الهوية الإنسانية :إنسانية الإنسانية
 
2010-01-19   




أحمد تموز


يندرج هذا الكتاب في سلسلة المنهج التي يعكف عالم الاجتماع والإبستمولوجي الفرنسي المرموق إدغار موران على تأليفها منذ منتصف سبعينات القرن المنصرم. يصعب في مقام محدود كهذا تقديم صورة متكاملة عن هذا العمل الجبار. فإدغار موران، بتعدد اهتماماته وشطحها عن ميدان علم الاجتماع الاتباعي وشمولها كافة أوجه النشاط الإنساني، على تنوعه وتعقيده، ينتمي إلى ثلة المفكرين المؤسِّسة للمقاربة العبرمناهجية transdisciplinaire للمعرفة التي تتناول النسق الأساسي الذي تقوم عليه كافة اختصاصات المعرفة الإنسانية والذي يتخلَّلها ويتخطَّاها في آن معًا – وميدانه ما يتوسَّطها ويشكِّل لحمتها وسداها – متعاليًا عليها ومحيطًا بها جميعًا. وغاية العبرمناهجية transdisciplinarité هي فهم العالم الحالي الذي صار فيه توحيد المعرفة الإنسانية إلزامًا يتاخم الضرورة القدرية وتتوقف عليه حتى نجاة الإنسانية كنوع.



لكن السؤال الذي ينطرح على الفور – والحال هذه – هو الآتي: كيف يمكن لفرد واحد، مهما بلغت سعة اطلاعه، أن يحيط بكافة المعارف المتاحة، على الرغم من اتساعها وتنوعها وكثرتها – لا بل وتناقضها في كثير من الأحيان؟ لقد جرت العادة أن يتخصص المرء في ميدان معرفي ما، يزداد مع الوقت تشعبًا وتعقيدًا. فمع أننا نحيا في عصر الاختصاص (الذي لا يُستغنى عنه قطعًا) تبرهن محاور البحث الأساسية أن موضوع الاختصاص، مهما استدقَّ، يظل لا يقل تعقيدًا عن بينة المخ – على سبيل المثال لا الحصر. لهذا الاكتشاف نتائج هائلة، ولو بدت، للوهلة الأولى، عديمة الشأن. إنه اكتشاف حدود المعرفة ومحدوديتها وطبيعتها المفتوحة غير المنتهية أبدًا. أمام هذه الحقيقة البسيطة تصير كافة الفرضيات والنظريات التي صيغت لوصف الطبيعة والوعي مجرد نماذج مسرفة في التبسيط، من إسقاط الذهن البشري، الغرض منها تقريب الواقع إلى صاعه وقدرته على الاستيعاب، المحدودة بالتعريف، بينما يبقى هذا الواقع يتعدى الذهن – لا بل ويحتويه أيضًا.



يدور عمل موران حول محورين فكريين رئيسيين: الأول يسائل العلم ويتساءل عن معناه، مناهجه، حدوده، وعلاقاته مع المعرفة ومع الحكمة، ومع الواقع والحقيقة؛ أما الثاني فيحاول ردَّ الراصد والمرصود إلى العلم. ويهدف موران في سلسلة كتبه في المنهج إلى جمع صفوة المعارف الإنسانية، من علوم صحيحة وتطبيقية وإنسانيات وغيرها، مستفيدًا من خبرة الأسبقين ومن المقاربة العبرمناهجية، بدون أن يقع في فخ التصدي لصياغة منهج نهائي. فجل طموحه المعرفي هو أن يدلي بدلوه في إعداد وثيقة عمل للمفكرين وللأجيال المقبلة تمكِّنهم من الإحاطة بالواقع المعقد في خطوطه العريضة وعلى كافة الأصعدة، بدون الانتصار لعنصر على عنصر أو لمنهج على آخر، كما فعلت غالبية المفكرين حتى الساعة.



ظهرت من سلسلة المنهج كتبٌ خمسة هي:

1. طبيعة الطبيعة (1977)

2. حياة الحياة (1980)

3. معرفة المعرفة (1986)

أ‌. معرفة المعرفة 1: أنثروبولوجيا المعرفة

ب‌. معرفة المعرفة 2: علم اجتماع المعرفة

ت‌. معرفة المعرفة 3: نظام المعرفة

ث‌. معرفة المعرفة 4: إمكانية إبستمولوجيا معقدة

4. الأفكار: مسكنها، حياتها، أطوارها (1991)

5. إنسانية الإنسانية

أ‌. إنسانية الإنسانية 1: الهوية الإنسانية (2001)

ب‌. إنسانية الإنسانية 2: أخلاق (لم يصدر بعد، به تكتمل السلسلة)





لقد كان على موران، وصولاً إلى غايته، أن يستبدل بالمنظور الاختزالي réductionniste، الذي يقلِّص أوجُه الواقع المتعددة والغنية إلى وجه واحد، منظورًا عبرمناهجيًّا مركَّبًا وأن يرتب سائر مفاهيم النظام والفوضى والتفاعل والانتظام ضمن حلقة منطقية رباعية الحدود ذاتية التوالد، ليس ههنا مقام بسطها لأننا خصصنا هذه العجالة لتناول الجزء الأول من كتاب إنسانية الإنسانية الموسوم بـ"الهوية الإنسانية"* الذي حاول فيه المؤلف تقديم إجابات معاصرة عن أسئلة كانط الخالدة.



ينطلق موران من سؤال بسيط: ما هو الإنسان؟ لقد بات هذا السؤال الجوهري هاجسًا يتأكَّلنا ونحن نشهد ما نشهد اليوم من تحول الأرض إلى ميدان لأبشع أنواع البربرية المطروحة فرجةً لسكان كوكبنا الأزرق. من هنا الضرورة الملحة لمطالعة آخر ما صدر من سلسلة المنهج لكلِّ من ليس بعدُ في عداد رواد كتب موران – وغايته "تعليم الإنسان الإنسانية". ففي مختصر أخاذ يستعرض موران تحت أنظارنا فيلم تاريخ الإنسانية، منذ فجرها حتى الساعة، الذي لن نستطيع أن نقتطع منه إلا بضع هنيهات.

فلاش باك: من أين جئنا؟ نحن، بجذورنا الضاربة في الكوسموس، الذي نحمل منه فينا قسيمات وذرات، أبناء "الصخب والسعار" (عنوان رواية وليم فوكنر الشهيرة) وعمليات الخلق والتدمير التي تمخضت عنه. حياتنا أرضية وكوكب الأرض مجالنا الحيوي؛ ونحن، بهذه المثابة، ننتمي إلى الكائنات الحية التي، منذ فجر التواصل بين البكتريا، برهنت عن قدراتها على التضافر وقابليتها لتشكيل مجتمعات.

ترافلنغ أول: مغامرة التأنسُن hominisation، تستحثها العناصر النفسية/الاجتماعية/الثقافية التي تشكِّل المركَّب الجديد دماغ/يد/لغة/ثقافة/مجتمع، والتي، بدورها، ستستخلص الإنسان Homo من العالم الفيزيائي والبيولوجي والحيواني. فالانبثاق المذهل للعقل – بالمعني الذهني والروحي معًا – الذي سيكثِّر صور الفطنة الموجودة سابقًا. ثم، بالتوازي مع تنامي المجتمعات المعقدة ومع إتقان التقنيات، سيبدع الأساطير والآلهة، "المتقدة بسرِّ الوجود وهوة الموت"، ويطور، في آنٍ معًا، الفكر العقلاني والفكر التأملي، الأوهام والهذيانات، ويتمخض أخيرًا عن الوعي (وعي العالم الخارجي ووعي الذات)، ويتمكن بذلك من رفع طرف النقاب الذي يحجب صلب المسألة.

من نحن؟ هو ذا الإنسان "المثلث" (فرد/مجتمع/نوع)، "هولوغرام الكون" (الذي أنا فيه وهو فيَّ)، الذي يصير، في آنٍ معًا، وليس على نحو متقطع أو متوالٍ، صانعًا faber، عاقلاً sapiens، مقتصدًا economicus، لاعبًا ludens، هاذيًا deliriens، ومعتوهًا demens. الإنسان على الاختصاص لأنه "ذات": "لا أحد بوسعه أن يقول "أنا" بالنيابة عنِّي." فرد ومتعدد، كثير وواحد، أناني وغيري، كاره ومحب، همجي وشاعر، تتنازعه الإنسانية واللاإنسانية، "الصحو والسرنمة" (= السير في أثناء النوم).

ترافلنغ ختامي: إلى أين نمضي؟ الشغل الشاغل المرعب في عصر عولمة النموذج الغربي، "المدفوع بالمحرِّك الرباعي: علم/تكنولوجيا/صناعة/رأسمالية"، الذي تعرِّض مضارُّه التوازنات الأساسية للكوكب – والنوع البشري، بالتالي – لخطر الإبادة الداهم.

يستصرخ إدغار موران البشر لاستيعاء عميق للتضامن الإنساني ووحدة المصير الكوكبي المشترك، لفحص صادق عن معنى التاريخ الإنساني، ولإيجاد مجتمع/عالَم و"أخلاق معرفية" من شأنها أن تسمح لنا بالتعامل مع انتماءاتنا وتناقضاتنا وبتجديد الخصال الإنسانية حصرًا.

هي مغامرة كل شيء فيها مشتبك، متفاعل، لكن ليس من شيء ناجز أو نهائي...




 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1867262 :: Aujourd'hui : 649 :: En ligne : 7