في معنى التركيب... والنموذج المفكر به!
 
2010-01-31   



د. محمد عابد الجابري


لعل القارئ يتساءل: ماذا يعنيه كل هذا الكلام التراثي الذي أقحمناه هنا، خلال المقالات السابقة بالنسبة لحاضر العالم العربي اليوم؟ ما علاقة مفهوم "التركيب" كما وظفه ابن رشد وابن خلدون في فهم مجتمعهما ودولتهما بحال المجتمع والدولة الآن؟ وما أهمية التذكير هنا بالنزعة الحتمية الخلدونية والنزعة الإصلاحية الرشدية؟ وبعبارة قصيرة ما العلاقة بين أفق ابن خلدون وابن رشد والأفق المعاصر، أفق القرن الحادي والعشرين؟



أسئلة لابد من طرحها والوعي بما تطرحه من ضرورة مراعاة الفارق الزمني!

إذا نحن أردنا أن نفسر اختلاف رأي ابن رشد عن رأي ابن خلدون في مسألة الإصلاح فلابد من الأخذ بعين الاعتبار عاملين اثنين: النموذج العلمي الذي استوحاه كل منهما ثم طبيعة العصر الذي عاش فيه.

أما ابن رشد فقد فكر في "التركيب"، في سياسات الدول، مستوحياً نموذجاً رياضياً هندسياً هو فكرة "الوسط". هو يرى أن التركيب ليس مجرد جمع بين عناصر كيفما اتفق. بل التركيب عنده هو نوع من "الوسط" بين طرفين متناقضين. فحكومة الأخيار في طرف وحكومة الطغيان في الطرف المقابل، والدولة المركبة تقع بينهما، تماما كما هو الشأن في الألوان التي تقع بين الأبيض والأسود، فهي تتدرج من الأبيض عبر ألوان لا حصر لها تزداد فيها نسبة السواد إلى أن تصير إلى الأسود الكامل. وهذا الفهم للتركيب بوصفه مجالا للحركة من طرف إلى طرف هو ما جعل ابن رشد يؤمن بإمكانية الإصلاح، وبالتالي يتجنب تشاؤم أفلاطون بل ويعترض عليه، كما سنرى بعد.

أما ابن خلدون فقد فهم "التركيب" في الدولة على غرار نموذج "كيميائي" هو "المزاج". فمزاج الإنسان حسب النظرية الطبية القديمة هو حصيلة الأخلاط الأربعة (المرتان الصفراء والسوداء والبلغم والدم). والمزاج يسمى باسم الخلط الغالب. ومزاج الدولة عند ابن خلدون هو مزاج العصبية صاحبة الدولة، ويتغير مزاجها حسب الطور الذي تكون فيه. هو يرى أن "حالات الدولة وأطوارها لا تعدو في الغالب خمسة أطوار". طور "الظفر بالبغية" أي التأسيس ويكون "صاحب الدولة أسوة قومه… لا ينفرد دونهم بشيء"، وتكون سياسته بمشاركة أهل العصبية وهم العمود الفقري في جماعة "أهل الحل والعقد" آنذاك كما تكون أقرب إلى الفضيلة والشريعة. يأتي بعد ذلك طور "الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك… واصطناع الرجال واتخاذ الموالي والصنائع". ثم تنتقل الدولة إلى "طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك". يأتي بعده "طور القنوع والمسالمة" وتقليد السابقين. ثم "طور الإسراف والتبذير"، وفيه "تحصل في الدولة طبيعة الهرم". فالتركيب هنا متداخل مع "أطوار الدولة" إلى الدرجة التي يمكن القول معها إن لكل طور مزاجه الخاص. وواضح أن هذا النموذج لا يسمح بالتفكير في الإصلاح، فأطوار الدولة كأطوار عمر الإنسان لا تقبل الانعكاس، فالشباب لا يعود… يوما!

أما تأثير العصر ومعطياته في فهم "التركيب" في السياسة لدى مفكرينا العتيدين، ابن رشد وابن خلدون، فيمكن رصده كما يلي:

أما فيلسوف قرطبة فقد عاش في عصر الدولة الموحدية التي عرفت فترات من الازدهار خاصة على عهد عبدالمومن وابنه يوسف، الأمير الفيلسوف صديق ابن رشد. وإذا كانت هذه الدولة قد شهدت انتكاسة على مستوى التضييق على الفلسفة والفلاسفة وبالتالي على حرية الفكر وازدهاره في أواخر عهد يعقوب المنصور الذي تزامن مع أواخر عمر ابن رشد، فلم يكن ذلك مما لا يمكن تداركه، فعنصر "الفضيلة" –حسب تعبير ابن رشد- لم يكن قد توارى تماما، لم يكن قد اقترب من "اللون الأسود" بعد، ولذلك نجد فيلسوف قرطبة يقول بإمكانية الإصلاح.

وأما ابن خلدون الذي عاش في عصر كان كله تراجعات في الميدان السياسي كما في الميدان الثقافي والازدهار الحضاري، في المغرب والأندلس وفي المشرق كذلك، فلم يكن يرى من سبيل للإصلاح إلا إذا انقلبت الأمور رأساً على عقب، وحينئذ يكون التغيير ليس مجرد إصلاح بل إنشاء شيء جديد تماما. لقد كان وضع العالم الإسلامي في ذلك الوقت "كأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة". والتغيير في مثل هذه الحال لا يكون بـ"الإصلاح" وإنما يكون بحدوث انقلاب كبير في الأوضاع تتبدل به الأحوال جملة: "وإذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره، وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث"، حسب تعبير ابن خلدون نفسه.

هذا النوع من "الخلق الجديد والنشأة المستأنفة والعالم المحدث" كان مرتبطا في أفق ابن خلدون بسقوط ما يسميه بـ"الدولة العامة"، وقيام أخرى مثلها مكانها، كسقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية مكانها، وذلك لا يكون بـ"الإصلاح" بل بالثورة العارمة، كالثورة العباسية، أو ثورة المرابطين أو الموحدين وهلم جرا.. ففي مثل هذه التغييرات الكبرى التي تأتي بعد ثورات شاملة عميقة يمكن حصول التجديد والإصلاح، أما في غير ذلك فكل ما يمكن أن يحصل هو أن تزيد الدولة عمرا إلى عمرها بالتحالف مع قوى جديدة، كما ذكرنا، ليأتي بعد ذلك الهرم المحتوم.

وفي جميع الأحوال تكون سياسة الدولة مركبة و"مجتمعة من أحكام شرعية، وآداب خلقية، وقوانين في الاجتماع طبيعية، وأشياء من مراعاة الشوكة والعصبية ضرورية". قد يتغلب هذا العنصر في وقت وقد يهيمن عنصر آخر، ولكن هذه العناصر تبقى حاضرة بشكل أو بآخر كـ"المزاج للمتكون" كما شرحنا.

ما الذي يمكن أن نستفيده من هذا الاستطراد في موضوع "التركيب" في الدولة والسياسة؟

هناك علاقة بين النظرية والواقع الذي تفسره: النظرية تشهد بالوجود للواقع الذي تفسره، والواقع يشهد للنظرية بالصحة، عندما تقدم عنه فهما مقبولا في مرحلة من مراحل تطور الفكر البشري. وعندما تحتفظ نظرية من النظريات بشيء من الصحة عندما يقرأ بها واقع معين، في وقت يقع خارج وقتها، فذلك دليل على أن ذلك الواقع ما زال يحتفظ في جوفه بشيء ما من الواقع الذي منه انبثقت تلك النظرية أولا. وهكذا فإذا كانت الدولة العربية المعاصرة تقبل أن تقرأ، كليا أو جزئيا، وفق نظرية ابن خلدون أو ابن رشد فذلك دليل على أنها ما زالت تحتفظ بشيء ما من الصدق. وبالعكس: إذا كانت نظريتاهما تجدان صدى في تفكيرنا يضفي عليهما نوعا من الصدق، فذلك دليل على أن في الواقع العربي المعاصر شيئا ما من "زمن" ابن خلدون وزمن ابن رشد!.

وسيتبين هذا في المقال القادم.

"الاتحاد" الاماراتية




 
تفاعلات الأصدقاء

0000-00-00
زهير

إشكال النص: ما الذي ينطوي عليه الكائن البشري ويشكل له هذه القيمة الأصلية ؟ ‏ النص: (...) يستمر السؤال ضاغطا علينا . هل للحيوانات الحق في عدم الأذى ؟ ‏ليس هذا بسؤال يسير الإجابة. (...) ‏نبدأ بالتساؤل حول مبرراتنا للتفكير في أن الكائنات البشرية تمتلك الحق الخلقي في عدم الأذى؟ وعن ثم نمضي للتساؤل، استنادا إلى هذه المبررات، إن كان ثمة أساس للقول بأن الحيوانات تمتلك هذا الحق أيضا . دعونا الآن نرجع إلى فكرة أن الكائنات البشرية الفردية تمتلك هذا الحق وأنه، ماعدا في الحالات المتطرفة، يبز المصلحة الجماعية. لماذا ؟ ‏ما الذي في الكائن البشري لنشير إليه ونقول: "لهذا يجب عليك ألأ تؤذي الفرد حتى لو أن ذلك يفيد الجماعة؟" ‏يكمن لب الجواب، كما أرى، في الاعتقاد أن الكائنات البشرية تمتلك نوعا محددا من القيمة، القيمة الأصلية. وأقصد بذلك أن كل كائن بشري يمتلك قيمة مستقلة منطقيا عن كونه ذا قيمة لأي شخص آخر (أو بمعنى مطابق ربما، مستقلة عن كونه موضع مصلحة أي شيء آخر) . لا أرى أي مبرر، من وجهة نظر خلقية، لاحترام شيء ما حي، لكن لا إحساس واع لديه وبالتالي لا يستطيع الشعور بأي مسرة أو ألم، متعة أو معاناة، إلا القول إنه ربما لديه إمكان لأن يصبح كائنا حاسة واعيا، على غرار الجنين. فإذا كانت الأوراق والأشجار لا قدرة لها على الشعور بالمسرة أو الألم فلماذا لا ينبغي علي انتزاع ورقة من شجرة ؟ ‏ولماذا يجب أن احترم موضعها بأكثر مما أفعل _لنسبة إلى حجر يعترض طريقي، إذا لم يكن ثمة شخص أو كائن حاس ينتفع أو يتأذى من إزالتي له؟ فالنظرة القائلة إن الكائنات البشرية تمتلك قيمة أصلية تستلزم أن نوع القيمة الممكن عزوها كما ينبغي إليهم ليس نوعا أداتيا على وجه الحصر. فالبشر يمتلكون قيمة ليس لمجرد، وليس ماداموا ملائمين لشيء ما . إن قيمتهم متميزة عن نفعهم ومهارتهم. ‏إذا صح هذا نستطيع أن نوضح، بعبارات عامة مستذكرين كانط، ما الذي تتضمنه المعاملة السيئة للكائنات البشرية. تساء معاملة البشر إذا اعتبروا ذوي قيمة فقط عندما يعززون مصالح كاشنات أخرى. إن معاملة كائن بشري على هذا النحو ينم عن الافتقار إلى احترام لائق لنوع القيمة التي يمتلكها البشر. وبعبارات كانط، إن ما له قيمة بذاته يجب أن يعامل دائما كغاية، وليس أبدا كمجرد وسيلة. ولكن، هذا هو بالضبط ما نقوم به عندما نؤذي فردا بحيث إن الآخرين ربما يحصلون على متعة أو فائدة؟ أي أننا نعامل الفرد كمجرد وسيلة، ذات قيمة بقدر ما يسهم في المصلحة الجماعية. ‏والآن، إذا قبلنا المسلمة التي فحواها أن الكائنات البشرية تمتلك قيمة أصلية نستطيع المتابعة والتساؤل عن كيفية إقحام الحقوق في الصورة. تقتحم الحقوق الصورة لأنها تستند إلى القيمة الأصلية. وبكلمات أخرى، إن الأفراد الذين يمتلكون قيمة أصلية هم الذين يمتلكون الحق في ألا تتم معاملتهم بأساليب تنكر عليهم هذا النوع من القيمة. فبدلا من ربط الحقوق بقيمة العواقب الجيدة أو السيئة على الأفراد، وبدلا من تسويغ الحقوق بالمنفعة العائدة عليهم، يتم تأسيس !لحقوق على قيمة الأفراد . وبالتالي، في حالة الحق في عدم الأذى، نقول إن الأفراد الذين يمتلكون قيمة أصلية يمتلكون الحق في عدم الأذى الذي يحول دون معاملتهم كمجرد وسيلة. إن اعتبارهم وسيلة سوف يفشل في معاملتهم وفق مقتضيات الاحترام الذي هم أهل له بمقتضى نوع القيمة التي يمتلكونها . ‏والآن، من المؤكد أن ما سبق ليس وصفا دقيقا للنظرة القائلة بأن الأفراد الذين يمتلكون قيمة أصلية يمتلكون حقوقا خلقية أساسية، خصوصا الحق في عدم الأذى. شيء واحد تم إغفاله وذو أهمية خاصة: ما الذي ينطوي عليه الكائن البشري ويشكل له هذه القيمة الأصلية ؟ ‏إن أي إجابة ستكون مدعاة للخلاف، وأي دفاع يؤازر الجواب الذي اقترحه هنا غير ممكن. ها هو الجواب الذي أقدمه: الكائنات البشرية ليسوا أحياء فحسب، إنهم يمتلكون حياة . وفوق ذلك، إننا موضوعات لحياة هي في مختلف الأحوال لأجلنا، وهذا مستقل منطقيا عن أي تقييم لنا من قبل أي أحد آخر أو اعتباره ‏لنا نافعين. ‏ولا أقصد مما سبق أن الآخرين لا يستطيعون الإسهام في، أو ‏الانتقاص من، قيمة حياتنا. بل على العكس، إن الخيرات الكبرى للحياة (الحب، والصداقة، وعموما، الشعور بالرفقة) وشرورها الكبرى (الكراهية والعداوة والعزلة والاغتراب) كلها تشتمل على علاقاتنا بالأشخاص الآخرين. فما أقصده، بدلا من ذلك، أن كوننا موضوع لحياة هي في مختلف الظروف لأجلنا لا يعتمد منطقيا على ما يفعله الآخرون أو لا يفعلونه لنا . وأعتقد أن هذه الحقيقة تقدم لنا الإضاءة التي نلتمسها . فالبشر يمتلكون قيمة أصلية لأننا بذواتنا موضوعات لحياة هي، إلى حد كبير أو قليل، ذات قيمة لنا . وبإيجاز: ‏إن الكائنات البشرية تمتلك قيمة أصلية لأن كل فرد، بشكل مستقل منطقيا عن مصالح الآخرين، موضوع لحياة هي في مختلف الأحوال لأجل ذلك الفرد . ونظرا لهذا النمط من القيمة الذي يمتلكه البشر، من الخطأ (أي علامة على عدم احترام وعلى انتهاك الحقوق) معاملة البشركما لو أن قيمتهم تنحصرفي كونهم مجرد وسيلة (مثلا، أن نستخدم البشر لمجرد زيادة ملذات الجماعة). وعلى الخصوص، إن إيذاء الكائنات البشرية لأجل منفعة أو متعة أي جماعة هو انتهاك لحقهم في عدم الأذى. ‏ينبثق الآن سؤال يخص إمكان تطوير هذا المحور ذاته من النقاش في حالة الحيوانات. وهذا ممكن على الأقل في حالة تلك الحيوا نات التي هي موضوعات لحياة هي لأجلهم، في مختلف الظروف، ومستقلة منطقيا عن تقييم أي أحد آخر. وليس ثمة أي شك عقلاني في أن عددا هائلا من أنواع الحيوانات يصح عليها ذلك... إنهم أيضا يمتلكون نوعا متميزا من القيمة بحكم حقهم الذاتي، ولذلك أيضا يمتلكون الحق في ألا يعاملوا بأساليب تفشل في احترام هذه القيمة. وعلى غرار البشر، لن يكون مسوغا تجاوز هذا الحق وتعريضهم للأذى لمجرد زيادة منافع أو ملذات الآخرين
zouhair_yasser@yahoo.fr


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2301718 :: Aujourd'hui : 1883 :: En ligne : 11