درس عن الغيرية
 
2009-11-04   




. من الدلالات إلى الإشكالية :
1) الدلالة العامية المتداولة :
الغير في الحس المشترك هو الآخر والآخر يحتمل ثلاثة معاني بالقياس إلى الذات الفردية ( الأنا ) أو الجماعية ( النحن ) : فالغير أو الآخر هو أولا المستقل وجوديا ( جسميا ونفسيا ) عن الأنا ( أي أنه من ليس أنا ) ، وهو ثانيا من لا علاقة قرابة من بعيد أو من قريب تربطني به ( أي أنه من ليس قريبا ) , وهو ثالثا من يختلف عنى عرقيا أو سوسيو- ثقافيا ( أي أنه من ليس النحن ) .
ومن هذه الدلالات الأولية نستنتج بأن:
v الغير هو الآخر والآخر هو الغير إذ لا فرق بينهما عند العامة.
v الغير كآخر يتحدد بالسلب : إذ هو من ليس أنا / من ليس قريبا / من ليس النحن . والتحديد بالسلب ( أي تحديد الشيء بما ليس هو) تحديد ناقص بالمقارنة مع التحديد بالإيجاب ( أي تحديد الشيء بما هو هو ) .
ومن هنا كان الغير من جهة مدلوله مجردا غير مشخص ( فهو ليس فردا بعينه دون غيره ), ومن جهة ثانية نسبيا متغيرا: إذ أن الأخ باعتباره مستقلا عنى جسميا فهو آخر ولكنه ليس كذلك باعتباره قريبا لي. و بهذا نفهم بعض الأمثال الشعبية الرائجة مثل قولهم: أنا وأخي ضد ابن عمى، وأنا وابن عمى ضد الغريب ( الأجنبي ).
بناءا على ما سبق تتحدد المواقف الممكن للأنا اتخاذها تجاه الغير / الآخر في ثلاثة أساسية وهى :
v موقف اللامبالاة وعدم الاكتراث حين يكون الغير نكرة / مجهولا / غريبا عنى.
v موقف المواجهة الرمزية أو الحقيقية حين يكون الغير منافسا / خصما / عدوا لي.
v موقف المساندة والتضامن والتآخي والتعاون حين يكون الغير صديقا / قريبا / أخا لي.

2) الدلالة المعجمية اللغوية:

ا_ في اللغة العربية :
جاء في ا لسان العرب لابن منظور تحديد الغير والآخر كما يلي: « غير حرف من حروف المعاني, تكون نعتا، وبمعنى لا... وقيل غير بمعنى سوى، والجمع أغيار. وهى كلمة يوصف بها ويستثنى ... وتغير الشيء عن حاله تحول ... والغير الاسم من التغير... وتغايرت الأشياء اختلفت» و يأتي « الآخر بمعنى غير كقولك رجل آخر وثوب آخر» وجاه في تعريف المنجد في اللغة والأعلام تعريف الغير والآخر على النحو التالي: « غير الشيء حوله وبدل به غيره، جعله غير ما كان.غاير غيارا و مغايرة: بادله, خالفه، عارضه في البيع، كان غيره. تغير: تغير وتبدل, تغايرت الأشياء اختلفت. الغير(ج) أغيار: الاسم من غير (...) غير تكون بمعنى سوى (...) نحو" جاء غيرهم " أي سواهم (...) وبمعنى لا (...) نحو " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " أي لا باغيا (...) الغيرية : خلاف العينية وهى كون كل من الشيئين خلاف الآخر» و « آخر (...) بمعنى غير, ولكن مدلوله خاص بجنس ما تقدمه فلو قلت: " جاءني رجل وآخر معه" لم يكن الآخر إلا من جنس ما قلته، بخلاف غير فإنها تقع على المغايرة مطلقا».
ومن هذه الدلالة المعجمية العربية نستنتج بأن للفظي الآخر والغير نفس المعنى , فهما معا يفيدان المخالفة والمباينة والتمايز بين شيئين أو هويتين مع ملاحظة أن لفظ "غير" قد يأتي كنعت أو أداة استثناء أو نفي كما أنه يفيد المغايرة مطلقا في حين أن لفظ "الآخر" يظل مرتبطا بجنس ما تقدمه .

ب - في اللغة الفرنسية :
الغير Autrui في اللغة الفرنسية مشتق من الجذر اللاتيني Alter الذي يعنى الآخر Autre وقد يبدو من هذا بأن الغير هو الآخر - كما هو الحال عند العامة وفى اللغة العربية - ولكن الأمر ليس كذلك. يقول معجم روبيرRobert« الغير هم الآخرون من الناس بوجه عام» والآخر هو« من ليس نفسر الشخص وما ليس نفس الشيء...» ومن هنا نستنتج بأن لفظ الغير مخالف للفظ الآخر( في اللغة الفرنسية ) : إذ أن الغير يشير إلى الشخص الآخر إلى الأنا الآخر إلى إنسان غيري أنا في حين أن الآخر يشير إلى أي شخص غيري مثلما قد يشير إلى أي شيء آخر : فالآخر إذن أوسع من الغير. فلفظ الآخر في اللغة اللاتينية وبالأخص في الفرنسية يحمل معنى قويا يحيل على الاختلاف بمختلف درجاته: من درجة التباين والتمايز إلى درجة التعارض والتناقض الجذري. أما في اللغة العربية فلا فرق بين الغير والآخر بالإضافة إلى أن الآخر عند العرب يشير فقط إلى أحد اثنين دون أن يعنى ذلك أن بينهما اختلافا وبالأحرى تناقضا.

3) الدلالة الفلسفية:
في معرض تحديده للغير يقول الدكتور مراد وهبة في معجمه الفلسفي« غير : أحد تصورات الفكر الأساسية ويراد به ما سوى الشيء مما هو مختلف أو متميز» ويقول غيره بأن « الغير هو آخر الأنا منظورا إليه ليس بوصفه موضوعا بل بوصفه أنا آخر» أو بعبارة سارتر « الغير هو الآخر أي الأنا الذي ليس أنا » فالغير إذن أنا آخر, أنا غيري أنا . أما الآخر فهو على حد تعبير لالاند Lalande « أحد المفاهيم الأساسية الأولى للفكر ومن تم فهو غير قابل للتعريف» إذ هو من اللامعرفات Indéfinissable والآخر حسب أرسطو لا يتحدد إلا بوصفه « مقابلا للهو هو Le même بحيث أن كل شيء هو بالنسبة إلى كل شيء إما مطابق له هو هو Mêmeوإما مخالف Autre » وفى هذا يقول ابن رشد « إن الذي يقابل الواحد من جهة ما هو هو هي الغيرية » بمعنى أن الشيء الواحد هو هو( الهوية / العينية) والذي يقابله شيء غيره ( الاختلاف / الغيرية ) . فالآخر إذن هو المخالف للهو هو, هو المباين للأنا, هو ببساطة أنا آخر أنا غيري أنا . إذ أن كل أنا هو آخر بالنسبة للآخر وكل آخر هو أنا بالنسبة لذاته .

4) مفارقات وتساؤلات إشكالية:
نستنتج مما سبق (انظر درس الشخصية ) أنا الأنا في معناه الفلسفي هوا لذات المفكرة , و في معناه السيكولوجي هو الوعي, والأنا بصفة عامة ذات Sujet تقابل موضوعا Objet أو الشيء المادي الخارجي , كما أن الأنا من حيث هي كيان قائم بذاته مستقل عن غيره تتمتع بالعقل و الحرية والإرادة والتلقائية و القصدية و الفاعلية ... و من ثم فهي ذات دلالة أخلاقية قيمية تستدعي الاحترام الكامل لشخصها ( شخصيتها ) .
ولكن , إذا كانت المعرفة علاقة بين ذات Sujet épistémique عارفة وموضوع تراد معرفته Objet de la connaissance أفلا نحيل الغير باعتباره أنا آخر أي باعتباره ذاتا مستقلة عنا إلى موضوع معطى أمام ذاتنا حين نستهدف معرفته ؟ ثم كيف يمكن التأكد من وجوده كأنا إذا كنت لا أعرفه إلا كموضوع ؟ وإذا كانت كل ذات في حد ذاتها هوية متميزة فكيف يمكن أن يتحقق التواصل بين مختلف هذه الذوات المتباينة ؟ ألا تتخلى الذات ( الأنا ) عن شيء من هويتها حينما تتواصل مع الغير ( الأنا الآخر ) أو أنها تدفع بهذا الأنا الآخر ( الغير ) إلى التضحية بشيء من هويته بغية التواصل معها ؟ كيف يمكن التواصل بين الأنا والغير باعتباره أنا آخر رغم الحواجز والوسائط المادية والثقافية المتباينة التي تحول دونهما ؟ فهل بالإمكان ردم الهوة الفاصلة بين الأنا والأنا الآخر دون استلاب أو عنف أو تشيييء ؟ تلك و غيرها هي إشكالية هذا الدرس...

II. وجود الغير :

1) في الفلسفة اليونانية :
طرحت الفلسفة اليونانية إشكالية الغير أو بالأصح الآخر طرحا وجوديا ( أنطولوجيا Ontologique) ميتافيزيقيا Métaphysique وذلك من خلال مفهومي الهوية Identité أو الذاتية أو المطابقة ( العينية ) من جهة والاختلاف أو المباينة أو التمايز( الغيرية ) من جهة ثانية . فقد كان هيراقليطس ( 540-475 ق.م ) يرى بأن « الأشياء في تغير متصل » ف« أنت لا تنزل النهر الواحد مرتين إذ أن مياها جديدة تجري من حولك أبدا » بل« نحن ننزل النهر ولا ننزل (من حيث أن مياهه تتجدد بلا انقطاع ) ونحن موجودون وغير موجودين ( من حيث أن الفناء يدب فينا في كل لحظة ) » « فالشقاق أبو الأشياء وملكها» ومعنى هذا أن التغير والتمايز والاختلاف شريعة الوجود إذ أن ذاتية الشيء وما به هو هو تتغير باستمرار و من ثم فلا وجود لهوية أو ماهية أو خصائص ثابتة : فالأنا هو في الوقت ذاته لا أنا أو آخر والآخر هو في الوقت ذاته لا آخر .
وعلى العكس من هيراقليطسر ركز بارمينيدس ( 549- ؟ ق . م ) على أن الوجود وحدة وتجانس وسكون « فالوجود موجود و اللاوجود ليس موجودا» والمراد أن الشيء الواحد هو هو, أي هو ذاته ( مبدأ الهوية Principe d'identité) ولا يمكن أن يكون هو غيره ( مبدأ عدم التناقض Principe de non contradiction) فالشيء الواحد يظل واحدا في ذاته وصفاته مطابقا لنقسه مفارقا لغيره مخالفا له .
ونفس هذا الموقف سيتبدى في فلسفة أرسطو التي ترى بأن كل موجود - بما في ذلك الإنسان نفسه - يكون بالنسبة إلى ذاته هو هو ( Le même) أي مطابقا لها ويكون بالنسبة إلى الغير آخر (L'autre) أي مخالفا له.
ولكن الآخر في الفلسفة اليونانية لم يتخذ دوما صورة أنا آخر لأن التقابل الذي أسسته هذه الفلسفة كان بين الإنسان من جهة والعالم من جهة ثانية , الشيء الذي جعل الآخر يكون أي شيء غير الأنا ( إلها , طبيعة ,إنسانا ) وليس بالضبط ذاتا إنسانية أخرى ، ولذا كان الأجدر مع اليونان أن نتحدث عن الآخر لا عن الغير ...

2)في الفلسفة الحديثة والمعاصرة :

أ - مع ديكارت :
يتبدى الموقف الديكارتى من وجود الغير ( الآخر ) من خلال الكوجيطو (Le cogito) « أنا أفكر ، أنا موجود » إذ أن الأنا الديكارتي هنا يعيش عزلة أنطولوجية عن الغير حينما يضع نفسه كأنا مفكر لا شك في وجوده مقابل الآخر ( الله والعالم والإنسان ) القابل للشك بل والمشكوك في وجوده أصلا . ومن هنا يكون " الأنا أفكر " هو الحقيقة الوجودية اليقينية الوحيدة والتي لا يسع العقل السليم إلا أن يؤمن بها بكل بداهة ووضوح في حين أن وجود الغير ( الآخر) - حسب هذه الذاتية العقلانية الديكارتية – يظل متوقفا على حكم العقل واستدلالاته . ومن هذا نستنتج بأن "الأنا أفكر" الديكارتي أنا وحدوي موجود ( أنا وحدية Le solipsisme) أنا موجود ليسر فقط قبل وجود الآخر بل و في استغناء عنه بل أكثر من ذلك إن هذا الغير هو الذي في حاجة إلى الأنا لوجوده ، وفى هذا يقول ديكارت : « كيف أجد في ذاتي أنا الحجج والأدلة على وجود الغير, والحال أن إدراك وعي آخر من طرف وعيي أنا ، ينافى معنى الوعي بوصفه حضورا للذات إزاء نفسها؟».
ومن الانتقادات الموجهة إلى الموقف الوجودي - الذاتي - العقلي - الديكارتي هذا نذكر تجاوزا ما يلي :
v المصادرة على المطلوب : ويتمثل هذا في كون ديكارت عوض أن يثبت وجود الأنا ( كمطلب أساسي) فإنه يلتجئ إلى التسليم بوجودها من خلال قوله « أنا أفكر , أنا موجود » فهو هنا لا يثبت وجود الأنا بقدر ما يسلم بوجودها ( أي يصادر عليه ).
v أن " الأنا أفكر" لا بد له من أن يفكر في شيء (موضوع أو كائن ما ) وهذا الشيء أو الموضوع أو الكائن أسبق في الوجود بالضرورة المنطقية ممن يفكر فيه و بالتالي فإن وجود المفكر فيه ينفي عن المفكر أسبقيته في الوجود . وفى هذا يقول مارسيل « لا أملك إدراك نفسي كموجود إلا من حيث أنى أدرك نفسي أنني لست الآخرين , أي أني غيرهم، وأذهب إلى أبعد من هذا فأقول إن من ماهية الغير أن يوجد, ولا أستطيع أن أدركه بوصفه غيرا دون أن أفكر فيه بوصفه موجودا, والشك لا ينبثق إلا بقدر ما تضعف هذه الغيرية في ذهني ».

ب مع هيجيل :
وعلى العكس من الموقف الديكارتي الذاتي يرى هيجل بأن الوعي ( الفكر/ العقل ) – ومن خلاله الأنا - ليس كيانا ميتافيزيقيا مجردا ثابتا مطابقا لذاته مستقلا بها عن غيره ومعطى جاهزا وتاما منذ البدء , بل الوعي عند هيجل كيان يتكون وبنمو و يتمظهر ويتجلى في المعيش اليومي باستمرار انطلاقا من الوجود الطبيعي الحيواني للإنسان إلى أن يصل أعلى درجات التطور ( المطلق ) عبر مختلف لحظات الصيرورة الزمكانية - التاريخية ...
فحين يكون الإنسان مرتبطا بإشباع رغباته البيوفيزيولوجية مباشرة من الطبيعة يكون في الوقت نفسه مجرد جزء لا يتجزأ منها بحيث أن وعيه لذاته حينما يكون منغمسا في الحياة العضوية - الحيوانية , ذا وجود لذاته بسيط للغاية . وحتى يتأتى له تجاوز هذا الوضع الأولي المعطى عليه أن يسعى إلى انتزاع الاعتراف به من طرف الآخر ( الغير ). ولكن انتزاع الاعتراف هذا ليس بالأمر الهين خاصة وأن الأنا والآخر معا يرغبان فيه , ومن هنا فإن تحقيقه يتطلب الدخول في منافسة و صراع جدلي Dialectique يغامر فيه الطرفان معا ( الأنا والآخر ) بحياتيهما , إذ أن كلا منهما سيقدم نفسه إلى الآخر كما لو كان غير متشبث بالحياة رغبة منه في جر الآخر واستدراجه إلى التخلي عن مواجهته واللجوء إلى الاعتراف به . و لكن هذا الصراع لا يمكن أن يستمر إلى مالا نهاية من جهة كما لا يمكن أن ينتهي بموت أحد الطرفين من جهة أخرى وذلك لسببين على الأقل: أولهما أن وراء إظهار المخاطرة بالحياة هناك غريزة حب البقاء والحفاظ على الذات , و الدليل عليها رغبة كلا الطرفين في إثبات وجوده وتحقيق وعيه لذاته. وثانيهما أن موت أحد الطرفين سيحول دون تحقيق الهدف المنشود من وراء هذا الصراع ألا وهو انتزاع الاعتراف بالأنا من طرف الآخر ( الغير ). إذن لا بد من أن ينتهي هذا الصراع بتفضيل أحد الطرفين للحياة على الموت , وحينها سيستلم للآخر و يعترف به . وبهذا تنشأ العلاقة الإنسانية الأولى : علاقة السيد بالعبد , الأول مستقل بذاته موجود من أجلها والثاني تابع للأول وموجود من أجله .
ومن هذا نستنتج - مع هيجل - بأن لا وجود للأنا ( وعى الذات ) والغير ( وعى ذات آخر ) في استقلال عن بعضهما . إذ أن الأنا والآخر ينبثقان من علاقتهما ببعضهما وليس قبلها . ومعنى هذا أن الأنا لا يكون أنا إلا بالعلاقة مع الغير( أنا الآخر ) وإن كانت هذه العلاقة علاقة صراع وحرب . فوجود الغير إذن وجود ضروري لوجود الأنا ولا يمكن اعتباره وجودا جائزا وبالأحرى قابلا للشك كما ادعى ديكارت . وفى هذا يقول هيجل « فبما أن كلا منهما من أجل ذاته فليس هو الآخر . ولكن كلا منهما يظهر في الآخر ولا وجود له إلا بوجود الآخر » .
ونفس هذه النتيجة ينتهي إليها سارتر رغم اختلاف تصوره للعلاقة مع الغير عن التصور الهيجلي يقول سارتر « لكي أتوصل إلى حقيقة كيفما كانت حول ذاتي, لا بد لي أن أمر عبر الآخر ( الغير). إن الآخر لا غنى عنه لوجودي , كما لا غنى لي عنه في معرفتي لنفسي » ولكن إذا كانت معرفة الأنا لذاته تمر عبر الغير ، فهل معنى هذا أن معرفة الغير ممكنة ؟

III. معرفة الغير:
المعرفة على العموم علاقة رابطة بين ذات تتوخى المعرفة وموضوع تراد معرفته, علاقة تتمثل في فاعلية عقل الذات العارفة (Sujet épistémique) تجاه موضوع المعرفة (Objet de la connaissance) حيث يشكل الموضوع - ماديا كان أو معنويا - مجال النشاط الفكري الإدراكي للذات . فالموضوع إذن ينتصب ككيان / كشيء منفصل عن الذات مقابل لها بل إنه نقيضها : إذ تتصف الذات كأنا بالوعي والحرية والإرادة و القصدية و التلقائية والفعالية ... في حين أن الموضوع فاقد لهذه المميزات والخصائص كلها. وإذا كان المراد معرفته هنا هو الغير ( الأنا الآخر ) فهل هو قابل للمعرفة بهذا المعنى أم لا ؟ هل يمكن اعتبار الغير كمجال للنشاط الإدراكي للذات العارفة موضوعا تنتفي عنه صفات الذات هاته من وعي و حرية و إرادة و قصدية و تلقائية و فعالية ...؟ إن نحن أجبنا بالإيجاب فكيف ذلك ؟ و إن كان جوابنا بالسلب فلماذا ؟ و كيف السبيل إلى معرفته ؟

1 ) موقف سارتر :
وخلاصته أن معرفة الغير ليست بالأمر المستحيل كما أنها ليست بالأمر الهين إذ هي من الصعوبة بمكان, كما أنها ليست موضوعية بل ذاتية , فما تفصيل ذلك إذن ؟
في البدء يعرف سارتر الغير بأنه هو الآخر أو الأنا الآخر أي الأنا الذي ليس أنا . وبين الأنا وما ليس أنا هناك ال " ليس" كنفي يشير إلى العدم , عدم يفصل بين الأنا والغير , عدم يتمثل كهوة لا تعبر , هوة ذات طابع مادي واقعي مكاني (جغرافي) يقاس بالأمتار والكيلومترات أو ذات طابع معنوي نظري فكري (ثقافي) يقاس باختلاف الرؤى و الأفكار والتصورات ... هذا بالإضافة إلى أن الغير يتبدى للأنا مثلما أن الأنا يتبدى للغير كجسم مادي محسوس أي كشيء يدرك شأنه شأن سائر الأجسام / الأشياء .
والنتيجة الخطيرة التي تنحدر منطقيا عن مثل هذا الافتراض هي أن كينونة الأنا لا ينبغي أن تتأثر وتنفعل بكينونة الغير و العكس بالعكس تماما مثلما هي علاقة سائر الأشياء بعضها ببعض. فإذا كانت الطاولة لا تفرح لميلاد الكرسي وهذا لا يحزن لاختفاء الطاولة فإن على الأنا ألا يتأثر لظهور أو اختفاء الغير والعكس صحيح . وبهذا المعنى تصبح علاقة الأنا بالغير لا علاقة إنسانية - بالمعنى المتداول - بل علاقة لاإنسانية ، علاقة حياد أو بالأصح علاقة تشييئية معها يتحجر الأنا تحت نظرة الغير ويتحجر الغير تحت نظرة الأنا , هكذا إذن يصبح كل منا ( الأنا والغير) بالنسبة إلى الطرف الثاني موضوعا تحت المراقبة و المحاسبة والملامة و لربما العقاب . وبهذا المعنى نفهم قولة سارتر المدوية : « الجحيم بالنسبة لي هم الآخرون » .
وهكذا نصل - حسب سارتر - إلى أن معرفة الغير لا تنبني على ما هو عليه كذات تتمتع بالحرية والإرادة و الاستقلالية و الوعي والفاعلية والعفوية والقصدية ... بل تنبني على كيفية تصور الأنا لهذا الغير كموضوع معطى للإدراك الحسي .
وهذا يعنى أن الغير كصورة في ذهني ليس نسخة طبق الأصل الموجود بالفعل أي ليس هو ما هو في الواقع بل هو صورة من رسم الأنا , صورة ملؤها الانطباعات الحسية للذات العارفة , صورة مطبوعة بالذاتية Subjectivité . وفي هذا يقول سارتر : «.. علي أن أكون الغير بوصفه تلك الوحدة التي أضفيها بتلقائيتي ( حساسيتي وإدراكي ) على كثرة متنوعة من الانطباعات الحسية , أي أنني أنا الذي أكون الغير ضمن حقل تجربتي . ولن يكون الغير حيننذ , سوى صورة ( ذهنية ) ...» من وحي الأنا.

2) موقف ميرلوبونثي :
ينطلق ميرلوبونثى في عرض موقفه برفضه لموقف سارتر من علاقة الأنا بالغير مركزا على أنها - في اعتباره - ليست علاقة بين أشياء أو موضوعات بل هي علاقة بين أحياء أو ذوات . ومن ثم فإن نظرة الأنا للغير - والعكس بالعكس - لا يمكن في نظره أن تشل فاعليته وتحد من حريته وتميت تلقائيته وتقضى على إرادته... إلا إذا تقوقع الأنا حول نفسه كذات مفكرة و غض الطرف عن كل ما هو إنساني فيه وأحل الغير كموضوع تحت المجهر شأن فعل العالم إزاء الحشرة في المختبر. فهل الإنسان حشرة أو مجرد شيء ؟ وهل تتم معرفته كما تعرف سائر الأشياء ؟ ثم هل تتحدد إنسانية الإنسان وتتحقق معرفته بذاته وبغيره بالفكر وحده ؟
جوابا على هذه الأسئلة وغيرها يورد ميرلوبونثى مفهوم أو عملية التواصل كظاهرة إنسانية بامتياز , من خلالها وحدها يتمكن الأنا من إدراك الغير - والعكس بالعكس - إدراكا يمر عبر التفهم والتقبل الوجداني العاطفي ذي الطابع الإنساني وليس عبر التحليل والتركيب العقلي الفكري الجاف . فالتواصل المبنى على أساس التعاطف هو وحده الكفيل بخلق التعارف بين الأنا والغير و بين الغير والأنا . ومن هنا فإن الغير بالنسبة للأنا - حسب ميرلوبونثي - يبقى مجهولا ومن ثم متعاليا عن إدراكي ما دام « لم ينبس بعد بكلمة ... لكن ما أن ينطق بكلمة حتى يكف عن التعالي علي : هو ذا صوته وهى ذي أفكاره , هو ذا المجال الذي كنت أعتقد أنه يستعصى علي بلوغه. فلا يعلو كل وجود معين على الآخرين بصورة نهائية إلا حين يبقى عاطلا » أي حين يبقى بعيدا عن الدخول مع الغير في علاقات تواصل , علاقات الاعتراف المتبادل بكل منهما في فرديته وحريته كأنا قائم بذاته ...
والذي نخلص إليه من هذا هو أن هنا كذلك تكون معرفتنا بالغير معرفة ذاتية إذ أنها تتأسس على مشاعر وأحاسيس الأنا تجاه الغير , أي على مدى التعاطف الوجداني أو التنافر العاطفي القائم بينهما . ذلك أنه بقدر معايشة الغير والتعاطف والتواصل معه يكون تفهمه والتعرف عليه.

3 )موقف شيلر :
وهو موقف أطلق عليه شيلر نفسه « اسم " المذهب الإنساني " أو " المذهب الإرادي " كما أسماه بعدئذ. ولقد كانت فكرته الرئيسية هي أن جميع المناشط الإنسانية لا تصاغ و لا تفهم إلا بالرجوع إلى الأهداف الإنسانية , وأن ذلك ليصدق على التفكير صدقه على الفعل » . فإذا كانت علاقة الأنا بالغير علاقة صراع وحرب حسب هيجل , أو علاقة حياد ولا مبالاة حسب سارتر , أو علاقة تواصل وتعاطف وجداني حسب ميرلوبونثى فإن هذه العلاقة حسب شيلر تعرف صعوبة في التحديد نتيجة اعتياد الأنا على اعتبار الغير مجموعة حركات و سلوكات جسمية ظاهرة وكذا مجموعة مشاعر وأحاسيس نفسية خفية . ومن آثر الوقوف على هذه الثنائيات ( جسد / نفسر , ظاهر / باطن , سلوك / مشاعر, سطح / عمق ,خارجي / داخلي , صريح / ضمني ...) لن يستجلي حقيقة الغير كما هي في الواقع. بل سيتيه فيما سيتصوره من مفارقات ناتجة عن هذه الثنائيات ذاتها.
والحل الذي يقترحه علينا شيلر هو اعتبار الغير كلية (Une totalité) لا تقبل التجزيء فهو إذن كل موحد لا يتبعض إلى ثنائيات , ومن ثم فإن مختلف سلوكاته الجسدية (أفعاله و أقواله) حاملة لمقاصده ونواياه النفسية ودالة عليها , فلا داعي إذن إلى اللجوء إلى الاستبطان (Introspection) أو الإستدلال بالمماثلة (Raisonnement par analogie) لمعرفة الغير وفهمه بل يكفى أن نعتبر الغير « موضوعا يكون في ذات الوقت في متناول الإدراك الخارجي والإدراك الداخلي: والواقع أن هذين المحتويين يتعلق أحدهما بالآخر ويترابطان برباط جوهري يستمر ويبقى حتى حين أحاول أن أدرك نفسي ».
وهكذا فالجسد والنفس لا يشكلان ثنائية (كما هو الأمر عند ديكارت) فبالأحرى ضدين بل هما معا شيء أو كيان واحد يعتبر الجسد شقه الخارجي والنفس شقه الداخلي وهما (أي الشقان معا) منسجمان متسقان لا تباين بينهما . ولكن السؤال الذي يظل مطروحا هو: إلى أي حد يمكن اعتبار الجسد من خلال مختلف حركاته وعلاماته مرآة صادقة وأمينة تعكس مشاعرنا النفسية الدفينة دون حيف أو زيف ؟ ألا يمكن للغير أن يسئ التعبير أو للأنا أن يسئ الفهم ؟

4 ) موقف دولوز :
وفى نفس هذا الإطار الرامي إلى تجاوز هذه الثنائيات يرى جيل دولوز بأن الغير ليس مجرد فرد مشخص بعينه بل الغير بنية (Structure) أي نسق منظم من العلاقات والتفاعلات في ما بين الأشخاص / الأفراد كأغيار. وهكذا ففي اعتقاد دولوز « يكمن خطأ النظريات الفلسفية في كونها اختزلت الغير تارة إلى موضوع جزئي وتارة إلى ذات... لكن الآخر ليس موضوعا في حقل إدراكي الحسي , ولا ذاتا تدركني إدراكا حسيا : إنه أولا بنية الحقل الإدراكي , لولاها لما أمكن لهذا الحقل أن يشتغل كما يشتغل بالفعل » . فأنا - مثلا - حينما أدرك الأشياء المحيطة بي لا أستطيع إدراكها كلها من جهة ومن كافة جوانبها من جهة ثانية. وهذا يفترض أن هناك آخرين ( أغيار) يدركون ما يتعذر علي إدراكه وإلا بدت هذه الأشياء وكأنها تنعدم حين لا أدركها وتعود إلى الوجود حين أدركها , وهذا مستحيل . إذن لا بد من وجود الغير لا كذات أو كموضوع بل كشريك لي في إدراك الأشياء ( العالم ) , فهو يوجد كهامش على مجال إدراكي , هاش يحيط بالممكن الإدراكي في مقابل الأنا الذي يحيط بالمدرك الفعلي . وبهذا يكون الممكن الإدراكي تخيليا حين يغيب الغير عن مجال إدراكي وفعليا أثناء حضور الغير وخاصة في وجهه : « فالممكن الإدراكي بالقياس إلى المدرك الفعلي , هو الذي يحدد مفهوم الغير كبنية ».
من هذا كله نستنتج بأن معرفة الغير ليست بالأمر الهين إذ أنها لا يمكن أن تختزل إلى مجرد علاقة ذات بموضوع كما هي علاقة العالم بباقي ظواهر العالم . بل هي علاقة جد معقدة إذ يتخللها النفسي والاجتماعي, الفردي والجماعي, الوجداني والعقلي, الاقتصادي والسياسي... ومن هنا نفهم قولة كارل ماركس « الإنسان هو مجموع العلاقات التي يدخل فيها » وهذه العلاقات تتعدد وتتنوع بتعدد وتنوع الغير ذاته. ومن أوجه العلاقة مع الغير نجد الصداقة والغرابة . فما المراد بهما ؟

IV. الصداقة والغرابة : وجهان لعلاقة الأنا بالغير :

1 ) الصداقة:
بفضل الصداقة ( Amitié ) يصبح الغريب قريبا , إذ أن الصداقة علاقة ايجابية مع الغير؛ علاقة تستقي ماهيتها من دلالة كلمة صداقة ذاتها . فهي تشتق - في اللغة العربية - من الصدق الذي يعنى الحقيقة والصواب وكذا المودة والقوة والكمال. ومنه المثل العربي " صديقك من صدقك لا من صدقك (بتشديد الدال)". و في تعريفه للصداقة يقول الدكتور جميل صليبا في معجمه الفلسفي: « الصداقة علاقة عطف و مودة بين الأشخاص (...) والفرق بينها وبين العشق أن الصداقة متبادلة على حين أن العشق لا يشترط فيه التبادل دائما. ومع أن العشق الإنساني لا يكون على العموم إلا بين الرجل والمرأة, فإن الصداقة قد توجد بين أفراد الجنس الواحد أو بين أفراد الجنسين. أضف إلى ذلك أن الصداقة أصفى من العشق و أقل إثارة منه , و أن العاشق يغار على معشوقه ، و يكره شركة الغير فيه , على حين أن الصديق لا يمنع صديقه من أن يكون له أصدقاء . قال ابن المقفع " إن من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا " , وأن من علامة الأصدقاء أن يتعاونوا و يتواصلوا و أن يؤدي كل منهم إلى أخيه حقه في الطاعة والنصيحة » .
ولكن لماذا الصداقة ؟ ما السر الكامن وراء علاقة الصداقة هاته ؟ ما الذي يجعلنا نميل إلى بعض الأغيار لنجعل منهم أصدقاء ؟ هل هو جلب المنفعة أم تحقيق المتعة أم غرض آخر غيرهما ؟ هل نختار الصديق لأنه مثيلنا أم لأنه خلافنا ؟ وهل نعتبره هدفا في حد ذاته أم مجرد وسيلة ؟
جوابا على هذه الأسئلة وغيرها سنعرض أدناه لموقفين اثنين وهما:

ا_ موقف أفلاطون :
ويتمثل في اعتبار الصداقة علاقة وجدانية ملؤها المودة والمحبة المتبادلة بين الأنا والغير , ومنشؤها حالة وجودية وسطى تتمركز بين الكمال المطلق والنقص المطلق أو بين الخير الأقصى والشر الأقصى : فمن يتصف بالكمال والخير المطلقين (وهو الله أو مثال الخير الأسمى عنده) يكفى ذاته بذاته وليس في حاجة إلى غيره , ومن يتصف بالنقص والشر المطلقين لم يكن في حاجة إلى طلب الكمال والخير ومن ثم لم يكن في حاجة إلى الغير ( الصديق) . أما من كان يتصف بقدر ما من الخير ومعه يعتريه نقص ما فإنه سيسعى لا محالة إلى طلب خير وكمال أسميين , وذلك لسد حاجته إليهما . ومن هنا كانت الصداقة وسيلة الخير / الناقص إلى استكمال نفسه وكان الغير كصديق مكملا للأنا . فنحن نبحث في الصديق عما نتجاوز به النقص الحاصل فينا, فالصداقة إذن رغبة في الكمال و وسيلة لتحقيقه.

ب - موقف أرسطو :
إذا كان أفلاطون قد حدد الصداقة من حيث هي علاقة حب أفلاطوني في كونها وسيلة للسمو الأخلاقي والكمال الروحي فإن أرسطو يرجع في تحديده للصداقة إلى واقعها المعيش كتجربة حياتية يومية ليجد بأنها على الأقل ثلاثة أنواع و هي : صداقة الفضيلة ( الخير ) و صداقة المنفعة ثم صداقة اللذة ( المتعة ) .
فأما في النوعين الأخيرين فإن الأنا لا يحب شخص الصديق ( الغير) بل يحب ما يجنيه من وراء صداقته من منفعة و متعة, والصداقات التي هي من هذا القبيل دنيئة و واهية إذ تنقضي بانتفاء الحاجة التي تلبيها خاصة وأن هذه الحاجات دائمة التقلب والتغير.
وأما صداقة الفضيلة (الخير) فهي الصداقة الكاملة - الدائمة. إذ هي صداقة تتوخى تحقيق الخير للأنا وللغير على السواء : عندها تلتقي الأنانية (Egoïsme) بالغيرية (Altérisme) مثلما يلتقيان عند الأم التي تتألم لوجع ابنها كما تتألم لوجعها . وهذه الصداقة ناذرة نذرة الفضيلة ذاتها . إذ لو سادت بين الناس لما احتاجوا إلى قاضى يفصل بينهم ولا إلى حاكم يسير أمورهم و لا إلى عسكر يحميهم.
ولكن هل المجتمع الإنساني مجتمع أصدقاء فقط ؟ ألا يوجد فيه غريب بل وحتى غرباء ؟ صحيح أن الغريب غير ولكن من يا ترى يكون هذا الغير- الغريب ؟

2) الغرابة :
إن المجتمع الإنساني لا يخلو من الغير / الغريب إلا إذا كان مجتمعا قبليا- عشيريا منغلقا على نفسه كما كان حال العرب في الجاهلية أو مجتمع المدينة-الدولة كما عرفته اليونان قبل الميلاد ( نموذج أثينا وسبارتا وغيرهما ) . أما حينما نتحدث عن المجتمع الإنساني بمفهومه المدنى الحديث والمعاصر فإننا لا بد وأن نتوقع وجود الغير ( الغريب) كمكون من مكوناته بل إن دائرة الصداقة والأصدقاء فيه تكون جد ضيقة ومحدودة بالمقارنة مع جيش الأغيار (الغرباء) اللذين يكونونه .
ولهذا فإن لفظ الغريب (Etranger) يحتمل عدة دلالات بالقياس إلى الذات الفردية ( الأنا ) من جهة وإلى الذات الجماعية (النحن) من جهة ثانية . فهو - أي الغريب - في معناه العام والمجرد : النكرة والمجهول وغير المألوف والغامض والمخيف والمهمش ... وهو في معناه الإجرائي المشخص: كل من يتطفل على فرد أو جماعة معينة لا تربطه بها أي علاقة محدثا بذلك ضيقا وحنقا لدى الفرد أو خللا وتصدعا لدى الجماعة فيتغير بوجوده شيء من حال الفرد أو الجماعة. فيكون الغريب هنا هو ذلك الدخيل / الدسيس الذي غالبا ما تسعى الجماعة إلى تدميره و إقصائه وفى أحسن الأحوال تهميشه وعدم الاكتراث به رغبة في استعادة توازنها واستقرارها من جديد .
ولكن مثل هذا المعنى المعطى للغريب يستدعي أن يكون الأنا (كذات فردية) كلا موحدا متجانسا لا انشطار فيه ولا اختلال حتى يتأتى القول بعدئذ بأن الغريب قد شق هذه الوحدة و زعزع هذا التوازن , فهل الأمر كذلك بالنسبة للأنا ؟ ألا يمكن القول مع كريستيفا وفرويد بأن « الغريب يسكننا على نحو غريب » ؟ ألا يشكل اللاشعور حسب فرويد آخرا / غيرا / غريبا يسكننا بشكل غريب ودون استشارتنا بل ويفعل فعله فينا ويجعلنا غرباء عن أنفسنا ؟
و نفس هذا المعنى المعطى للغريب - أعلاه - يتطلب أن تكون الجماعة - المفترض زعزعة استقرارها من طرف الغريب - جماعة متجانسة ومتزنة ومستقرة, ولكن هل الأمر كذلك بالنسبة لمختلف الجماعات الإنسانية ؟ ألا يمكن للجماعة مهما كانت قوة تماسك أفرادها والتحامهم أن تحمل بداخلها غريبها منها قبل أن يقتحمها أجنبي غريب عنها ؟ إذا كان الواحد منا يحمل بداخله غريبه فلما لا تحمل الجماعة ذاتها غرييها بل و حتى غرباءها ؟
حينما نصل إلى مثل هذا الاستنتاج يحق لنا أن نقول : هل من الصائب أن نتخذ من الغير / الغريب موقف التهميش والعداء والإقصاء و لربما الحرب والتنحية الجسدية ... أم موقف القبول والحوار و التسامح والاحترام ؟ إذا كان الغريب بالنسبة للأنا هو الغير أو الأنا الآخر فقد يكون الأنا ذاته غريبا بالنسبة للأنا الآخر ( الغير) , أفلن يتمنى الأنا في مثل هذه الحالة أن يعامل معاملة حسنة ؟ لم لا نعامل الغير (وبالأخص الغريب) مثلما نود أن نعامل أي المعاملة بالمثل على أقل تقدير؟
من هذا يتبدى لنا بأن الموقف من الغريب يجب أن يكون موقفا ايجابيا , موقفا مؤسسا على قبوله والتحاور والتسامح معه واحترامه ولم لا الدفاع عنه ؟ فإذا كان الوجود البشري الفردي ( الأنا ) والجماعي (النحن ) وجودا ناقصا إذ هو دوما في حاجة إلى الغير الذي يغنيه وينميه بتجربته وعطاءاته على جميع المستويات فإن الحوار مع الغير (القريب والغريب) لن يكون إلا مفيدا للأنا وللأنا الآخر على حد سواء شريطة احتفاظ الأنا والأنا الآخر باستقلالية كل منهما وهويته واختلافه وتميزه وإلا انعدمت الإفادة والاستفادة .




 
تفاعلات الأصدقاء

0000-00-00
rami

مقال ممتاز
the_bigboss007@live.fr


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 960420 :: Aujourd'hui : 25 :: En ligne : 5