نظريّة الحدس في فينومينولوجيا هوسّرل
 
2009-11-09   

 


الفصل الثّالث: القول في النّظريّة الفينومينولوجيّة في الوجود :
قصديّة الوعي*. (ج1) تعريب وتعليق: لطفي خيراللّه - تونس.
إنّ الوعي الّذي كنّا قد أثبتنا وجوده فيما سلف من فصل، هو تيّار في الزّمن. والحياة الواعية تحصل في الزّمن الباطنيّ الّذي هو يختلف عن الزّمن الكوني، أي زمن الطّبيعة. وتأسيس الوعي في الزّمن، وأيّ بنية للزّمن نفسه، وأيّ شيء الوعي الباطنيّ للزّمن و أيّ شيء التّاريخيّة الّتي تخصّ الوعي، فكلّ هذه المسائل كانت قد شغلت أيّما شغل هوسّرل في أبحاثه الفينومينولوجيّة، وإنّ الفحص عنها من شأنه أنّ يعين غاية الإعانة في بيان الظّاهرة الّتي كنّا قد كشفنا عنها آنفا لمّا قلنا : " كلّ المعاييش Erlebnisse هي واعية. " ( الأفكار 229). (1)إلاّ أنّنا في هذا المبحث الّذي يُعنى قبل كلّ شيء بالحدس، فلا بدّ أن نضرب صفحا عن ذلك التّأسيس للزّمن الباطنيّ، وأن ننظر في الوعي و قد تمّ تأسيسه في الزّمن. (2) وهنالك سوف تترائى لنا خاصيّة في وجود الوعي، ألا وهي خاصّيّة القصديّة، أي خاصيّة أن كلّ وعي هو ليس فقط وعيا(3)، وإنّما أيضا هو وعي بشيء ما، وذو صلة بالموضوع. ولنا أن نبدأ من مفهوم أكثر عموما مفهوم " المعيش" الّذي يشبه، في بادئ الرّأي أن يكون، بنوع ما، غير لازم لمعنى القصديّة. (4)" أريد بالمعيش، بأوسع المعاني، كلّ ما يوجد في تيّار الوعي، أي ليس فقط المعاييش القصديّة، والتّفكّرات الفعليّة والقويّة...، بل وأيضا كلّ ما يوجد من عنصر حقيقيّ في ذلك التّيّار وفي أجزائه المتعيّنة...؛ وكلّ عنصر عنصرحقيقيّ يدخل في تأسيس الوحدة المتعيّنة لمعيش ما قصديّ، فليس له في نفسه صفة القصديّة، على معنى صفة كونه وعيا بشيء ما (5). وذلك يتعلّق، مثلا، بالمعطيات ــ الإحساسات كلّها، الّتي لها تأثير أيّما تأثير في الحدس الإدراكيّ لشيء من الأشياء." (الأفكار 65 ) وقد زاد نصّ آخر، باعتماده على أمثلة، بيانا لِمَا ينبغي أن يُفهم بالإحساس. إنّها " معطيات اللّون، والصّوت والملاصقة... الّتي ينبغي ألاّ تلتبس علينا بعناصر الأشياء مثل اللّون والخشونة... الّتي إنّما هي مُتَمَثَّلَةٌ في حياة الوعي لِمَكَانِ تلك المعطيات. وكذلك الأمر أيضا بالنّسبة للانطباعات الحسّيّة انطباعات اللّذّة، والألم، والدّغدغة و غير ذلك، وأيضا اللّواحق الحسّيّة لدائرة الميولات." ( الأفكار 172 ) واعلم كذلك أنّ تلكم العناصر العارية من القصديّة هي تُلْفَى في كامل أصناف الوعي، وهي تكوّن فيها شِقًّا مخصوصا يوسم بالشقّ المادّيّ أو الهيولانيّ، الّذي هو موضوعٌ لفنّ فينومينولوجيّ، أي فنّ الهيولانيّة الّذي من شأنه أن يصف بنيتها. الإحساساتفهاهنا إذن إحساسات ـــ ( وهي عناصر تُدْعَى بالفنتسمات ) إذا تعلّق الأمر بالتّخيّل ) ـــ قريبة فاضح القرب من تلك العناصر البسيطة الّتي كان قد رام العلم النّفس الخبريّ أن يبني بها الحياة الباطنيّة (6). ولكن هناك فرق كبير بينها. فلنجتزأ أوّلا ممّا روينا هذا الكلام : " معطيات... لاينبغي أن تلتبس علينا بلواحق الأشياء مثل اللّون، والخشونة، وغير ذلك، الّتي هي مُتَمَثَّلَةٌ في حياة الوعي لِمَكَانِ تلكم المعطيات.( 7 ) " . وكما كان قد ذكر هوسّرل في موضع آخر، فالمعطيات الهيولانيّة الّتي تناسبها لواحق كيفيّة في الأشياء، هي تختلف كلّ الاختلاف عن تلك اللّواحق. وليس إلاّ لو كنّا قد جزمنا على ضِدٍّ من ذاك الجزم، كنّا سنكون بإزاء رجوع بيّن إلى التّصّوّر الحسّانيّ للوعي، وبإزاء إبطال بيّن للقصديّة، أو على الأقلّ، كنّا سنكون بإزاء رجوع إلى التّفرقة بين الموضوع الحقيقيّ، وظلّه في الوعي، أي الصّورة الذّهنيّة(8). فلعمري، إنّما الموضوع ليس هو بجملة من " الإحساسات ". ونحن إنّما نخطأ لو ظننا بأنّ خصائص ما جديدة تضاف إلى " الإحساسات "، أو نظرة ما مغايرة يُنْظَرُ بها إلى محتويات الحياة تلك، هي من شأنها أن تجعل منها " مواضيع خارجيّة " (9). فهناك فرق في الطّبيعة بين الأحمر بماهو إحساس ذاتيّ ومعيش، والأحمر الموضوعيّ والمتمثَّل. " إنّ المعطيات ـ الإحساسات الّتي لها وظيفة تشكّلات Abschattungen اللّون، والملاسة، والشّكل، فلا بدّ أن نفرّقها من اللّون، والملاسة، والشّكل، بمجرّدها، على معنى، أن نفرّقها من كلّ لاحق لاحق موضوعيّ للشّيء. ف " التّشكّلات "، هي بالذّات ليست بمجانسة لِمَا يتمثّل بها، مع أنّها هي سَمِيَّةٌ له. إنّها تعني الحياة الواعية. ولكن، الحياة الواعية ليس لها من وجود إلاّ بما هي حياة واعية، وليس بما هي شيء مكانيّ (10). أمّا الموضوع الّذي يُعطي بالتّشكّلات فلا يمكن أن يوجد إلاّ بما هو مكانيّ ـــ ( وهو كذلك بالذّات ) ــ ولا يمكن أن يوجد بما هو حياة." (الأفكار 75 ـــ 76 ) ولا بدّ أيضا، حتّى نضادّ المعطيات الهيولانيّة بإحساسات أهل الحسّية من الإشارة بأنّ مبدأ الوحدة الخاصّ بتلك المحتويات الّتي تدخل تحت مفهوم " الهيولى " ليس الصّفة المحض خارجيّة صفة كونها متأتّية من الحواسّ، و هي الّتي كان قد ارتضاها أهل الخبرانيّة، وإنّما هي صفة باطنيّة ممّا يسوّغ لنا أن نطلق عبارة " الهيولى " على ما يتعدّى معطيات الحواسّ، ليشمل العاطفيّة والإرادة.(11) و لكنّ تيّار الوعي لا يأتلف فقط من شقّ هيولانيّ.القصديّة ويمكننا أن نتبيّن هنالك( 12)، فعلا محييا من شأنه أن يخلع على الظّواهر الهيولانيّة معنى التّعالي : فإنّما هذه الظّاهرات هي تدلّ على شيء ما من العالم الخارجيّ، وهي تُمَثِّلُهُ وتشتهيه وتهواه، وغير ذلك. وذلك الفعل هو عنصر، له، من وجه، ضرب وجوديّ يماثل ضرب وجود المعطيات الهيولانيّة، على معنى أنّه واع ومُؤَسَّسٌ في الزّمن الباطنيّ : و يعرف ذاته بذلك النّحو الضّمنيّ الّذي يخصّ المعاييش. ولكنّه، من وجه آخر، فهو الّذي يخلع على تيّار الوعي المعنى، وهو الّذي " يستقصد " شيئا ما مغايرا له، وهو الّذي يتعالى.وهذا الموضوع الّذي يقصده الوعي بطريق التّعالي في القصد، ليس هو جزء حقيقيّا (13) في الوعي، وليس هو محتوى له كما قد تُنْزِلُهُ مثاليّة باركليّة. فهذه المثاليّة لم تميّز بين كيفيّات الموضوع ومعطيات الهيولى، وهي تنظر إلى مفارقة الموضوع بالإضافة للوعي بنحو مجرّد ظاهرة ذاتيّة. فالقصديّة، لدى هوسّرل، إنّما هي فعل تعال حقيقيّ والمثال نفسه لكلّ تعال تعال. ومن هنا، فنحن نصل إلى الفحص عن القصديّة الّتي ننوي التّفصيل فيها، لأنّ حقيقة وجود المعاييش لتعبّر عن نفسها هاهنا مثلما كانت قد بانت أنّها تعبّر عن نفسها في اتّصاف تلك المعاييش بكونها واعية . " (14) إنّما هي القصديّة الّتي تخصّ الوعي، على التّحقيق، وهي القصديّة الّتي، في نفس الوقت، من شأنها أن تسوّغ لنا أن نصف تيّار الوعي بأكمله بنحو تيّار من الوعي وبنحو وحدة من الوعي. (15) " ( الأفكار 168 ). وعبارة الاستقصاد ينبغي أن تفهم هاهنا بمعنى أوسع ممّا نخلعه على عبارات مثل " قصد حسن "، أو " أن يقصد بأن يفعل كذا أو كذا ". بل هي تفصح عن هذا الأمر( الّذي قد لا يبدو في الأوّل، بِدْعًا البتّة )، وهو أمر أنّ كلّ فعل من أفعال الوعي فهو وعي بشيء ما : كلّ إدراك فهو إدراك لشي مُدْرَكٍ، وكلّ رغبة فهي رغبة في شيء مرغوب، وكلّ حكم فهو حكم ب" حال ما " نقول فيها شيئا، إلى غير ذلك. وعمّا قريب فنحن سوف نبرز الفائدة الفلسفيّة لتلك الخاصّية للوعي، وأيّ قلب عميق هي تأتي به لمقولة الوعي نفسها (16).وقد قال هوسّرل في " الأبحاث المنطقيّة "، ليزيد تحقيقا لمقولة القصديّة : " حينما حال ما من الوعي يُعْطَى بنحو الحاضر، فإنّ العلاقة علاقة قصديّة بالموضوع تتحقّق، وتتحقّق في خاصّ جوهره (17)، وهذا ممّا أنوّه به. ومن ثَمَّ، فإنّ الموضوع يكون " حاضرا حضورا قصديّا "، لأنّ كلا الأمرين إنّما هما بمعنى.(18) " ( الأبحاث II 372 ــ 373 ) وهاهنا هناك مقولة لا تقبل الردّ وأولى، ربّما بانت لا معقولة لتصوّر طبيعانيّ للوجود، على أنّه وجود عاطل هو من الخلف أن نطلق عليه مقولة أن يتعالى تلك. وفي الأصل، فهذه الإشارة إنّما المقصود بها، على التّحقيق، هو الطّبيعانيّة النّفسي (19). فالقصديّة لدى هوسّرل لا ينبغي أن نأخذها على أنّها صفة من صفات الوعي، أي على أنّها خاصّيّة غير لازمة لضرب وجود الوعي، أي بأنّها مجرّد جهة من جهات محتويات الوعي. وإنّما القصديّة هي عين ضرب وجود الوعي.( 20)التّعليق :1) تنقسم الفينومينولوجيا بحسب تاريخ تطوّرها إلى قسمين كبيرين؛ الفينومينولوجيا الوصفيّة ، وفيها كان قد انصبّ اهتمام هوسّرل على استنقاذ الموضوعيّة، ولا سيّما المعاني المنطقيّة والرّياضيّة من خيوط الذّاتيّة المتغيّرة الّتي سعت تأويلات نفسانيّة منطقيّة تذويبها فيها. والفينومينولوجيا المتعالية، وفيها خطى هوسّرل خطوة جديدة وخطيرة، لمّا استخلص الوعي من العالم بإدخاله مبدأ جديد وعلى غاية من الأهمّيّة في الفنومينولوجيا المتعالية وهو مبدأ الردّ أو الأبيخو. وهو مع هذه الأبحاث كان قد ظهر ماعبّر عنه هوسّرل بالتّأسيسيّة المتعالية، وهذه التّأسيسيّة قد انشعبت إلى شعبتين، تأسيسيّة الموضوع بمختلف قيمه الأنطلوجيّة بما هو مُتَعَلَّقُ الوعي أو كما يسمّيه هوسّرل بماهو معنى نوّاميّ. وتأسيسيّة الوعي بما هو سيّال زمنيّ مطلق الوجود والحقيقية. فمراد المصنّف إذن بقوله " وتأسيس الوعي في الزّمن .... " إلى آخر الكلام، فإنّما يشير به إلى التّأسيسيّة الذّاتيّة أو الوعييّة. 2) يريد أنّنا سوف لن نبحث في تأسيس الوعي، وإنّما في تأسيس الموضوع في الوعي الّذي هو نفسه إنّما يقتضي أن يكون الوعي مؤسّسا. 3) أي مادّة محضة، وإن كانت هذه المادّة الّتي هي الوعي، هي مادّة تخالطها أيضا الصّورة لكونه كما بيّنا هو هناك تأسيسيّة للوعي تتميّز عن تأسيسيّة الموضوع. (أنظر هوسّرل، دروس في فينومينولوجيا الوعي الباطنيّ للزّمن ). 4) معناه أن المعيش يبدو من حاله أنّه معنى أعمّ من معنى القصديّة، أي أنّ كلّ قصديّة فهي معيش، وليس يلزم الانعكاس بأنّ كلّ معيش فهو قصديّ. فقد ينفكّ إذن المعيش عن القصديّة، فيلزم أنّه قد توجد معاييش غير قصديّة. 5) يريد هوسّرل أنّ اتّصاف المعيش بكونه قصديّا أي بكونه متعلّقا تعلّقا بالذّات بموضوعه ليس له من جهة حقيقته الهيولانيّة ومن جهة ما يدخل في تكوينه في حقيقته المتعيّنة، وإنّما صفته تلك فهي له من جهة زيادة معنى، وهذا المعنى هو نفس القصديّة. 6) لقد كان هوسّرل قد انتقد انتقادا قويّا الخبرانيّة النّفسيّة الّتي اعتادت أن تبني العالم بأسره ابتداء من نفس محتوايات الاحساس الخامّ الموجودة في الذّاتيّة. فإذن وضع هوسّرل لمحتويات وعييّة زائدة عن القصديّة أليس هو ارتداد لنفس معنى الإحساسات المنسوبة لأهل الخبرانيّة ؟7) جاوب هوسّرل على الشكّ المذكور بقوله أنّنا في نظريّتنا إنّما نميّز واضح التّمييز بين المحتوى الحسّي بما هو محتوى حقيقيّ للوعي، واللاّحق الموضوعي الّذي هو صفة للموضوع، وإن كان هذا اللاّحق مشروط في ظهوره بالمحتوه الحقيقيّ المشابه له. فالعيب الملازم لنظريّة الإحساسات الخبرانيّة إنّما يكمن خاصّ الكمون في كونها قد جعلت المحتوى الإحساسي هو عين اللاّحق الموضوعيّ. 8) الموضوع الحقيقي هو الوجود في ذاته الّذي من شأنه أن يؤثّر في الوعي فيولّد فيه صورة ذهنيّة تكون وحدها في متناول الوعي، أمّا حقيقة الموضوع نفسه المولّدة لتلك الصّورة فتبقى ممتنعة امتناعا بالذّات عن أن تعرف. 9) لمّا كانت الخبرانيّة قد وضعت أنّ العالم هو عالم مبنيّ من نفس المحتويات الحسّيّة، فإنّه اعتاص عليها أمر أن العالم إنّما هو يظهر لنا بنحو ماهو موضوعيّ، أي بنحو ما هو غير أنا، كما يقول سارتر؛ فالمحتويات بمجرّدها لا يمكن أن تظهر إلاّ بنحو الذّاتيّة والباطنيّة. فحينئذ اضطرّ أهل الخبرانيّة أن يضعوا معانيا زائدة على محض المحتوى، كمعنى الحكم، أو قوانين التّنازع، وغير ذلك. ( أنظر سارتر، التّخيّل، الفصل الثّاني. وهذا الكتاب نحن بصدد انجاز ترجمة له سوف نصدرها عمّا قريب.) 10) أي أنّ ماهيّة الوعي بما هو وعي هو الوعي نفسه. ولذا فإنّ أيّ إدخال لمعان مكانيّة مردّها للموضوع الطّبيعيّ، فإنّه سيكون وقوعا في الخلف والشّناعة بحكم نفس ما تمدّنا به البداهة الأيدوسيّة، هذه البداهة الّتي تفيدنا بأنّ جوهر الوعي إنّما هو الوعي، وأنّ جوهر الطّبيعة هو الإمتداد. ( أنظر هوسّرل، أفكار مسدّدة من أجل فينومينولوجيا وفينومينولوجيا متعالية، المجلّد الأوّل، المقالة الثّانية، الفصل الثّاني. ) 11) أي أنّ تعريف المحتوى الحسّيّ عند أهل الخبرانيّة يقوم على اعتبار أصله الخارجيّ، على معنى أنّه حسّيّ لكونه متأتّيا من الخارج الّذي هو الخارج الحسّيّ. وتقييد معنى الحسّ بالأصل الخارجيّ قد منع إطلاق معنى الهيولى على ما لايكون له محتوى خارجيّ مثل الأمور المعنويّة. فإذن إطلاق ذلك المعنى من معنى الخارجيّة من شأنه أن يسوّغ أن نطلق الهيولى على معان كالعاطفيّة والإرادة. 12) هنالك، أي في تياّر الوعي.13) ليس هو جزء حقيقيّا، بمعنى ليس هو جزء مادّيّا في الوعي.14) أي أنّ حقيقة المعاييش هي تتحقّق في معنى القصديّة مثلما كان قد بان فيما سلف أنّها تتحقّق في كونها واعية.15) وذلك إنّما هو مرتبة القصديّة الأولى الّتي قلنا عنها بأنّها تؤسّس الزّمن الباطني أو الوعي الهيولانيّ. وفيما يلي هذه القصديّة تقوم قياما قصديّا ، وليس قياما حقيقيّا أو منطقيّا، قصديّة أخرى تضع وضعا أوّليّا وليس بتوسّط، الوعي أو الذّات في صلة بالعالم. وهو إنّما هذه القصديّة الّتي سوف يفصّل المؤلّف القول فيها. 16) فمن عظيم خصال هذه المقولة، كم سيبيّنه المصنّف فيما بعد، هي أنّه يشبه من أمرها أنّها قد حلّت حلّت شافيا مشكلة من أعوص المشاكل الّتي حيّرت الفلاسفة منذ ديكارت، وهي مشكلة كيف يمكن للذّاتيّة الّتي هي باطنيّة محضة أن تدرك العالم الّذي هو خارجيّة محضة. فالجواب لم يخرج من حلّين اثنين : إمّا أن نضع وجود عالم خارجيّ، والفكر يصير عرضا له، وبذلك يمتنع أن يكون العالم مُدْرَكًا. وهو حلّ النّظريّة المادّيّة. وإمّا أن نثبت وجود الفكر وجودا مطلقا، ولا يكون العالم نفسه إلاّ فكرة في الذّهن. وهو حلّ المثاليّة الغالية أي مثاليّة باركليّ. 17) معناه أنّ خاصّ جوهر الوعي هو أن يكون متعلّقا تعلّقا قصديّا بموضوعه. فالموضوع للوعي ليس لا لازما طبيعيّا له، و لا لازما منطقيّا، في معنى لزوم الإضافة مثلا، ككون الأبوّة تقتضي إقتضاء منطقيّا معنى البنوّة. وإنّما الموضوع هو لازم للوعي لزوما قصديّا، أو في لغة أنطلوجيّة قد لايرتضيها هوسّرل، الموضوع إنّما لازم للوعي لزوما وجوديّا. 18) أي أنّ تعلّق الوعي تعلّقا قصديّا بالموضوع، وحضور الموضوع نفسه للوعي حضورا قصديّا إنّما هما حقيقة واحدة أو هما معنى واحد.19) التّأويل الطّبيعاني في الوجود هو التّأويل الّذي يردّ كلّ حقيقتة الوجود إلى معنى واحد وهو معنى الجوهريّة والقياميّة بذاته. وهذا المعنى اضطرّ أهل الطّبيعانيّة من أمثال الطّبيعانيّة النّفسانيّة أن يردّوا إليه كلّ أنحاء الموجودات، بما فيها الوعي الّذي هو لو نُظِرَ إليه في ذاته من غير إلباسه مقولات مستجلبة من التّأويل الطّبيعاني لبان بيانا قطعيّا و مطلق الصّدق بأنّ جوهره إنّما هو التّعالي . ( أنظر، للا طّلاع على نقد مستوف لتاريخ نشأة التّأويل المجوهريّ للوجود في الميتافيزيقا الغربيّة، أهمّ أعمال هايدغر، ولاسيّما مصنّف الوجود والزّمن، وبخاصّة الفصل الشّهير منه في نقده لديكارت.) 20) القصديّة ليست صفة في الوعي، على اعتبار أنّ الصّفة إنّما تقوم بالموصوف، إذ ينبغي أن يكون الموصوف متحقّقا حتّى تتحقّق الصّفة به. ولكن سبق تحقّقّ الموصوف قبل الصّفة يقتضي أن يكون ما يقوّم جوهر الموصوف هو غير الصّفة. فلو كانت القصديّة إذن هي صفة للوعي، لاقتضى ذلك بحسب ما بيّنّاه، أن يكون تحقّقّ الوعي في جوهره هو تحقّقّا مستغنيا عن معنى القصديّة، وهو محال، لأنّا كنّا قد أظهرنا أنّ نفس جوهر الوعي إنّما هو أن يكون قصديّا.++ مصنّفات هوسّرل الواردة في التّرجمة،أ) أفكار مسدّدة من أجل فينومينولوجيا و فلسفة فينومينولوجيّة خالصة،IDEENN ZU EINER REINEN PHAENOMENOLOGIE UND PHAENOMENOLOGISCHEN PHILOSOPHIE.ب) الأبحاث المنطقيّة، ( لقد عرّبنا فصولا من هذا الكتاب، منها ما نشر، ومنها ما لم ينشر بعد. ) LOGISCHE UNTERSUCHUNGENج) دروس في فينومينولوجيا الوعي الباطنيّ للزّمن،VORLESUNGEN ZUR PHANOMENOLOGIE DES INNEREN ZEITBEWUSSTEINS. * EMMANUEL LEVINAS, THEORIE DE L'INTUITION DANS LA PHENOMENOLOGI E DE HUSSERL. ( Chapitre III, La théorie phénoménologique de l'etre : Lintentionalité de la conscience.)
طبلبة، 17/ 8/2001




 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1814537 :: Aujourd'hui : 471 :: En ligne : 3