البحث في الموقع
آخر التعليقات
خلدونيات

ا

فصل في أن الظلم مؤذن بخراب العمران

علم أن تحريم الظلم مما علم من الدين بالضرورة ، فقد حرم الله الظلم على نفسه ، وحذر عباده من الظلم ، وحذر من الركون إلى الظالمين فقال ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون )( هود : 113)

وحذرنا رسول الله صلى اله عليه وسلم من الظلم، وأخبرنا أن الظلم ظلمات يوم القيامة ، وأن من ظلم قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة .وأدلة تحريم الظلم في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر ، والحكمة في تحريم الظلم هي : "ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه . "

وانظر في ذلك ما يحكى أن أحد ملوك الفرس استمع إلى أصوات بوم فسأل الموبذان – وهو صاحب الدين عندهم - عن معنى ما تقول؟ فقال له : إن بوما ذكرا أراد نكاح بوم أنثى وأنها شرطت عليه عشرين قرية من الخراب ، فقبل شرطها ، وقال لها: إن دامت أيام الملك أقطعتك ألف قرية ، فتنبه الملك من غفلته وبدأ في إصلاح الأمور.

والسبب في كون الظلم مؤذنا بخراب العمران أن إحساس الإنسان بالعدل ، وثقته في أن المحسن يلقى جزاء إحسانه ، وأن المسيء يلقى جزاء إساءته ، وأن الحقوق مضمونة ، والاعتداء عليها مرفوض ، وأن القضاء يفصل بين المتنازعين بالعدل ، وأن السلطان يخضع لحكم الحق ، وأن الضعيف قوي حتى يسترد حقه ، والقوي ضعيف حتى يؤخذ منه الحق ،كل ذلك يجعل أهل العمران يجِدُّون ويجتهدون في السعي في المصالح ، فتُعْمَرُ الأرضُ ،وتُخْصِبُ البلاد ، ويُجْبَى المال إلى السلطان أوفر ما كان .

واعتبر في ذلك ما قال القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج وهو يخاطب هارون الرشيد قال :

" إن العدلَ وإنصافَ المظلوم وتجنبَ الظلم ، -مع ما في ذلك من الأجر- يزيد به الخراجُ ،وتكثر به عمارةُ البلاد . والبركةُ مع العدل تكون وهي تُفقَد مع الجور ، والخراجُ المأخوذ مع الجور تنقص البلاد به وتَخرَب ، هذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يَجبي السواد – مع عدله في أهل الخراج وإنصافه لهم ، ورفعه الظلم عنهم - مائة ألف ألف . "

وعلى العكس من ذلك ، إذا علم العامل أن الظلمَ هو السائد ، وأن هضمَ الحقوق هو الأمر المتبع، وأن الصدقَ والأمانةَ والاستقامةَ والإنجازَ والسعيَ في أمور العامة ، أمور تقصى صاحبَها ولا تقرِّبه وتعزِله ولا تُولِّيه وتشكك فيه ولا تُوثِّقه – والسلطان كالسوق ما نفق فيه جلب إليه – فكيف تُجْلَبُ الأخلاقُ بعد ذلك إلى هذا السلطان ، وإذا لم يُجلَبْ إلى ولى الأمر إلا الكذبُ والخيانةُ والفسوقُ و محاباة أهل المال والجاه ، ولَبسُ الحق بالباطل فكيف يقوم العمرانُ وكيف لا تأذن الدولة بالانهيار ؟

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وإذا علم الطالبُ المجتهدُ أن تفَوُّقه ليس سببا كافيا لتكريم السلطان له ، وتحمُّل نفقات إكمال تعليمه ، وأن أبعد الطلاب عن الجد ، وأقلَّهم اهتماما بالعلم ، يمكن أن يحظى بما لا يحظى به المجُِدُّ المجتهد ، وأنه لا فرق عند أولي الأمر بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون ،حينئذٍ تضعُف الهمم عن طلب العلم ، و تتقاصر عن تحصيله ، ويظل الأمر في انحدار ، وكفى ذلك خرابا للعمران ،

وإذا علم القاتل والسارق والخائن والمعتدي والغاصب أن حدَّ الشرع لن يُنفَّذ ، وأن شفاعةً ظالمةً من وجيه عند السلطان كافيةٌ لإيقاف حكم القاضي ، فكيف يرتدع المجرم؟وكيف تأمن البلاد ؟ وإذا لم تأمن البلاد فكيف يطمئن أصحابُ الكسب على مالهم ؟وكيف يستمرون في إعمار البلاد وجلْب الأرزاق ؟ " والعدوان على الناس ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرون حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابهُا من أيديهم . "

" ولا تحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من مالكه من غير عوض ولا سبب
كما هو المشهور بل الظلم أعم من ذلك "

- فإلزام المسلم دفع مال لم يُلزِمه الشرع به ظلم ،وصرف المال في غير حقه ظلم ، وتعيين غير الكفء ظلم ،وتبذير المال العام ظلم ، وأخذ الربا ظلم ، ومحاسبة الناس على قول الحق ظلم ، وتشجيع الناس على قول الزور ظلم ، وعدم التسوية بين القوي والضعيف ظلم ، والاستهانة بأرواح الناس ظلم ، وتعطيل الشرع ظلم ، وتقدير الدية بغير ما قدرها الشرع به ظلم ، وعدم تنفيذ أحكام القضاء العادلةظلم ،وإجبار الناس على قبول الظلم ظلم ، وتسخير الرعايا في الباطل وشغلُ أوقاتهم فيما لا يعود عليها بالنفع في العاجل والآجل ظلم " فالأعمال من قبيل المتمولات لأن الرزق والكسب إنما هو قيم أعمال أهل العمران ." والسكوت عن الظلم ظلم ، فكل ذلك من الظلم المؤذن بخراب العمران ( ولا يظلم ربك أحدا )





 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1814538 :: Aujourd'hui : 472 :: En ligne : 5