية في بعض هذه الاقتصادات (بما فيها كوريا الجنوبية وتايلاند وأندونيسيا) كانت وثيقة الصلة بغياب الشفافية في مجال الأعمال، وخصوصاً غياب المشاركة العامة في مراجعة التدابير المالية. لقد لعب غياب المنبر الديمقراطي الفعال دوراً محورياً في هذا الفشل. والثاني، هو أنه ما إن أدت الأزمة المالية إلى ركود اقتصادي عام حتى ظهر الافتقار الحاد في بلد مثل أندونيسيا إلى القوة الواقية للديمقراطية، الشبيهة بتلك القوة الواقية من المجاعات في البلدان الديمقراطية، فلم يحظ من فقدوا أملاكهم بالفرصة التي يحتاجون إليها لإسماع صوتهم.

قد لا يمثل تراجع في الناتج الإجمالي القومي قدره 10% مثلاً أمراً خطيراً في أعقاب نمو في الناتج قدره 10% أو 5% حدث سنوياً على امتداد العقود القليلة السابقة. غير أن هذا التراجع قادر على إنهاء حياة البشر وعلى التسبب ببؤس الملايين إذا لم تكن هناك مشاركة واسعة في تحمل الأعباء وتُرك العبء ملقىً على كاهل العاطلين عن العمل والمهمّشين اجتماعياً الذين هم أضعف من يمكنه التحمل. ولعل المستضعفين في أندونيسيا لم يشعروا بغياب الديمقراطية عندما كانت الأمور في تحسن مستمر، ولكن تلك الثغرة جعلت أصواتهم ضعيفة ومكتومة عندما حدثت الأزمة التي لم يشترك الجميع في تحمل أعبائها بشكل متساو. إن الدور الواقي للديمقراطية لا يُفتَقد إلا عندما تكون الحاجة إليه ماسة جداً.

وظائف الديمقراطية

لقد تركت حتى الآن لمنتقدي الديمقراطية، ولا سيما النقاد الاقتصاديون، أن يملوا أجندة هذه المقالة. وسأعود إلى الانتقادات مرة أخرى لبحث حجج النقاد الثقافيين بوجه الخصوص، ولكن الوقت قد حان بالنسبة إليّ لأتابع التحليل الإيجابي لما تفعله الديمقراطية وما هي الأمور التي تؤسس لدعواها بأنها قيمة كونية.

فما هي الديمقراطية على وجه الدقة؟ يجب علينا ألا نعرّف الديمقراطية على أنها حكم الأغلبية. فللديمقراطية مطالب معقدة تشمل بالتأكيد التصويت واحترام نتائج الانتخابات، ولكنها تتطلب أيضاً حماية الحريات واحترام الحقوق القانونية وضمان النقاش الحر وعدم وجود رقابة على نشر الأخبار والتعليق المنصف عليها. فحتى الانتخابات يمكن أن تصاب بخلل جوهري إذا تمت من دون أن تتاح لمختلف الأطراف فرص متساوية لعرض مواقفهم أو من دون أن يتمتع الناخبون بحرية الحصول على الأخبار ودراسة وجهات نظر الزعماء المتنافسين. إن الديمقراطية نظام شديد التطلب وليست مجرد شرط ميكانيكي (كحكم الأغلبية) مأخوذ في معزل عما سواه.

وفي ضوء ذلك يمكن أن تعزى فضائل الديمقراطية ودعواها بأنها قيمة كونية إلى فضائل محددة تتحقق مع تطبيقها الحر من جميع الأغلال. والواقع هو أن بوسعنا تمييز ثلاث طرق مختلفة تغني الديمقراطية من خلالها حياة المواطنين. تتمثل أولاها في أن الحرية السياسية هي جزء من الحرية الإنسانية بشكل عام وأن ممارسة الحقوق المدنية والسياسية هي جزء أساسي من الحياة الكريمة للأفراد ككائنات اجتماعية. فالمشاركة السياسية والاجتماعية لها قيمة جوهرية بالنسبة إلى الحياة الإنسانية والرفاه، والحرمان من المشاركة في الحياة السياسية للمجتمع هو من أقسى أشكال الحرمان.

وتتمثل الثانية، كما تقدم (في مناقشتي لدعوى أن الديمقراطية تتصادم مع التنمية الاقتصادية)، في أن للديمقراطية قيمة هامة بوصفها أداة تعزز سماع صوت الناس من قبل الساسة أثناء تعبيرهم عن مطالبهم ودفاعهم عنها (بما في ذلك المطالب المتعلقة بالحاجات الاقتصادية). وتتمثل الثالثة، وهي نقطة لا بد من التعمق في بحثها، في أن ممارسة الديمقراطية تتيح للمواطنين فرصة التعلم بعضهم من بعض وتساعد المجتمع في صوغ قيمه وأولوياته. فحتى فكرة "الحاجات"، بما في ذلك فهم "الحاجات الاقتصادية"، تتطلب نقاشاً عاماً وتبادلاً للمعلومات ووجهات النظر والتحليلات. وبهذا المعنى تكون للديمقراطية أهمية بوصفها قيمة بنّاءة بالإضافة إلى قيمتها الجوهرية بالنسبة إلى حياة المواطنين وكقيمتها كأداة في القرارات السياسية. إن دعوى الديمقراطية بوصفها قيمة كونية يجب أن تأخذ في الحسبان جميع هذه الاعتبارات.

إن عملية صياغتنا للمفاهيم، وحتى فهمنا، لما نعدّه "حاجات" بما في ذلك "الحاجات الاقتصادية"، قد تحتاج بحد ذاتها إلى ممارسة الحقوق السياسية والمدنية. فالحقوق السياسية والمدنية، ولا سيما ما تعلق منها بضمان النقاش العلني والمحاجّة والنقد والمخالفة في الرأي، مركزية بالنسبة إلى ضمان عملية القيام باختيارات مدروسة ومبنية على المعلومات. وهذه العمليات بالغة الأهمية بالنسبة إلى صوغ القيم والأولويات، ولا يمكننا، على وجه العموم، أن نتخذ خياراً نفضله عن غيره إذا قدم لنا بمعزل عن النقاش العلني العام، أي بغض النظر عما إذا كان تبادل الآراء والنقاش مسموحاً به أم لا.

والواقع هو أن مدى تأثير النقاش العلني وفعاليته كثيراً ما يتم إساءة تقديرهما لدى بحث المشاكل الاجتماعية والسياسية. وعلى سبيل المثال فإن بإمكان النقاش العلني العام أن يلعب دوراً هاماً على صعيد تخفيض مستويات الخصوبة العالية التي يمتاز بها العديد من البلدان النامية. وثمة أدلة أكيدة على أن الانخفاض الحاد لمعدلات الخصوبة في الولايات الهندية ذات المستويات الأعلى من انتشار التعلم كان نتيجة للنقاش العام للآثار السيئة لارتفاع معدلات الخصوبة على المجتمع ككل وعلى حياة النساء الشابات بوجه خاص. فإذا كانت قد نشأت في ولايتي "كيرالا" أو "تاميل نادو" الهنديتين تلك الرؤية القائلة إن الأسرة السعيدة في العصر الحديث هي الأسرة الصغيرة، فإن قدراً كبيراً من النقاش والجدل قد بذل لصوغ هذه الرؤى. إن معدل الخصوبة في كيرالا اليوم هو 1.7 (كما هو المعدل في بريطانيا وفرنسا، وأقل بكثير من معدل الصين البالغ 1.9)، وقد تم تحقيق ذلك من دون أي قسر، فقط من خلال ظهور قيم جديدة ـ وهي عملية لعب فيها الحوار السياسي والاجتماعي الدور الأكبر. لقد ساهمت معدلات التعلم المرتفعة في كيرالا (وهي أعلى من معدلات التعلم في أي مقاطعة صينية)، ولا سيما بين النساء، في جعل مثل هذا الحوار السياسي والاجتماعي أمراً ممكناً.

للبؤس والحرمان أشكال متعددة، بعضها أكثر استجابة للعلاجات الاجتماعية من بعضها الآخر. ويمكن لشرطنا الإنساني بمجمله أن يشكل الأساس العريض لتعريفنا "لحاجاتنا". فهناك، مثلاً، عدد من الأمور التي قد يكون من المنطقي جداً بالنسبة إلينا أن نقدرها عالياً وأن نعدها بالتالي "حاجات" لو أنها كانت ممكنة. فيمكننا حتى أن نرغب في الخلود كما فعلت مايتري، ذلك العقل الباحث الخالد، في الأوبانيشاد قبل 3000 عام في حوارها مع ياجنفالكيا. ولكننا لا ننظر إلى الخلود بوصفه "حاجة" لأنه غير ممكن بداهة. يتعلق مفهومنا عن الحاجات بأفكارنا حول أشكال الحرمان من حيث هي بطبيعتها قابلة لمنع حدوثها وبفهمنا لما يمكن فعله إزاءها. وفي سياق تشكيل الفهم والقناعات حول الإمكانية (وخصوصاً الإمكانية الاجتماعية)، تلعب النقاشات العامة دوراً محورياً. فالحقوق السياسية، بما فيها حرية التعبير والنقاش، ليست محورية فقط بالنسبة إلى حث الاستجابة الاجتماعية للحاجات الاقتصادية ولكنها مركزية أيضاً لعملية صوغ مفاهيمنا حول الحاجات الاقتصادية بحد ذاتها.

كونية القيم

إذا كان التحليل السابق صحيحاً عندها لا تكون دعوى الديمقراطية بأنها ذات قيمة مستندة إلى فضيلة واحدة فقط. فأمامنا هنا عدد من الفضائل، أولها الأهمية الجوهرية للمشاركة السياسية وللحرية بالنسبة إلى الحياة الإنسانية، وثانيها أهمية الديمقراطية كأداة في التحفيز السياسي تبقي الحكومات مسؤولة وخاضعة للمحاسبة، وثالثها الدور البنّاء للديمقراطية في صوغ القيم وفي فهم الحاجات والحقوق والواجبات. وفي ضوء هذا التقويم يمكننا الآن معالجة السؤال الذي كان الحافز لهذه المقالة، أي دعوى النظر إلى الديمقراطية بوصفها قيمة كونية.

تبرز أحياناً، في سياق مناقشة هذه الدعوى، الحجج القائلة إن الناس لا يتفقون جميعاً حول الأهمية الحاسمة للديمقراطية، وخصوصاً عندما تدخل في تنافس مع أمور أخرى تحظى بانتباهنا وولائنا. والواقع أن ذلك صحيح، وأنه لا إجماع على هذا الصعيد. وينظر البعض إلى غياب الإجماع بوصفه دليلاً كافياً على أن الديمقراطية ليست قيمة كونية.

من الواضح أن علينا أن نبدأ بمعالجة السؤال المنهجي التالي: ما هي القيمة الكونية؟ هل تحتاج القيمة إلى قبول الجميع لكي تعدّ قيمة كونية؟ إذا كان ذلك ضرورياً حقاً فإن فئة القيم الكونية ستكون بالفعل خلواً من أي شيء يندرج تحتها. لا أعرف أية قيمة، حتى ولا الأمومة، لم يوجه إليها أي اعتراض. وسأدافع هنا عن الحجة القائلة إن الإجماع الكوني ليس ضرورياً لكي تصبح قيمة ما قيمة كونية، وإن دعوى قيمة بأنها قيمة كونية يعني أن الناس في كل مكان قد يكونون محقين في رؤيتها كذلك.

عندما دافع المهاتما غاندي عن اللاعنف بوصفه قيمة كونية، لم تكن حجته هي أن الناس في كل مكان يتصرفون وفقاً لهذه القيمة، ولكن كانت حجته هي أن الناس لديهم أسباب كافية ليقتنعوا بقيمة اللاعنف. وبشكل مشابه، عندما دافع طاغور عن "حرية العقل" بوصفها قيمة كونية، لم يقل إنها مقبولة من الجميع، ولكن قال إن لدى الجميع سبباً كافياً للقبول بها، وقام بالكثير على صعيد استكشاف هذا السبب وعرضه للآخرين ونشره بينهم. فإذا فهمنا الأمر بهذه الطريقة، فإن أي دعوى بأن شيئاً ما هو قيمة كونية تنطوي على نوع من التحليل المناقض للواقع ـ وتحديداً، تحليل ما إذا كان الناس قادرين على النظر في دعوى قيمة ما لأمر لم يفكروا فيه من قبل تفكيراً كافياً. إن جميع الدعاوى بالقيمة الكونية، وليس فقط دعوى الديمقراطية، تنطوي على هذا الافتراض المسبق.

سأدافع هنا عن الحجة القائلة إن الانتقال الأهم في الموقف من الديمقراطية قد حدث بالتحديد على صعيد هذا الافتراض الضمني المسبق في القرن العشرين. فعند التفكير في مسألة الديمقراطية بالنسبة إلى بلد لا يمتلكها ولم يحظ شعبه بفرصة ممارستها، بات الافتراض "الطبيعي" الآن هو أن الناس سيستحسنون الديمقراطية حالما تصبح حقيقة يعيشونها. إن مثل هذا الافتراض لم يكن وارداً في القرن التاسع عشر، غير أن ما نقوم به كافتراض طبيعي (وهو ما شبهته سابقاً بالإعدادات الأساسية لبرنامج حاسوب) تغير بشكل جذري خلال القرن العشرين.

ويجب أن نلحظ هنا أن هذا التغير يستند إلى حد كبير إلى دروس تاريخ القرن العشرين. فمع انتشار الديمقراطية ازداد عدد أنصارها ولم يتناقص. فالديمقراطية التي انطلقت من أوروبا وأمريكا كنظام للحكم بلغت أصقاعاً بعيدة لقيت فيها القبول والمشاركة الطوعية. وأكثر من ذلك، فكلما حدثت إطاحة بالديمقراطية قوبل ذلك باحتجاجات واسعة، مع أن مثل هذه الاحتجاجات كثيراً ما تقمع بوحشية. ولقد أظهر كثير من الناس استعدادهم للتضحية بأرواحهم في سبيل استعادة الديمقراطية.

يقيم بعض من يعارضون مكانة الديمقراطية كقيمة كونية حجتهم ليس فقط على غياب الإجماع ولكن على وجود بعض التناقضات الإقليمية. وتتعلق هذه التناقضات المزعومة بالفقر السائد في بعض البلدان. ووفقاً لهذه الحجة فإن الفقراء يهتمون بالخبز وليس بالديمقراطية. إن هذه الحجة الشائعة زائفة على مستويين.

أولهما، وكما سبق نقاشه، هو أن الدور الواقي للديمقراطية قد يصبح بالغ الأهمية بالنسبة إلى الفقراء، وهو ما ينطبق بوضوح على الضحايا المحتملين للمجاعات، كما ينطبق أيضاً على من يهوون من أعلى السلم الاقتصادي في الأزمات المالية. فالناس المحتاجون اقتصادياً يحتاجون أيضاً إلى صوت سياسي: إن الديمقراطية ليست شيئاً كمالياً يمكنه أن ينتظر تحقق الرخاء العام.

وثانيهما، هو عدم توفر الأدلة الكافية على أن الفقراء إذا ما أعطوا حق الاختيار سيرفضون الديمقراطية. وقد يكون من المهم هنا أن نتذكر أنه عندما حاولت الحكومة الهندية في منتصف السبعينيات تجريب مثل هذه الحجة لتبرير فرض حالة الطوارئ (وقمع الحريات السياسية والمدنية) التي أعلنتها، تم عقد انتخابات انقسم حولها الناخبون حول هذه القضية بالذات. وفي تلك الانتخابات المصيرية، حدث رفض قاطع لقمع الحريات السياسية والمدنية الأساسية، وأظهر الجسم الانتخابي الهندي، أحد أفقر الأجسام الناخبة في العالم، نفسه على أنه يبدي في الاحتجاج على قمع الحريات والحقوق عين ما يبديه من بسالة في الاحتجاج على الحرمان الاقتصادي.

وبقدر ما تعرضت مقولة أن الفقراء لا يكترثون للحقوق المدنية والأساسية للاختبار، فإن الأدلة المتوفرة تقف تماماً ضد هذه الدعوى. ويمكن إيراد نقاط مشابهة من خلال مراقبة الصراع الدائر من أجل الحريات الديمقراطية في كوريا الجنوبية وتايلاند وبنغلادش وباكستان وبورما وأندونيسيا وفي أماكن أخرى في آسيا. كذلك، وفي حين أن هناك تنكر واسع للحريات السياسية في أفريقيا، فقد ظهرت حركات واحتجاجات ضد مثل هذا القمع كلما سمحت الظروف بذلك.



حجة الفوارق الثقافية

ثمة حجة أخرى ترد في معرض الدفاع عن التناقضات الإقليمية، وهي حجة لا تتصل بالظروف الاقتصادية ولكن بالفوارق الثقافية. ولعل أشهرها تلك الحجة المتصلة بما يطلق عليه اسم "القيم الآسيوية". فهناك من يزعم بأن الآسيويين يميلون تقليدياً إلى تقدير الانضباط لا الحريات السياسية، وبالتالي فإن الموقف هناك من الديمقراطية سيكون حتماً أكثر تشككاً مما في البلدان الأخرى.

يصعب تماماً العثور على أي أساس حقيقي لهذه الدعوى الفكرية في تاريخ الثقافات الآسيوية، وخاصة إذا نظرنا إلى التقاليد الكلاسيكية في الهند والشرق الأوسط وإيران وأجزاء أخرى من آسيا. وعلى سبيل المثال فإننا نجد في كتابات الإمبراطور الهندي آشوكا في القرن الثالث قبل الميلاد نماذج من أقدم العبارات وأوضحها في الدفاع عن تسامح النظام التعددي وواجب الدولة في حماية الأقليات.

إن آسيا، بالطبع، رقعة واسعة تضم 60% من سكان العالم، وإن إطلاق التعميمات بشأن هذه المجموعة الكبيرة من الشعوب ليس بالأمر السهل. وكثيراً ما تركز الأطروحة العامة بشأن التناقض بين الغرب وآسيا على تلك البقاع الممتدة إلى الشرق من تايلاند، على الرغم من وجود دعاوى أكثر طموحاً تزعم بأن بقية آسيا "مشابهة" تماماً. وإننا ندين بالفضل إلى "لي كوان يو" لكونه شارحاً واضحاً حدد "الفوارق الأساسية بين المفاهيم الغربية والآسيوية حول المجتمع والحكم" بقوله: "عندما أقول شعوب شرق آسيا فإنني أعني كوريا واليابان والصين وفييتنام من حيث تميزها عن شعوب جنوب شرق أسيا، بما هي مزيج من الصينيين والهنود، مع أن الثقافة الهندية بحد ذاتها تشدد على قيم مشابهة".

غير أن شرق آسيا بحد ذاته يضم تنوعاً واضحاً مع الكثير من الفوارق بين اليابان والصين وكوريا، بل ضمن كل بلد على حدة. وإذا كان كونفوشيوس هو أكثر من يستشهد بأقواله في معرض تفسير القيم الآسيوية فإن ليس المؤثر الفكري الوحيد في هذه البلدان (فهناك في اليابان والصين وكوريا مثلاً تقاليد بوذية قديمة جداً وواسعة الانتشار، يمتد تأثيرها لأكثر من ألف وخمسمئة عام خلت، وهناك أيضاً تأثيرات أخرى وحضور قوي للمسيحية). وليست هذه الثقافات منسجمة بشأن إعلاء قيمة النظام فوق الحرية.

وحتى كونفوشيوس ذاته لم ينصح بالطاعة العمياء للدولة. فحين سأله زولو: "كيف أخدم الأمير؟" أجابه كونفوشيوس (بعبارة لا بد لمن يدافعون عن التسلط من التوقف لتأملها): "بأن تقول له الحقيقة حتى وإن لم تعجبه". وإذا لم يكن كونوفوشيوس ضد الحذر واللياقة العمليين فإنه لم يفوّت فرصة النصح بمعارضة الحكم السيء (بلياقة عند الضرورة): "عندما تسلك الدولة الصراط المستقيم: تكلم بجرأة وتصرف بجرأة، أما عندما تضل الدولة سواء السبيل فتصرف بجرأة وتكلم بلطف".

والواقع هو أن كونفوشيوس قد أشار بوضوح إلى حقيقة أن الدعامتين الأساسيتين للصرح المتخيل للقيم الآسيوية، ألا وهما: الولاء للعائلة وإطاعة الدولة، قد تتناقضان بشكل حاد فيما بينهما. وفي حين أن الكثير ممن يدافعون عن قوة "القيم الآسيوية" ينظرون إلى دور الدولة بوصفه امتداداً لدور العائلة، إلا أن كونفوشيوس لاحظ إمكان وجود توتر بينهما. وحين قال حاكم مقاطعة شي لكونفوشيوس: "إن في شعبي رجلاً بالغ الاستقامة: لقد أبلغ عن والده إذ سرق شاة"، أجابه كونفوشيوس: "إن الرجال المستقيمين من بني شعبي يتصرفون بشكل مغاير: فالأب يتستر على ما يفعله ابنه والابن يتستر على ما يفعله أبوه، وهناك استقامة في أفعالهم".

لا يصمد التأويل الأحادي الجانب للقيم الآسيوية بوصفها معادية للديمقراطية والحقوق السياسية أمام تمحيص النقد. وأرى أنه لا يجدر بي أن أُكثر من انتقاد افتقار هذه القناعات إلى الدراسات لأن من يطرحون هذه المزاعم هم قادة سياسيون غالباً ما ينطقون باسم الحكومات المتسلطة وليسوا بحّاثة دارسين. غير أنه قد يكون من المثير أن نلاحظ أنه كما يمكن للأكاديميين من أمثالنا أن يكونوا غير قادرين على التعامل مع الأمور السياسية فإن الساسة بدورهم قد يكونون غير قادرين التعامل مع الدراسات.

وبالطبع، ليس من الصعب العثور على كتابات تؤيد التسلط في التقاليد الآسيوية، ولكن ذلك ليس صعباً أيضاً في الكلاسيكيات الغربية: يكفي أن يفكر المرء في كتابات أفلاطون أو أكيناس ليرى أن الميل إلى الانضباط أمر لا يقتصر على الآسيويين. وسيكون رفض معقولية الديمقراطية كقيمة كونية بناء على وجود بعض الكتابات الآسيوية حول الانضباط والنظام شبيها برفض معقولية الديمقراطية كشكل طبيعي للحكم في أوروبا وأمريكا اليوم بناء على كتابات أفلاطون وأكيناس (ناهيك عن كتابات القرون الوسطى المؤيدة لمحاكم التفتيش).

كثيراً ما يصوّر الإسلام على أنه غير متسامح في جوهره ومعادٍ للحرية الفردية، نتيجة للمعارك السياسية المعاصرة، وخاصة في الشرق الأوسط. غير أن وجود التنوع والاختلاف في أي تقليد ينطبق على الإسلام أيضاً. فقد ضرب أباطرة المغول في الهند من أمثال "أكبر" (وباستثناء أوارنغزب) مثالاً صالحاً في النظرية وفي التطبيق حول ممارسة التسامح السياسي والديني. كما أن الأباطرة الأتراك كانوا في كثير من الأحيان أكثر تسامحاً ممن عاصروهم من أباطرة الغرب. ويمكن العثور على عدد وافر من الأمثلة حول من حكموا في القاهرة وفي بغداد. والواقع هو أن العالم اليهودي ابن ميمون قد هرب من أوروبا غير المتسامحة (التي ولد فيها) ومن اضطهادها لليهود إلى حيث الأمان والتسامح في القاهرة حيث حظي برعاية صلاح الدين.

إن التنوع سمة تشترك فيها معظم ثقافات العالم. وإذا كانت الديمقراطية قد كسبت معركتها في الغرب المعاصر فإن ذلك يرجع إلى إجماعٍ ظهر منذ عصر التنوير والثورة الصناعية وبشكل خاص في القرن التاسع عشر. وإن قراءة ذلك بوصفه التزاماً للغرب بالديمقراطية عبر آلاف السنين، ومقابلته بالتقاليد غير الغربية (ومعاملة الطرفين كأن كلاً منهما وحيد الجانب) هي قراءة تنطوي على خطأ بالغ. ويمكن أن نلحظ مثل هذا الميل إلى التبسيط ليس فقط في كتابات بعض الناطقين باسم الحكومات ولكن أيضاً في نظريات بعض كبار الدارسين الغربيين أنفسهم.

وسأذكر هنا نظرية صراع الحضارات لصاموئيل هانتينغتون، وهو واحد من كبار الدارسين الذين كان لأعمالهم الأثر الكبير، تلك النظرية التي تتجاهل تماماً التنوع ضمن كل ثقافة بعينها. لقد توصلت دراسته إلى نتيجة واضحة مفادها أن "الشعور بالفردية وتقاليد الحقوق والحريات" الموجودة في الغرب هي "واحدة لدى جميع المجتمعات المتحضرة". كما أورد هانتينغتون أيضاً حجة تقول إن "الخصائص الأساسية للغرب، تلك الخصائص التي تميزه عن الحضارات الأخرى، تسبق في وجودها حداثة الغرب". وهو يرى أن "الغرب كان غرباً قبل أن يصبح حديثاً بوقت طويل". وقد كانت حجتي التي سبق أن أوردتها هي أن أطروحة هانتينغتون هذه لا تصمد للتمحيص التاريخي.

ويبدو أن كل محاولة يقوم بها ناطق باسم حكومة آسيوية لإقامة التناقض بين "القيم الآسيوية" المزعومة وبين القيم الغربية المزعومة هي الأخرى ستقابل بمحاولة يقوم بها مفكر غربي لإقامة التناقض ذاته من الجهة الأخرى. ولكن، وعلى الرغم من أن كل جذب أسيوي يقابله دفع غربي، فإن الإثنين معاً لم يتمكنا من خدش دعوى الديمقراطية بأنها قيمة كونية.

موقع هذا الجدل

لقد حاولت أن أغطي بالبحث عدداً من القضايا المتصلة بالدعوى القائلة إن الديمقراطية قيمة كونية. وتشمل قيمة الديمقراطية أهميتها الجوهرية بالنسبة إلى الحياة الإنسانية، ودورها كأداة في خلق الحوافز السياسية، ووظيفتها البنّاءة في صوغ القيم (وفي فهم قوة وإمكانية تحقيق المطالب بشأن الحاجات والحقوق والواجبات). وهذه الفضائل ليست إقليمية من حيث طبيعتها، شأنها شأن الدفاع عن الانضباط والنظام. ويبدو أن تعدد القيم هو سمة تشترك فيها معظم الثقافات الكبرى، بل ربما كلها. إن الحجة الثقافية لا تستبعد، ولا هي حتى تقيّد في العمق، الخيارات التي نتخذها اليوم.

ولا بد من اتخاذ هذه الخيارات، الآن وهنا، آخذين في الحسبان الأدوار الوظيفية للديمقراطية التي تقوم عليها قضية الديمقراطية في عالمنا المعاصر. لقد دافعت عن الحجة القائلة إن هذه القضية هي قضية تقوم على أسس قوية وأنها لا تختص بمنطقة دون أخرى. إن قوة دعوى الديمقراطية بأنها قيمة كونية تستند في نهاية المطاف إلى قوة تلك الأسس. إن جدلنا يجب أن ينتمي إلى هذا الموقع بالذات، وهو جدل لا يمكن حسمه باللجوء إلى محرمات (تابو) ثقافية متخيلة أو إلى افتراض وجود استعدادات ثقافية مسبقة تفرضها علينا مواضينا المختلفة.

ترجمة: رائد النقشبندي




 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2103550 :: Aujourd'hui : 173 :: En ligne : 5