الذات الإنسانية بين الأنـــــا والتعددية
 
2009-11-11   

نــــــدرة اليازجــــي
يتبادر الى ذهني، وأنا أعالج موضوعاً من هذا النوع، أن أتساءل إن كان الإنسان كائناً مرحاً أم حزيناً وكئيباً، كائناً انبساطياً أم انطوائياً، كائناً ظاهرياً أم باطنياً، كائناً ضاحكاً أم باكياً، كائناً متهكماً أم متعاطفاً، كائناً ساخراً أم متسامحاً، كائناً كارهاً أم محباً، كائناً اجتماعياً أم تجمعياً، كائناً متسامياً أم فردياً، كائناً هازئاً أم متفهماً، كائناً سادياً أم رحيماً، كائناً فانياً أم خالداً، كائناً أنانياً أم مضحياً، كائناً عارفاً أم جاهلاً، كائناً عظيماً أم تافهاً، كائناً راقصاً ومغنياً أم رصيناً وصامتاً، كائناً متكبراً أم متواضعاً، كائناً طامعاً أم طامحاً..الخ. في غمرة هذا التساؤل،أجبت نفسي بأن الإنسان كائن تجتمع في ذاته وفي كيانه جميع هذه الصفات، في سلبها أو إيجابها،بحيث أنها تشكل منه كائناً متكثراً، متعدد الوظائف النفسية المتصارعة في تنوعها، والمتنازعة في ميولها. وعلمت أيضاً، إذ أدركت قيمة إجابتي، أن الإنسان كائن يكمن في عمقه مركز موحّد، يدعوه بعض علماء نفس الأعماق« الأنا الموحدة»، ويدعوه بعضهم الآخر« الكيان» قادر على إحداث تأليف بين هذه الصفات والوظائف العديدة، وعلى إقامة تكامل أو توازن أو تأليف وانسجام بينهما. وإذ فهمت أن القضية الإنسانية الرئىسية، النفسية والعقلية، تتناوب بين الانقسام والتجزئة الناتجين عن الكثرة المذكورة من جهة، وبين الوحدة القائمة في عمق كيانه التي تدعوه الى تحقيقها في تأليف نفسي ليعود الى كيانه البدئي،الأصلي والجوهري من جهة أخرى، أدركت شدة الصراع القائم بين «المركز الموحّد» والكثرة الموزعة. في سبيل تجاوز أي غموض أو لبْس متصل بكلمة« الأنا» أود أن أصرح قائلاً بأن «الأنا» وهي مركز موحّد لفاعليات النفس البشرية،هي الروح أو الكيان، وأن «الأنا»، هي الوظيفة المركزية التي يدّعيها كل قسم أو جزء أو صفة أونطاق، هي النفس المجزّأة، المنقسمة على ذاتها،والمتصارعة في تناقضاتها، والمتنازعة في انفعالاتها،والفصامية في سلوكاتها، ولما كنت أسعى إلى فهم حقيقة الأنا، في مركزيتها الموحدة والكيان الواحد، وفي تشتتها الناتج عن تجميع التنازعات والتناقضات المتصارعة، فإنني أصرح بأن« الأنا»،كمركز موحد، تتجلى في الصفة الإنسانية أو في الوظيفة الإنسانية التي نعبّر عنها بمصطلح «الأنا-نة) التي تعني معرفة النفس وتوحيد فاعلياتها، وفي هذه المعرفة، تتكامل الأقطاب النفسية المتقابلة العديدة أو تنسجم في الوعي الذي هو حصيلة هذ المعرفة. أمّا الأنا المجسّدة بالوظائف أو الصفات العديدة المتناقضة، فإنها تنضوي تحت مصطلح« الأنا-نية»التي هي نعت يشير الى عدم تحقيق الكيان الموحد وإلى تمزقها وانفصامها. في هذه «الأنا-نية» يكمن جهل النفس، وفي هذا التمزق أو الانفصانم تسود تعاسة النفس البشرية التي تصبح عرضة لصراع الرغبات والشهوات، وأنواع التناقضات والانفعالات المتجمعة في مركز واحد على نحو زائف،و ذلك لأن« الأنا-نية»، لم تعد مركزاً موحداً في حقيقتها بل مركزاً لصراع التناقضات والانفعالات، يُصبح الصفة أو الوظيفة التي تنزع الى السيطرة على الصفات والوظائف الأخرى، أو الى كبحها وكبتها وإبقائها متجمعة، فتحدث صراعاً عنيفاً في النفس الإنسانية، الأمر الذي يؤدي الى بؤس الإنسان وشقائه. وتكون هذه الأنانية، كمركز موحّد، شبيهة بغرفة واحدة تضم عدداً من الطامعين والكارهين والمتكبرين والمستغلين والجهلة..إلخ. وبقدر ما تكون موحّدة لهم بوجودهم معاً، تكون سبباً في تفجير نزاعاتهم وتناقضاتهم ومساوئهم، الأمر الذي يؤدي الى تصارعهم بقسوة وتحريض انفعالاتهم المكبوتة.وهكذا، نتصور الانبساطي المتطرف، المتجه بكليّته الى خارج كيانه، والمنفصم في أنانيته، وهو يقول: قد يضحكني ما يقع خارجي، ويبكيني ما يكمن في داخلي. إذ عدت الى صياغة تساؤلي بطريقة أخرى، علمت إن إنسان « الأنا- نية» يعجز أن يكون مرحاً في داخله وخارجه، وبالتالي تعصف به أعاصير الآلام السلبية. وهذا يعني أن الأنا-ني الكاره، أو المستغل، أو الطامع، أو المتكبر، أو الجاهل يعجز عن أن يكون مرحاً. وعلى غير ذلك، علمت أن إنسان« الأنا-نة» يستطيع أن يحقق مفهوم المرح، وبالتالي يتألق بصحة نفسية رائعة تشير الى توازن وظائفه النفسية. وعلى هذا الأساس، أدركت أن الإنسان الذي يسعى الى تحقيق مركزه الموحد الذي هو الأنا-نة، هو الكائن الذي تقلصت صراعاته وتنقاضاته الداخلية والخارجية الى حدها الأدنى، أو تكاملت وظائفه النفسية المتعددة، .. هو الكائن المرح المتميز بالبشْر الداخلي المرتسم على وجهه، وبالسعادة التي قد تبلغ نطاق الغبطة






 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1867262 :: Aujourd'hui : 649 :: En ligne : 10