البحث في الموقع
آخر التعليقات
خلدونيات

 

 المنهــج التربـوي عنـد ابن خــلدون
في ضوء علم اللسان التربوي الحديث - المقدمة أنموذجا


?? أيار (مايو) ????بقلم فاتح زيوان

مقدمة

يعد البحث التربوي من الموضوعات المهمة التي شغلت بال واهتمام الدارسين قديما وحديثا،ونالت القسـط الأوفر من دراستهم،إذ التـربية ليست بعملية خلـق معدومة عنـد الإنسـان،ولكنها صقل وتطوير،وتهذيب لمـا هو موجـود عنده من استعدادات وقدرات؛ فالنتائج الحضارية محصلة من مجتمع عرف ازدهارا وركودا،إقبالا وإحجاما، فشلا أو نجاحا، تعود إلى التربية والتعليم،وإلى القائمين عليها من حيث إدراكهم لمبادئها وقوانينها من ناحية،ومن حيث تطبيقهم لها علميا من ناحية أخرى.

وقد غدت اليوم قضية الإصلاح التربـوي إحدى القضايا المطروحة على كافـة الصعد، العالمية، والإقليمية،والمحلية، وهي ليست بالجديدة على ساحتنا العربية، فقد كان الإصلاح هاجسا ملحـا لدى النخب السياسية والثقافيـة منذ مطلع النهضـة في القرن التاسع عشر، وإن تعددت منظـوراته وتباينت الوسـائل المطروحـة لتحقيقه. غير أن ما شهده العالم في الحقبة الأخيرة فيما صار يعرف ب"العولمة" وما كشفت عنه الأحداث في المجـال العربي،جعـل خطـاب الإصلاح يبـرز من جديد،متفاعلا مع معطيـات العصر ومتغيراته، مشتمـلا على إشكـالات كثيرة، منها الحكم الصالح والديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان والتربية.

وإيمانا منا بالتواصل المعرفي مع الماضي، واحتفـاء بالذكرى المئـوية السادسة لرحيل العلامة"عبد الرحمن بن خلدون" أحد الرموز الفكرية في الحضارة العربية الإسلامية،آترث المساهمة في هذه المجلة العلمية بهذه الورقة،التي تحمل عنـوان "المنهج التربوي عند ابن خلدون في ضوء علم اللسان التربوي الحديث"-المقدمة- أنموذجا".

ونهدف من وراء ذلك إلى استحضار جهـوده التـربوية؛ وذلك بتسليـط الضـوء على منهجه التربوي الذي توخاه في تربية وتعليم النشء.

المنهج التربوي عند ابن خلدون

لاريب أن ابن خلدون يحتل مكانة متميزة في تراثنا العربي والإسلامي،وحتى في الفكر الغربي المعاصر،وينظر إليه على أنه صاحب مشروع ورؤية حضارية خاصة،ولاسيما فيما يتعلق بدراسة التاريخ البشري، والمجتمع الإنساني، والعمـران الحضاري، أضف إلى ذلك عبقريته في الفكـر الاقتصادي والتربـوي والسياسـي وغيرهـا من الحقـول المعرفية،ويشـار إليه صاحب منهجية في النظر والتفكير والبحث والتفسير،مثلث في زمانه قفزة لإبداعية متميزة ووصفت بعض إنجازاته على الأقل بأنها غير مسبوقة، باعتباره مؤسسها، وأنها لم تكن معروفة قبله،فهـو لم يكن غريبا عن مختلف ميادين المعرفة العلمية،بل كان ذا ثقافة موسوعية،لديه إحاطة بالعديد من العلوم،وإلماما واسعا بالعلوم الأخرى،فعلى الرغم من تخصصه بدراسة الظواهر الاجتماعية، وتوصله إلى أنها محكومة بالقوانين والسنن نفسهـا التـي تحكم سلـوك الظواهـر الطبيعية، وإقامتـه لعلاقـة قوية بين البيئــة الطبيعيـة(الجغرافية)، والسلوك البشري والاجتمـاعي والنفسي،وكذا دراستـه للعلوم الإسلامية النقلية-حيث تشهد إسهـاماته بتبحره في علـوم القرآن والسنة والفقه،حتى عد مؤهلا لتولي منصب قاضي قضاة المالكية بمصر،وشهرته عنـد عامة الناس بأنه صاحب الفضل في إرساء قواعد فلسفة التاريخ وصار يذكر في الكتب الحديثة بأنه منشئ علم الاجتماع العمراني،وهذا اعتراف بجزء مما أبدعه الرجل:"فابن خلدون": "يجهل قدره كثير من الناس،بل إنهم يعرفونه على أنه عالم اجتمـاع ليس إلا.ولكن هنـاك من اللسانيين من يجـد في المقدمـة مخزونـا من الاستطرادات الثرية التي تدل على جملة من الأفكار اللسانية التربوية التي لاتقل أهمية عما توصل إليه البحث اللساني واللساني التطبيقي عنـد الغربيين" [1] لم يغفل الرجل عـن تقديم شتى الأفكـار التربوية لرجـال التـربية والتعليـم في عصره، وهي جديرة بالأخذ في عصرنا؛لأنها لاتقل أهمية عما يذهب إليه علم اللسان التربوي الحديث.وهذا بعد نقده اللاذع للطرائق التعليمية التي كانت سائدة في عصره، وكيفية تأدية المعلمين لها:"وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا،يجهلون طرق التعليـم وإفاداته ويحضرون للمتعلم في أول تعليمـه المسائل المقفلة من العلم ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها ويحسبون ذلك مرانا على التعليم وصوابا فيه ويكلفونه رعي ذلك وتحصيله ويخلطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها." [2]

وقد تناول في مقدمته عديـد من العلوم التي صنفها تصنيفات كثيرة،وكان لعلـوم اللسان النصيب الأوفر والجزء الأهم، حيث بنى اللسان العربي على أربعة أركان ورتبها مراتب متفاوتة ومختلفة،بحسب المقاصد التي يقصدها المتكلم: "…وهي: اللغة والنحو والبيان والأدب، ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة..." [3]. جاعلا النحو أولها،فهو الذي له حق التقدم على هذه العلوم المذكورة، إذ هوالموصل إلى صواب النطق،المقيم لزيغ اللسان،المؤدي إلى محمود الإفصاح،يستعـان به في فهم سائر العلوم،وكان لذلك في نفسه أغراض:" والذي يتحصل أن المقدم منها هو النحو، إذ به يتبين أصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول،والمبتدأ من الخبر،ولولاه لجهل أصل الإفادة" [4].

كما حرص المصلح الاجتماعي والتربوي على تحديد منهج خاص بالتربية،ذلك المنهـج الذي لا تختلف أسسه ومبادئه عما يدعـو إليه علم اللسـان التربـوي الحديث،بل يتميز عن المناهج الجديدة ببسـاطته وتدرجه في المعرفة واستنـاده إلى الحفظ والذكر،وتمسكه ببساطة المعلم، وبنظام صارم للثواب والعقاب.

وتظهر معالم منهجه التربوي في الطـريقة الناجعـة التي رسمها في تعليـم الناشئة،وفي تحديده للآداب والشروط الواجب توفرها في المعلم والمتعلم،فقد أكد صراحة أن عملية التعلم والتعليـم طبيعية في العمران البشري، فالإنسـان متميز عن سائر خلق الله بالفكـر الذي يهتدي به، فهو تواق إلى تحصيل ما ليس عنـده من الإدراكات، فينشأ عن ذلك موقف تعلمي. وتقوم عملية التعلم عادة على ثلاثة أعمدة، وهي المعلم والمتعلم والطريقة. وتتحقق الأهداف التربوية والتعليمية بمقدار ما يتوفر لهذا الموقف التعليمي من شروط [5]. ذلك أن التعلم عموما هو"اكتساب العلوم واجتلابها إلى القلب" [6]. قال ابن خلدون:"اعلم أن العلوم البشرية خزانتها النفس الإنسانية بما جعل الله فيها من الإدراك الذي يفيدها ذلك الفكر المحصل لها التصور للحقائق أولا،ثم بإثبات العوارض الذاتية لها أو نفيها عنها ثانيا..." [7].

ومن الصعب الفصل في أي علم بين المنهج والموضوع، فبدون منهج تصبح كل دراسة علمية لأي موضوع [8]. أو ظاهرة مستحيلة، فلايمكن تطبيق أي منهج، دون توفر موضوع.

وفي ضـوء هذا أورد ابن خلدون في أثناء تحديده للمنهج التربـوي السليـم شروطا،دينية، ودنيوية،ينبغي على المعلم والمتعلم التحلي بها،حتى تكـون عملية التعليم ناجحة، ومثمرة،فمن البديهي أن الإنسان لا يتعلم أية خبرة أو مهارة فكرية إلا إذا كان حاصلا على الشروط اللازمة للقيام بمثل هذه العملية،وتنحصر هذه الشروط في هذه المبادئ:

أولا:- شروط المعلم(المربي):

الإحاطة بمبادئ التعليم وعدم الشدة على المتعلمين: يعد المعلم العنصـر الأساس في العملية التربوية،فهو المتصرف في قلـوب البشر،وهو أيضا بمثابة الطبيب المعالج للنفس من مرضها وجهلها بالعلوم، بل إن مهمته أخطر فيما يرى "الغزالي أبو حامد" من مهمة الطبيب؛لأن الأول متصرف في العقول والقلـوب في حين أن الثاني متصرف في الأبدان، وشتان مابين النفس والبدن، فمهمته إذن شريفة،إلى الحد الذي تجعله وريثا للأنبياء، ومن تصدر لهذه المهمة فقد تقلد أمـرا عظيما يفرض عليه آداب وشروطا،كأن يكون المربي قادرا على التعليم،وذا كفاءة، غير مستبد، ولا يكون قاسيا غليظـا مع المتعلم؛ لكي لا يجـره إلى الكذب:"وذلك أن إرهاف الحد بالتعليم مضر بالمتعلم سيما في أصاغر الولد لأنه من سوء الملكة ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو الممالك أو الخدم سطا به القهـر وضيق عن النفس في انبساطهـا وذهب بنشاطها ودعـاه إلى الكسـل وحمـل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبسـاط الأيدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة..." [9]. وأن يكون ذا ثقافة عامة تمكنه من إفادة المتعلمين إفادة متنوعة،توسع في الوقت نفسه من أفقه المعرفي وتحفظه من بلبلة أفكارهم بالمعلومات الخاطئة أو المعارضة أو من مغبة التعصب الأعمى ضـد العلوم التي لم يعرفها عن قرب أو بعد،فالناس أعداء لما يجهلون كما يقال، وأن يلم بطرائـق التعليـم ومبادئه ومهاراته،متـوقفـا عند مسائـله،مستنبطـا فروعـه من أصوله، حتى يكون التعليم مزدهرا ومحققا لأهدافه: "إن فهم المسألة الواحـدة من الفن الواحد مشترك بين من شدا إلى ذلك الفن وبين من هو مبتدئ فيه وبين العامي الذي لم يعرف علما وبين العالم النحرير..." [10]، باعتبار التعلم صناعـة شأنها شأن باقي الصناعات الأخرى كما ورد على لسان ابن خلدون،فنجاحهـا وفشلها يرتبطان بالقائمين عليها،والمعلمون هم سند هذه الصناعة، وهذا المبدأ يمثل اليوم إحدى الاهتمامات الرئيسة للمشرفين على قطاع التربية والتعليم،حيث سنت الوزارة برامج تخص تكوين المكونين،وأحدثت المراكز والهيئات لاستقبال رجال التربية والتعليم؛ وهذا كله بهدف توسيـع وتجديد معلومـات المربين،وتدريبهم على استخدام التكنولوجيا في العملية التعليمية.

الإيجاز المفيد في تقديم المسائل العلمية وحسن الانتقاء: دعا ابن خلدون المربين إلى عدم الاستكتارمن العلـوم الآلية التي لا ينبغـي أن توسع فيها الأنظار ولاتوسع فيها المسائل، منها على سبيل المثال لا الحصر علم النحو،وبرر ذلك بأن التعمق والاستكثـار من مسائله المقفلة سيخرجـها عن المقصود، ويصير الاشتغال بها لغوا،خاصة ونحن نعلم أن النحو العربي أنحـاء ومدارس مختلفة،وأن الهدف الأسمى منه هو معرفة صـواب الكلام من أخطائه،وإصلاح الألسنة من اللحن أو اللكنة كما قال الشاعر [11]:

النحو يصلح من لسان الألكن * والمرء تكرمه إذا لم يلحن وإذا طلبت من العلوم أجلها * فأجلها نفعا مقيم الألسن. وهو في هذا المذهب ينحو نحو الجاحظ "ت 255هـ"الذي دعا إلى ضرورة تعليم النحو الوظيفي الذي يجري في المعاملات،والتمييز بين النحـو كعلم والنحـو كتعليم، تضمن ذلك قوله: "وأما النحو فلا تشغل قلبه( قلب الصبي) منه إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحـن، ومن مقدار جهل العوام فـي كتـاب إن كتبه،وشيء إن وصفه، وما زاد على ذلك فهو مشغلة عما هو أولى به..." [12]

وعليه فإن الاشتغال والإكثار من المسائل، يصير في رأيه من باب اللغو،جاء ذلك في قوله:"... وهذا كما فعله المتأخر ون في صناعة النحو... لأنهم أوسعوا دائرة الكلام فيها نقلا واستدلالا،وأكثروا من التفاريع والمسائل بما أخرجهـا عن كونها آلة وصيرها مقصودة لذاتها.وربما يقع فيها لذلك أنظار ومسـائل لاحاجة بها في العلوم المقصودة بالذات فتكون لأجل ذلك من نوع اللغو،وهي مضرة أيضا بالمتعلمين على الإطلاق" [13].

كما نبه ابن خلدون أيضا إلى أن الاختصار المخل سيحدث لا محالة ضررا في إيصال المعاني،والإكثـار منها في العلـوم يخـل بالتعليم: "ذهب كثيـر من المتأخرين إلى اختصار الطرق والأنحاء في العلوم يولعون بها ويدونـون منها برنامجا مختصرا في كل علم يشتمل على حصر مسائله وأدلتها باختصار في الألفاظ وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفن وصـار ذلك مخلا بالبلاغة وعسيرا على الفهم..." [14].

والرأي عندي أن هذه الأفكار التربوية التي أقرها ابن خلدون في القرن الثامن الهجري قد أكدتها اللسانيات التربوية الحديثة.

المتابعة والاستمرار في تلقين العلم وعدم الخلط بين الفنون:

ألح ابن خلدون على عدم الانتقال من مسألة علمية إلى مسألة أخرى قبل فهـم المتعلم للمسألة الأولى، ولذا يجب عليه الاستمرار في تلقيـن المسألة الواحدة إلى أن ينتهي منها، ويتحقق أن المتعلم قد استوعبها، وحذر من انقطاع المجالس والتفريق فيما بينها؛لأن ذلك يؤدي إلى النسيـان أولا،ويؤول إلى عدم تعلـق المسائل بعضها ببعض ثانيا، جاء ذلك في قوله: "وكذلك ينبغي لك أن لا تطول على المتعلـم في الفن الواحد بتفريق المجـالس وتقطيع ما بينها لأنـه ذريعة إلى النسيان وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض..." [15].

كما نبه إلى عدم الخلط بين المسائل،في قوله: "... ومن المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم أن لا يخلط على المتعلم علمان معا،فإنها حينئذ قل أن يظفر بواحد منهما،لما فيه من تقسيم البال وانصرافه عن كل واحد منهما..." [16]. وهو بهذا يؤكد على الجانب المنهجي في طريقة التلقين، بعدم الخلط بين علمين؛لأن ذلك من شأنه يؤدي إلى خيبة الأمل لدى المتعلم،حيث يصرف باله،ويضعف ملكته في النفس أو يؤخرها على الأقل؛ لانصراف الذهن ،مما ينبغي الاهتمام بمسائل العلم المولدة للملكة العلمية [17]. وعدم الخلط بينها.

مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين:

ينبه ابن خلدون من خلال آرائـه التربوية إلى الإقرار بمراعـاة الفروق الفردية بين المتعلمين، فالعوامـل النفسية والجسمية والبيئية تؤدي دورا أساسيا في تحديـد حجم التعلم،بحيث يتفاوت ذلك الحجم بين فرد وآخر،فالأفراد يختلفون في درجة الذكاء وفي قدرة الاستيعاب: "... وهوكما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه..." [18].

ومراعاة هذا المبدأ أكده العلـم اللسانـي الحديث؛ ذلك أن الأنـام لا يتكلمـون على منوال واحد، بل تجدهم،حتى في حـالة انتمائهم إلى المحيـط الاجتمـاعي نفسه،يختلفـون في سرعة السرد،ويتفـاوتون في رصيـدهم من المفردات [19] ويتمايزون من حيث الصـوت، ومن جملة تلك الفروق، ما يلاحـظ لـدى الناس من أن لكل واحد منهم أسلوبا ينفرد به في الإنشاء الأدبي،وفي سرعة تحصيـل العلم والمعرفة.ومن هنا طولب القائمـون على عملية التعلم ابتداء من الأنبيـاء إلى الأساتذة والمربين بأن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم.

الحث على الممارسة والتحلي بالتدرج والتكرار في عرض المادة: يرى ابن خلدون أن الطريقة الناجعة في تلقين العلوم إنما يكون:" مفيدا إذا كـان على التدريج شيئا فشيئا وقليلا قليلا يلقى عليه أولا مسائل من كل باب من الفـن هي أصول ذلك الباب ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم..." [20]. فيجب على المعلم أن يذكـر للمتعلم إلا ما يستطيـع تحمله،مراعيـا قدراته واستعداداتـه على تلقي تلك المـادة العلميـة، وأن يبتعد عن التعقيد ويتقيد بالتدرج في عرض أية مسألة علميـة، باعتبار التـدرج أحـد المبادئ المساهمة في نجـاح العملية التعليمية، ويكون ذلك ببدء المعلـم بالشـيء الواضح من العلم قبل الغامض، وبالبسيط قبل المعقد،وبالجزء قبل الكل، وبالعملي قبل النظري،وبالمحسوس قبل المجرد،فلا يبدأ بالعويـص من المسائـل فيغرق في أمور لا يحتملها، فيؤدي به إلى الفشل، كما ينبغي على المعلم الاستيفاء بالشرح والبيان،ولا يترك عويصا ولامبهما ولا مغلقا إلا وضحه،وهذا في رأي " العلامة ابن خلدون" وجه التعليـم المفيـد والصحيـح، ولن يكون مثمرا إلا من خلال التكرار:"...وهوكما رأيت إنما يحصـل في ثلاث تكرارات وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك..." [21]. فالتكرار إذن مبدأ ضروري لتكوين الملكة؛ لكونه عاملا أساسيا لتحقيق عملية التعلم ،ذلك أن الملكة لاتحصل إلا بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطن لخواصه تركيبه،فهذا التحديد للملكة اللسانية من قبل ابن خلدون نراه صالحـا لأن يكـون المقابل العربي لمفهـوم الكفايـة عنــد نوام تشو مسكي، وكثرة التكرار تؤدي إلى الحفـظ الذي يزيـد صاحب الملكـة رسوخا وقوة، ولا يحصل ذلك إلا بعد فهم كلام العرب. ولعل هذا ما تقره اللسانيات التربوية الحديثة،حيث يعمل المربون حديثا بهذه المبادئ-التدرج ،والتكرار والحث على الممارسة- في تلقين العلوم.

ثانيا : شروط المتعلم:

الإصغاء(السمع):إن المتعلـم مطـالب في بدايـة تعليمـه بالإصغـاء لمعلمـه واستيعـاب العلـوم المختلفـة عنه قبل أن يتطـرق للاختلافـات من المذاهب، ذلك أن السمـع أو الإنصـات هـو أبـو الملكـات اللسانيـة في نظـر" ابن خلدون"،فالشيء الذي يعين المتعلم على فتق لسانه بالمحاورة والكلام والمناظرة، هو الانغماس الكلي في وسط لغوي عفوي، إذ يسمع ثم يقلد أو يردد ما يسمعه،و هذا ما طرقه" ابن خلدون" في معـرض تفسيره لقـول العامة أن اللغة للعرب بالطبع،حيث يقول:"فالمتكلم من العرب حين كانت ملكة اللغة العربية موجـودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطبـاتهم وكيفيـة تعبيرهم عن مقـاصدهم كمـا يسمع الصبي استعمـال المفـردات في معانيها...ثم لا يزال سمـاعهم لذلك يتجـدد في كـل لحـظة ومـن كل متكلم،واستعمـاله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكـة وصفة راسخـة ويكـون كأحدهم" [22]. فالتعليم في الصغر أشد رسوخا وهو أصل لما بعده "لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكـات وعلى حسب أسـاس وأساليبه يكون حـال من ينبني عليه." [23].

وقد أكد علم اللسان التربوي الحديث على ضرورة الاهتمـام بملكة السمـع باعتبارها الحاسة الأولى المساهمة في عملية التعلم،وهو من المبادئ اللسانية التربوية التي أقرها،ويسمى عند جمهور اللسانيين التطبيقيين"الحمـام اللغوي أو الانغماس اللغوي bain linguistique [24]، وهي تأتي في المرتبة الأولى؛ذلك أن الإنسان يسمع قبل أن يتكلم.

وهذه الملكة تحصل في رأي ابن خلدون:"... بممارسـة كلام العرب وتركـه على السمع والتفطن لخواص تراكيبه وليست تحصـل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك..." [25].

والظاهر لنا جليا أن الرجل قد أعطى السمع الأولـوية في امتلاك ناصـية العلم،معتبرا إياه أبا لجميع الملكات؛ذلك:"إن الطبيعـة وهبت الإنسان لسانـا واحدا،ولكنها وهبته أذنين...والحكمة في ذلك هي أن يسمع ضعف ما يتكلم" [26]ونجد "ل.بلومفيلد" يشـارك ابن خلدون في إعطـاء ملكـة السمـع درجـة من الأهمية، حيث استغل المنهجية السمعية الشفهية في تحليله التوزيعي للغة وفق المحورين الصرفي والتركيبي، إذ من خصائص هذه المنهجية [27]:

الاهتمام بالمنطوق والمسموع قبل المقروء والمكتـوب ومن ثمة العمل على تنمية اللغة الشفهية
تقديم اللغة المراد تعليمها في شكل حوار يسجل على أشرطة مغناطيسية تتحول بعد ذلك إلى مخابر اللغات.
الاعتماد على التكرار الشفهي المكثف من أجل ترسيخ الجمل المثالية
التكثيف من المحاكاة والحفظ ثم استعمال التمارين البنيوية.

الاستعداد :

على المتعلم الاستعداد للتعلم والتفـرغ للعلم،والابتعـاد عن إغراءات الدنيـا وشهواتها: "فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجا ويكون المتعلم أول الأمر عاجزا عن الفهم بالجملة إلا في الأقل وعلى سبيل التقريب والإجمال والأمثال الحسية ثم لا يزال الاستعداد فيه يتدرج قليلا قليلا..." [28]. ولن يتأتى ذلك إلا بإقامة علاقة عاطفية بين المعلم والمتعلم، والتدرج بالمتعلم مع تشويقه للمادة المراد تلقينها، وهذا بعد دراسة نفسيته واستعداداته العقلية:" واعلم أيها المتعلم أني أتحفك بفائدة في تعلمك فإن تلقيتها بالقبول وأمسكتها بيد الصناعة ظفرت بكنز عظيم وذخيرة شريفة وأقـدم لك مقدمة تعينـك في فهمها وذلك أن الفكر الإنساني طبيعة مخصوصة فطرها الله كما فطر سائر مبتدعاته وهو وجدان حركة للنفس في البطن الأوسط من الدماغ....ثم الصنـاعة المنطقيـة هي كيفية فعل هذه الطبيعة الفكرية النظرية تصفه لتعلم سداده من خطئه..." [29]

ودعا ابن خلدون المتعلم إلى ضرورة التحلي بالمنطق والاستمطار برحمة الله متى أقفلت وأعوز عليه فهم المسائل ، فالعلم من عند الله [30].

ويعد قانون الاستعداد من المبادئ التي اعتمدها العالم "ثورندايك"في نظريتـه التعليمية،والهدف من ورائه هو توضيح معنى الارتياح والانزعاج،ورأى أنه مفيد بالنسبة للتعلم الإنساني بصورة خاصة. [31]

مرافقة وملازمة شيوخ العلم والرحلة في طلب العلم:

إن ترسيخ ملكة العلم يكون بملازمة رجال العلم،ذلك أن طرائق شيوخ العلم متعددة،فلكل طريقته الخاصة في تلقين العلـوم،وعلـى المتعلم الذي يريـد الاستزادة من العلم وتقوية ملكته ملازمة الشيوخ،والرحلة إن اقتضى الأمـر للقاء بشيوخ العلم:"فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسـوخها والاصطلاحات أيضا في تعليم العلوم...فلقاء أهل العلوم وتعدد المشايخ يفيده تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها فيجرد العلم عنها ويعلم أنها أنحـاء تعليـم وطرق توصل وتنهض قواه إلى الرسـوخ والاستحكـام في المكان وتصحح معارفه وتميزها عن سواها مع تقوية ملكته..." [32].

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم صراحة في معنى قوله،أنه من سلك طريقا يطلب فيه علما سهل الله له طريقـا إلى الجنـة وإن الملائكة لتضـع أجنحتها رهنا لطالب العلم.

الخاتمة

وصفوة القول إن العلامة"ابن خلدون" يعد بحق موسوعة علمية،تناولت شتى حقول المعرفة العلمية،فأفكاره التربوية لاتقل أهمية عما تذهب إليه اللسـانيات التربوية الحديثة،بل يمكننا القول أن له فضل السبق إلى كثير منها ،وبخـاصة ما تعلق بطريقة التدريس،والتي نبه فيها المعلم إلى ضرورة توخي التـدرج والتكرار في عرض المـادة العلمية،والتحلي بمبدأ التشـويق ،مع مراعـاة استعدادات المتعلمين،والأخذ بعين الاعتبار الفـروق الفرديـة بين المتعلمين في أثناء تلقين العلوم،أضف إلى ذلك تمييزه الصريح بين اللغة كملكة، واللغة كصناعة؛أي بين نوعين من المعلومات – المعلومـات الخاصـة بالملكـة والمعلومات الخاصة بالصناعة-،"فالنوع الأخير هو اللغة كنظام وعلم مجرد وقوانين .ويمثل هذا النوع جانب البحث .أما النوع الثاني فهو اللغة كإنجـاز أو تحقيق فعلي في صورة كلام أو كتابة ويمثل هذا النوع جانب الاستعمال" [33] ومن ثم يمكننا وصفه بالباحث اللساني السابق لعصره،فقد تنبـه إلى عديـد من الأفكـار اللسـانية التربوية التي يدعـو إليـها علم اللسـان التربوي الحديث،وبخاصة ما تعلق بالشروط الواجب توفرها في المعلم والمتعلم،كما أسلفنا سردها في متن الورقة.

السمع عنده "أبو الملكات"؛إذ الملكة اللسانية عنده تعني المعرفة التي يكتسبها متكلم اللغة السليقي عن لغته كلاما وفهما،ولاتحصل إلا بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطن لخواص تركيبه،فالإنسان يسمع قبل أن يتكلم وهذا ما تدعو إليه مختلف الطرائق المنتهجة حديثا في تعليم العلوم.

لم يكن فضل المقدمـة"كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العـرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"على العلوم فحسب،بل كان فضلها عظيما على الآداب،فكما أفادت العلوم بموضوعاتها،ومادتها؛لأنهـا أسست علما جديدا هو علـم الاجتمـاع،فقد أفادت الآداب بشكلها وصياغتهـا وأحيث أسلوبا عربيا قديما،فقد تحدث عن الموشح، والأزجال، والبلاغة،وانقسام الكلام إلى فني النظم والنثر،وفي صناعة الشعر ووجه تعليمه ...الخ.

إن الرجل غلبت عليه سمة المصلح الاجتماعي الذي يضحي بقوتـه كلهـا وإمكاناته في سبيل تقدم الفرد والمجتمـع على السواء؛لذلك كـان في أقـواله وأعمـاله مرآتا تعكس أو ضـاع المجتمع وحاجياته.،فهو يقوم أولا بتشخيص أمراض مجتمعه وعلله وأسقامه،ثم يشرع في الدعوة إلى الإصلاح ،بتقديم شتى الأساليب والحلول التي تستند إلى رجـاحة العقل والتفكيـر،ولعل هـذا إن دل على شيء، إنما يدل على أصالة فكره وقدرته الإبداعية في صيـاغة فكــر إنساني أصيل ،أسهم مساهمة فعالة في المعرفة الإنسانية.

Share on facebook Share on twitter Share on email Share on print More Sharing Services
29
حواشي
[1] المسدي عبد السلام، التفكير اللساني في الحضارة العربية، الدار التونسية للكتاب، ط 2،تونس،1986، ص 208 237.

[2] ابن خلدون، المقدمة، ج 1، دار الجيل، بيروت، ص 589.

[3] المصدر نفسه، ص 442.

[4] المصدر نفسه، ص 442.

[5] عبد الأمير شمس الدين، الفكر التربوي عند ابن خلدون وابن الأزرق، دار اقرأ، بيروت 1984، ص 79.

[6] أبوحامد الغزالي،الإحياء طبعة عيسى البابي الحلبي، ج 3، القاهرة، 1957 ص21.

[7] المقدمة، ص 428.

[8] حمانة البخاري، التعلم عند الغزالي، المؤسسة الوطنية للكتاب، ص 155.

[9] المقدمة، ص 597.

[10] المصدر نفسه، ص 428.

[11] نقلا عن السيد أحمد الهاشمي،القواعد الأساسية للغة العربية حسب منهج"الألفية"لابن مالك وخلاصة الشراح لابن هشام وابن عقيل الأشموني، دار الكتب العامة، بيروت، ص 4.

[12] الجاحظ، رسائله، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، ط 1، مصر1979، ص 38.

[13] المقدمة، ص 700.

[14] المصدر نفسه، ص 588.

[15] المصدر نفسه، ص 589.

[16] 16المصدر نفسه، ص 423.

[17] محمد فاروق النبهان، الفكر الخلدوني من خلال المقدمة، الرسالة للطباعة والنشر، 1998، ص 280.

[18] المقدمة، ص 589.

[19] حنفي بن عيسى، محاضرات في علم النفس اللغوي، المؤسسة الوطنية للكتاب وديوان المطبوعات الجامعية، ط 3، الجزائر، ص 225

[20] المقدمة، ص 589.

[21] المصدر نفسه، ص 589.

[22] المقدمة، ج 2، الدار التونسية للنشر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984 ص 723.

[23] المصدر نفسه، ص 594.

[24] ترجم عبد الرحمن الحاج صالح مصطلح"Bain linguistique " بـ"الانغماس اللغوي"وهو مصطلح عربي أصيل- ينظر بشير ابرير،الخطاب اللساني العربي بين التراث والحداثة،الملتقى الوطني الثاني"الصوتيات بين التراث والحداثة،قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة سعد دحلب، البليدة، نيسان 2002، ص 38.

[25] المقدمة، ص 455.

[26] نقلا عن حنفي بن عيسى، المرجع نفسه، ص 89.

[27] حفيظة تازروتي، اكتساب اللغة العربية عند الطفل الجزائري، دار القصبة للنشر الجزائر، 2003، ص 91.

[28] المقدمة، ص 589.

[29] المصدر نفسه، ص 591.

[30] (م، ن) ص 592.

[31] Thorndike.E.L Human learning p1.

[32] المصدر نفسه، ص 598.

[33] محمد صاري، الفكر اللساني التربوي في الترات العربي مقدمة ابن خلدون نموذجا الملتقى الوطني الثاني"الصوتيات بين التراث والحداثة،جامعة سعد دحلب،نيسان 2002 ص 93.

ابن خلدون ليس الشعلة الأخيرة
ترجمة وتعليق زهير الخويلدي

"إن ابن خلدون كان مكتشفا لأخطر ظاهرة في عصرنا وهي ظاهرة التخلف وعالجها بأسلوبنا الحديث فكان زميلا لنا ومعلما" ايف لاكوست
"بعض المختصين يعتبرون ابن خلدون بوصفه مكتشف علم الاجتماع. والمؤلفات التي كتبها حول التاريخ الكوني تبرز بشكل حديث جدا مفهوم الحضارة. ابن خلدون امتلك الإحساس بالوحدة العضوية لمجتمع ما، وكل عنصر أو بعد تم اعتبارهما في علاقة ضرورية مع العناصر والأبعاد الأخرى، علاوة على أن صيرورته تغذيها سببية نوعية. لقد عاش في القرن الرابع عشر وكان آخر مفكر كبير للإسلام. في الأثناء اتجهت أوروبا بواسطة علمها وتقنيتها إلى غزو الأرض. انه في هذه اللحظة بالذات التي غطس فيها العالم الإسلامي في ليل فكري حيث لن يخرج البتة"
هذا النص الذي نقلته إلى العربية من الفرنسية خطير بكل ما في الكلمة من المعنى ويعبر عن تمركز لوغووسي واثني وثقافي غير مبرر في زمن العولمة لأنه نشر مؤخرا وبعد مراجعات عديدة قام بها الفكر الغربي لنفسه وادعائه العزم على تلطيف النظرة إلى الآخر والتشريع إلى التنوع والاختلاف وتوجهه نحو إجراء حلقات من الحوارات مع الثقافات والأديان واللغات المغايرة وظل يتبنى نفس الذهنية التي تنظر إلى الآخر من زاوية الشرفة المتعالية وتتحكم فيه عقدة التفوق والكبرياء. وخطورته تتمثل في توجهه نحو الاستهلاك العمومي وحكمه المسبق على العالم الإسلامي كونه غطس في الظلام ولن يعود إليه النور وكون ابن خلدون هو آخر مفكر عرفه الإسلام وأنه اختص بالتاريخ والاجتماع والحضارة في حين أن هذا الأخير اختص في مجالات من بينها اللغة والتربية والفن والصناعة وترك وراءه نظرة موسوعية أثرت في رواد النهضة الأولى أيما تأثير وساهمت مدونته في بناء الثقافة الرسمية لمعظم الدول العربية المستقلة.
إن ابن خلدون مفكر عالمي وليس مجرد باحث إسلامي وان الفكر في حضارة اقرأ لم ينقطع بموت ابن خلدون بل تواصل وتطور في قطاعات علمية أخرى بشكل لافت وان العالم الإسلامي خرج من عصور الانحطاط مرات عديدة وأنه وجد العديد من العلماء والمفكرين والفلاسفة ورجال الإصلاح والتربية وان هذا العالم الآن هو بصدد الإعداد للاستئناف الثاني على الصعيد الكوني. إن أهمية ابن خلدون ليس فقط من جهة التاريخ والعمران بل من جهة الأخلاق والسياسة لأن نظرته الواقعية مكنته من فهم طبيعة الملك وعلاقة الروحي بالدنيوي وتفسير كيفية انتقال الدول من البداوة الى الحضارة ووضع قانون يحدد المراحل والأطوار التي تمر بها كل دولة وهي خمسة:
- "الطور الأول: طور الظفر بالبغية وغلب المدافع والممانع والاستيلاء على الملك وانتزاعه من أيدي الدولة...
- الطور الثاني: طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة...
- الطور الثالث: طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال وتخليد الآثار وبعد الصيت، فيستفرغ وسعه في الجباية وضبط الدخل والخرج وإحصاء النفقات والقصد فيها وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة والأمصار المتسعة والهياكل المرتفعة وإجازة الوفود من أشراف الأمم ووجوه القبائل، وبث المعروف في أهله...
- الطور الرابع: طور القنوع والمسالمة: ويكون صاحب الدولة في هذا قانعا بما بنى أولوه سلما لأنظاره من الملوك وأقتاله مقلدا للماضين من سلفه فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء. ويرى أن في الخروج عن تقليدهم فساد أمره وأنهم أبصر بما بنوا من مجده.
- الطور الخامس: طور الإسراف والتبذير ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته..."
هذا هو ابن خلدون عالم الأنثربولوجيا السياسية يؤرخ لأطوار صعود الدول وانحطاطها ويحذر بأن الحضارة لا تدوم والدور يعود على الجميع وينبه أن المسألة الأساسية ليست في البحث عن الشروط المساعدة على السؤدد بل عن الشروط المبعدة للانحطاط والتخلف، فمتى تتخلى المؤلفات التاريخية الغربية عن التمركز على الذات وتحترم القيم الكونية التي بشرت بها العالم وتعمل على إنصاف للآخرين في الحكم على القيمة والرتبة؟ وألا ينبغي أن يفهم الآخر أن ابن خلدون ليس الشعلة الأخيرة؟ فما رأيه أن يتدبر هذا القول من المقدمة:" وأهل الدول أبدا يقلدون في طور الحضارة وأحوالها للدولة السابقة قبلهم فأحوالهم يشاهدون ومنهم في الغالب يأخذون. ومثل هذا وقع للعرب لما كان الفتح وملكوا فارس والروم واستخدموا بناتهم وأبناءهم، ولم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة" ؟ أليست هذه دعوة نحو التواضع والتثاقف؟
المراجع:
عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، تحقيق سعيد محمود عقيل، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 2005
Christian Godin, la philosophie, Antiquité, moyen Age et renaissance, pour les nuls, First- Editions, 2008
كاتب فلسفي 
 

من هو صاحب مقدمة ابن خلدون!

 

عبد الله باجير

عن الشرق الأوسط

يدور في الأوساط الثقافية جدل صاخب عن صاحب مقدمة ابن خلدون، وهذا الجدل يتناول اجابة سؤال محدد: هل هذه المقدمة من تأليف او وضع ابن خلدون، ام انه نقلها من رسائل «اخوان الصفا»؟

والشيء المدهش ان هذه القضية اثيرت منذ اكثر من سبعين عاماً عندما نشر الكاتب والمترجم الراحل دريني خشبة في عام 1930 دراسة بعنوان «ابن خلدون واخوان الصفا» اشار فيها الى ان ابن خلدون اعتمد في مقدمته الشهيرة على رسائل «اخوان الصفا» وانه نقل منها وعنها فصولاً كاملة، ولم يلتفت احد الى ما نشره دريني خشبة، واكثر من هذا ان طه حسين في رسالة الدكتوراه التي تقدم بها الى جامعة السوربون لم يلتفت الى هذه الحقيقة سواء في بحثه عن مصادر ابن خلدون، او فيما نشره دريني خشبة على اهميته.

ومضت ستة وستون عاماً كاملة ويتوصل د. محمود اسماعيل استاذ التاريخ الاسلامي الى نفس الحقيقة وينشر كتاباً كاملاً بعنوان «نهاية اسطورة» يقول فيه ان نظريات ابن خلدون مقتبسة من رسائل «اخوان الصفا». وقد توصل الباحث كما يقول الاستاذ حلمي النمنم في مقال له نشر مؤخرا ان الدكتور محمود اسماعيل اكتشف هذه الحقيقة عندما قارن بين مقدمة «ابن خلدون» وكتابه في التاريخ ووجد ان الكتاب اضعف كثيرا من المقدمة.

انها بالطبع قضية شائكة، فنظريات «ابن خلدون» في التاريخ كانت وما زالت موضع اهتمام عالمي باعتباره صاحب نظرية التفسير الاجتماعي للتاريخ، فهو ابو المؤرخين وأهم مؤرخ في جميع العصور.

وابن خلدون ولد في تونس وتوفي في مصر (1274/ 1350) وتعود اصول اسرته الى اليمن فهو يماني حضرمي وكان يفخر بذلك ويشير اليه في كل مؤلفاته.

وكتابه يحمل اطول اسم ـ ربما ـ في تاريخ الكتب، فعنوانه الاصلي «كتاب العبر ودوان المبتدأ والخبر في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» واختصاره «كتاب العبر».

ولعل ذوي الاختصاص والعارفين ببواطن النصوص يفصلون في هذه القضية لنصل فيها الى نور اليقين.

 

اكتساب اللغة عند ابن خلدون

عبد الرحمان العبدان

عن مجلة المعرفة عدد62

يرجع الاهتمام بدراسة اكتساب اللغة إلى تاريخ موغل في القدم يعود إلى ما قبل

 

ميلاد المسيح عليه السلام بسبعة قرون، عندما حاول أحد ملوك الفراعنة في مصر أن يثبت أن المصريين هم أصل الجنس البشري، حيث توقع هذا الملك أن الطفل حديث الولادة عندما يُربّى في عزلة عن الناس وُيمنع عنه الكلام سوف تكون أول كلمة يتلفظ بها باللغة المصرية. وبذلك يدلل على صحة فرضيته أن المصريين هم أصل الجنس البشري.طلب ذلك الملك من راع وزوجته أن يقوما على رعاية طفلين من حديثي الولادة وألا يتحدثا إليهما أو أمامهما إطلاقاً. ولكن الملك أصيب بخيبة أمل كبيرة عندما أُخبر بأن أول كلمة نطق بها الطفلان كانت كلمة (bekos) (بيكوس) وإنها ليست كلمة مصرية، ولكنها كلمة باللغة الفريجية (phrygian) تعني «خبز» (Berko Gleason, 1985, P24).

منذ ذلك الحين وربما قبل ذلك لم يتخل الإنسان عن الاهتمام بقضية اكتساب اللغة، ولكن الأسئلة التي يطرحها العلماء المهتمون عن تلك القضية كانت تتعلق بشكل رئيس بمسائل فلسفية عن طبيعة الإنسان. وفي منتصف القرن العشرين لقيت دراسة اكتساب اللغة اهتماماً كبيراً على أثر ظهور النظرية السلوكية في علم النفس والنظرية البنيوية في علم اللغة، ومن ثم ظهور نظرية النحو التحويلي والتوليدي على يد عالم اللغة الأمريكي نعوم تشومسكي. وهكذا وجد علماء النفس وعلماء اللغة نقطة تقاطع تولد عنها حقل حديث هو علم اللغة النفسي (Psycholinguistics) الذي جعل من دراسة اكتساب اللغة أحد أبرز اهتماماته.وبذلك أتاح هذا العلم الفرصة لدراسة وبحث اكتساب اللغة الأولى عند الأطفال واللغة الثانية أو الأجنبية لدى الكبار والأطفال معاً. وتوسعت وتفرعت دراسة اكتساب اللغة لكي تشمل تطور ونمو اكتساب العناصر اللغوية المختلفة في جوانبها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية والتواصلية.لعل هذه المقدمة لتاريخ نشأة دراسة اكتساب اللغة تمهد الطريق لاستعراض آراء ابن خلدون في هذه المسألة، حيث يتضح لنا تقارب في الآراء بين ابن خلدون وبعض آراء علم اللغة الحديث في هذا المجال.تناول ابن خلدون قضية اكتساب اللغة من منطلق ثابت مفاده أن اللغة ملكة طبيعية، يكتسبها الإنسان حيث يقول «إلا أن اللغات لما كانت ملكات كما مر، كان تعلمها ممكناً شأن سائر الملكات» (المقدمة ص 1080). ويذكر ابن خلدون أيضاً: «والملكات كلها جسمانية، سواء كانت في البدن أو في الدماغ، من الفكر وغيره، كالحساب. والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعليم». (المقدمة ص 771)ويقترب ابن خلدون في هذا الرأي من رأي تشومسكي الذي ذكر أيضاً أن اللغة ملكة موجودة في الدماغ حيث يقول «الدراسة المجردة لحالات ملكة اللغة يجب أن تصوغ خواص تقوم بشرحها نظرية الدماغ (chomsky, 1986, p.36)، وأن هذه الملكة ليست سلوكاً كما ذكر علماء النفس السلوكيون chomsky, 1959. ويتفق تشومسكي مع ابن خلدون أيضاً في أن اللغة تكتسب، وذلك عندما قال تشومسكي بأن الطفل يولد دون لغة محددة بعينها وسمى هذه الحالة بالحالة الصفرية الأولى (The intial zero state) لكن الطفل يمتلك نحواً كونياً أو كلياً يساعده على تعلم أي لغة يتعرض لها. بعد ذلك ينتقل الطفل وهو يكبر، ومن خلال سلسلة من المراحل المتتابعة إلى مرحلة الاستقرار (The steady state) (Chomsky, 1980a, p,36). أما ما ذكره ابن خلدون من حيث إن اللغة ملكة جسمانية فإنه لا يختلف عما ذكره تشومسكي من أن اللغة ذات أصول بيولوجية «إن دراسة الأسس البيولوجية لقدرات الإنسان اللغوية قد تثبت أنها أحد أعظم المشارف الموجودة للعلم في السنين القادمة (Chomsky, 1980b, p.216) وقد سبق أن أكد لننبيرج فكرة الأصول البيلوجية للغة (Lenneberg, 1967). وقال ستيفن بنكر (Steven Pinker) في كتابه «الغريزة اللغوية» (ترجمة الدكتور حمزة الميزني)، «ويعتقد علماء الأحياء أن مورثاً سائداً يتحكم في القدرة على تعلم النحو» (الميزني، 2000، ص 378).ولكن ما عسانا نفهم من قول ابن خلدون السابق «والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعليم»، وقوله كذلك «قد ذكرنا في الكتاب أن النفس الناطقة، للإنسان، إنما توجد فيه بالقوة. وأن خروجها من القوة إلى الفعل، إنما هو بتجدد العلوم والإدراكات عن المحسوسات..» (المقدمة ص767).إن مقولتي ابن خلدون هاتين تشيران إلى حتمية وجود قوة كامنة للغة في جسد الإنسان ونفسه، ولكن تلك القوة تحتاج إلى التعليم من خلال تجديد العلوم والإدراكات عن المحسوسات. وفي الوقت نفسه نجد لننبيرج (Lenneberg, 1967) يقول «إن اللغة سمة بشرية خاصة بالإنسان تحتوي على أساليب إدراك حسي معينة، وقدرات على التصنف وآليات لغوية أخرى، والجميع ذو أصول بيولوجية». وبالمثل يقول تشومسكي (Chomsky, 1965) «إن الطفل يمتلك خواص فطرية للغة تفسر مقدرته على اكتساب لغته الأم خلال وقت قصير، رغم الطبيعة التجريدية العالية لقواعد اللغة». وأن هذه الصفات عبارة عن أداة سماها «أداة اكتساب اللغة» ولكنه فيما بعد سماها «النحو الكلي» الذي يحتوي على قواعد موجودة في جميع لغات العالم.من ناحية أخرى نجد أن ابن خلدون قد تنبه للفرق بين الملكة اللغوية وصناعة اللغة العربية (زكريا، 1986) حيث يقول «من هنا يعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية، وأنها مستغنية عنها بالجملة.. ذلك أن صناعة العربية هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة. فهو علم بكيفية وليس نفس كيفية». (المقدمة 1081). وهذا التفريق الذي ذكره ابن خلدون بين الملكة اللغوية وصناعة العربية فتح الباب أمامه للاقتراب من تعريف تشومسكي للكفاية اللغوية (competence) والأداء اللغوي الفعلي (competence performance) (زكريا، 1986، ص42)، فالكفاية اللغوية عند تشومسكي هي المعرفة الضمنية غير الشعورية بقوانين اللغة التي تمكن الإنسان من إنتاج الجمل وفهمها (Chomsky, 1959)، وهذه الكفاية تختلف طبعاً عن الأداء اللغوي أو صناعة العربية. ويشرح ابن خلدون ذلك الفرق قائلاً «وكذلك نجد كثيراً من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علماً بتلك القوانين، إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامة أو قصد من قصوده، أخطأ فيها الصواب وأكثر من اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود فيه على أساليب اللسان العربي. وكذلك نجد كثيراً ممن يحسن هذه الملكة ويجيد الفنين من المنظور والمنثور، وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المرفوع من المجرور ولا شيئاً من قوانين صناعة العربية». (المقدمة 1082).وبذلك نجد ابن خلدون يقدم تفسيراً أفضل لملكة الأداء اللغوية يجمع فيه بين الكفاية اللغوية (Linguistic competence) البحتة حسبما عرضها تشومسكي والكفاية اللغوية الاتصالية (communicative competence) التي جاء بها هايمز (Hymes, 1966) وهي مقدرة متحدث اللغة علي تنويع استعماله لها بحسب تنوع سياق الحال، والشاهد على ذلك قول ابن خلدون «..فإن كلامهم «العرب» واسع، ولكل مقام عندهم مقال يختص به بعد كمال الإعراب والإبانة». (المقدمة ص 1064). وفي ذلك أيضاً دلالة على أهمية دور السياق في اللغة عند ابن خلدون مثله في ذلك مثل أصحاب النظرية التفاعلية (interactionist theory) كعالم الاجتماع جوفمان (Goffman, 1981) وعالم الانثروبولوجيا جمبيرز (Gumperz, 1982) الذي يرى أن الناس الذين ينتمون إلى ثقافات مختلفة قد يشتركون في معرفة نحوية واحدة للغة، ولكن معنى كلامهم يختلف حسب السياق الذي يقال فيه ذلك الكلام. لذلك اهتم علماء التواصلية اللغوية (Pragmatics) بدراسة تأثير السياق اللغوي والمادي في استخدام اللغة (Yule, 1996).أما من حيث عملية اكتساب اللغة فيقول ابن خلدون إنها تتم من خلال الترعرع في بيئة اللغة، ومن خلال سماع كلام المجتمع الذي يتحدثها حيث يقول إن الإنسان «يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم، كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها، فيلقنها أولاً ثم يسمع التراكيب فيلقنها كذلك، ثم لايزال سماعه لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم». (المقدمة ص ص1071-1072) ونجد أن ابن خلدون هنا يشير إلى أهمية الدخل اللغوي (input) في اكتساب اللغة كما ذكر أصحاب النظرية التفاعلية. (Hoff-Ginsberg and Shatz, 1982).وذلك الدخل في نظر ابن خلدون هو سماع الكلام وأساليب التخاطب والتعبير عن المقاصد وتلقن المفردات والتراكيب. ولكن يركز ابن خلدون علي الممارسة والتكرار في أثناء عملية اكتساب اللغة «وإنما تحصل هذه الملكة بالممارسة والاعتياد والتكرار لكلام العرب» (المقدمة ص1087).ويرى ابن خلدون أن هذه العملية هي عملية وجدانية حيث يقول «وهذا أمر وجداني حاصل بممارسة كلام العرب، حتى يصير واحداً منهم» (المقدمة ص1086). ويفهم من ذلك أن ابن خلدون يتفق مع ما قاله سكنر (Skinner, 1957) صاحب النظرية السلوكية في اكتساب اللغة من حيث التركيز على الممارسة والتكرار وأهمية دور البيئة، ولكنه أيضاً يتفق مع تشومسكي (Chomsky, 1959) من حيث إن عملية اكتساب اللغة أمر وجداني ذهني. وبذلك يقف موقفاً متوسطاً بين الاثنين (زكريا، 1986).لعل موقف ابن خلدون هذا من اكتساب اللغة يقترب بعض الشيء من موقف النظرية التفاعلية (interactionist theory) التي ترى أن اكتساب اللغة لدى الطفل هو تفاعل معقد بين الصفات البشرية التي ينفرد بها الطفل والبيئة التي ينمو فيها مشيرة إلى أهمية الدخل اللغوي، كما أشار ابن خلدون، لكنه يرى أن ذلك الاكتساب يرسخ بالحفظ والاستعمال حيث يقول «فتحصل له (الطفل) هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويزداد بكثرتهما رسوخاً وقوة». (المقدمة ص1081).أما فيما يخص تعليم اللغة الثانية فيرى ابن خلدون أن ذلك ممكن لكن يشوبه بعض النقص وعدم الكمال مهما بلغت درجة إتقان الإنسان للغة الثانية، وبذلك يدنو ابن خلدون من فكرة «اللغة البينية أو الوسيطة» (interlanguage) التي جاء بها سلينكر (Selinker, 1992) لوصف لغة متعلم اللغة الثانية التي قد تحمل صفات من لغته الأم وصفات من لغته الثانية، وبعض صفات عامة توجد في جميع أو معظم منظومات اللغة البينية (أو الوسيطة).وهكذا يقول ابن خلدون «إن الملكة إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل، فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة». ويمثل ابن خلدون على ذلك بقوله «وانظر من تقدم له شيء من العجمة، كيف يكون قاصراً في اللسان العربي ابداً. فالأعجمي الذي سبقت له اللغة الفارسية لا يستولي على ملكة اللسان العربي، ولايزال قاصراً فيه ولو تعلمه وعلمه.وكذلك البربري والرومي والإفرنجي قل أن تجد أحداً منهم محكماً لملكة اللسان العربي. وماذلك إلا لما سبق إلى ألسنتهم من ملكة اللسان الآخر». (المقدمة ص ص 1096- 1097).إذاً في يقين ابن خلدون أن نفس الإنسان لا تتسع لأكثر من ملكة لسانية كاملة واحدة، بينما تظل الأخرى ناقصة ومخدوشة. (زكريا، 1986)، ولكن يستثني من ذلك الأشخاص ثنائيي اللغة أو متعددي اللغات الذين تعلموها في آن واحد خلال طفولتهم، حيث يقول ابن خلدون «من كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعداداً لحصولها» (المقدمة ص721) ويوضح ذلك قائلاً «..كأصاغر أبناء العجم الذين يربون مع العرب قبل أن تستحكم عجمتهم، فتكون اللغة العربية كأنها السابقة لهم» (المقدمة ص1054).ويشير ابن خلدون هنا ضمناً إلى وجود فترة معينة ومحددة لإمكانية إتقان اللغة الثنائية وهي ما يعرف الآن بفرضية الفترة الحرجة (Critical Period Hypothesis) التي ذكرها لننبيرج (Lenneberg, 1967).وفي جانب آخر نجد ابن خلدون قد فطن إلى الفرق بين التعلم والاكتساب للغة حيث يرى أن الاكتساب هو الذي يؤدي إلى حصول الملكة اللغوية، وليس التعلم الذي ينتج عن تعلم قوانين اللغة حيث يقول «وهذه الملكة كما تقدم تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطن لخواص تركيبه، وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك، التي استنبطها أهل صناعة البيان. فإن القوانين إنما تفيد علماً بذلك اللسان ولا تفيد حصول الملكة في محلها». (المقدمة ص1086).وهذا رأي شديد الشبه برأي كراشن (Krashen, 1982) الذي يرى أن الاكتساب أو اللغة المكتسبة هي التي تؤدي إلى الاتصال الطبيعي الطلق، أما التعلم فليس بالإمكان أن يتحول إلى اكتساب ويستشهد كراشن على ذلك بأمثلة كثيرة من الناس الذين تمكنوا من إتقان لغة ما دون أن يتعلموا قوانينها، بينما أن هناك إناساً كثيرين يعرفون تلك القوانين، ولكنهم يستمرون في الخطأ فيها عندما يركزون انتباههم على المعنى الذي يودون توصيله إلى من يتحدثون إليه، وذلك بدلاً من التركيز على التطبيق السليم لتلك القوانين من أجل تحقيق أداء دقيق وصحيح في تلك اللغة التي يتحدثون بها.خلاصة القول، أن ابن خلدون كان عالم اجتماع عاش في القرن الثامن الهجري، إلا أنه جاء بآراء متطورة عن اللغة واكتسابها. وأكبر شاهد على ذلك ما قاله ابن خلدون عن تعريف اللغة «وأعلم أن اللغة، في المتعارف عليه، هي عبارة المتكلم عن مقصوده وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، فلابد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل وهو اللسان. وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتها». (المقدمة ص1056).ولعل معرفة ابن خلدون بعلم الاجتماع وإسهاماته الرائدة فيه جعلته ينظر إلى اللغة ويعرّفها من منظور ذلك العلم، لذلك جاء تعريفه للغة من ذلك المنطلق. ويفهم هذا من قوله «وهي في كل أمة بحسب اصطلاحاتها». وبذلك يكون ابن خلدون قد نبّه إلى العلاقة بين اللغة والمجتمع أو الأمة، وهو ما يعرف الآن بحقل علم اللغة الاجتماعي (Sociolinguistics) الذي يهتم بدراسة هذه العلاقة بين استخدامات اللغة والبنى الاجتماعية التي يعيش فيها مستخدمو اللغة.من ناحية أخرى نجد أن تعريف ابن خلدون للغة تعريف وظيفي حيث يقول «وهي عبارة المتكلم عن مقصوده». وفي ذلك إشارة إلى أن الوظيفة الرئيسة للغة هي التواصل (Communication) والعبارة (utterance) ربما تأخذ صيغاً أو أشكالاً لغوية مختلفة. لذلك نجد علم التواصلية (pragmatics) الحديث يركز على هذا الجانب في دراسة اللغة وهو دراسة المعنى الذي يقصده المتكلم في سياق معين وعلاقة ذلك بالصيغ اللغوية المختلفة (Yule, 1996).والمدهش أيضاً أن ابن خلدون قد سبق الفيلسوف الانجليزي أوستن (Austin, 1962) المتوفى في عام 1960 عندما قال ابن خلدون «وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام». فمصطلح «فعل لساني» وفكرته هما نفسهما ما جاء به أوستن أيضاً عندما تحدث عن نظرية الحدث الكلامي (Speech act theory) وعندما لاحظ أن العبارات اللغوية تؤدي الكثير من الوظائف كجزء من عملية التواصل بين الناس. بشكل أدق يقول أوستن إن الكثير من العبارات اللغوية لا يوصل معلومات، أي الإخبار عن حقيقة معينة فحسب، بل إن معظم العبارات يقصد باستخدامها إنجاز أفعال أو أحداث، لكن تلك العبارات تساوي أحداثاً.فعندما يقول شخص ما «أعتذر» فإن تلك العبارة توصل للسامع في الحال حقيقة نفسية أو اجتماعية حيث إن الاعتذار يحدث عندما يعتذر ذلك الشخص وليس قبل ذلك.لذا نجد أوستن يسمي تلك العبارات (performatives) «توام» أو الأفعال الإنجازية.وفي الختام نأمل أن تكون هذه المقالة قد كشفت عن بعض آراء ابن خلدون المتقدمة في مسألة اللغة واكتسابها حيث إن هذه الآراء اقتربت أو شابهت آراء الكثير من علماء اللغة الحديثين في الغرب.





 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2055917 :: Aujourd'hui : 349 :: En ligne : 5