قيمة مفهوم اللاشعور
 
2009-10-24   

 


معنى اللاوعي عند فرويد

يمثّل اللاشعور عند فرويد واقعا ديناميكيا يرتبط بتجربة العلاج الإكلينيكي، و يتكوّن اللاّشعور منالمحتويات النفسية المكبوتة، و يمكن أن يصبح معلوما من قبل الوعي عندما يقع تجاوز المقاومة بفضل التحليل النفسي الذي يظهر المعاني اللاواعية لبعض الإنتاجات النفسية.
و فرضية اللاشعور هي فرضية ضرورية، ذلك أن المعطيات النفسية هي في غالب الأحيان ذات فجوات، والعلاج يؤدي إلى افتراض محتويات لاشعورية يمكن أن تفسّر الأمراض العصابية و ربّما الذهانية أيضا. و يتمظهر اللاشعور بشكل ملتو في الشعور، ذلك أن هفوات الأفعال و زلات اللسان و الأحلام و الإبداعات الثقافية تمثل انبجاس اللاشعور في الحياة اليومية. فهفوات الأفعال هي أفعال تخطئ هدفها و قصدها و تعبر عن شيء آخر مخالف لها، ذلك هو حال أخطاء الكتابة أو تكسير الأشياء... فهي كلها أفعال يجب تناولها بجدّية و نكشف معانيها و وظائفها، إذ تظهر لنا الأسرار الأكثر حميمية التي يسعى الفرد إلى إخفائها، و تثبت وجود الكبت لدى الفرد. أما الأحلام فهي متنفس اللاشعور، ذلك أن فرويد يجد في الحلم معنى و يؤوّل محتواه الظاهر، إذ يولّد معاني لاواعية يوضّح بها معطيات الحلم التي تبدو لاعقلانية. فما يضيفه فرويد هو إذن، المحتوى الكامن أو فكرة الحلم، بحيث يصبح الحلم عقلانيا، إذ هو، من هذا المنطلق التأويلي، إشباع مقنّع لرغبة جنسية مكبوتة، و ما يهم في تأويل الأحلام يتمثّل فيما هو مخفي : معنى الأفكار الكامنة و المقنّعة للحلم.
و هكذا أظهر فرويد المعنى الخفي لسلوكاتنا و أزاح الوعي عن مركزيته، فالوعي ليس إلاّ حالة مؤقتة من حياتنا النفسية غيابها أكثر من حضورها.




تأملات نقدية في اللاوعي :
لقد عاش الفكر الفلسفي طيلة قرون مختزلا الإنسان في بعده الواعي، و حتى المحاولات الفلسفية لبيان حدود الوعي ( الحد الاجتماعي مع ماركس، و الحد الانفعالي مع نيتشه ) لم تنتهي إلى إقرار اللاوعي كمكوّن من مكونات الحياة النفسية للإنسان. لذلك فإن اكتشاف اللاشعور مع فرويد أدى إلى "رجّة" الوعي الفلسفي، على حدّ عبارة ريكور.
إذ يبدو أن البحث المتواصل عن الدواعي اللاشعورية للفعل الإنساني محرجا للفلسفات الذاتية التي تتأسس على فكرة الحريّة، و محرجا للوعي الأخلاقي، لأننا عندما نضخم اللاشعور نذهب ضد الأخلاق. و من هذا المنطلق حذّر آلان من المزالق التي قد يؤدي إليها الإقرار باللاشعور كاللامسؤولية و عفوية الوعي. أما سارتر فقد ذهب إلى أبعد من التحذير، إذ رفض أن يجعل من اللاشعور سبب اختياراتنا، فليس لنا، حسب سارتر، أن نبحث عن أعذار لأفعالنا و أن نختفي وراء اللاشعور. إذ أن سارتر رفض اللاشعور في " الوجود و العدم " و أرجعه إلى سوء النيّة أي كذب الذّات على ذاتها.
إلاّ أن ريكور لا ينخرط في هذا المدّ المناهض للتحليل النفسي و دعا الفلسفة إلى ضرورة مراجعة فهمها للإنسان انطلاقا من جدلية الوعي و اللاوعي، و تجاوز مجرد اللّفظ للاشعور. فحتى لو فرضنا أن اللاشعور يقحم القدرية في حياة الإنسان بما أنه يفرض عليها حتمية مطلقة تجعل من اللاوعي مرادفا لقدر يفعل دون هوادة في حياته، و حتى لو فرضنا أن اللاوعي يهدم الوعي الأخلاقي، فإن ذلك لا يجب أن يحجب علينا التمشّي الفرويدي الذي يظهر أخلاقيا في معنى ما، ذلك أن العلاج يهدف إلى ترميم حرّية حادت عن طريقها. و من هذا المنطلق دعا ريكور إلى إقامة أنتروبولوجيا فلسفية تضطلع بجدلية الوعي و اللاوعي تقوم على أساس دراسة إبستيمولوجية للتحليل النفسي.


اللا شعور عند فرويد 

 

ها إن الناس جميعا أو يكادون ، يتفقون على إكساب كل ما هو نفسي سمة عامة تعبر عن جوهره ذاته ، وهذا أمر غريب . هذه السمة الفريدة ، التي يتعذر وصفها ، بل هي لا تحتاج إلى وصف ، هي الوعي. فكل ما هو واع نفسي ، وعلى عكس ذلك فكل ما هو نفسي واع . وهل ينكر أمر على هذا القدر من البداهة ؟ ومع ذلك فلنقر بأن هذا الأسلوب في النظر قلما وصّح لنا ماهية الحياة النفسية إذ أن التقصي العلمي يقف ههنا حسيرا ، ولا يجد للخروج من هذا المأزق سبيلا . (...) فكيف ننكر أن الظواهر النفسية خاضعة خضوعا كبيرا للظواهر الجسديُة ، وأنها على عكس ذلك تؤثر فيها تأثيرا قويا ؟ إن أرتج الأمر على الفكر البشري ، فقد أرتج عليه يقينا في هذه المسألة ، وقد وجد الفلاسفة أنفسهم مضطرين ، لإيجاد مخرج ، إلى الإقرار على الأقل بوجود مسارات عضوية موازية للمسارات النفسيّة ومرتبطة بها ارتباطا يعسر تفسيره (...) وقد وجد التحليل النفسي مخرجا من هذه المصاعب إذ رفض رفضا قاطعا إن يدمج النفسي في الواعي . كلا ، فليس الوعي ماهية الحياة النفسية ، وإنما هو صفة من صفاتها ، وهي صفة غير ثابتة ، غيابُها أكثر بكثير من حضورها .
(...) ولكن يقي علينا أيضا أن ندحض اعتراضا . فرغم ما ذكرناه من أمور يزعم فريق من الناس أنه لا بجدر بنا أن نعدل عن الرأي القائل بالتماهي بين النفسي والواعي ، إذ أن المسارات النفسيّة الني تسمى لا واعية قد لا تكون سوى مسارات عضوية موازية للمسارات النفسية. ومن ثمّ فكأنّ القضية التي نروم حلها لم تعد إلا مسألة تعريف لا طائل تحتها (...) فهل من باب الصدفة المحض أننا لم نصل إلى إعطاء الحياة النفسية نظرية جامعة متماسكة إلا بعد أن غيّرنا تعريفها ؟
وفوق هذا علينا أن نتجنّب الاعتقاد بأن التحليل النفسي هو الذي جدد نظرية الحياة النفسية هذه .(...) فقد كان مفهوم اللاشعور يطرق منذ أمد طويل باب علم النفس ، وكانت الفلسفة كما كان الأدب يغازلانه ، ولكن العلم لم يكن يعرف كيف يستخدمه . لقد تبنى التحليل النفسي هذه الفكرة ، وأولاها كل عنايته وأفعمها بمضمون جديد . ولقد عثرت البحوث التحليليّة النفسيّة على خصائص للحياة النفسيّة اللاواعية لم تكن قبل ذلك متوقعة ، وكشفت بعض القوانين التي تتحكم فيها . ولسنا نقصد من ذلك أن سمة الوعي قد فقدت من قيمتها في نظرنا. فما زال الوعي النور الوحيد الذي يسطع لنا ويهدينا في ظلمات الحياة النفسية . ولما كانت معرفتنا ذات طبيعة مخصوصة ، فان مهمتنا العلمية في مجال علم النفس ستتمثل في ترجمة المسارات اللاواعية إلى مسارات واعية حتى نسد بذلك ثغرات إدراكنا الواعي .
فرويد
" مختصر في التحليل النفسي "

التحليل


العقلانيّة العلميّة

عقلانيّة العلوم الإنسانيّة
( علم النّفس نموذجا )



1. شروط إمكان قيام علم النّفس:

ب. إنشاء المفاهيم:

النّص/السّند:
" قيمة مفهوم اللاّشعور ". فرويد.
( انظر النص )



التّخلّص:

أثبت كانغيلام، في النّص السّابق، أنّه رغم كون تحديد الموضوع يمثّل شرطا ضروريّا و لازما لقيام العلم، فانّ علم النّفس يجد حرجا و مشكلا حقيقيّا في التّعرّف على موضوعه.

فإذا كانت شروط العلم الموضوعيّة تضع علم النّفس في إشكال، فهل يمكن تجاوز هذا الإشكال بفضل الإقرار بقدرة العلم على إنشاء مفاهيمه الخاصّة ؟

الأطروحة: انّ إنشاء مفهوم اللاّشعور ضرورة يمليها مطلب تكوين معرفة علميّة منسّقة و متماسكة تتوافق مع الواقعة النّفسيّة.

الإشكالية: ما الذّي يبرّر إنشاء مفهوم اللاّشعور في إطار علم النّفس ؟

بنية النّص المنطقيّة:

1) عرض المفهوم الذّي يقترحه الفلاسفة حتّى يفسّروا الظّاهرة النّفسيّة: الوعي.
2) الإشارة إلى المآزق النّظريّة التّي يؤدّي إليها هذا المفهوم الفلسفي.
3) التّأسيس لمفهوم علمي بديل: اللاّوعي.
4) الردّ على الاعتراض الفلسفي على مفهوم اللاّشعور
5) إبراز التّحوّل الذّي فرضه التّحليل النّفسي في مفهوم اللاّشعور من دلالته الفلسفيّة إلى دلالته العلميّة.
6) تحديد المكاسب النّظريّة و العمليّة التّي يضمنها الاعتماد على هذا المفهوم.

تفكيك عناصر التّحليل:

1. تعريف المفهوم العلمي.

2. دواعي الإنشاء العلمي لمفهوم جديد.

3. أهمّية المفهوم الإجرائية.



التّحليل:


1. تعريف المفهوم العلمي:

انّ المفهوم العلمي تجريد نظري يمكّن من نقل الواقعة المتفرّدة، المخصوصة، الجزئيّة و العينيّة و المتغيّرة، إلى مستوى التّمثّل الشّمولي، الثّابت و المجرّد. و يمثّل المفهوم، بالنّسبة إلى العلم، أداة لا غنى عنها تحدّد إمكانية التّوصّل إلى حقيقة الظّواهر المدروسة. فلا يقوم علم دون أن ينشأ مفاهيما بها يكون قادرا على تجاوز الطّابع المختلط و المتغيّر للوقائع المدروسة. يشكّل " الوعي "، حسب فرويد، في هذا النّص، المفهوم الذّي اقترحته الفلسفة حتّى تفهم الظّواهر النّفسيّة عند الإنسان.



2. دواعي الإنشاء العلمي لمفهوم جديد:
( التّخلّي عن مفهوم الوعي)

• المشكل1: لقد ماهى فلاسفة الوعي ( ديكارت، كانط )، بين النّفسي و الواعي، و اعتبروا أنّ الوعي هو ماهيّة الحياة النّفسيّة، و ما الأنا سوى وعي الذّات بذاتها و تحكّمها في وعيها تحكّما تامّا.

كلّ ما يصدر عنّا من أفعال إنما هو يعبّر عن إرادة الوعي و قصديّته.

يتأسّس هذا التّصوّر الفلسفي للوعي على تمييز جذري بين النّفس و الجسد، بحيث يصعب تفسير التّأثير المتبادل بين هذين الجوهرين.

• المشكل2: هناك العديد من الأفعال التّي يفشل مفهوم الوعي في توضيحها و فهمها، بحيث يقع الحكم بكونها أفعالا غير معقولة، و هي زلاّت اللّسان، الأحلام و الأعراض الهستيريّة.

إغفالها يدلّ حسب فرويد على أنّ المفهوم الذّي تعتمد عليه النّظريّة النّفسيّة غير قادر على فهمها.

• المشكل3: تعثّر الأبحاث النّفسيّة التّي حاولت تجاوز المآزق التّي يؤدّي إليها مفهوم الوعي دون التّخلّي عنه ( البحث النّفسي الفيزيولوجي ). ففرويد يرفض زعم علماء النّفس الفيزيولوجيّين الذّين يقرّون بالتّماهي بين النّفسي و الواعي، فمع أنّهم يقرّون بوجود أفعال لا واعية، فانّهم ينسبونها إلى أسباب عضويّة.
ماضي المفهوم العلمي:?

لم يشرع التّحليل النّفسي في إنشاء المفاهيم إلا بعد أن دحض كلّ المواقف السّابقة، سواء كانت فلسفيّة أو علميّة. و يعترف فرويد بأنّه لم ينشأ هذا المفهوم من عدم بل استلهمه من فلاسفة سبقوه لم يحسنوا توظيفه و توجيهه في إطار المعرفة العلميّة. و تعتبر فلسفة نيتشه أيضا من أهمّ الفلسفات التّي " طرقت باب علم النّفس " و غازلت مفهوم اللاّشعور. فنيتشه يؤكّد زيف الوعي و وهميّة مقولة الأنا، مبيّنا بالمقابل دور الجسد و ما ينطوي عليه من رغبات و أهواء سمّاها " الهو ". " انّك تقول أنا و أنت فخور بهذه الكلمة، غير أنّ هناك ما هو أعظم منها و هو ما ترفض تصديقه ألا و هو جسدك و عقلك العظيم ". ( نيتشه ). و يقول نيتشه أيضا: " انّ وراء أفكارك و مشاعرك، يا أخي، يقوم سيّد جبّار و حكيم مجهول هو " الهو " الذّي يسكن جسدك، بل هو جسدك ".

تبنّى فرويد هذا المفهوم " للهو " النّيتشوي أو لعقل الجسد و أضاف له مضمونا جديدا، فتحوّل المفهوم بذلك من مفهوم فلسفي إلى مفهوم علمي دقيق يعبّر عن واقعة نفسيّة محدّدة.


3. أهمّية المفهوم الإجرائية:

تمكّن فرويد، بواسطة مفهوم اللاّشعور، من:

• تكوين نظريّة علميّة في الجهاز النّفسي قادرة على أن تفسّر نموّ و تكوّن شخصيّة الإنسان منذ طفولته، و ذلك بطبيعة الحال من خلال تحديد علاقة هذا المفهوم بمفاهيم علميّة أخرى ( اللّيبيدو، الإعلاء، الكبت الخ..).

• و مكّن هذا المفهوم المركزي، في مدرسة التّحليل النّفسي، من أن يحدّد مأتى زلاّت اللّسان، و من أن يقدّم تفسيرا علميّا للأحلام و كذلك من تفسير عدّة أنواع من السّلوكات الشّاذّة، مثال: السّاديّة Sadisme ( الالتذاذ بإيلام الغير )، و المازوشيّة ( الالتذاذ بتحمّل الألم ).

• و لم يكتف التّحليل النّفسي بهذا الجانب النّظري أي بالتّفسير بل هو وفّر بالأساس تقنية للعلاج النّفسي متمثّلة في " ترجمة المسارات اللاّواعية إلى مسارات واعية ". أي حمل المريض على التّفطّن إلى تلك الدّيناميّات و الآليّات اللاّشعوريّة التّي شكّلت سبب مرضه النّفسي.

ملاحظة: ليس اللاّشعور سوى فرضيّة علميّة مكّن توظيفها من تفسير حياتنا النّفسيّة و من العلاج النّفسي.

لا يعدّ اللاّشعور، إذن، واقعة مرئيّة و معطاة، بل هي إنشاء ذهنيّ نظريّ يمكّن من الفهم العلمي.

المرجع:

http://www.edunet.tn/ressources/resdisc/philo/philoelev/Livre/Lettres/Rs/Rsh/txt3.htm




 
تفاعلات الأصدقاء

0000-00-00
siham

merci pour ce sujet ;)
soha_sisi@hotmail.fr


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2020472 :: Aujourd'hui : 859 :: En ligne : 9