2010-09-02
بقلم: محمد سلماوي
بعد أربع سنوات من رحيل أديبنا الأكبر نجيب محفوظ يطرح علينا أديب نوبل قضية مهمة خاصة برعاية الجيل الجديد من الأدباء وكيفية إتاحة الفرصة أمامهم للتفرخ للكتابة, وذلك من خلال مقال قديم وغير معروف نشره محفوظ عام1959 في مجلة الأدب التي كانت تصدر آنذاك, وكأنه قد نشره اليوم.
وإذا كانت ذكري رحيل أديب نوبل الكبير قد هلت علينا منذ أيام دون أن نتذكره فيها, فإنه من جانبه قد ترك لنا مايثبت أنه كان دوما مهموما بالأدب والأدباء وكيفية رعايتهم وكأنه حاضر معنا لم يغب فقد كتب في مقاله المذكور والذي كان يحمل عنوان تفرغ الأدباء يطالب الدولة بأن تجد من الوسائل مايكفل تفرغ الأديب لأدبه, كما يتفرغ الطبيب أو المهندس كل لعمله.
ويستعرض محفوظ وضع الأدباء في الغرب وفي الشرق فيقول أن الأديب في الدول الغربية بإمكانه أن يتفرغ لأدبه, فدخله من كتبه يكفيه في أغلب الأحيان كي يلبي احتياجاته المعيشية, ذلك إن لم يكن كاتبا مشهورا تبيع كتبه بالملايين وتدخل له الملايين أيضا. أما في دول الكتلة الشرقية حيث ثمن الكتب منخفض فإن الدولة الاشتراكية سنت نظاما لتفرغ الأدباء, ولابد أن محفوظ لمس ذلك بنفسه حيث كانت يوجوسلافيا مثلا من بين الدول التي زارها في الرحلات النادرة التي قام بها ـ مرغما ـ الي خارج البلاد.
ويتطرق محفوظ من تفرغ الأدباء الي كيفية احتضان ورعاية مواهبهم فيقول أنه في روسيا مثلا يلتحق كل ما لديه استعداد أدبي بمعهد خاص بعد تخرجه في الجامعة, ويعطي الفرصة للتفرغ للانتاج نظير مرتب ثابت, فإذا ألف كتابا فإن الدولة تقوم بنشره وتوزيعه وتحفظ له نسبة معقولة من الأرباح, وهكذا نجد أن كل من لديه استعداد أدبي خاص لا تتوزع جهوده في أعمال أخري غير الانتاج الأدبي.
وإذا كان محفوظ قد اهتم بمصير الأدباء وانشغل بالبحث عن أفضل الطرق لاتاحة الفرصة لهم للتركيز علي انتاجهم الأدبي فذلك لايمانه بأهمية الأدب والثقافة في المجتمع وبواجب الدولة في رعايتها ولحرصه علي الأدباء وسبل معيشتهم, فقد إنكوي هو نفسه بنار الحاجة لوظيفة تيسر له سبل الحياة, وكان يشعر طوال الوقت أن هذا كان بلا شك علي حساب انتاجه الأدبي, إذ يقول: أما في بلادنا فإن الأديب لا يستطيع ولعدة سنوات قادمة, أن يعيش من انتاجه ـ لذلك نجد معظم أدبائنا, إن لم يكن كلهم, يعملون في أعمال أخري غير الأدب كالتدريس في الجامعة أو في المدارس, وفي الوظائف الحكومية أو الصحافة, ثم يشير لتجربته الشخصية فيقول إنه عين عقب تخرجه في إدارة الجامعة من عام1935 الي عام1939, وأن عمله كان بسيطا وفي وقت محدود من الصباح الي الظهر فقط, فكان انتاجه غزيرا حيث ترجم كتاب مصر القديمة وكتب عشرات المقالات في الفلسفة والاجتماع والنقد الأدبي وعلم النفس, كما أصدر أربع روايات هي عبث الأقدار وكفاح طيبة ورادوبيس والقاهرة الجديدة بالاضافة الي مايزيد علي مائة قصة قصيرة مازالت في حاجة لمن يجمعها من الدوريات التي نشرت فيها ويصدرها في كتاب.
علي أن محفوظ اضطر بعد ذلك للعمل بوزارة الأوقاف ثم مصلحة الفنون وكان يعمل في الصباح والمساء, فلم ينتج خلال20 عاما إلا خان الخليلي وزقاق المدق وبداية ونهاية والسراب والثلاثية.
ثم يعرج محفوظ علي قضية في غاية الأهمية وهي ثقافة الأديب, فيقول أن الأديب المرتبط بعمل يومي ثابت لن يستطيع ان يجاري الزمن في الاطلاع الثقافي العميق, ولا يستطيع مواصلة القراءة النامية الواعية المحيطة التي هي ألزم له من الطعام بل يضطر الي الخطف علي حد تعبير الدكتور طه حسين.
أو قد يقرأ في أحسن الأحوال كما يقرأ أي موظف أو أي مثقف عادي لا كما ينبغي ان يقرأ الأديب الجاد المقدر لدوره ومسئولياته, لذا نجد يقول أن أكثر ماكان يزعجه في فترة الـ20 عاما المذكورة ليس قلة الانتاج وانما قلة ماحصلته من الغذاء الفكري الضروري فلا شك أنه كان من الممكن أن يكون أضعاف ماحصلته لو أتيح له شيء من الفراغ.
ثم ينهي أديبنا الأكبر مقاله قائلا أن أغلي أمانيه في الحياة أن تتاح لي فرصة الاستقرار والتفرغ للعمل الأدبي, لكني لا أريد مع ذلك أن يأتي شهر أضطر فيه الي اقتراض النقود, لذلك فأنا الآن موظف ثم سيناريست ثم أديب بعد ذلك, أي أن الأدب مهنتي الثالثة, ولو ضمنت لي الدولة مائة جنيه في الشهر لكان هذا تقديرا أفضل من جائزة الدولة, ولقدمت لها كل انتاجي الأدبي لنشره في كتب أو اعداده للمسرح والسينما دون مقابل, واعتقد أنها لن تكون الخاسرة.
تري لو كانت أمنية أديبنا الأكبر قد تحققت كم من الروائع الأخري كان قد أضاف لروائعه الحالية؟!
http://www.ahram.org.eg/277/2010/09/02/10/36905.aspx
|
|
(0) تعليقات |
|
2010-05-09
ا
ماري شهرستان
لأصلي: هو مكان الولادة حيث يأخذ الإنسان منه أصوله وجنسيته، وهو يبقى
منزل إقامة الإنسان الثابتة، ولِدَ فيه أم لم يولد (لسان العرب، كازيميرسكي).
واطَنَ : صيغة فاعَلَ، وهو فعل المزيد، يدل على حالة المشاركة في الوطن نفسه.
المواطن: هو الإنسان الذي نشأ معكَ في وطنٍ واحد أو الذي يقيم معكَ فيه.
المواطَنَة: الاشتراك في الحياة بتعاقب الأجيال على بقعة جغرافية محددة ضمن ظروف ومعايير ومتغيرات مستمرة.
تاريخية المواطَنة
وجدت البشرية في كل بقاع الأرض نظام اجتماعها وأدبيات علاقاتها من خلال تطوّر وعيها المترافق مع تجربتها الوعرة. وكل بيئة كان لها أسلوبها في تطوير هذا النظام مع حفظٍ لتوازنه وتخفيفٍ للظلم الواقع فيه، حتى أصبحت المجتمعات ُتعرَف تِبعاً لعدالة علاقاتها الداخلية وتجسيد رقيّها في وجدان أفرادها، والأهم من ذلك كله من قوانينها المكتوبة .
وأمة الهلال الخصيب هي التي وضعت الأسس الراسخة للحياة الراقية المتوجة بالعقل والمشتملة على المنطق والأخلاق الراقية وسلامة الذوق[1].
وفي جنوب الرافدين فقط أكملت الثقافة العبيدية تطورها بسرعة كبيرة خلال الألف الرابع قبل الميلاد الذي أدّى بها إلى تمركز وتكثيفٍ للسكن في أولى المدن الحقيقية بمعناها الصحيح في العالم، حيث تمّ اختراع الكتابة وفن الخطابة والفن الواقعي المتميّز[2]. ولأن الكتابة كانت امتيازاً لسوريا الطبيعية، وكذلك الإدارة، فمن الطبيعي أن تظهر فيها أولى القوانين المنظِّمة لحياة المجتمع مدوَّنة على ألواح اكتشفها علماء الآثار وهي ما ُتسمّى الرُقُم . وقد تمّ الاعتراف في علم الآثار أن أول تشريعات مكتوبة في البشرية هي شريعة أورنامو[3] التي تتكوّن من 31 مادة تعالج الأحوال الشخصية والخلافات العقارية عن طريق التعويض المادي،ولا يوجد أي نص في شريعة أورنامو يحتوي على عقوبة جزائية (لا يوجد فيها قطع الرجل أو اليد أو الأنف) كلها عقوبات مادية باهظة؛ وفيها أول تقسيمٍ للموازين والمكاييل والمقاسات في التاريخ القديم. وشريعة لبت عشتار اهتمت بتنظيم شؤون المرأة بالمواد (27، 28، 30، 33)، حيث نصّت المادة 28 على وجوب إبقاء الزوجة التي تفقد بصرها أو تُصاب بشلل، في بيتها، وفي هذه المواد للمرأة حق طلب الطلاق. أما شريعة أشنونة[4] وتتكوّن من 61 مادة قانونية فيها تحديد الأسعار والسلع الأساسية وتحديد الأجور ووسائل النقل والعمّال، ونصوص تعالج الأحوال الشخصية.
وفي سومر في نظام المدينة ـ الدولة، تشكلت جمعية عمومية لجميع المواطنين وظيفتها: الاجتماع في أوقات الحاجة للبتّ في الموضوعات التي تهمّ المدينة مثل اختيار المسؤولين واتخاذ قرارات الحرب. وفي عام 2375 قبل الميلاد (أي قبل حمورابي بعدة قرون) قاد أوركاجينا أول انتفاضة اجتماعية في تاريخ العالم حيث ظهرت لأول مرة كلمة حرية (امارجي) في وثيقة مكتوبة. عمل أوركاجينا على تخفيض الضرائب ومنع تسلط الجباة واللصوص على الضعفاء، وتعهد بأنه: «لن يسمح بأن يقع اليتامى فريسة لظلم الأقوياء»، وبإزالة الظلم ونشر العدل بين طبقات المجتمع ووضع حد لكبار الموظفين في ابتزاز أموال عامة الشعب[5].
وإذا كانت هذه الشرائع التي وضعها إنسان هذه الأرض تِبعاً لنمو مناحي تفكيره، قد رسمت حدوداً لسلوكية أفراده، فإن تطبيقها ونتائجها على الأفراد يبقى منوطاً بالقضاء وتطوره ورقي ممارسته، والملك هو ضامن الحق والمواطنة السليمة وفق الشريعة التي يضعها أو يتبناها، وحيث كان المعتقد أنه يتلقاها من إله الشمس: وفي التاريخ السوري صورة مشرقة لشريعة حمورابي تحفظ الحقوق وترد الظلم، خصوصاً حقوق الأيتام والنساء التي كانت منصفة في جميع مراحل وظروف الحياة، دالة على إحساس عالٍ بالعدل. وتتكوّن شريعته من 281 مادة تعالج جميع شؤون الحياة مثل تحديد الأجور ومعاقبة الإيذاء، والميراث، والدفاع المدني والإهمال، والطب.
وكانت ابشع الجرائم هي خيانة الوطن.
ويقول حمورابي في شريعته:
أنا حمورابي الأمير التقي الذي يخشى الآلهة
أيوطد العدل في البلاد وأقضي على الخبث والشر
الجندي أو السماك تساويا أمام القانون.
موفي الحقائق ومنظم العامة
حيثما أمرني الإله مردوخ بتنظيم أهل البلاد
لإيجاد الطريق الصحيح
وضعتُ الحق والعدل فعمَّ البلاد
طيبتُ كيان الناس
من أجل ألا يختبل قوي ضعيفاً
وأن ينصف اليتيم والأرملة
في بابل
قانون البلاد القضاء
مرسوم البلاد للقرار
لإنصاف المظلوم.
أما في تاريخ الفكر الغربي، فإنهم يعتبرون أثينا هي الزمن المؤسس للمواطَنة، وأن الإثينيين قد اخترعوا الديمقراطية التي استمرت عندهم أكثر من 150 عاماً، بدأها لأول مرة كليستين عام 508 ق.م لتحقيق سيادة الشعب الذي يصنع قانونه بنفسه، وألغاها المقدونيّون عندما استولوا على أثينا عام 322 ق.م.
ووفق كتاب كلود موسّيه: كل مواطني أثينا كانوا يتمتعون بالحقوق السياسية نفسها، والجميع كان باستطاعتهم الدخول في القضاء والجلوس في مجلس الشعب الذي كان السلطة العليا. وكانت الضرائب تثقل بالتساوي على الجميع، ولم يكن الفقر عائقاً للذي يحلم بالوصول إلى العُلا.
ويقول بيركليس: صحيح أن الدولة عندنا تُدارُ في مصلحة الأغلبية واتخذ نظامنا لذلك اسم الديمقراطية، لكن المساواة محققة للجميع بوساطة القوانين.
أما فيما يخص الحياة العامة، فكل واحد يحصل على الاعتبار بما يستحقه، والطبقة التي ينتمي إليها ليس لها تلك الأهمية، إذ أن الأهمية هي قيمته الشخصية.
الحرية هي قاعدتنا وقانوننا وديمقراطيتنا مباشرة وليست تمثيليةً.
خلقت هذه الديمقراطية رابطاً بين المواطنين، إذ كان يجتمع ألوف منهم من أجل المجلس في الهواء الطلق على هضبة الينكيس قرب الأغورا، وكان يصل عددهم إلى ستة آلاف. وقد أكد بيركليس في مدحه المؤثر: إن رجلاً لا يتدخل في السياسة، هو ليس مواطناً مسالماً بل مواطناً عديم الفائدة (توسيديد 2،4،2).
أما اليوم فيقرّ الباحثون وعلماء الاجتماع أن العالم يشهد تراجعاً في منطق الدولة ـ العناية، وتفاقم انحطاط المدارس ومستوى التهذيب، وغياب الخطاب الأخلاقي، وازدياد الفردانية. وقد شاعت ممارسة تطبيق نظام الواجبات على الآخرين وليس فرضاً على الذات، وغدت المواطنة موضوعاً لخطابٍ متنافر ومتناقض حتى أصبحت تبدو وكأنها ريبة أخلاقية!
لقد نضب الإيمان بمستقبل مشرق للتاريخ، وفرِّغَت المواطنة من كل محتوى مناقبي وتم إنتاج مواطنية دون مواطَنة.
ويتساءل الباحثون في الأدب الاجتماعي ـ السياسي:
«هل يمكن في ظل هذه الظروف أن نعيش معاً؟» معاً في المتحد المحلي، معاً في الأمة، ومعاً في هذا العالم؟ فإذا كانت المواطنة المنشودة مفهوماً إنسانياً وثقافة ديمقراطية في المجتمعات الحديثة، فإنها تواجه تحدياً ثقافياً ـ اجتماعياً بالإضافة إلى تحديات كبيرة تجعلها لا تسير على ما يرام بل وتشهد تدهوراً على مختلف الصعد، وهي فوق ذلك ليست معممة لا في الزمان ولا في المكان (هي في أقل من نصف دول العالم الحالي)، وفي استبطانها إشكالية تظهر بوضوح في المجتمعات المعقدة حيث يبقى فيها التضامن العضوي أمراً عسيراً.
والتحدي الأكبر لها هو التحدي الاجتماعي ـ الاقتصادي الذي يتجلى اليوم في تعميق الفروق المترافقة مع عولمة الاقتصاد والسياسات النيوليبيرالية وتبعاتها، فيقول Reich في كتابه «الاقتصاد المعولم»:
«هناك رغبة في انفصال الأغنياء الاجتماعي في أمريكا، بينما يثني الفقر «المهمَلين» عن المشاركة في المجتمع (انكفاء اثني، وجنوح داخل الغيتو)»...
ويرى الباحثون أنه لن تتم مواجهة هذه التحديات إلا ببناء ضمير جماعي يتصدّى للمخاطر المتعلقة بالسلوكيات غير المسؤولة، وبالفساد والكذب والاحتيال.
فكيف تتصنّع المواطنة؟
وكيف يُعقد الرابط الاجتماعي والسياسي؟
ما هو نظام القيم الذي يساعد في بناء التجربة الاجتماعية، ويساعد في إرساء قواعد أخلاقية عامة، يؤسس فيها لآليات الانتماء والمعرفة؟
ويتساءل الباحثون: هل يمكن أن نكون مختلفين ومتساوين في آنٍ معاً؟ وما هي الآلية لتحقيق ذلك؟ وقد اجمعوا على وجوب الاعتراف بالكرامة المتساوية لجميع البشر في الحياة الاجتماعية والتركيز على المشترك الحياتي وترقية مفاهيمه وقوانينه وجعل حفظها وممارستها شاناً إلزامياً في أوطان البشر قاطبة، وهذا ما يسمى بالمواطنة.
وبذلك تكون المواطنة هي أدب المصلحة العامّة، غايتها الخير العام والسعي لإيجاد أفضل نموذج اجتماعي يصْهِر الميول المختلفة والمتخالفة، وهي مثلثة الأبعاد:
هي أولاً: مثال أعلى مؤلف من مجموعة القيم المحركة، بعيدة عن الشعارات
ولا تصدق إلا بالممارسات، وهي قيم «المساواة، والحرية، والمسؤولية».
وهي ثانياً: مجموع النظم السياسية ـ الحقوقية، أي الحقوق والواجبات التي تشرِّع بعضها بعضاً بكفالة السلطة السياسية[6] التي تُمارَس في إطار الأمة ـ الدولة[7].
وثالثاً: هي مجموعة ممارسات المواطنين الفعلية ضمن مشاركتهم في الحياة الجماعية. فعناصر ثقافة المواطَنة في المعنى الاجتماعي للكلمة هي إذاً:
قيم ونظم وسلوكيات اجتماعية صادقة، تتغيّر وفق الزمان والمكان، وتُبنى وتُكتَسَب وتنتقل لتستمر وتتطوَّر.
وتسمح ثقافة المواطَنة لكل واحد ان يكون معترَفاً باختلافه، وأن يكون هذا الاعتراف متبادلاً أي الاعتراف بالآخر بشكلٍ متساوٍ تماماً.
ففي الأمم القديمة والحديثة وجد على الدوام انقسام حول القيَم، ولتحقيق وجود أمة مواطنة، ينبغي على الأفراد افتراض وجود مجال عام موَّحد، مستقل عن الروابط الدينية والعشائرية والعائلية والإثنية والمهنية والإقليمية والأعمار، وان يحترموا سير عمله. أي أن تصبح المواطَنَة قيمة إنسانية مجتمعية بحد ذاتها مُضافة إلى قيم كل طائفة وكل عائلة، بحيث يميّز الفرد وفقها موطن الله عن موطن البشر طبقاً للمقولة الشهيرة: الدين لله والوطن للجميع.
ومن الأمور الهامّة في بناء المواطَنة:
آ ـ معرفة الغير التي تسهِّل التفاوض.
ب ـ وجود كياسة تسمح بتبديد الضغط بين الفروق الاجتماعية.
ج ـ انتشار الاعتقاد بالعقل.
د ـ الثروة المشتركة والمصلحة العامة.
ويعرَّف «لويد فاللرز» الكياسة على أنها اعتراف متسامح للارتباط المشترك بالنظام الاجتماعي والمسؤولية العامة تجاهه رغم التنوع.
تعلن الكياسة عن إفلاسها عندما تتنازع الهويات مع بعضها بعضاً ليس فقط في التعبير السياسي الرسمي والجدل أو التظاهر، بل في جميع ظروف الحياة اليومية: فتصبح أدنى الأفعال الروتينية تحمل معاني أوسع؛ ربما هي أغنية ما، أو حدث رياضي، أو لباس معيّن، أو جرس كنيسة، أو مكبِّر صوت، قد يُحدِث نزاعاً، وهنا ينتظر المواطنون كياسة الآخرين!...
والمساحة العامة المشتركة التي يمكن تنظيمها للمواطنين، يمكن رؤيتها في مستويات عدة: المستوى المحلي والمستوى القومي والمستوى العالمي، حيث أن العام لا يلغي الخاص، والخاص لا يستثني العام.
تنشأ هذه المساحة العامة بالتجمع الحر للرجال والنساء حيث يتشاركون ضمن مساواة في الحقوق والكرامة متجسدة في مجموعة نظم مادية في إطار الأمة- الدولة، حيث أن المواطنة هي شعور بالانتماء، والمشاركة المواطنية هي مصدر الهوية الجماعية والشعور القومي في التضامن والتكافل[8]، القادر على تصعيد المصالح الخاصة وصهر الهويات النوعية، أي انه ينظِّم ويسوّي الفروقات والصراعات الداخلية ويحولها إلى مساحة اجتماعية ـ سياسية ذات بعد أوسع واشمل التي هي الأمة.
(حيث يصل فيها التصعيد لحد الاستشهاد للذود عنها).
أما المواطَنة العالمية فتقوم على احترام تراث البشرية المشترك، واحترام القوانين البيئية وسلامة الكون وتنمية فكرة «مواطني العالم».
ينبغي أن تدَرَّس المواطَنة في المدارس والكنائس والجوامع والجمعيات وأن يكون لها تأثير في نشر ثقافة مشتركة قادرة أن تخلق عند المواطنين هوية جماعية تسهِّل التعايش العام اليومي واهتمامهم بالشان العام.
يمكن للمدرسة أن تلعب دورها في مادة التربية المواطنية لأنها المكان والزمان الأفضل لبناء المواطن، عن طريق إشراك التلاميذ في مناقشة حقيقية فعّالة مدعومة بالحجج لأن الشأن الذي لا يُناقَش، لا يُستبطَن ولا يأخذ قيمة العقيدة. والتلاميذ ليس لديهم سوى مقاربة نظرية وغير كاملة عن المجتمع. ينبغي تدريبهم على قراءة الصحف لتتم تهيئتهم لعالم الغد. وقد بدأ المعلمون والمدرسون في فرنسا يطرحون دراسة المقالات في نفس مستوى دراسة النصوص الأدبية.
ترجمة المواطَنة إلى نظم وقوانين مكتوبة:
يميّز مارشال (1950) بين الحقوق المدنية (مثل حرية الفكر وحق الملكية) والحقوق السياسية (حقوق المشاركة في انتخاب القادة السياسيين على قاعدة الاستفتاء العام) مع حق الترشيح للوظائف السياسية وحق التقدم للوظائف العامة، وأخيراً الحقوق الاجتماعية ـ الاقتصادية (حق النقابة، حق العمل، الصحة، التربية... إلخ)
ممارسات المواطَنة هي الاشتراك في الحياة العامة للبلد محلياً وقومياً وعالمياً، حيث تأخذ هذه المشاركة أشكالاً اتفاقية مثل الانتخابات والعرائض والمشاركة في جمعيات محلية ولجان الأحياء الواجبة تجاه الحياة الجماعية.
في المواطَنة، المشرِّع هو المواطن والمواطن هو المشرِّع.
المواطن ينتج القوانين مع مواطنيه.
المواطن هو ناخب له حق الانتخاب والمشاركة في القدرة التشريعية بوساطة ممثليه.
المواطن له حق الترشيح وتمثيل مواطنيه.
المواطن يشارك في الشأن العام وفي ممارسة السيادة أي في سلطة سيادة القانون.
المواطن هو موضوع القانون ويخضع للالتزامات التي تضعها الدولة.
ينبغي أن يعطى الصوت الانتخابي على أساس برنامج الحزب المعيّن، بعيداً عن الإرهاب السياسي والفكري والتخويف والترهيب وتسلط الميليشيات الحزبية والمال السياسي والاستعانة بالجنة والنار واستغلال المراجع والرموز الدينية.
وفق هذا المنظور تكون المواطَنة مفهوماً قانونياً وسياسياً بما أن المواطن يساهم في وضع القوانين التي يخضع لها.
لكن بين المبدأ والممارسة هناك إنزلاقات، ينبغي حينها إلا تتحوّل المواطَنة إلى ممارسة مجازية في التصويت!
وفي العديد من الدول الغربية ومنها (فرنسا)[9] تم ممارسة الديمقراطية المباشرة التي هي تجسيد للمواطنة حيث يقوم المواطنون بدور وظيفي في إدارة الشؤون العامة فيشكلون بذلك رافعة لتحديث عمل الدولة في البحث عن حلول واقعية ملموسة لقضايا المجتمع[10]. وقد تبيّن في الإحصاء أن الأولويات الثلاث للمواطنين هي:
العمل والتربية والصحة. ويرى 90 % من الفرنسيين إمكانية تحسين الخدمات العامة دون زيادة الضرائب[11]!
وفي أمريكا، نشأت الصحافة المدنية لإعادة إعطاء الكلمة للمواطنين الذين أصبحوا غالباً سلبيين وذلك كي يزيد اهتمامهم بالحملة الانتخابية! وقد عقد المواطنون مؤتمرات عامة حتى يستطيعوا من خلالها اقتراح حلول لقضاياهم بوجود اختصاصيين ومنتجين[12].
ولما كانت المواطَنة موضوعاً لعلم اجتماع سياسي ينبغي عندها تعريف المواطن: هل هو رجل فقط؟ هل هو أبيض أم أسود أو من إثنية معيّنة أو من طبقة معينة؟ وهل القوانين المختصة بالمرأة هي قوانين منصفة؟ هل يوجد مساواة في التشريع والحق الشخصي؟
في حال النفي يمكن للمواطنة أن تصارع ضد قوانين غير شرعية لغسل الإجحاف المُمارَس بحق جزء هام من المجتمع. فالمواطَنة إذاً هي ممارسة ديناميكية مصارعة تطلق المواطن السياسي وتحرره من كونه مجرد مستهلك حقوق أو مجرد صوت انتخابي وتضعه أمام مسؤولية وطنه[13].
--------------------------------------------------------------------------------
[1] «نشوء الأمم» أنطون سعادة.
[2] كتاب: «سوريا التاريخ والحضارة» إصدار مكتب دراسات العالم العربي، باريس.
[3] تعود شريعة اورنامو إلى أعوام 2003 ـ 2111 قبل الميلاد.
[4] تعود شريعة اشنونة إلى ما قبل أعوام 1800 قبل الميلاد.
[5] «الميتولوجيا السورية» وديع بشور، و«تاريخ الحضارات» طه باقر.
[6] ينبغي أن تكون غاية السلطة هي «مصالح الشعب» وهدفها «العمل للخير العام في ظل السلام والحرية»، أنطون سعادة.
[7] لما كانت سيادة الدولة مستمدة من الشعب فـ«الشعب لم يوجد للدولة، بل الدولة للشعب»، أنطون سعادة.
[8] إذ «ما معنى الأخوة القومية حين أقول لك أنت أخي وأحرمك بالفعل من حقوق الأخوة معي؟ أليس هذا إيثاراً للشعور بالفوارق في الأمة؟ وكيف نكون أمة واحدة وأعضاؤها يشعرون بالفوارق بين فئة وفئة وبين جماعة وجماعة أخرى؟؟ لا يمكن أن يوزّع شيء بالتساوي على العموم بل يقال لهذه الفئة كذا ولتلك الفئة كذا..» «أنطون سعادة» «الآثار الكاملة».
[9] لوفيغارو
[10] «البرلمانية الفرنسية دو رويال»: «المواطنون هم افضل الخبراء للتعبير عن قضاياهم».
[11] لوفيغارو
[12] العالم الدبلوماسي 1996.
[13] «إن جميع السوريين القوميين يؤمنون أنهم أبناء أمة واحدة. فهم جميعهم يريدون الجميع أحراراً متساوين في الحقوق والواجبات، ويرفضون أن تكون بعض الأمة عبداً لبعض أو عالة على بعض، أو تحت رحمة أو تساهل بعض. إنهم يخجلون من أن يروا أحداً من أبناء أمتهم غير حر، متمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية التي لهم في الدولة». صفية سعادة، «الديمقراطية في سوريا الطبيعية».
http://www.tahawolat.com/cms/article.php3?id_article=419
|
|
(0) تعليقات |
|
2010-05-03
محمد أفقير
أمبرطوإيكو (Umbertoeco)، سيميائي وروائي إيطالي، من المساهمين الكبار في تطوير مجال السيميائيات، وتأويل مختلف الأنظمة الدالة، له بالاضافة إلى أعماله الروائية الرائدة- مجموعة من الكتابات النقدية، وقد ترجم بعضها إلى العربية مثل: operaAperta (الأثر المفتوح)(1)، و(LectorinFabula) القاريء في الحكاية"(2) وLes limites de l’interpretation (حدود التأويل)(3). بالاضافة إلى مجموعة من الدراسات المنشورة في المجلات.
يعالج أمبرطو إيكو في جل كتاباته العلاقة بين النص والقارئ، محاولا إبراز النشاط التأويلي الذي يتطلبه النص، وإظهار مختلف أطوار المغامرة التأويلية التي يدخل فيها المتلقي في كل نشاط قرائي، وبهذا المعنى فإن منهج إيكو يندرج بشكل أو بآخر ضمن ما يعرف بتداوليات النص أو جمالية التلقي، وهو ما أكده بقوله (حينما كنت منشغلا ما بين عامي 1958 و1962 إلى تأليف كتابي opera Aperta (الاثر المفتوح)، كان يشغلني الإلمام بالكيفية التي يتسنى لعمل فني عبرها أن يفترض تدخلا تأويليا (…) والحال فقد أدركت متأخرا أنني طالما اشتغلت في التداولية بلا معرفة، أقله في ما يدعونه علم تداول النص أو جمالية التلقي"(4)
إن منهج أمبرطو إيكو (لا يقدم لنا نموذجا تخطيطيا لتطبيقه بحروفه على النصن بل على العكس من ذلك، يقترح علينا كيفية مخاطبة النص ومساءلته وكيفية الإمتزاج به لإخراجه من جموده ودفعه إلى إنتاج الدلالات المتوارية)(5)
لهذا فقد جاء منهج إيكو على شكل مفاهيم وأدوات إجرائية تساعد المحلل / المؤول على ولوج عوالم النص المدروس. مفهوم الانفتاح:
لتسليط الضوء على مسألة (التأويل) وما يحيط بها من تعقيدات في الدلالة والإشتغال، خصص لها أمبرطو إيكو أحد أهم كتبه الأولى،"الأثر المفتوح"، وقد ركز فيه على مقولة "الانفتاح" الناتجة عن التفاعل الذي يحدث بين المتلقي و الأثر الفني، ولعل أول مرة يتم فيها الإستعمال المنظم لهذا المفهوم حسب الدكتور عبد الرحمن بوعلي في مقدمة ترجمته للكتاب هي "المرة التي كتب فيها أمبرطو إيكو أول محاولة نقدية ونظرية هدف منها إرساء قواعد هذا المصطلح من خلال المداخلة التي قدمها في المؤتمر العلمي الثامن عشر للفلسفة عام 1958، والتي كانت حول "مشكلة الأثر المفتوح"، وقد كانت هذه المداخلة بمثابة البذرة التي ستشكل كتابه Opera Aperta الأثر المفتوح".
ولتوضيح مفهوم الانفتاح قدم إيكو مجموعة من الأمثلة، سواء من داخل الأعمال الأدبية أو القطع الموسيقية، فإذا استثنينا علامة المرور الطرقية - وما شابهها - التي "لا يمكن إلا أن ننظر إليها نظرة واحدة وموحدة، كما أنها لا تقبل التأويل الشخصي، وإلا نزعنا عنها - كما يقول أمبرطو إيكو حتى تعريفها"(6) فإن "كل أثر فني حتى وإن كان مكتملا ومغلقا من خلال اكتمال بنيته المضبوطة بدقة، هو أثر "مفتوح" على الأقل من خلال كونه يؤول بطرق مختلفة، دون أن تتأثر خصوصيته التي لا يمكن أن تختزل، ويرجع التمتع بالأثر الفني إلى كوننا نعطيه تأويلا ونمنحه تنفيذا. ونعيد إحياءه في إطار أصيل"(7)
لكن إيكو رغم هذا فهو لا يقول بالتأويل المطلق للنصوص الذي لا يتقيد باي شيء، فهو وإن كان يؤكد على حرية المتلقي في تعامله مع النصوص ومساءلتها، يؤكد في الوقت ذاته على ضرورة التقيد بالمؤشرات التي تتيحها النصوص من جهة، وبالحدود التي تسمح بها من جهة ثانية، لأن النص لا يمكنه أن يعني أي شيء آخر المطاف. المؤول والسيميوز(8)
اتجه إيكو بعد مرحلة "الأثر المفتوح" إلى توسيع إطاراته النظرية، ومدها بفاهيم وأدوات جديدة، باستثماره العميق للأبحاث السيميائية واستفادته من مجموعة من التخصصات والعلوم، وهكذا فبالاضافة إلى سيميائيات غريماس وبيرس التي أغنت منهجه بإمكانات منهجية جديدة، فقد استفاد أيضا من أبحاث الشكلانيين الروس، والأبحاث اللسانية والمنطقية والانتروبولوجية، والابحاث السيميائية لياكبسون وبارط، وغيرها.
هذه التخصصات والحقول المعرفية المتباينة وهبت منهج إيكو مجموعة من المفاهيم والأدوات الاجرائية التي لم تتوفر له من قبل، وأهم هذه المفاهيم، مفهوم المؤول Interpretant الذي استلهمه من بيرس وعمل على تطويره في كتابه "القارئ في الحكاية"، وفي أغلب كتبه اللاحقة.
يقول بيرس في تعريفه للعلامة (إن علامة، أو ماثولا Representamen، هو شيء يحل بدلا عن امرئ أو شيء ضمن علاقة ما، أو تحت عنوان ما، وهو معد لكي يخاطب أحدا، أي يخلق في ذهن هذا الشخص علامة متعادلة، أو علامة ربما كانت أكثر اتساعا) (9)
إن مفهوم المؤول - بناءا على هذا التعريف - عبارة عن سلسلة من العلامات المختلفة التي تتولد عن علامة أولى، والتي تؤدي بدورها إلى توليد علامات لا متناهية، ويمثل لهذا التعريف بالشكل التالي:
الموضوع
إن المؤول لدى إيكو ليس مجرد علامة تشرح علامة أخرى، كما أنه ليس مرادفا لكلمة ما، أو ترجمة لها، إنه مفهوم يتسع ليشمل مختلف ما يبعثه في ذهن المؤول interpéte من صور وأوصاف، ونصوص تتناسل فيما بينها داخل نسيج السيميوز simios في سلسلة غير محددة ولا نهائية من الامكانات التأويلية.
الهرمسية والتأويل Hermetisme: (10)
يلتبس مفهوم التأويل عند بيرس مع العديد من طرق القراءة التي تتعامل مع النص بحرية مطلقة، ويجمعها إيكو تحت إسم الهرمسية، وقد ركز إيكو لتمييز التأويل البيرسي عن مختلف أنواع التأويلات الهرمسية على الخاصية الأساسية لهذه التأويلات الهرمسية المتمثلة في (المهارة غير المراقبة في الانزلاق من مدلول إلى مدلول، ومن تشابه إلى تشابه، ومن ترابط إلى آخر (…) ينطلق من علامة محددة، مارا بسلسلة تترابط فيما بينها إلى أن تنتهي إلى علامة لا علاقة لها البتة مع التي ثم الانطلاق منها) (11)
ولتوضيح هذه الظاهرة أكثر يقدم إيكو هذا الشكل مفترضا سلسلة من الأشياء: أ، ب، ت، ث، ج، قابلة للتحليل بالخصائص التالية: أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، وتشترك هذه السلسلة في بعض الخصائص التي تقل إلى أن تنعدم: أ ب ت ث ج
أ ب ت ث ب ت ث ج ت ث ج ح ث ج ح خ ج ح خ د
يبدو من خلال الخطاطة أنه (إذا كان يجمع بين أ وب وت وث بعض من الخصائص، فإن أ وج لا يجمع بينهما في النهاية أية خاصية، اللهم إلا انتماؤهما لنفس السلسلة من الأشياء، فبوصولنا إلى ج تختفي كل علاقة بـ أ التي انطلقنا منها) (12)
والنتيجة التي يصل إليها إيكو هي اختلاف التأويل البيرسي عن مختلف التأويلات الهرمسية. التفكيكية والتأويل:
لقد خلف لنا التاريخ -حسب إيكو- تصورين كبيرين مختلفين للتأويل، التصور الأول يرى بأن تأويل نص ما يعني الكشف عن الدلالة التي أرادها المؤلف، في حين يرى التصور الثاني أن النصوص مفتوحة في وجه كل التأويلات، ويرى أمبرطو إيكو أن الموقف من النصوص (يعكس موقفا مشابها من العالم الخارجي، فالتأويل هو تفاعل مع نص العالم، أو تفاعل مع عالم النص عبر إنتاج نصوص أخرى، فشرح الطريقة التي يشتغل من خلالها النظام الشمسي، استنادا إلى قوانين نيوتن، يعد شكلا من أشكال التاويل، تماما كما هو الادلاء بسلسلة من المقترحات الخاصة بمدلول نص ما) (13)
إذا كان التأويل البيرسي مختلف جذريا عن الهرمسية -كما تقدم- فإنه حاضر ضمن ما تدعو إليه التفكيكية التي تنظر إلى النص باعتباره (آلة تنتج سلسلة من الاحالات اللامتناهية)(14)، والنص في تصور دريدا يشكو من غياب المرجع، أو الشيء المحال عليه، لكن القول بهذا الغياب لا يعني بالضرورة -حسب إيكو- أن العلامة محرومة كلية من مدلول مباشر، ويرى إيكو بأن غاية ما يسعى إليه دريدا هي تأسيس ممارسة فلسفية أكثر منها نقدية وأدبية، فهو لا يرمي إلى فهم النص بالدرجة الأولى، بل يتحدى تلك النصوص المرتبطة بمدلول محدد ونهائي طامحا إلى القضاء على ميتافيزيقا الحضور الوثيقة الصلة يتصور للتأويل يتأسس على وجود مدلول نهائي.
إن السيميائيات وإن كانت تعترف بوجود تأويلات متعددة للنص الواحد، فهي تسعى إلى الخروج من هذا اللاتحديد بتركيز المحلل/ المؤول على التشاكلات التي يتأسس عليها النص، على عكس المحلل التفكيكي الذي يشتغل على النص كفضاء لتفتيت المعنى وتشظيه.
إن التفكيكية حسب غريماس وكورتيس في معجمهما تؤدي (إلى بعثرة النص، بحيث يصبح تشظي المعنى لا نهائيا، فتصبح مجموعةمن التأويلات ممكنة بالتساوي، ويظهر النص دائم التناقض مع نفسه، مما يحول النشاط التأويلي إلى مقاربة حدسية شبه انطباعية) (15)
خاتمة:
إن أمبرطو إيكو وهو يعالج العلاقة التي تربط بين النص والمتلقي، من خلال البحث في الامكانيات السيميوطيقية للنص الأدبي، لم يحرص على إعطاء الدور للقارئ على حساب النص، كما لم يقبل أن تكون الكلمة الأولى للنص أو لمؤلف العمل لأن القارئ يكون (متدخلا منفصلا عن صنع الأثر الأدبي والجمالي والدلالي)(16)، ولهذا فقد كان أمبرطوإيكو ذكيا في تعامله إزاء موجة نظرية التلقي وكل الاتجاهات التي تتحدث عن التجاوب والتأويل، لأنه لم يعارض أي اتجاه مهما كان تطرفه بشكل مباشر)(17).
المراجع والمصادر
أمبرطو إيكو، "الأثر المفتوح"، ترجمة عبد الرحمن بوعلي، مطبعة دار النشر، الجسور. وجدة. ط1/ 2000.
أمبرطو إيكو، "القارئ في الحكاية"، ترجمة أنطوان أبو زيد، ط1/ 1996.
أمبرطو إيكو، "التأويل بين السيميائيات والتفكيك"، ترجمة وتقديم سعيد بنكراد، منشورات المركز الثقافي العربي، ط 1/ 2000.
جيرار دولودال، "السيميائيات أو نظريات العلامات"، ترجمة عبد الرحمن بوعلي، مطبعة النجاح الجديدة ـ الدار البيضاء، ط 1/ 2000.
رشيد الإدريسي، "سيمياء التأويل: الحرير بين العبارة والإشارة"، مطبعة النجاح الجديدة، ط 1 / 2000.
المناهج المعاصرة في ضوء الدراسة الأدبية" (تأليف جماعي)، مطبعة انفوبرينت، ط 1 /1999، منشورات وحدة النقد الأدبي الحديث: مناهجه وقضاياه، كلية الآداب، فاس، ظهر المهراز.
http://www.diwanalarab.com/spip.php?article18134
|
|
(0) تعليقات |
|
2010-05-02
االمصدر / منتديات افق العرب Oliphia الكاتب
البلاغة مشتقة من كلمة ( بلغَ ) ، التي تعني الوصول إلي النهاية ، فهي تعني في اللغة: إيصال المعني كاملا إلي ذهن القارئ والسامع .
وإذا ربطنا بين علوم البلاغة والعناصر الأساسية للعمل الأدبي وجدنا لماذا انقسمت البلاغة إلي ثلاثة علوم - كل علم منها يختص بركن أو عنصر من عناصر الأسلوب كالتالي:
1 - علم المعاني: ويختص بعنصر المعاني والأفكار ، فهو يرشدنا إلي اختيار التركيب اللغوي المناسب للموقف ، كما يرشدنا إلي جعل الصورة اللفظية أقرب ما تكون دلالة على الفكرة التي تخطر في أذهاننا ، وهو لا يقتصر على البحث في كل جملة مفردة على حدة ، ولكنه يمد نطاق بحثه إلي علاقة كل جملة بالأخرى ، وإلي النص كله بوصفه تعبيرا متصلا عن موقف واحد ، إذ أرشدنا إلي ما يسمي : الإيجاز والإطناب ، والفصل والوصل حسبما يقتضيه الموقف .
2 - علم البيان: ويختص بعنصَريْ العاطفة والصور الخيالية معاً - لأن الخيال وليد العاطفة ، وقد سمي علم البيان لأنه يساعدنا على زيادة تبيين المعني وتوضيحه وزيادة التعبير عن العاطفة والوجدان ، باستخدام التشبيهات والاستعارات وأنواع المجازات .
3 - البديع: ويختص بعنصر الصياغة ، فهو يعمل على حسن تنسيق الكلام حتي يجيء بديعا ، من خلال حسن تنظيم الجمل والكلمات ، مستخدماً ما يسمي بالمحسنات البديعة - سواء اللفظي منها أو المعنوي .
علوم البلاغة وعناصر الأسلوب
* علم المعاني: يختص بالمعاني والأفكار
* علم البيان: يختص بعنصري العاطفة والصور الخيالية .
* علم البديع: يختص بتنسيق الصياغة وتجميل الأسلوب
الفروق بين النقد والبلاغة:
1 - وهذه العلوم الثلاثة للبلاغة هي علوم جمالية يستفيد منها الأديب قبل إنشاء النص ، وتنتهي مهمتها عند الانتهاء من كتابته ، فالبلاغة علم تعليمي - يعلمنا كيف نعبر عن المعاني تعبيراً محددا لها - وكيف نريد من تبيين المعني والعاطفة وكيف ننسق الأسلوب والصياغة.
2 - أما النقد الأدبي فهو علم وصفي ، فهو يتضمن أصولاً وقواعد نقدية تطبق على النص الأدبى عند تقويمه - بعد تحليله وتفسيره ، ثم يكون الحكم له بالجودة ، أو عليه بالرداءة.
3 - والنقد الأدبي يفيد الأديب قبل الشروع في عمله - أي قبل بدء الكتابة - إذ كلما كانت ثقافة الأديب النقدية واسعة واعية تجنب الوقوع في الأخطاء ، وكذلك يفيده بعد الانتهاء من كتابة النص ، وذلك عند مراجعته، وتمحيصه.
4 - ولهذا فالنقد الأدبي يجمع بين روح العلم وروح الفن - فهو مع وجود أسس نقدية دقيقة لكل عنصر من عنصر العمل الأدبي إلا أنه يمتاز بالمرونة - كما يخضع لحد كبير للذوق الخاص للقارئ أو الناقد ومن هنا قالوا النقد علم يجمع بين الذاتية والموضوعية.
____________
النقد كغيره من العلوم النظرية .. لا تعريف محدد له و إختلفت مفاهيمه لدى الكتاب والادباء .. لذا سنأخذ هنا مثالين فقط من الكتاب أحدهم عربي و الآخر فرنسي كممثلين للأدب العربي و الغربي ...
ووقع أيضا إختياري عليهم من بين أكثر من كاتب او ناقد لانهم مختلفين من حيث وجه نظرهم حيث الأول اكثر تشددا في النقد .. والأخير اكثر موضوعية.
رغم ان وجهه نظرهم لا تعتبر بالضروره وجه نظر الكثير من ادباء و عصرهم سأكتب تعريفاتهم للنقد و نظرتهم له .. و السلبيات ثم أطرح تعريف النقد بصوره عامه و في النهايه سأفرد تعريفي الخاص ووجه نظري المتواضع لعلم النقد او فن النقد الأدبي ..
أولا تعريف النقد بالنسبة للدكتور طه حسين ..
النقد عنده هو منهج فلسفي لابد أن يتجرد الناقد من كل شيء و أن يستقبل النص المطلوب نقده و هو خالي الذهن مما سمعه عن هذا النص من قبل ..
و أن يخلي نفسه من القومية و من الديانة و من انحيازه إلى لغة معينه أو طائفة معينه في نظر طه حسين النقد عبارة عن دراسة بحثيه للنص ...
أي يبحث عن الفنيات ثم اللغويات و الخ ..
و بهذه لطريقة أصبح الدكتور طه حسين يقلل من معظم الأعمال التي قرأها في تحليلاته و نقده و أوضح مثال لذلك ما قاله عن الشعر الجاهلي في كتابه المفيد حقا (في الشعر الجاهلي)
حيث انه قال " أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي وألححت في الشك ، أو قل ألح عليّ الشك ، فأخذت أبحث أفكر وأقرأ وأتدبر ، حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إلا يكن يقينا فهو قريب من اليقين . ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء " .
وأتبعه قائلا معقبا موضحا نظرته " ولا أضعف عن أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء ؛ وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين ".
قد يكون كلامه صحيح .. لكنه الوحيد الذي أعلن هذه المعلومات ربما لأنه اندمج في تحليلاته للنصوص و بحثه بين الكلمات أكثر!
وإذا تعمقنا أكثر عن هذا سندخل في مناهج النقد وأنواعه، مما يجعلني أتوقف عند هذه النقطة مؤقتا ..!
وفي رأيي المتواضع أن النقد البحثي لهو أصعب أنواع النقد حيث انه يبحث حتى فيما بين الكلم لكنه يصيب المنقود أو الشيء المراد نقده بالتفككية و يصيب النص بنوع من فقدان الجمال .. فكيف نرضى أن نشرب جزيئان من الهيدروجين و جزء من الأوكسجين .. نحن نشرب الماء .. لانه ماء
ثانيا النقد بالنسبة لـ رولان بارت ...
رولان بارت من أشهر الناقدين الفرنسيين و كعادة الغربيون عندما يشرحون شيئا فهو قال عن النقد جملة واحدة في مقاله " ما هو النقد ؟ "
ثم بدأ في شرح ما بين الكلمات في هذه الجملة ..
فقد قال مبسطا للغاية نظرته للنقد .
" النقد هو خطاب حول خطاب .. أو هو لغة واصفة ! "
ثم أوضح في ظل هذا التعريف أن النقد قائم على علاقتين:
1 - علاقة الناقد بلغة الكاتب
2 - و علاقة الكاتب بالعالم
و هو على غير ما اعتقده الدكتور طه حسين حيث انه الأخير قال إن من شروط الناقد أن يكون معتزلا عن حوله و أن يكون ذهنه خاليا متفرغا للنص من كل شيء!
ثم بدأ في رحله إلى فتره النقد الكلاسيكية في الزمن الكلاسيكي أعوام 1800 و فيما بعدها و قال عن النقد وقتها انه يستند إلى ثلاث قواعد
الموضوعية – و الذوق – و الوضوح
فلنبتعد عن الغور في مفاهيم النقد الأساسية لان هنا دراسة تمهيديه أي إنها ليست دراسة كاملة ... لذا سأرحمكم من ثرثرتي و سآخذكم الى المفيد لنا في تعريفات النقد ...
ثالثا معنى النقد عاما:
في اللغة نفسها كان معنى النقد هو : بيان أوجه الحسن وأوجه العيب في شئ من الأشياء بعد فحصه ودراسته حيث ما هو مذكور في المعجم الوجيز
ملحوظه : ذكر ايضا تاريخ كلمه النقد الادبي و أصل الكلمه .. الخ !
أما في الأدب معناه النقد : دراسة النصوص الأدبية في الأدب ، وذلك بالكشف عما في هذه النصوص من جوانب الجمال فنتبعها ، وما قد يوجد من عيوب فنتجنب الوقوع فيها
بصفه عامه و باختصار النقد هو نقد الكلام و معرفة الجيد منه عن الرديء و يذكر محاسن الكلم و عيوبه سواء كان شعرا أو نثرا
رابعا النقد بصفة علمية:
النقد الأدبي هو علم وصفي يتضمن أصول و قواعد نقدية تطبق على النص الأدبي عند تقويمه ( أي المراجعة ) بعد تحليل النص و تفسيره ثم ينتج الحكم سواء كان جيدا أو رديئا ..!
و علم يجمع بين الذاتية و الموضوعية .. ذاتيه رأي الكاتب و نظرته للنص و موضوعيته في إبداء آراءه بكل صدق و أمانه نقل .
خامسا: النقد بصفة شخصية:
في وجه نظري النقد هو النظر للموضوع بطريقة كاتبه .. فإختلاف شرح (على سبيل المثال) غروب الشمس تختلف من كاتب لآخر و يكتبه كل كاتب على طريقه تعلمه ومدرسته المنتمى إليها .. و أيضا طريقه حياته او حتى تختلف بطريقه جو القصه او الخاطره ..
النقد هو مرآة تعكس وجه نظر الكاتب بطريقه أكثر علميه .. نستطيع بكل بساطه ان ننقد من وجه نظرنا ... لكن نظرنا من خلال نافذه كلمات الكاتب
و انا أعتبر ان طريقتي أكثر تشددا من طريقة بارت و أخف تشددا من طريقة طه حسين حيث إني أتجنب التفككيه للنص و النقد للنص الكامل ...
ربما سأكون أكثر شرحا لنظرتي للنقد في الفصل القادم ان شاء الله تعال
سادسًا: الخلاصـــة:
النقد هو معرفه الرديء من الكلم في النص الأدبي و محاولة تصحيحة بطريقة حيادية ومعرفه الجيد في الكلم ومحاوله تظهيره بطريقه موضوعية
http://www.aljameah.com/d/b/alngd/103/8.htm
|
|
(0) تعليقات |
|
2010-03-08
إن الحديث عن الكتابة هو الحديث في أساسه عن الكلمة، والتي هي أساس الخلق والإبداع، ففي الديانات السماوية نجد أن الكلمة تساوي الخلق.
فالكون كلمة الله "في البدء كانت الكلمة" وهو يقول للشيء كن فيكون وعيسي كلمة الله وأول آية نزلت من القرآن "اقرأ باسم ربك الذي خلق" فنجد هذا الترابط القوي ما بين الكلمة والخلق، والإشارة واضحة لضرورة الكتابة والحث عليها، لأن القراءة تكون لما هو مكتوب، إذن فالآية حث على الكتابة قبل أن تكون حثا على القراءة.
فلِتُثبِت الكلمة جدواها وتحدث فعاليتها لا بد من متلقٍّ، والعلاقة إما أن تكون مباشرة أو تحتاج إلى وسيط، فلما كان التلقي عن طريق الراوي، وباختلاف الألسنة وتباعد الأزمنة وتعقد المعارف أكثر، مع تراكمها، أصبحت كفاءة هذا الوسيط غير ذات ثقة، فتحتم الاستعاضة عنها بوسيط سموه الكتابة ضمن عملية تابعة سموها القراءة، وهذا الوسيط أكثر ثقة وأمانة من الراوي.
ولا يمكننا تصور القراءة بدون كتابة وما يكتب هو الكلمة، إذن فالقرآن لما جاء في أول آياته ليقرن ما بين الكلمة والخلق، وهو الإبداع، جعْل ما لم يكن كائنا موجودا، وهو يستمر قائلا "اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم" أي أنه يعلمه الجديد عن طريق الكتابة التي ارتقت من كونها "كلمة" منطوقة إلى نسق مادي جديد يتوزع بين البشر حاضرهم وغائبهم، والنقل لا يكون إلا بالقلم أداة الكتابة.
وإن ضربنا المثال بشبه الجزيرة العربية فقد بدأت تعرف انتشار الكتابة، ولو بشكل محصور في بعض الدوائر الاجتماعية، في زمن سبق مجيء الإسلام، ومن ثم نجد أن كتابة المعلقات فوق ستائر الكعبة، بمثابة محاولة الارتقاء بالشعر من الشفاهي إلى المكتوب، وعدم الثقة في أمانة ذاكرة الراوي، فحاولوا أن يحفظوا ما رأوا قمة إبداعاتهم من الضياع والتشويه.
وقد كان يكتب القرآن عند نزوله مباشرة، على ما توفر آنذاك من أدوات، هذا دون أن يُهمل عامل الحفظ، ارتباطا بالشفاهي القريب ملاءمة لبيئة العربي المتعود على حفظ الشعر عن ظهر قلب، وعلى كل حال فإن الكتابة بدأت تأخذ مكانتها، وتعمل على أن تكون البديل عن الذاكرة، فقد كان لا بد أن يُحفظ المخزون التراثي للجماعة بالكتابة، تلافيا للتأثيرات الخارجية، ولاسيما وأن العرب سوف يخرجون إلى العالم مبشرين بدين جديد، فبدلا مما كانوا عليه من انطواء وعزلة داخل أسوار قبيلتهم، يحمون قلبها بالحروب المستمرة مع الروم والفرس، لعدم قدرتهم على المواجهة، فإنه تحتم عليهم الآن تحصين الذاكرة الجماعية بالكتابة، وصياغة صورة الذات العربية في تشكلها اليومي عن طريق الكتابة.
فليس من الغريب أن تجعل الكلمة قرينا للدواء، ومن الرقية التي تتلى فيها الكلمات يشفى المريض، والساحر لا ينفذ سحره إلا بالتمتمات التي تصحب كل حركاته وكأن كل شيء مرتبط بالكلمات التي يطلقها ألفاظا قد تفهم أو قد تنغلق حتى على ناطقها، ينتقل الإنسان إلى الاستيعاض عنها بالطلاسم المكتوبة، ليكون للكتابة أيضا نفس مفعول الكلمة ، فهو انتقال من الشفاهي إلى المكتوب.
إن هناك مثل مشهور يقول: "العلم صيد والكتابة قيد". العلم هنا يقصد به كل ما هو معرفة إنسانية تختص بفئة من الناس دون غيرهم يسمون العلماء، والعالم في الدين أو في الطب أو في الفلسفة أو في الآداب، ومن ثم فهذا مفهوم للدور التسجيلي للكتابة، وفي نفس الوقت دورها في نقل المعرفة الإنسانية.
غير أن هذا المفهوم المنحصر في كونها صورا أو حروفا متلاصقة تدلنا على كلمة ما تقودنا إلى معنى معين، دون الخوض في الكلام عن اللغة، إلى أن أصبحت كلمة "الكتابة" دلالة على الإبداع في فن القول. وابتدعت كلمة "الكاتب" بمعنى الذي يمتهن الكتابة المبدعة حتى ولو انحصر أول الأمر في موظف الدواوين الذي امتهن كتابة الرسائل التي يتبادلها أصحاب السلطة، فيقوم على وضع أفكارهم ضمن صياغة مناسبة، تمكن من إيصالها إلى ذوي الشأن وعرف، عند العرب، بهذا اللقب الأديب "عبد الحميد الكاتب" وتطورت في هذه العصور المتأخرة لتأخذ معنى كل كتابة تنزع نحو الإبداع بعيدا عن الصياغات العلمية الجافة، فلا نطلق هذا اللقب على فزيائي أو عالم رياضيات ولكن نستطيع أن نطلق هذا الاسم على كليهما لو كتبا في أشياء سردية إبداعية في هذا المجال ولو استعملا اختصاصهما كخلفية لتلك الكتابة كما هو الشأن في كتابات الخيال العلمي.
ونعود للحديث عن نشأة الكتابة عند العرب فنتساءل هل نستطيع أن نطلق على الشعر الذي قيل في الجاهلية وتوارثه الناس جيلا عن جيل شفاهة هذا المفهوم للكتابة؟ وكذلك بالنسبة للقرآن الذي نزلت آياته وتليت على الصحابة شفاهة، إلى أن تم تدوينها بأمر من عثمان بن عفان معتمدا في ذلك، في الأغلب الأعم، على ذاكرة حفظة القرآن.
للإجابة على هذا التساؤل لابد أن ننظر في الترابط العضوي ما بين الكلمة والكتابة والقراءة من جهة والدور الذي تلعبه هذه السلسلة في تكوين الوعي الجماعي، وما مدى دور الكلمة في أداء دورها حال انعدام الكتابة والقراءة.
بالفعل، إن الكلمة في زمن الشفاهة وغياب الوسائل التسجيلية، قد استطاعت أن تؤسس لوعي جماعي مشترك بين أبناء الأمة الواحدة، سواء على المستوى الأفقي أو العمودي.
إذن فما علينا إلا أن نقر أن "الكتابة" قد أخذت مفهوم الكلمة التي جاءت في الإنجيل والقرآن واحتوتها. بمعنى أن "الكتابة" هي تلك العملية الإبداعية المتكونة من الكلمة وتتشكل منها اللغة الإنسانية في كلتا الحالتين.
فلكل إنسان على المستوى الفردي تصوراته المثالية لهذا الكون أو الصورة التي لا بد أن يكون عليها، فيتفتح إذ ذاك على الكلمة من أجل أن يبدأ في تغيير الكون، وإذا سلمنا بأنه لا يمكننا أن نفكر خارج نطاق اللغة، ولا يمكن أيضا أن نتصور اللغة خارج الكلمة، فهذه الأخيرة هي البنية الأساسية للأولى، فتأخذ الكلمة فكل تصورات الفرد تدعمها الكلمة ومنها يبدأ وعينا بما حولنا وبعلاقاتنا الإنسانية. أي أن الكلمة هي البنية الأساسية للغة، التي تخرجنا من الوضع الطبيعي إلى الاجتماعي. وهنا ننتقل إلى المستوى الثاني حين يمارس الشخص المبدع دوره الاجتماعي فتنتقل الكلمة إلى الآخر ناقلا إليه تصوراته وتجاربه الحياتية بشكل مباشر، وهنا يتداخل مفهوم الكلمة مع مفهوم الكتابة فتنتقل هذه الأخيرة من كونها مجرد وعاء حامل للكلمة، إلى فاعل حقيقي ومستقل بغياب صاحب الكلمة (القائل) وحلول السند المكتوب محله. ومن هنا يأتي المفهوم على أن الكتابة هي تلك العملية الإبداعية الخلاقة، وهذا لنفصلها عن الكتابة التسجيلية أو العلمية الوصفية. وهي مفصولة عن صاحبها وتستقل عن زمانها ومكانها كلما استوعبت التجربة الإنسانية في مستواها الجوهري، المتجه صوب اللامتناهي
لا أحد يشك بدور الكلمة، حتى قبل طهور الكتابة أو على الأقل قبل انتشارها الواسع، وفي التأثير الكبير منذ أقدم العصور على المجموعات البشرية، فهي تشرك أصحاب العصر الواحد والمجتمع الواحد، تجاربهم وانشغالاتهم فتوحد مشاعرهم واتجاهاتهم للتأثير في ناحية من نواحي الحياة، فتقودهم إلى الحرب جملة واحدة وقد تدفعهم إلى السلم كافة، إنه سحر الكلمة الذي قد ينقل تجارب الجيل إلى الأجيال التي تليه، فيحبون ويحقدون يخافون ويتشجعون، ينكفئون في مغاراتهم المظلمة أو ينطلقون في البراري يواجهون الحياة.
أنه وإن افترق الشفاهي عن الكتوب فإنهما يتحدان في مفهوم الكتابة على أنها جملة الإبداعات الفكرية والأدبية والفنية التي دعامتها اللغة، يتوارثها الإنسان جيلا بعد جيل وتتناقلها المجتمعات في كل الأزمنة.
وتبقى الكتابة في تألقها وفي خفوتها في قوتها وفي ضعفها في موتها وفي خلودها مقرونة بالكلمة الخلاقة والمبدعة التي تشكل الوعي على المستويات الفردية والاجتماعية والإنسانية عموما.
إن الفرد، على اعتباره ذلك الكائن الاجتماعي، الذي انتقل من مرحلته الأولى إلى مرحلته كإنسان، فأنكيدو في ملحمة جلجامش انتقل إلى كائن إنساني لما تعرف على اللغة وأصبح في طرف نقيض مع الحياة الطبيعية التي كان يعيشها مع الحيوانات في الغابة، وأول خطوة لآدم في الوجود كانت بتعلمه الأسماء، إذن فالإنسان لا يمكن أن ندعوه كذلك قبل أن يتميز بتخزينه للكلمة، مادة خامة، تتحول من خلال اتصالها بالواقع. ولذلك فيمكننا أن نقول أنه عندما يحزن أو يفرح أو يتأمل فبالضرورة فهو يصحب كل هذه الحالات بكلمات قد ينقلها إلى الآخر إن لم يحبسها في داخله بما يسمى بالمناجاة، قد يتلقاها آخرون فيسجلونها ثم ينقلونها وتنتشر وقد تموت بعد أن تترك تأثيراتها النسبية على من حوله، على أقل تقدير، فلا يمكن أن يجزم أحد حين يعرض تاريخ البشرية فيوقفه عند فترة معينة فهل بدأ تاريخ المخيلة الإنسانية مع ملحمة جلجامش أم أن هناك من مروا لا يعدون ولا يحصون قد أسسوا للبحث عن حشيشة الخلود بأسلوبهم وطريقتهم، ولكنهم لم يسجلوا أفكارهم وتأملاتهم فاندثرت معهم، ولكنها، رغم جهلنا لها، فقد كانت بالتأكيد لبنة في بناء الوعي البشري.
إن مصطلح الكتابة، في اللغة العربية، قد صار هذه الأيام، محصورا في التعبير عن بعض المعارف العلمية الاجتماعية أو بعض فنون القول كالشعر والرواية والمسرح، التي تعدت جميعها المرحلة الشفاهية إلى الكتابة، وهذا دون إهمال ذكر التلاقي مع بعض المعاني الخاصة، بكلمتي (ECRITURE) أو (ECRIT) الفرنسيتين، سواءً بصيغة المفرد أو الجمع، وكذلك بنفس الشكل مع الكلمة الإنجليزية (WRITING) التي تصل إلى الإشارة إلى الكتب المقدسة، ولاسيما الإنجيل.
وفي الأخير ما علينا إلا أن نقول بعيدا عن الخوض في اللسانيات وخلفياتها الفلسفية، أن الإنسان باستعماله الكتابة قد استطاع استبدال التمائم المكونة من عظام الحيوانات وغيرها إلى التمائم التي تضمنت كلمات قد تنغلق أو تنفتح معانيها، وانتشار الكتابة قد جعل الإنسان أكثر انفتاحا على تطوير المعاني والغور في النفس الإنسانية وربطها عمقا ووضوحا بالأشياء التي من شأن الكتابة أن تعمل بفعالية أكبر في تحميلها بالدلالات الجديدة التي تعطيها الفرصة في الحياة متآلفة مع الحياة البشرية، حافظة إياها من النسيان، ومحافظة في الوقت نفسه على السمة التجريدية للغة، بل وجعلها أكثر اتساعا لاحتواء الدلالات المختلفة و أكثر مرونة لتغير هذه الأخيرة سواء اجتماعيا، أو في سياقات النص، مما يسهل تشكل عملية الإبداع وتسارعها وهي بالتأكيد الأكثر رسوخا من الشفاهي في وجه الزمن، فالبشرية بتطورها وتشعب سبل تكوين ثقافتها، فإنها تبتعد أكثر فأكثر عن مصادر نشوئها، وتضيق كل يوم تأثيرات التراث الإنساني المشترك، نظرا للتراكمات المضافة على مر العصور وتلك المتشكلة من عناصر ثقافية جديدة ومتجددة تدفع الإنسان إلى الإبداع سواء في الجانب المعنوي أو المادي، في حالة جدلية لا متناهية بين بروز الحي من الميت والميت من الحي، إنها عملية الإبداع اليومية التي نشهدها في الطبيعة، وفي الإثبات المتكرر للوجود بنفي النفي، مع بزوغ فجر خلق جديد.
بقلم: الأستاذ الأخضر فنغور
الرابط
http://fenghour.ifrance.com/write.htm
|
|
(0) تعليقات |
|
2010-03-05
خيرة طهيري
يعرض عبد الكريم الحامدي في كتابه"ضوابط في فهم النص" مناهج فهم النص القرآني بهدف الإحاطة بأدوات النظر الرئيسة المتنوعة للتعامل معه، وتقديم رؤية نقدية للخلوص إلى ضابط منهجي يستوعب الاتجاهات الشائعة والمتنوعة في فهم النص، واستنباط المعاني، وتحرير أدوات النظر، وتفنيد بعض النزعات المذهبية التي حاولت توظيف النص لأغراضها بنوع من النظرات الذاتية الذوقية العرفانية غير المنضبطة، وإكسابها خصائص المنهج لإضفاء المشروعية على ما ذهبت إليه، وبرغم أن الكتاب يعرض جوانب تخصصية دقيقة لكنه مفيد ومهم للمثقف للحماية من الغلو والانحراف في الفهم والتأويل.
النزعتان الباطنية والظاهرية
الباطنية اسم لعدة فرق ظهرت في التاريخ الإسلامي لأول مرة في زمن المأمون، وسبب تسميتها بالباطنية أن أتباعها يزعمون أن للشريعة ظاهرا وباطنا، وأن الناس يعلمون علم الظاهر والإمام يعلم علم الباطن. وهم يرون أن مقصد الشارع ليس فيما يتبادر إلى الذهن من المعاني الظاهرة التي تدل عليها القواعد اللغوية وسياق النصوص، وقرائن الأحوال، بل المقصد فيما وراء الظاهر من المعاني الباطنية.
وأما الظاهرية فهي مذهب فقهي قائم على الأخذ بظواهر الكتاب والسنة والإجماع، ورفض القياس والاستحسان والتعليل، وسائر أوجه الرأي. وسمي أتباع هذا المذهب بالظاهرية، نسبة إلى داود الظاهري الذي عرف القول الظاهر ومدافعته على فقه الظاهر ورفضه للقول في دين الله بالرأي والقياس. والظاهرية تقوم في فهم النصوص وتفسيرها على ثلاثة أسس أولها التمسك بالظاهر. وثانيها لا مقصد إلا فيما دل عليه الظاهر، وثالثها بطلان التعليل إلا فيما ظهر.
إن التمسك بالظاهر وإنكار التعليل والتقصيد إلا فيما ظهر، منهج قاصر ومحدود في معرفة فهم النصوص وحكمة التشريع، إذ لا يتجاوز النظر فيما وراء الظاهر من معاني ودلالات وإشارات. وهذا غير كاف في إدراك المصالح المتجددة غير المنصوص عليها. وقد أدى قصور هذا المنهج الضيق في فهم النصوص وتعليلها إلى بروز مفاسد عديدة منها: التوسع في الظاهر والاستصحاب فوق الحاجة وإنكار الكثير من المصالح المتجددة وتضييق مجال المعرفة العقلية.
النزعة العقلانية
يتزعم هذه النزعة الإمام الطوفي الفقيه الحنبلي الأصولي وهو من شرح الأربعين النووية وتوسع في شرح الحديث الثاني والثلاثين وهو حديث "لا ضرر ولا ضرار" حيث تحدث عن المصلحة فعرفها بقوله:"هي السبب المؤدي إلى مقصد الشارع، عبادة أو عادة" والشيء الذي انفرد به الطوفي وخالف به الجمهور قوله إن المصلحة إذا عارضت النص في باب العادات، فإنه يؤخذ بها ويترك النص في مقابلتها.
واختلاف المصلحة مع النص بأن يقع تعارض بينهما مع تعذر الجمع والتوفيق عن طريق التخصيص والتقييد وهنا يؤخذ بكل من النص والمصلحة في حدود دلالة كل منهما دون تعطيل لأحدهما، اختلاف المصلحة مع النص بأن يقع تعارض بينهما مع تعذر الجمع والتوفيق هنا يؤخذ بالمصلحة ويترك النص.
ضوابط العلاقة بين الظاهر والمعنى. وإن معرفة هذا النوع من الضوابط مهم وضروري لأنها تشكل الإطار العام لفهم مقاصد التشريع العامة، إذ أن فهم النص ومعرفة معناه والحكمة المقصودة منه يمر حتما عبر النظر في ظاهره ثم النظر في باطنه ومعناه ثم النظر في غايته وحكمته.
التفريق بين المعاني
إن المعاني الشرعية المقصودة والمعاني اللغوية غير المقصودة على المجتهد أثناء استنباط المعاني من النصوص ملاحظة الفرق بين النص الطردي للاسم أي المعنى اللغوي له الذي لا يتعلق به غرض شرعي
وبين الوصف المقصود من التشريع وهذا الوصف هو علة الحكم عند علماء الأصول الذي يترتب عليه جلب منفعة أو دفع مضرة فلا عبرة بالمعنى اللغوي بل العبرة بالمعنى الشرعي له.
يقول ابن القيم:"وهو معلوم أن الله سبحانه حد لعباده حدود الحلال والحرام بكلامه وذم من لم يعلم حدود ما انزل الله على رسوله والذي انزله هو كلامه فحدود ما انزل الله هو الوقوف عند حد الاسم الذي علق عليه الحل والحرمة، فإنه هو المنزل على رسوله وحده بما وضع له لغة أو شرعا، بحيث لا يدخل فيه غير موضوعه ولا يخرج منه شيء من موضوعه".
وتختلف المسميات باختلاف الحد، وهي: الحد اللغوي، الحد الشرعي، والحد العرفي. والعبرة بالمعنى الشرعي الأصلي وليس المعنى الاصطلاحي الحادث المتأخر إذ يجب أيضا مراعاة المصطلح الشرعي الذي وضع أولا من دون اعتبار لأي تغير يحدث في المعنى لاحقا.
المعاني الحقيقية والمعاني المجازية
المعنى الحقيقي هو اللفظ المستعمل في موضوعه، وأما المجاز فهو اللفظ المستعمل في غير موضوعه. والذي يترتب على إغفال هذا الضابط الوقوع في كثير من الخطأ، كفتوى بعض المعاصرين بحرمة المصافحة استدلالا بالحديث:"لئن يطعن أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له" حيث حملوا معنى المس في الحديث على ظاهره.
أما الغاية من فهم النصوص وتفسيرها فهي إدراك مقاصدها والمصالح الدالة عليها ومن المعلوم أن المعاني المرادة من النصوص قد تكون جزئية أو كلية. فالجزئية هي التي تدرك عن طريق أحاد الأدلة بخلاف المعاني الكلية لا تدرك إلا بأدلة كثيرة ولذا كان على الناظر في النصوص ألا يستنبط معنى جزئيا أو كليا إلا من خلال مسالكه وطرقه الدالة عليه المتمثلة اولا في: المسالك الظنية، مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي. وثانيا في المسالك القطعية: وهي المعتبرة في كشف معاني النصوص الكلية ومقاصدها القطعية.
كاتبة جزائرية مقيمة في عمان
ضوابط فهم النص
عبد الكريم حامدي
قطر، مركز الدراسات والبحوث بوزارة الاوقاف
الطبعة الأولى، 2005
195 صفحة
عن جريدة الغد
الرابط
http://www.alghad.com/index.php?news=68741
|
|
(0) تعليقات |
|
2010-03-01
تعريب: المصطفى السهلي
تقديم : تستأثر الرياضة بشكل عام، وكرة القدم على وجه الخصوص، باهتمام عدد كبير من الناس، حتى قال عنها ماو تسي تونغ ذات يوم:ينبغي الاهتمام بهذه الرياضة التي تجمع حولها كل هذه الملايين من الناس .غير أن الناقد الإيطالي الكبير أمبرتو إيكو يعتبرها ،على العكس، طريقة ماكرة لإلهاء الناس عن الحياة الاجتماعية والسياسية.وفي الاستجواب التالي الذي أجرته معه مجلة GLOBEيعرض إيكو آراءه ويحدد موقفه.وما تتميز به هذه الآراء وهذا الموقف من جرأة في الطرح وعمق في التحليل ، يسترعي الانتباه ويفتح شهية النقاش.
المترجم.
*المجلة : يبدو أنكم تؤيدون فكرة أن كرة القدم –أفيون الشعوب- على غرار المقولة الروسية، تسبب وفاة عدد من الأفراد الممتازين،تاركة الإنسانية ،بذلك، تتابع سيرها مع أفراد جدد.
إيكو:أنا متفق ،فعلا، مع المستقبليين الإيطاليين (في بداية القرن( حين قالوا : الحرب هي وحدها الكفيلة بتنظيف العالم،لكن،شرط أن يشارك فيها المتطوعون وحدهم.غير أنها:للأسف، تجر إليها الضحايا،فتصبح، أخلاقيا، دون مستوى العروض الرياضية، لذلك يعجبني سباق الدراجات النارية فوق الهضاب والجرف، والنزول الجنوني بالمظلات، وتسلق الجبال الشاهقة، هكذا لا يموت إلا من أوتي هذه الكبرياء في جسده. فأنا إذن أوافق على كل نشاط جسمي يؤدي إلى وفاة الأبطال شرط أن يكون ذلك باختيارهم. إن الأرض ضيقة جدا، فيجب أن تترك لنا نحن الذين نملك رؤية بسيطة للحياة. ومجمل القول، فالرياضة في حد ذاتها، لا تقل احتراما عن الحب، لا أنتقد إلا العروض المغرية، حتى وإن كانت أحيانا مثيرة، والحالة هذه، أن الرياضة كما تمارس اليوم، ليست غير ذلك. بعض الكائنات الوحشية (كأخصياء كنيسة سيكستين ( صنعت لتصبح ابطالا بلا روح، تحيط بها جماهير مبتهجة تتفرج عليها لترى كيف تحرك أجسادها يتعلق الأمر هنا بنوع من الإستبداد المعنوي الذي يفرض على الأغلبية نسيان جسدها، لتعجب بجسد أقلية.
*المجلة : أليس هناك شيء من الحسد في حديثك؟
إيكو: عندما أرى زوجين متحابين فانني طبعا أشعر ببعض الحسد، وأستطيع مع ذلك أن أنتقم لنفسي عندما أفعل مثلهما. ولكن لماذا أحسد شخصا يعرف كيف يرفع مائتي كيلوغرام؟ لكل واحد تخصصه، أنا اؤلف كتبا… ولكن يمكن ان يشعر أولئك الذين تغريهم الرياضات بشيء من الحسد.
*المجلة :هل أصبحت المنافسة الرياضية إذن وسيلة لتجميد الحركة؟
إيكو:اذا كنا ،حتى الآن، قد تحدثنا عن الرياضة المربعة التي تمارس عليها المضاربات والمساومات والاستهلاك القسري ، فإنه الآن ينبغي الحديث عن الرياضة المكعبة،بمعنى أن هناك :الرياضيين الذين يمارسون الرياضة ، والمشاهدين الذين يشاهدون الرياضة، وأخيرا الملايين من الذين لم يحضروا المباراة، ولكنهم يتحدثون عنها ،مبددين بذلك طاقات، كان يجدر بهم توظيفها في مناقشة مشاكل المجتمع: كيفية إدارة الاقتصاد، أو محاربة الإرهاب.إنها حقا طريقة ماكرة لصرف الناس عن الحياة الاجتماعية والسياسية.
*المجلة : هذهالثرثرةالرياضية هل هي وسيلة تستعملها السلطة لحجب الرهانات السوسيو- سياسية؟
إيكو: كمنذ فوكو لم نعد نؤمن بسلطة مركزية يمثلها شخص ذو شاربين ونظارتين يصمم ويخطط، ولكن نؤمن بنوع من التوازن الاجتماعي العام.وحتى إن كان من بين قياصرة الرومان من يقدم عروضا رياضية للشعب عندما يريدون تحقيق بعض التوازنات الاجتماعية،فإنه لم يبق في المجتمع المعاصر من يقول غدا سنخطط…ليست هناك مؤامرة ؛فالمجتمع يحقق توازنه رغم تشجيع ملايين الأشخاص للحديث عن الرياضة شرط ألا يتحدثوا في أمور أخرى . وتلك مسألة مريحة..إن المجتمع كان دائما في حاجة إلى إيجاد قنوات أخرى توجه إليها الطاقات السياسية. وحتى إذا ادعينا الرغبة في إشراك الجميع في الحياة العامة، فإن ذلك،في الحقيقة، سيكون مزعجا، مع وجود أربعة ملايير من البشر.وهكذا، فالطاقات التي من المفروض أن تكون سياسية، وجهت بالأحرى نحو الرياضة.
*المجلة: إذا كانت الرياضة قد استقطبت كل الاهتمامات، فهل أصبحت لها سلطة على المجتمع؟
إيكو: لو حدث ذات يوم أن شخصا استولى على ملعب، فعلاوة على ردود الفعل المباشرة التي سيثيرها الحدث، فإن العالم كله سيعلن استنكاره: الكنيسة والدولة والصينيون والفوضويون… كلهم سينددون بالمجرم.هناك إذن منطقة عميقة من الإحساس الجمعي لا يجوز أن تمس،إما عن اعتقاد أو عن ديماغوجية. هناك بنية اجتماعية لا يمكن تفكيك لحمتها دون الإخلال بمبدأ الترابط في الحياة، وبالتالي بحقيقة الوجود الإنساني على وجه الأرض.إن الرياضة هي الإنسان، وإن الرياضة هي المجتمع.
*المجلة : هل هي إذن شيء مقدس؟ لو رأى سكان كوكب آخر هذا الحشد من الجماهير المتحمسة في الميادين، هل يعتقدون أنهم يقيمون قداسا بغير آلهة؟
إيكو: في 1958 كتبت نصا (لم يترجم إلى الفرنسية( وصفت فيه بالضبط المجتمع المعاصر، لا كما يراه واحد من سكان كوكب آخر، بل كما يراه أنثروبولوجي من غينيا الجديدة. وبما أنه لم يستطع الدخول إلى الملعب المكتظ،، فقد كان يحكم على مجرى اللعب من خلال ما كان يسمعه. فكر أنه في حضرة طقوس تؤدى وفق عادات آكلي اللحوم البشرية، ويذبح فيها أحد عشر شخصا.هذا الأنثروبولوجي قرأ كذلك ق وائم اليانصيب الرياضي كما لو كانت وصفات من لحوم اللاعبين.إن شخصا قادما من المريخ سيفكر، في غالب الظن، بالطريقة ذاتها…ومع ذلك، فقد رأيت أحيانا خلال كأس العالم عروضا جيدة.. ولكن ما يغيظني حقا هو النفاق.فعندما قتل الهوليكانس القادمون من ليفربول عددا من الأشخاص في ملعب هيزلفي بروكسيل، فإن الذين كانوا يصرخون يا للمصيبة هم الذين شجعوا هؤلاء المشاغبين على التصرف بتلك الطريقة.لنأخذ المسألة بجد، ولنفعل مثل الأزتيك الذين كانوا يقدمون عند نهاية كل مباراة،عميد الفريق قربانا للآلهة…العبوا مباراتكم، وإذا حدثت مذبحة بين الجمهور فأنتم المسؤولون عن ذلك.ولكن إذا انتهت البطولة،ينبغي إعدام ممول الألعاب، تكريما للآلهة.إنني أرفض أن يستمر تشجيع التهتك الذهني، بينما يتم، في نفاق،الاحتجاج ضد الهوليكانس:هؤلاء الوحوش الذين قتلوا أبرياء.غير أن هؤلاء الوحوش هم نتاج الصحافة الرياضية والتلفزيون.
*المجلة:تماما،دون سخرية،هل يمكن اعتبار الألعاب الأولمبية مجرد عرض وهمي، محض مشاهدة تلفزية؟
إيكو: بالتأكيد.مثل غزو القمر، في العمق لسنا متأكدين أن الأمريكيين قد نزلوا على سطح القمر، نحن نعلم فقط أن التلفزة روت القصة… كذلك ماهو الدليل الذي تملكونه على أن الألعاب الأولمبية كانت تقام فعلا في اليونان القديمة؟ ألأن الشعراء تحدثوا عنها؟ لكن كانت الألعاب الأولمبية توجد كحدث اجتماعي كبير، تماما ليتاح لتلفزة ذلك العصر- أي بيندر- الحديث عنها. إن مانعرفه عنها لايأتينا إلا من أثر شعراء تلك المرحلة وفنانيها.وإذا لم يوجد كأس العالم إطلاقا؟ أنا أمزح، طبعا، كان مالارمي يقول: وجد الكون ليكون موضوع كتاب.. ولنقل: وجدت الرياضة لتكون موضوع برنامج تلفزيوني. ليس ضروريا أن يكون هذا هو موضوعنا. إنها الإشكالية الأزلية للعلاقة الموجودة بين التمثيل والواقع.لكننا هنا، نوشك أن نتيه في الفلسفة ذات المستوى العالي.
عن مجلةGLOBE – ع. 58 – يونيو 91 – ص ص 84/8.
|
|
(0) تعليقات |
|
2010-02-28
يتحدد المجال الإشكالي لمفهوم النظرية والتجربة داخل الحقل الخاص ببناء النظريات العلمية في العلوم التجريبية. و يطرح هذا الحقل مشكلات إبستيمولوجية و فلسفية أساسية تتمحور حول علاقات و مفاهيم متوترة مثل: العقل والواقع، الذات والموضوع، النظرية والتجربة. إذا كان العقل و التجربة مكونين أساسيين في بناء النظرية العلمية، فما هو الوضع الذي يأخذه العقل في هذا البناء؟ كيف يواجه العقل عالم التجربة داخل هذا الإشكال الكانطي حول علاقة العقل بالتجربة يمكن طرح الأسئلة التالية:
+ ما الوضع الذي يأخذه التجريب في بناء النظرية؟
+ هل يشكل التجريب أساس النظرية و منطلقها؟
+ ما معيار علمية نظرية ما؟
+ ما العلاقة إذن بين النظرية و التجربة في المعرفة العلمية؟
قضايا و أطروحات:
أ- التجربة والتجريب:
كلود برنار: يجمع العالم التجريبي بين شروط العلمية و مبادئ التجربة عندما يخضع الفروض لمبدأ التحقق. فالعلم التجريبي يبني قوانينه تبعا لخطوات منهجية ونظرية ضرورية.
روني طوم: لا يشكل التجريب العلمي في معناه التقليدي مقوما وحيدا في تفسير الظواهر، بل لابد من اعتبار عنصر الخيال و إدماجه في عملية التجريب. إن الخيال هو تجربة ذهنية تمنح للواقع غنى.
ب- العقلانية العلمية:
ألبير إنشتاين: إن المفاهيم و المبادئ التي يتكون منها النسق النظري للعلم ( الفيزياء مثلا) هي إبداعات حرة للعقل الرياضي و تشكل الجزء الأساسي من النظرية العلمية.
غاستون باشلار: إن العقلانية العلمية المعاصرة هي عقلانية فلسفية مطبقة تقوم على يقين مزدوج يوجه النشاط العلمي التجريبي و يجعله مشروطا بحوار جدلي بين ما هو عقلي و ما هو واقعي.
ج- معايير علمية النظريات العلمية:
تويليي: إن الذي يضفي على نظرية علمية ما قوتها العلمية وتماسكها المنطقي هو تلك الفروض الإضافية و الاختبارات المتعددة التي تخرج النظرية من عزلتها و تربطها بنظريات أخرى.
كارل بوبر: إن النظرية العلمية التجريبية الأصلية هي التي تستطيع أن تقدم الاحتمالات الممكنة التي تفند بها ذاتها و تبرز نقط ضعفها، و تخضع، بصفة قبلية، فروضها لمعيار القابلية للتنفيذ أو التكذيب.
مفاهيم و علاقات:
تأخذ التجربة، في مجال العلم، دلالة خاصة، إنها لحظة مصطنعة و موجهة بأسئلة و مؤطرة بفروض نظرية: إنها تجريب يتطلب من العالم أن يكون ملما بمجموعة من الشروط و المبادئ المنهجية و النظرية. إن التجريب هو عبارة عن خطاطة نظرية مثلى، إذا اشتغل العالم بمقتضاها، فإنه يتوصل إلى معرفة القوانين التي تحكم الظواهر الطبيعية. لكن هذا المجهود الذي يقوم به العالم لتفسير الظواهر لا يبقى سجين خطوات المنهج التجريبي في صورته الكلاسيكية، لأن العالم يصوغ فرضياته ضمن إشكالية علمية و نظرية توجه أسئلته، فيبدع كيانات خيالية يستطيع التأكد منها في ذهنه و ليس دائما في الواقع.
من الخطأ الاعتقاد أن التجربة مجرد ملاحظة للواقع ، و أن نظرية تأمل ذهني خالص، فالمفاهيم و المبادئ المكونة للأنساق العلمية هي كيانات يبدعها العقل البشري، وتشكل الجزء الأساسي في النظرية، لذلك يمكن القول إن العقلانية العلمية هي عقلانية مبدعة تبتكر مفاهيمها و أدواتها من العقل الرياضي، ومن ثمة يكون المعطيات التجريبية تابعة للعقل.
غير أن العقل الذي يتخلص من هيمنة الواقع و من حبال التجربة، لابد له من أن يعود إليها لإضاءتها بأدوات و مناهج. لم تعد التجربة، كما تصورها النزعة الاختبارية، تتحكم في البناء النظري للعلم، كما لم يعد العقل، كما تصورته النزعة العقلانية المغلقة، مكتفيا بذاته و معزولا عن الواقع. إن العقلانية العلمية هي عقلانية فلسفية مطبقة، إذ لا يمكننا فهم عمل العلم و إدراك قيمته الفلسفية إلا في ضوء فهم العلاقة الجدلية بين العقل و الواقع. ففي عالم تتصارع فيه النظريات، يحاول العالم أن يبني نظريته بين نظريات علمية أخرى، لذلك تلتجئ النظرية إلى الفروض الإضافية و الاختبارات المتكررة لتحافظ من جهة على تماسكها المنطقي الداخلي، و لكي تخرج أيضا من عزلتها بانفتاحها على فروض نظرية جديدة. إن تعدد الاختيارات هو معيار علمية النظرية و علامة قوتها.
غير أن الطابع التركيبي و الشامل للنظرية يجعل من المتعذر التحقق من صدقها أو كذبها بواسطة التجربة، لذلك فمعيار الحكم على علمية نظرية ما هو قابلية منطوقها و بنائها النظري للتنفيذ أو التكذيب. فعلى النظرية العلمية الأصيلة أن تقدم الاحتمالات الممكنة التي تفند بها ذاتها. عليها أن تكون معرضة للخطأ و التكذيب أفضل من أن تكون في يقين دائم . فلا علم بدون أخطاء.
تركيب:
• إن تأمل تاريخ اشتغال مفهومي النظرية و التجربة في العلم التجريبي، بالرغم من إدراكنا لبعض علاقات التوتر و الصراع بينهما، يكشف لنا عن تداخلهما و تكاملهما الضروريين، فهما يكونان معا النظرية العلمية التجريبية.
• ساهم الحوار بين النظرية و التجربة في العلم في إعادة صياغة مفاهيم فلسفية و علمية أساسية مثل مفاهيم: العقل و الواقع، و الذات، و الموضوع، و التجربة، و الخطأ، و الكذب، و اليقين...
• لا وجود لنظرية علمية عقلية خالصة، ولا وجود لتجربة مستقلة عن العقل.
• إن انغلاق النظرية على ذاتها هو فناؤها، كما أن انغلاق العقل على ذاته هو عزلته و نهايته.
|
|
(0) تعليقات |
|
2010-02-24
سالم يفوت
مقدمة:
غرضنا في هذا البحث أن نتناول بالتحليل النقدي سؤالا جوهريا محايثا لسؤال الهوية والعولمة ولكل الأسئلة المتفرعة عنه والتي تطرحها النخبة المثقفة بالبلاد العربية، من شأن فحصه والجواب عنه أن يزيلا العديد من ألوان اللبس والغموض التي تكتنف مفهوم الهوية وغيره من المفاهيم المنحدرة إلينا من أسئلة النهضة العربية في القرن الماضي. والسؤال هو: هل يشكل التاريخ خطرا محدقا بهويتنا وهل يتهددها؟ أو بعبارة أكثر تخصيصا، تناسب هذا المقام: هل تشكل العولمة خطرا محدقا بهويتنا وهل تتهددها؟ تأتي مشروعيه طرح هذا السؤال من اقتناعنا بأن التمسك بالهوية يشتد بفعل هول التحولات والمنعطفات وكأنه نوع من الانتقام من قساوات التاريخ، أفلا تكون العولمة، من وجهة النظر هذه، "قساوة" من قساوات هذا الأخير؟ أفلا يكون طرح سؤال الهوية من جديد موقفا نكوصيا؟؟
هل العولمة قساوة من قساوات التاريخ؟
يمكن القول بداية أن "صغر العالم" وتحوله إلى "قرية صغيرة" ليس ظاهرة مباغتة وبدون مقدمات وممهدات، بل جاءت كتتويج لمسلسل طويل هو مسلسل "التدويل". فظاهرة العولمة امتداد وتطوير نوعي للتدويل يتخذ مظاهر اقتصادية واجتماعية وسياسية. فحتى حدود الثمانينات، ظلت العلاقات الاقتصادية الدولية تندرج ضمن مسلسل التدويل المتجلي في انفتاح الاقتصادات الوطنية على المبادلات التجارية والأموال الخارجية. وبازدياد وتيرة انسياب الاستثمارات عبر الحدود في كل القطاعات الإنتاجية، من خلال عمليات اقتناء المشاريع من طرف الشركات المتعددة الجنسيات، مما ترتب عنه تقدم جديد لاندماج المشروعات وتمركزها، حدث تحول نوعي في مسلسل التدويل خلال السنوات العشر الأخيرة تمخض عن العولمة. ويرى الباحثون أن ثمة أربعة عوامل ساهم ارتباطها بتقدم انتقال رؤوس الأموال والمبادلات التجارية التعجيل بظاهرة العولمة(1).
1 ـ تنوع وتعدد منابع تصدير الأموال، فلم تعد الولايات المتحدة وحدها منبعا، بل أصبحت تشاركها في ذلك اليابان وأوروبا والبلدان الصناعية الجديدة، فتشابكت الاستثمارات الخارجية وتشابكت السيولة المالية المنتقلة بين الأقطار المتقدمة.
2 ـ تحرير الأنشطة الاقتصادية نتيجة التخلي عن التقنيات المنظمة قطريا للعديد من القطاعات ذات الصلة بالعمليات المصرفية والصفقات والمواصلات، فتقلص حضور الدولة في العديد من المجالات الاقتصادية نتيجة ذلك ونتيجة الابتكارات والاختراعات الجديدة في مجال الاتصال. ولم يعد ثمة بالإمكان الكلام عن استقلالية الأسواق المالية الوطنية.
3 ـ امتياز الطفرة التكنولوجية المصاحبة للعولمة بأحداث تواصل عضوي بين مختلف مسالك التطور التكنولوجي في مجال الطاقة أو الإلكترونيات أو التواصل. وهذا ما جعلها تتحكم في اقتصاد الزمان واقتصاد المكان وتساهم في انحدار مكانة المادة الأولية داخل الدورة الإنتاجية لصالح منتوجات العقول.
4 ـ تشابه الأذواق والحاجيات وتجانس المطالب، فأصبح المستهلك مستهلكا كونيا يفضل اقتناء منتوجات ذات مواصفات ومقاييس من نفس النوع كما هو الشأن بالنسبة للأحذية المطاطية والملابس الجاهزة والسيارات… مما يجعل المنافسة ترتقي إلى درجة عالية جدا ومتقدمة في العالمية.
أدى تضافر هذه العوامل الأربعة إلى انطلاق مسلسل العولمة باعتباره مرحلة متقدمة لظاهرة تدويل الإنتاج والمشروعات، حيث أصبح الشكل المادي للإنتاج خاضعا لمنطق مجرد لمبادلات الأموال والتواصل وكان ذلك في الثمانينات، فزالت الحواجز بين الأسواق المالية وتغيرت بنياتها ومنظومات التدبير فيها. لقد تجاوز نشاط المبادلات السلع وصار ينصب كذلك على الخدمات وشبكات الاتفاقات كاقتناء البراءات. للعولمة، إذن، ثلاثة اتجاهات(2):
* اتجاه تتحول الاقتصادات الحديثة بمقتضاه إلى منظومات مندمجة تلتقي داخلها حركية توسيع مبادلات السلع والتكنولوجيا والخدمات ورؤوس الأموال ووسائل الاتصال عبر شبكات مرتبطة ببعضها البعض.
* واتجاه تتحول بمقتضاه الأنشطة الاقتصادية الموجودة داخل مختلف الأقطار بكل أشكالها إلى نماذج للإنتاج والتبادل عبر مختلف قنوات الاتصال.
* أما الاتجاه الثالث والهام، على الأقل بالنسبة لهذا المقام، فهو ذاك الذي تندثر بمقتضاه الخصوصيات الثقافية وأنماط الاستهلاك الخصوصية من جراء تجانس الطلب وخضوع المنتوجات لتنميطات موحدة ذات بعد كوني شامل.
"السوق" المعولمة " ترفض اعتبار وجود خصائص وطبائع ثقافية أو سيكولوجية محلية، وبذلك فإن العولمة تقضي بميلاد نموذج جديد للتبادل له بعد كوني. هكذا يفقد تداول السلع طبيعته الملموسة داخل الأسواق التقليدية (وطنية وجهوية ودولية) ليصبح مجردا داخل سوق من نوع جديد"(3). سنؤجل الإسهاب في هذه النقطة المتعلقة بذوبان الخصائص والخصوصيات الثقافية المحلية ومناقشتها، مكتفين اللحظة بالحديث عن العولمة والقصور البنيوي للاقتصادات العربية، ذلك أن العولمة خلقت شروطا جديدة لتنافس جديد على درجة عالية من الحدة لم تعد معه الكيانات القطرية قادرة على الصمود لمواجهة رهانات تحدي التنافس. فالكيانات القطرية العربية يطبع اقتصادها ضعف شديد وقصور بنيوي، مما يحتم عليها خلق تجمع اقتصادي جهوي أو إقليمي لتصبح فاعلة في العلاقات الاقتصادية الدولية. ومن مؤشرات ذلك القصور عدم استقرار وتيرة النمو لغياب ترشيد الموارد والتي تستعمل لأغراض الاستهلاك التبذيري المفرط والاستثمارات غير المجدية. عدم مردودية التعليم رغم ما ينفق عليه من ميزانيات ضخمة. حجم المديونية الخارجية العربية والذي لا يتناسب والموجودات العربية الموظفة أو المودعة في الخارج. الإنفاق العسكري نتيجة التناقضات العربية - العربية وغياب أسس الاستقرار السياسي والمجتمعي داخل أغلب الكيانات القطرية. سوء توزيع الدخل وضعف الفئات الوسطى وانتشار مظاهر الفقر والأمية. قصور الأداء السياسي لأغلب الدول العربية وعدم انخراطها في المشروع الديمقراطي وتفعيل المجتمع المدني، وقد ترتب عن ذلك تغييب الإنسان في عملية التنمية والبناء وتهميش الطاقات والكفاءات الثقافية والعلمية وتدهور وضع المنظومة التعليمية والبحث العلمي(4). بين، إذن، أن العرب اليوم مطالبون بأن يكونوا في مستوى التحدي الجديد، تحدي المستقبل باقتراح أجوبة مناسبة تجعلهم يواكبون التحولات التي تفرضها ظاهرة العولمة ولا يظلون في هامش التاريخ وأول شرط من شروط المواكبة: خلق تجمع إقليمي اقتصادي عربي، ذلك أن العوملة أظهرت أن الكيانات القطرية لم تعد قادرة على الاستجابة لمتطلبات الارتقاء التكنولوجي والتنافسي. أما الشرط الثاني فهو الاستجابة لمطلب الديمقراطية بخلق أدوات استشارية حقيقية بالانفتاح على طاقات المجتمع المدني ورد الاعتبار للاختلاف والتسامح وإدماج البعد الاجتماعي في عملية التنمية الشاملة، فلا تنمية اقتصادية بدون تنمية اجتماعية تقلص الفوارق وتوفر العمل.
*********
عمدنا في ما تقدم إلى إبراز الاتجاهات الرئيسية العامة لظاهرة العولمة كمدخل أو مقدمة للجواب عن سؤال نعتبره حاسما نعطيه صياغة جديدة: هل الهلع من العولمة هلع مشروع؟ وهل الهلع من المتغيرات هلع مبرر؟ إن ما حاولنا أن نؤكد عليه في الفقرة الآنفة هو أن العولمة كانت ظاهرة مرتقبة، صحيح أنها شكلت طفرة نوعية، لكنها جاءت نتيجة ممهدات ومقدمات تاريخية سبق التليمح إليها باختصار شديد. لذا فإن موقف الهلع، الذي نلحظه في العديد من الكتابات العربية، من الظاهرة يعد في نظرنا تنكرا للتاريخية والتاريخ، أي عدم اعتبار صيرورة الحقيقة وتسلسلها وعدم اعتبار إيجابية الحدث التاريخي وتسلسل الأحداث(5). ويمكن القول صراحة إن المجتمع الذي يسير على هدي النظرة التاريخية يسود العالم ولن يستطيع أي مجتمع كان المحافظة على مقامه وحقوقه إلا بالخضوع للمنطق الجديد، منطق خوض غمار المستقبل دون رهبة من المستجدات(6). من هذا المنظور، لا يجوز الكلام عن "قساوة" في التاريخ أو عن جناية تاريخية أو ما شابه ذلك من العبارات التي تنم عن الهلع من المستجدات إلا بالنسبة لذهن يتنكر لمنطق التاريخ ويهاب المغامرة التاريخية. وتلك حال الذهن العربي فلا تكاد تخلو مجلة أو صحيفة عربية من الحديث عن العولمة وعن مخاطرها ومساوئها، وكان الأمر يتعلق ببضاعة تقبل أو ترد، وكأننا في موقع قوة يبيح لنا أن نستشار في قبولها أو رفضها. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على غياب الوعي التاريخي الذي طبع مواقفنا، نحن العرب، من كبريات المنعطفات في تاريخنا وما يزال، رغم انطوائها في العديد من الأحيان على قيم يستلزم الأمر أن يستثمرها العرب لصالحهم. لقد تحدثنا آنفا عن مظاهر القصور البنيوي للاقتصادات العربية والتي تعكس مظاهر قصور آخر أعمق، إنه القصور السياسي والاجتماعي وقد ذكرنا أن أغلب الدول العربية لم تنخرط في المشروع الديمقراطي ولم يتم بها تفعيل المجتمع المدني، كما غيبت الإنسان في عملية التنمية والبناء وهمشت الطاقات والكفاءات الثقافية والعلمية… ونظن أن رفع تحدي العولمة والالتحاق بركب التقدم يفرض الانخراط في المشروع الديمقراطي وتفعيل المجتمع المدني والمراهنة على الإنسان باعتباره أكبر وأهم ورقة في عملية التنمية. إنه الحد الأدنى الذي يسمح به للعرب الدخول إلى القرن الحادي والعشرين وإلا أقصاهم التاريخ، أو أقصوا أنفسهم منه. إن النظام العالمي الجديد أصبح يفرض قيما تستلزم أن يستثمرها العالم العربي لصالحه كمدخل للعولمة وللمستقبل وهي قيم تستند إلى مبادئ كمبدأ عالمية حقوق الإنسان ويتمثل في تزايد التأكيد على احترام حقوق الإنسان والحريات العامة، فلم تعد هذه الحقوق مجرد شأن يخص كل وطن على حدة ومسألة داخلية، بل أصبحت شأنا عالميا. ومبدأ حق الاختلاف والتعدد، ومبدأ حق الجميع في الحياة في بيئة خالية من الأخطار والتلوث. ومبدأ حل القضايا عن طريق الحوار بدل المواجهة… إن إمعان النظر في هذه المبادئ يجعلنا نقتنع أنها مبادئ ما أحوجنا إليها في أقطارنا العربية. لكن الهلع من المتغيرات الجديدة يجعل بعض مثقفينا ومحللينا السياسيين يصورون العولمة، والنظام العالمي الجديد، قبل ذلك، كغول قادم يبقى على الأقوياء ويسحق الضعفاء، دون الانتباه إلى أن من لا يواكب التاريخ ولا ينصاع لمنطقه ضعيف، وإلى أن ما يحكم العلاقات الدولية هو منطق الغلبة، وأن المجتمع المتغلب اليوم هو المجتمع المتقدم. والدليل على ما نقول إن العالم العربي يقاد، حاليا، إلى الحداثة بالسلاسل، وأغلب أقطاره لم تنقد إلى المبادئ الآنف ذكرها، كمبدأ حقوق الإنسان والحريات العامة والديمقراطية، طوعا ومن تلقاء نفسها، بل قهرا وبقرار أو توصية من البنك العالمي أو صندوق النقد الدولي أو منظمة العفو الدولية وخوفا من العقوبات. بهذا المعنى، أي حين يحصل الوهم أن التقدم والحداثة يتمان قسرا و"بإملاء"، ينظر إلى المستجدات والمتغيرات، ومن بينها العولمة، على أنها "قساوة" أو جور تاريخيان، زجا بمجتمعات في تاريخ ليس تاريخها ومستقبل ليس مستقبلها.
الهوية والعولمة:
ننفذ إلى هذا الموضوع من خلال تساؤل يفرضه سياق هذا البحث: هل تتهدد العولمة الهوية؟ أو بعبارة أصح، هل تؤدي العولمة إلى اندثار الخصوصيات الثقافية؟ نقول مباشرة: إن السؤال بهذه الصيغة الأخيرة يفرض جوابا بالإيجاب، إذ من بين اتجاهات العولمة اتجاه تندثر بمقتضاه الخصوصيات الثقافية، والمقصود بذلك هاهنا، اندثار أنماط الاستهلاك الخصوصية من جراء تجانس الطلب وخضوع المنتوجات لتنميطات موحدة ذات بعد كوني. فأين نحن من الهوية؟ إن الأمر لا يعدو المستوى الاقتصادي الاستهلاكي ومن المعروف أنه حتى في هذا المستوى، تظل الفئات الوسطى والفقيرة، والتي تشكل النسبة العظمى من النسيج الاجتماعي العربي، تحتفظ إلى حد بعيد بسلوكاتها الاقتصادية والاستهلاكية لعدم قدرتها على مسايرة كل المتطلبات الجديدة. أما السؤال في صيغته الأولى فيحتاج إلى وقفة نقدية باعتبار أن الهوية أعم وأشمل من الخصوصيات في معناها المفصل أعلاه. تسبب استعمال لفظ الهوية في خلط والتباس فكريين منتشرين. فغالبا ما تفهم الهوية فهما مطلقا معزولا عن كل الظروف أو الشروط القائمة وكأن الهوية تعني أن من الواجب على عرب اليوم أن يضاهوا عرب الأمس وأن يتميزوا عن الغير، وبخاصة عن الغربيين، ويفترض كل ذلك عدم الاقتباس من ذلك الغير حتى الأمور الصالحة والمفيدة وبدعوى أنها معارضة لما يطمح إليه العرب من تميز ومغايرة، إن لم نقل من تفوق. وكلما قل الاقتباس من الخارج والتفاعل معه، تقوت حظوظ المحافظة على التشكيلة الاجتماعية وعلى نفوذ النخبة التقليدية فيها هذا رغم استيراد منتجات استهلاكية ترفيهية لا تمس في المثل والرموز"(7). لقد صار من الشائع ربط الهوية بالماضي وبما تم إنجازه فيه، كما أصبح من المألوف ربطها بما هو ثابت لا يقبل التحول ولا يراد له أن يتحول حتى لا تندثر معالم ما يحفظ للأمة استمرارها عبر الزمن، ولا تندرس أصالتها بفعل تحديات إنجازات الحاضر أو المعاصرة (بفتح الصاد). والهوية، بهذا المعنى، تغدو، في نهاية المطاف، مرادفة للجمود على الحال والتقوقع في الماضي والحقيقة. أن الهوية لا ترتبط بالماضي أكثر من ارتباطها بالمستقبل، بطموح الأمة وآمالها في المستقبل. بهذا المعنى تغدو الهوية مرتبطة بطموح الأمة ومطامحها في بناء مستقبل جديد، وما ترغب في تحقيقه في المستقبل تداركا للتأخير وبغية الالتحاق بالركب. لكن ذلك كله لن يتأتى إلا ضمن ما هو متاح، عالميا، الآن. العولمة عنصر أساسي من ذلك المتاح الذي لا يمكن تجاوزه. لقد أشرنا، منذ قليل إلى أن ثمة مبادئ يستند إليها النظام العالمي الجديد والعوملة لا يمكن للعرب عدم استثمارها من أجل بناء مجتمع مدني تحترم فيه حقوق الإنسان والحريات العامة. إن كل تقدم يستلزم استيعاب مكتسبات الحاضر وخوض غمار المستقبل، وجعل الماضي أو الهوية يرتفعان إلى مستوى معين، مستوى الحاضر والمستقبل، وهو المدخل إلى العالمية. فهذه الأخيرة لا تقتضي المشاركة فيها، بالضرورة، تذويب ألوان الخصوصية والتعالي على التاريخ وعلى الاختلافات وصنوف التنوع. "فإن التحولات الكونية قد ألقت بنا في أتون آلة حضارية جهنمية لا نملك أن نقف قبالتها عند حدود النظر إلى عجائب تركيبها وطرائق عملها وفعلها مأخوذين بالدهشة أو الاستغراب أو الذعر فحسب إن كل شيء يوجب علينا، إن كانت الحياة تعني لنا شيئا وإن كان البقاء أمرا يشغل بالنا ويقلق راحتنا، أن نصوب أنظارنا إلى ما يحدث وأن نبدع الآليات الفاعلة التي تهيء لنا استجابات مطابقة تعين على الحياة وعلى استمرار الوجود في شروط آمنة لنا نحن وللآتين من بعدنا ممن يمتون إلينا بروابط خاصة في تلك التي نتكلم عليها ونحيل إليها في كل مرة نريد أن نعرف بأنفسها وخصوصياتنا الشخصية أو التاريخية أو الحضارية أو الإنسانية قبالة الآخرين والأغيار" (8). إن الثقافات البشرية ثقافات متعددة، وجدت منذ الأزل كذلك وستظل متنوعة إلى أبد الآبدين.ولعل ما يجعلها تظل كذلك تدخل أبعاد عديدة فيها ترتد إلى ثلاثة هي: البعد الوطني القومي، والبعد الجماعي، ثم البعد الفردي والشخصي. إنها أبعاد غير قارة، بل متحركة ومتطورة بحكم تطور التاريخ. فحينما يتم الحديث عن هوية ثقافية ما فإن الأمر يتعلق بتلك الأبعاد الثلاثة وقد تشخصت في كيان أمة وحدود وطن أو دولة وشكلت مرجعا رمزيا لأفراد تلك الأمة أو ذلك الوطن. فهل العولمة اغتصاب لتلك العناصر مجتمعة وإفراغ لها من كل محتوى قصد تفتيتها وتشتيتها بربط الأفراد بعالم اللاوطن واللاأمة واللادولة واللاخصوصية؟ من الظواهر اللافتة للنظر أن الفكر العربي المعاصر "فكر أزمة"، يفترض الأزمات حيثما ينبغي التحلي بالوعي التاريخي أمام المتغيرات. يحول فشله إلى وفرة في الخطابات، وهو أمر يترتب عنه غياب تصور واضح ومحدد للمفاهيم والأطروحات موضوع الجدل مما يساعد على نشوء صراعات وهيمة، وهو أمر يضعف النظر العربي ويحصره في دائرة مغلقة من المغالطات المفسدة لآليات العمل العقلي(9). فالمتصفح لما يكتبه العديد من مثقفينا، اليوم، في موضوع العولمة في جانب آثارها الثقافية على العالم العربي يلاحظ أن الأجراس بدأت تدق مؤذنة بغزو ثقافي قادم ومنذرة بعدوان جديد على الخصوصية الثقافية يتطلب التحصن والدفاع والتأهب واليقظة(10). وعلى افتراض أننا مستهدفون فعلا بغزو ثقافي يخترق تلك الهوية فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: أين كنا؟ ألم يكن الأمر يستلزم من مدة وضع استراتيجيات وخطط ثقافية؟ أليست لنا تلك الاستراتيجيات والخطط؟ أين إعلامنا العربي؟ إننا نعيش في عصر الفضائيات والثورة الإعلامية، فماذا أعددنا لكل ذلك؟ لقد تعودنا الركون إلى تحميل الغير مسؤولية ما نحن فيه من مشاكل وكأننا أمة غير فاعلة يقسو علينا التاريخ مثلما تقسو علينا الظرفيات المستجدة وكل ما نفعله هو أننا نطاوع كل ذلك ونصاب بالهلع والذعر لا نملك ردود أفعال مناسبة وملائمة يمليها تصورنا للراهن والمستقبل وتخطيطنا لهما. إننا كالطفل يصاب بالذعر أمام أي شيء لم يألفه وبدلا من أن يحاول اكتشاف مجاهيله ومواجهتها، يصاب بالفزع ويفر عائدا إلى حضن أمه ينشد دفء الرغبة في العودة إلى الرحم، أي إلى مرحلة ما قبل مواجهة العالم بمشاكله وتعقيداته. لم لا يقتدي مخططونا في الثقافة، والمثقفون بمفكرينا الاقتصاديين الذين يخططون للمستقبل انطلاقا مما يعرف بالظرفية مما يعطي لتوقعاتهم صبغة أكثر علمية ويضفي عليها طابع الواقعية؟ فهؤلاء الأخيرون وأمام نفس المشاكل التي تحظى باهتمام الأولين، ولتكن مشاكل العولمة،يسلكون سبيل التحليل النقدي الهادئ الذي يقترح ردودا عملية على المستجدات بدلا من أن يفزع أمامها(11). في زمن يتحدث فيه علماء الاجتماع والانطربولوجيا الثقافية والمنشغلون بتطور الثقافات عن التثاقف والمثاقفة والتلاقح الثقافي وانفتاح الثقافات على بعضها البعض وحوار الثقافات يركن مثقفونا إلى أطروحات أثيرة لديهم كالغزو الثقافي والاغتصاب الثقافي والأمن الثقافي واختراق ثقافة لأخرى وهلم جرا، هذا مع أن الثقافة العربية برهنت، عبر تاريخها الطويل والحافل، عن انفتاح قل نظيره إن كتاب الحيوان للجاحظ كله نقول من طباع الحيوان وأجزاء الحيوان لأرسطو، ومن مؤلفات أخرى يونانية أو غير يونانية. وقس على هذا مؤلفات الفلاسفة والعلماء العرب كما أن تأسيس "بيت الحكمة" على يد المأمون العباسي يحمل أكثر من دلالة ومغزى في هذا السياق، ومن الظواهر اللافتة للنظر في تاريخ الثقافة والحضارة العربية، والتي انتبه إليها ابن خلدون أن ثقافتنا، حتى في أبهى عصورها ظلت منفتحة على غيرها من الثقافات، بل "مخترقة" من قبلها رغم أنها كانت ثقافة "الغالبين"، وبدلا من أن يقلدها المغلوبون و"تخترق" ثقافتهم، حدث العكس خلافا للقانون القائل "إن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"(12). فما الذي دهانا اليوم؟ انهاب الحداثة ومتغيرات التاريخ رغم أن الحداثة قدرنا. نخاف المغامرة التاريخية ونبكي الأزمة في وقت كان الأمر فيه يتطلب ابتكار أساليب لتدبير الأزمة وإدارتها؟ هذا إن كانت ثمة فعلا أزمة.
خاتمة:
هل العولمة قساوة من قساوات التاريخ؟
تبين لنا من خلال ما تقدم أنها لن تبدو كذلك إلا بالنسبة لنظرة تتوهم أن التقدم والحداثة افتضاض واغتصاب واعتداء على هوية - ماهية تعلو على التاريخ ومتغيراته، هوية بكر تحتفظ بطهرها عبر الزمن وتبدلاته.
هل العولمة تتهدد الهوية؟
يتضح مما سبق ذكره أن الجواب ليس، بالضرورة، بالإيجاب. إنها لا تتهددها إلا بالنسبة لرؤية تربط الهوية بالماضي وتعتبرها معطى جاهزا ومكتملا، بينما الحقيقة أن الهوية ترتبط بالمستقبل كذلك، بطموح الأمة وآمالها في التجديد وبناء مستقبل جديد لا يتنكر لمكتسبات العصر، بل يعمل على استيعابها لصالحه، لا يتجاوز المتاح عالميا، بذريعة خلق متاح خصوصي يحفظ الهوية من تقلبات التاريخ قد يكون هذا الوهم صحيحا لو كنا نحن "الغالبين" أي نشكل مركز العالم، أما وأننا محيط أو طرف من الأطراف، فإننا مضطرون إلى قبول ما هو متاح واستثماره لصالحنا. إن من أعقد الأمور البت في المشكلات الثقافية وعلى رأسها مشكلة الهوية الثقافية فمفهوم الهوية الثقافية مفهوم غامض، لا يتحدد بالإيجاب، بل بالسلب، إن الهوية هي ما يجعلني مختلفا عن الأغيار ومتميزا عنهم، وليس من الضروري أن يكون الاختلاف والتمايز هنا بين مستويين من التطور والتحضر، فحتى بالنسبة لمجتمعات متقدمة، مثلما نلحظ ذلك حاليا في المشهد العالمي، تتبع نفس نموذج التحديث والتقدم وتوجد في نفس المستوى من التقدم، تظل الفوارق والاختلافات الثقافية بينها قائمة، كما تظل هوياتها متباينة.
لذا لا خوف على هويتنا الثقافية من التقدم والتحديث… والعولمة.
هوامش:
1 - انظر فتح الله ولعلو، تحديات عولمة الاقتصاد والتكنولوجيا في الدول العربية، عمان، 1996،
18-24.
2 - نفس المصدر، ص 25
3 - نفس المصدر، ص 26
4 - نفس المصدر، ص 47-49
5 - عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، بيروت 1983، ص 206
6 - نفس المصدر،ص 94
7 - عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، ص 200
8 - فهمي جدعان، الطريق إلى المستقبل، بيروت 1996، ص 7
9 - كمال عبد اللطيف، مفاهيم ملتبسة في الفكر العربي، بيروت 1992، ص 6
10 - كنموذج لتلك الكتابات، انظر مساهمتي الأستاذين محمد عابد الجابري وعبد الإله بلقزيز في ندوة، العرب والعولمة التي انعقدت ببيروت في دجنبر 1997.
11 - انظر على سبيل المثال المجلة الاقتصادية المغربية Signes du présent, Rabat. في عددها الخاص "بمفارقات الأزمة" (د.ت) العدد الخامس 1989
12 - ابن خلدون، المقدمة، القاهرة (د.ت)، ص 147
|
|
(0) تعليقات |
|
2010-02-23
علي الديري
كان من أهم قراءاتي لهذا العام رجوعي إلى كتاب (الهوامل والشوامل) الذي هو نتاج أديبين فيلسوفين، هما ابن مسكويه وأبوحيان التوحيدي. الهوامل: وهي النياق الشاردة بلا راع، وبها سمى أبو حيان أسئلته (وهي 175 سؤالاً) التي بعث بها إلى مسكويه (ت 421هـ). فأجابه مسكويه بأجوبة سماها: (الشوامل). يقال شملت إبلكم لنا بعيراً: أي أخفته ودخل في شملها. والظاهر ـ كما يقول المحقق ـ أن الكتاب أخفي قديماً خوفاً عليه من سخط العامة، فانقطع خبره، ولم يذكره أحد من المؤرخين، سوى البيهقي في (تاريخ حكماء الإسلام).
كان التوحيدي يسأل: ما الإنسان؟ وما المعرفة؟ وما العلم؟ وما الائتلاف؟ وما الاختلاف؟ (ما السبب في قتل الإنسان نفسه عند إخفاق يتوالى عليه) و(ما السبب في اشتياق الإنسان إلى ما مضى من عمره، حتى انه ليحن حنين الإبل) و(لم صار الإنسان إذا صام أو صلى زائداً عن الغرض المشترك فيه، حقَّر غيره واشتط عليه، وارتفع على مجلسه ووجد الخنزوانة في نفسه، وطارت النعرة في أنفه حتى كأنه صاحب الوحي) و(ما الذي حرك الزنديق على الخير وإيثار الجميل) و(ما سبب غرور أولاد المشهورين وتعاليهم على الناس) و(ما السر في أن الناس يستخفون من أطال ذيله وكبر عمامته) و(لم صار العروضي رديء الشعر، والمطبوع على خلافه)، وغيرها. أسئلة مشبعة بروح عاطفية قلقة تطارد التناقض في كل مكان لكي يجعل الحقيقة المخبوءة تنبثق وتظهر، كما يقول محمد أركون، أبرز المشتغلين على فلسفة التوحيدي.
أن تسائل أجوبة شاملة، يعني أنك تريد أن تحرر المعرفة من برودة الأجوبة الجاهزة. كم نحن بحاجة اليوم إلى ان نتعلم من التوحيدي، كيف نعيد للسؤال حرارته وحرقته ونفوره من المعرفة الشاملة. الرجوع إلى هوامل أبي حيان التوحيدي في غاية الأهمية اليوم، لأنها تعلمك كيف تهمل شوامل ثقافتك، وتكون نافراً بأسئلتك القلقة والمشككة، تعلمك كيف تجعل من السؤال حركة بحث قلقة ومزعجة، تعلمك كيف تسائل بدهياتك، ومهملاتك ويومياتك وعوارضك ووجودك الحي، وحالاتك النزقة والمتغيرة والمتناقضة، تعلمك أن تسأل عن اللاعقل فيك واللأمنطقي واللاإنساني، تعلمك هوامل أبوحيان كيف تجعل من سؤالك مغامرة لا طلباً لمعرفة جاهزة، وتحرض سؤالك أن يكون سؤالا اعتراضيا ونقديا وفاتحا. تعلمك كيف يكون سؤالك كتاباً مفتوحاً على روح العالم والإنسان بتعدده واختلافه!! تعلمك أن السؤال يبقى نافرا لا يسكنه شمول أي منطق ولا أية منظومة ولا أي مذهب.
هوامل أبي حيان التوحيدي تعلمك أن السؤال حركة، وان الإنسان كله حركة، ومتى فقدت حواسه أو روحه أو أعضاؤه الحركة فقد إنسانيته، حين تحاصر سلطة الأجوبة بشمولها حركةَ لسانه ونفسه وقلبه وروحه وعقله، يفقد إنسانيته «الحركة صورة واحدة لكنها توجد في مواد كثيرة ومحال مختلفة، وبحسب ذلك تُولَّى أسماء مختلفة.... (فهي) في اللسان منطق، وفي النفس بحث، وفي القلب فكر، وفي الإنسان استحالة، وفي الروح تشوُّف، وفي العقل إضاءة واستضاءة.....» أبو حيان التوحيدي/المقابسة 49. هوامل أبي حيان هي هذه الحركة، حركة الأسئلة المتشوفة للاستضاءة والاستحالة والتقلب.
إن الجواب يحتاج إلى حركة السؤال، إن الشامل معوز ومحتاج وفقير إلى الهامل إلى حركته وروحه واحتجاجه ونهمه. لذلك كان ابن مسكويه محتاجا إلى التوحيدي، محتاجا إلى سؤاله، أكثر مما كان التوحيدي محتاجا إلى جواب ابن مسكويه.
العالم يتجدد بالهوامل، من يفتح حياتنا بالأسئلة يحرك عالمنا ويجدده ويغيره، هوامل كانط المحركة كانت أربعة: «ماذا أستطيع أن أعرف؟»، «ماذا يجب أن افعل؟»، «ماذا يمكن أن آمل؟»، و«ما هو الإنسان؟». أربعة من أسئلة الفيلسوف إيمانويل كانط، وجَّهت كتابه الشهير «نقد العقل المحض»، ولأننا بحاجة دوما إليها كي نجدد حياتنا، فقد كتبت على يافطات صفراء، وبعدة لغات، ووزعت على شوارع عدة بلدان ومدن أوروبية، حيث انطلق المشروع بداية من ألمانيا، فرنسا، اللوكسمبورغ، الدانمارك، اليونان، بريطانيا، وغيرها.
لبنان كان البلد الأول الذي يشهد هذا المشروع خارج القارة الأوروبية، والمشروع ألماني الأصل، وهو بعنوان: weltfrage، أي «أسئلة العالم»، والفكرة لفنان ألماني اسمه رولاند كرويزر، وأراد من خلال عرضه التجهيزي البصري هذا، أن يعيد طرح أسئلة كانط الفلسفية على شعوب العالم، وهو يستعمل أكثر من أربعين لغة عالمية مختلفة. أسئلة فلسفية تفرش في الشوارع وتسأل الإنسان عن نفسه وقلبه وحياته، فتصبح أقرب إليه مما تكونه في الكتب وأدمغة الفلاسفة حيث الأبراج العاجية.
الأرصفة ليست وحدها ما يشكِّل شوارع المدن، فهناك الهوامل التي تحرك أرصفة الشوارع، يتحرك الشارع بهذه الهوامل فيتغير ويتجدد
|
|
(0) تعليقات |
|
2010-02-20
جهاد الترك
- المستقبل-
الفكر ومشتقاته وما يدور في فلكه، ليست في أحسن أحوالها في الغرب، على الأرجح. ولعلها لم تكن يوماً كذلك. ولا يبدو أنها قد تشهد، في القريب العاجل أو البعيد المؤجل، مرحلة من الطمأنينة أسوة بتلك التي أطلقت المارد الثقافي من قمقمه منذ مطلع ما يُسمى "عصر الأنوار".
في تلك الأثناء التي تحولت أرثاً هزيلاً على الأغلب، خفيف الوزن لا يعتد به، قيّض للمفكرين والفلاسفة في الغرب الأوروبي، العثور على المعادلة "السحرية" التي مكنتهم، بعد ذلك، من إرساء نموذجهم الثقافي، قدوة وحيدة ويتيمة ومتفردة للانتساب الى نادي الأقوياء.
الاحتكام الى العقل وحده، بأسبابه ودلالاته، واستشرافاته، شكل "التعويذة" المناسبة للانقلاب على القرون الوسطى التي بدت، وفقاً لهذا المفهوم، كتلة زمنية تتدحرج في الفراغ خارج شروط التاريخ. اليوم، وبعد قرون خمسة على وجه التقريب، لا يبدو أن الرحلة التي اجتازتها الثقافة الغربية قد بلغت بر الأمان. فلا فلسفة الأنوار بمفاهيمها التي تتخذّ من العقل بوصلة حصرية تؤدي، بالضرورة، نحو خلاص محتوم للانسانية المأزومة، أثبتت قدرتها على الصمود في عالم متغير. ولا المفاهيم المناقضة لهذه الفلسفة التي راحت غيومها تتراكم في أفق المشهد الفكري، منذ مطلع القرن العشرين، قد استقرت على نمط فلسفي محدد يبشر باحتمال انقاذ الفكر الغربي من دوامته العنيفة. والنتيجة الأقرب الى واقع الحال، ان ثمة انحساراً على الساحة الثقافية في الغرب، للتصورات الفلسفية الكبرى التي ساهمت في صوغ الحضارة المعاصرة. والأرجح، في هذا السياق المحموم بالشك بالمسلّمات والتساؤلات المستجدة، ثمة نزعة عميقة للطعن في منظومة واسعة من الأفكار التي باتت تصنف جاهزة ومتداولة وتقليدية. لم يعد مفر، على هذا الاساس، من أن تقدم الفلسفة في الغرب على القيام بمراجعة شاملة هي أشبه بجردة حساب ملزمة إذا جاز التعبير. وقد شرعت فعلاًَ بالاضطلاع بهذه المهمة المصيرية، منذ قرن على الاقل. وقد أسفرت، حتى اليوم، عن خروق واسعة وحادة في جدار الفكر والثقافة من دون أن تتوقف عند حد معين. ولا يبدو ان لهذه المراجعة سقفاً زمنياً محسوباً. مخاض كالنهر الجارف يشح قليلاً ثم يمتلىء كثيراً ليستعيد تدفقه الهادر. حضارة تنتقد نفسها حتى العظم. تجرد نفسها من ثيابها المعهودة. تنتقل عارية من دون خجل. غير انها سرعان ما ترتدي حلة جديدة. ديمومتها في أنها تعرض نفسها تلقائياً لعوامل التآكل واحياناً التلف لتستقوي بأمراضها تمهيداً لشفاء قد لا يدوم طويلاً.
مرد هذه التساؤلات والتصورات الى دراسة هامة بعنوان "تحولات الفكر الفلسفي المعاصر" للكاتب الجزائري المرموق عبد الرزاق بلعقروز، صدرت حديثاً عن "منشورات الاختلاف" في بيروت. يجتهد فيها الباحث في رصد وتعقب أبرز المنعطفات الفكرية في الغرب، في السنوات المائة الأخيرة. ويعرج، في الوقت عينه، على دلالات اثنين من كبار المفكرين العرب المعاصرين، هما: طه عبد الرحمن وعبد الوهاب المسيري واستجابة كل منهما للتحولات التي طرأت على الفكر الفلسفي في الغرب.
عصر الأنوار
تكمن أهمية هذه الدراسة في انفتاح صاحبها على خارطة المتغيرات الفكرية والفلسفية في الغرب، على نحو يستبعد فيه أي تحيّز ايديولوجي لهذه "المدرسة" أو تلك، لهذا التيار الفلسفي او ذاك، لهذا المفكر او ذاك مهما علا شأنه في الحياة السياسية او الاجتماعية. والأغلب ان هذه المقاربة الموضوعية لمنظومات فكرية معقدة تستمد مشروعيتها من عصر الأنوار والارث اللاهوتي والفلسفة اليونانية القديمة والقوانين العلمية الراسخة، من شأنها ان تلتقط حالات الضيق أو الاختناق التي راحت تداهم الفكر الغربي في أكثر مفاصلة خطورة وحيوية في آن معاً. على هذا الاساس، يعيد الكاتب، في بانوراما فلسفية مشوقة، قراءة الانقلابات المتتالية التي نفذها بجرأة كل من: نيتشه، هايدغر، دريدا، فوكو، يورغن هابرماس وسواهم ممن أرسوا، في حقيقة الأمر، ما بات يسمى حقبة ما بعد الحداثة. وتتمثل هذه الأخيرة في التعبير عن قناعات محتملة، اذا صح التعبير حيال الموقف من المسلمات التي قامت عليها فلسفة الغرب منذ ان اهتدى المفكرون هناك على مقولة العقل الكوني في الفلسفة الأغريقية القديمة.
يتطرق الباحث الى شيء كثير من هذه التصورات في سياق تاريخي متماسك، ولكن بلغة اكاديمية فلسفية مرهقة هي اقرب الى محاولة بعث الحياة في مصطلحات باتت عقيمة، او غير مجدية، لكثرة استخدامها في السنوات الخمسين الأخيرة. حبذا لو تنازل الباحث عن كبريائه الاكاديمية الصارمة، قليلاً أو كثيراً، ليضفي على قراءته للحظة التحولات الفكرية في الغرب روحاً درامية وهو يستعيد محطات "السيرة الذاتية" لرحلة الفلسفة في الغرب القلق. غير انه لا يفعل ذلك. والاغلب ان هذا مآل المنكبين على صناعة الفلسفة تلك المادة الفكرية الصلبة التي قلما تنصاع لازميل التفكيك أو أدوات العقل والتهذيب. المهم، في هذه الدراسة الرصينة الكيفية التي يستخدمها الكاتب بمهارة وذكاء ملحوظين، ليتوصل الى استنتاجات لا تخلو من الشفافية حيال المخاض العسير والطويل الذي تعرضت له الفلسفة في الغرب. بدورنا، قد نقع ايضاً على جملة من الاستنتاجات والفرضيات التي لم يشر اليها الباحث في دراسته. من بينها، ان مبادىء العقل الكونية التي استرشد بها المفكرون والفلاسفة في مطلع عصر التنوير وبنوا على مرتكزاتها نمطاًُ ثقافياً بدا انه الأقوى في القرون القليلة الماضية، سرعان ما تبين انه الأكثر هشاشة بدءاً من مطلع القرن العشرين. بدليل ان مفكراً المانياً مثل فريدريك نيتشه، على سبيل المثال، استطاع ان يلقي بذور الشك في تربة الفلسفة الاوروبية على الرغم من بداياته التي بدت متواضعة في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر. والأرجح ان نيتشه شكّل في تلك الاثناء، اعلاناً صارخاً، وان على شيء من الصمت أو الخجل، باقتراب الفكر الأوروبي من الحائط المسدود.
أدرك هذا المفكر، مبكراً، ان العقل لم يعد وحده كافياً لقراءة الإنسان المعاصر من الداخل. رأى، في هذا السياق، أن العقل أصبح مأزقاً والأرجح مستنقعاً تطفو فوق مياهه الآسنة نزعات وطموحات وتطلعات إنسانية لا مكان لها على الإطلاق في الدائرة الضيقة التي رسمها العقل لمسيرة البشرية. والأغلب أنه، بهذه التصورات العنيفة، لم يكن يسعى الى إنقاذ الفكر الاوروبي من حالة الترهّل والموت البطيء بقدر ما كان يطمح الى اجتثاث هذا الفكر المأزوم من جذوره العميقة.
حقائق أخرى
الفلسفة الأوروبية، في هذا الإطار، لا تنقلب على نفسها فقط، بل تنحرف عن مسار لم يعد قادراً على الاستجابة لحقائق أخرى تتحيّن الفرص للخروج من أسر العقل. والأرجح أن معول الهدم الذي حمله نيتشه لم يكن مقصوداً به تفتيت ما اعتبر وقتئذ إرثاً هو الأكثر أهمية على الصعيد الإنساني كانت الثقافة الغربية قد صنعته يوماً بيوم طوال القرون الأربعة الماضية. على النقيض من ذلك، شكل هذا الإرث "الإنساني" لدى نيتشه مأزقاً للإنسانية في حدّ ذاتها. فقد استوفى عصر الأنوار، في هذا الإطار، مهمته القصوى من خلال محاولاته الدؤوبة والمستميتة لإيصال العقل الى حيث لا ينبغي أن يصل أيضاً. إذ تحول مرجعاً أوحد تعزى إليه كل المفاهيم المستجدة والمتحركة والحيوية. يعاد تشكيلها وصوغها، وهي الآتية من قلب التجربة الآنية، على مقاس العقل الذي جمده المفكرون ثم رفعوه صنماً أخرس لا يحرك ساكناً.
بدت أفكار نيتشه ملائمة لفلاسفة آخرين كانوا مجايلين له أو ممن أتوا بعده. والأغلب أن الإعجاب بتصوراته وأفكاره وقراءته لما يعتبره تقهقراً في مسيرة الحضارة الغربية، لم يكن مردّه الى الانبهار الاستثنائي بطرافة هذه المفاهيم وقسوتها ومغايرتها. كان في ذلك شيء آخر مختلف حملهم على التبصّر العميق بآرائه التي لم تكن مألوفة من قبل. بدا أن في هذا الانجذاب التلقائي نحوه إقراراً واضحاً بالحاجة الملحة الى الخروج من النفق المقفل الذي أوجدته قوانين عصر التنوير منتهية الصلاحية. إن الانتشار الواسع الذي حظيت به أفكار نيتشه جاء استجابة بالغة التعبير عن استمرار استفحال مأزق الثقافة الغربية. ولعلّ في الأمر ما يتجاوز الاستياء والتبرّم ممّا آلت إليه أحوال الفكر والفلسفة. يستعرض الباحث في دراسته المذكورة عدداً من المفكرين والفلاسفة الذين استخدموا منهج نيتشه في نقدهم اللاذع للثقافة الغربية. والأهم أن من بين هؤلاء من أعاد صوغ وتشكيل هذا المنهج على نحو يتجانس مع وقائع العصر ومستجداته واختناقاته كذلك. الملاحظ، في هذا السياق المنتظم لمسيرة الفكر في الثقافة الغربية، أنه كلما اشتدّ الإحساس بمحاصرة الفكر من قبل قوانين ومبادئ عصر الأنوار، ازداد الإقبال بشراهة على المقاربة النقدية التي وضعها نيتشه لفكفكة "المؤسسة" النمطية التي أرساها عصر التنوير بعد قرون أربعة تقريباً من الممارسة التنظيرية، إذا جاز التعبير، لمفاهيم لم تكن كذلك في الأساس.
ما بعد الحداثة
والأرجح أن الحقبة الزمنية التي أطلق عليها عصر "ما بعد الحداثة"، وكان افتتحها بامتياز نيتشه، ماركس، فرويد، هايدغر، مطلع القرن العشرين، تنطوي في حقيقية الأمر على تسمية غامضة لم تنجلِ وضوحاً حتى اليوم، قد يخيّل الى بعضهم، على سبيل المثال، أن ما بعد الحداثة قد يشكل ردّة على الحداثة التي كان ابتدعها عصر التنوير. وقد يخيّل الى بعضهم الآخر، أن ما بعد الحداثة أمر من شأنه أن ينال من الإنجازات الإنسانية الضخمة لعصر التنوير، خصوصاً وأنها لم تنته فصولاً حتى اليوم. وقد يخيّل الى بعضهم الثالث، أن ما بعد الحداثة، مفكرين ونظريات ومفاهيم، لا يعدو كونه دوراناً عقيماً في متاهة الحداثة نفسها التي يصعب الاحجام عنها لأنها السبيل الأوحد الى الحقائق الإنسانية الكبرى. والأغلب، في هذا المجال، أن ما يستدلّ من هذه التسمية، هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحداثة بعد أن تُجرّد مما علق بها من مقدسات ومحظورات وعبادات لمذاهب فكرية وإيديولوجية أُفرغت من مضامينها الحداثوية في الأساس. عصر أنوار جديد، على الأغلب، تفتتحه مرحلة ما بعد الحداثة من دون شروط مسبقة، من دون قناعات جاهزة. يبدو أن الدراسة التي بين أيدينا تشير الى شيء من هذا القبيل. ويغدو الفكر الغربي، في هذا الإطار الزمني المتعاقب، ينقلب على نفسه والمؤسسات التي أقامها بآليات وميكانيزمات من داخله، من قلب تجربة الحداثة عينها. نيتشه يتمرد، على سبيل المثال، على العقل الذي تحوّل مؤسسة نظرية جامدة تستغفل النزعات الأخرى التي تكوّن الشخصية الإنسانية، مثل الإحساس الفطري بدور الغريزة كحقيقة ثابتة يتعذر تجاهلها في أي قراءة تتناول المجتمعات القديمة والحديثة. من ناحيته، يسعى كارل ماركس الى اكتشاف الأسباب الأخرى للاجتماع البشري من خلال التوغل العميق في تربة الصراع بين الطبقات، أسوة بأنتروبولوجيا داروين الذي راح يبحث عن حقيقة التطور البشري في الماضي السحيق للإنسان. الفيلسوف الألماني هايدغر يعلن أن ما يتحكم بالعقل ومساره عبر التاريخ، إنما يكمن في إرث غني من الخرافات والأساطير التي تهيمن بالكامل على إحساسه بوجوده في سياق من الكونية المطلقة. فرويد يخترق جدار العقل السائد الى اللاعقل المتمثل في اللاوعي. هناك في تلك المنطقة المستبعدة من دائرة الفكر الإنساني، تجري العمليات الدفينة للسلوك البشري حيث تتجمع غيوم المكبوت في أفق ضيّق فتنفجر على نحو مباغت. المفكر الفرنسي ميشال فوكو يحلّل الشخصية الإنسانية على صعيد بنيوي. أي أنه يتحرك في بنية محكمة من المفاهيم والمعتقدات التي لا مناص من التفلّت منها بحيث يعجز العقل بدوره عن التأثير فيها أو حرفها عن مسارها. وقد مهد بذلك لزميله المفكر الفرنسي الكبير، جاك دريدا، لينصرف الى تفكيك هذه البنية العمياء الى أجزائها الصغيرة الأولى بحثاً عن هوية غير متكونة بعد لمخاض الفكر الإنساني. كل من هؤلاء وغيرهم كثير ممّن يندرجون قسراً في ما يسمّى ما بعد الحداثة، ينقلبون على سلطة المؤسسة وطغيانها واستبدادها كذلك.
كل من هؤلاء المفكرين والفلاسفة والألسنيين وسواهم ممّن يتطرق إليهم الكتاب، هم من أبناء الحداثة. ولدوا وترعرعوا في كنف عصر الأنوار وامتداداته في القرنين التاسع عشر والعشرين. أكلوا من خبزه وشربوا من مائه. ومع ذلك، لم يعد هذا الخبز وهذا الماء كافيين للإحساس بالشبع من ثقافة تعاني هي نفسها من فقر الدم. والأغلب أن ما يسمى بفكر ما بعد الحداثة ليس تنكراً للحداثة أو تنصلاً منها، بل هو استكمال لمسار في الحضارة الإنسانية بدأ في عصر التنوير، وهو يزحف اليوم الى حيث يتعذر ضبط إيقاعه وتوجهاته. يصعب وصف الحداثة بقرون وسطى معاصرة تنتظر من يبادرها بضربة ساحقة ماحقة، على يد ما بعد الحداثة. لقد أفلت الفكر من قبضة الحداثة بحركة هستيرية على الأرجح. دخل الى دوامة الهاوية. وقد لا يخرج منها أبداً.
|
|
(0) تعليقات |
|
2010-02-20
*
الفلسفة “مرآة” روح العالم[1]
حين نفتكر هيغل تسودنا مشيئة صادقة بأن نقول عنه ما قاله هايدغر عن أرسطوطاليس: ولد؛ تفلسف؛ مات. جورج ولهلم فردريك هيغل واحد من أكبر أعلام الفلسفة، “حاول أن يعقلن كلّ التاريخ البشري، فجعل من الكلّ الحقيقة، ومن الحقيقة حركة مستمرّة في هذا المسار الإنساني الذي كان منذ أن كان التاريخ، فبرّر كلّ ما فعله البشر حتى في حماقاتهم الكبرى”[2].
“إدراك بالحياة… تلك هي المهمّة”. في مطلع القرن التاسع عشر، وفي مرحلة باشرت فيها علوم الحياة خطواتها الأولى “فعيّن الطب الحديث بذاته تاريخ ولادته”[3] وفي حقبة تاريخيّة ولّفت الثورة الفرنسيّة وولادة الدولة الحديثة (النابليونيّة)، أراد هيغل (1770 – 1831) أن يكون فيلسوف الحياة والتاريخ.[4] أدرك هيغل الحياة والتاريخ في حقيقتهما، أيّ كوسائط لتحقيق الروح فـ”عارَضَ الفلسفة التي تبحث عن الحقيقة بسطحيّة الأنوار Aufklärung رافضة النقد”[5] حتى شعر به آلان “بنوع من القروسطيّة التي لا تشاء أن تنتهي”[6].
من ناحية، يرى هيغل الفلسفة وحيدةً؛ فهي ” لا يناسبها الاختلاط في الطرقات والأسواق؛ ولكنّنا نأخذ بها بعيداً عن الناس، والأشياء التي يهتمّون بها، والمعارف التي تحوي تفاهتهم”[7]. ولكن في حقيقة الأمر، ومن ناحية أخرى، نرى مؤلّف “فنومينولوجيا الروح” يولي عناية كبيرة لصراع “السيّد والخادم” ويتآلف مع مصطلحات ومفاهيم “حياتيّة” لم يكن يعيرها الفلاسفة أيّ اهتمام، كـ”الوعي الشقي” و”اللذة”؛ فشأن الفيلسوف هيغل “اكتشاف الحقيقة، وقولها، ونشرها بالأفاهيم المناسبة”[8].
على الرغم من أن رصل يجد هيغل “الأعسر على الفهم بين كلّ الفلاسفة الكبار”[9]، إلاّ أنّ مرلو – بونتي يرى فيه أساس كلّ ما هو عظيم في الفلسفة لقرن من الزمن. طبعاً ما زال هناك الكثير من الغشيم والذي لم يعط حقه بالدراسة في فلسفة هيغل، ولكن ذلك برهان على أن نسقه ليس مقفلاً بل فلسفة مفتوحة لكلّ من أراد دخول عبابها. تأويل هيغل، يقول أيضاً مرلو – بونتي، “هو التمركز على كلّ الإشكاليّات الفلسفيّة، السياسيّة والدينيّة لعصرنا”. ويمكننا القول مع كوجيف “أن التاريخ لم يرفض أبداً الهيغليّة بل اكتفى بالانتقاء بين تأويلاتها المتضادة”[10].
في فلسفته جمع هيغل التناقضات و”اعتبرها لحظات جدليّة في حياة الروح المطلق، ثم وحّد بينها في كلّ فلسفي شامل، فإذا قلنا عن مذهبه أنه مركّب جدلي، فإن ذلك يعني أنه يحوي في طيّاته توتّرات هائلة أدّت إلى مناقشات عنيفة بين المدرسة الهيغليّة وغيرها من المدارس المعاصرة لها أوّلاً (كمدرسة شلنغ أو شليرماخر)، ثم داخل هذه الفلسفة نفسها ثانياً، كما أدّت إلى تفكّك المدرسة وانقسامها إلى أجنحة متميّزة”[11]: فللبعض هو فيلسوف الليبراليّة، في حين أن البعض الآخر ينزله منزلة الفيلسوف المسيحيّ؛ وإن يقربه كوجيف كفيلسوف ملحد، فهو لماركس، أوّلاً وأخيراً، قد أعاد رسم “اللاهوت العجوز للعصر” بريشة فلسفيّة.
بعد هيغل “لم يمكننا أبداً التفلسف بالطريقة نفسها”[12]، وإن لم يكُ بالنسبة لشُبنهاور سوى كاتب رديء يُشعِره بالغثيان، ومشعوذ محتال، حديث النعمة على الثقافة، وسيّد حزين.[13]
إنهمّ هيغل بالشيمياء والفلك والتحليل النفسي والاقتصاد السياسي والفنّ… “فخطّ مأثوره مشهد الفكر المعاصر” وأرادت له الميزة الموسوعيّة لاهتماماته أن يكون في مقام “أرسطوطاليس الأزمنة الحديثة”.[14] فلسفته “خميائيّة “[15] بامتياز، لا من حيث الغريب والمستتر فيها فحسب، بل أيضاً لما تحويه من معارف ممتدة على كافة مرافق الحياة، فالهيغليّة “تجميع لكلّ الماضي التاريخي والثقافي للإنسانيّة”[16]؛ ويؤكّد إميل برهيه، صاحب كتاب تاريخ الفلسفة الذائع الصيت، على أن هيغل يقدم، وكما فعل كثير من فلاسفة عصره، في أساس فلسفته “معرفة موسوعيّة لا تهمل أيّ عنصر إيجابي في الثقافة الإنسانيّة عامة”[17].
…
إنما الحق نسق
لنعتقد بأرسطوطاليس وديكارت فلاسفة، أيّ كي نأخذ بتاريخ الفلسفة، يجب علينا، أوّلاً، معرفة ما هي الفلسفة. ألفلسفة لا تنطق بأيّ شيء غير ما تعبّر عنه في جميع تنوّع الخبرات الأخلاقيّة، القانونيّة، السياسيّة، الشخصيّة، العلميّة… إنها استعراض للحقيقة التي تتقدم لذاتها ليس كإشكاليّة بل كنتيجة مكتملة النضوج؛ إنّها تشكّل هذا الرهان على أن معنى الحقيقة يكمن في النسق الذي يتحكّم به الفكر المنظّم والمقدّم بكلّ بساطة من قبل الفلسفة[18].
فكرة النسق مركزيّة في الفلسفة الكنطيّة، فـ”الوحدة النسقيّة هي ما تحوّل العلم لمعرفة عامة، أي ما تجعله نسقاً من التراكمات البسيطة”[19]. هذه الفرضيّة التي للنسق موجودة بشدّة عند هيغل فـ”الحق هو أساساً نسق”. يكتب هيغل لشلنغ عام 1800: “خلال تكويني العلميّ الذي بدأ مع الحاجات الضروريّة للإنسان، ينبغي عليّ بالضرورة أن أندفع نحو العلم، ومثال شبابي ينبغي عليه أيضاً أن يتحوّل لنسق”[20]. من ثم، توطّدت مقالة هيغل في طبيعة الاشتغال في الفلسفة الواجب في العلم منذ كتاب الفرق 1801، “إنما ماهيّة الفلسفة أن تبرأ تماماً من الخاصيّات فإذا التمس المرء أن يبلغها واعتبرنا أن الجرم ينمّ عن مجموع الخاصيّات، لا بدّ له من أن يلقي بنفسه فيها دون أن يقبضَ جسمه عنها”[21].
إن نصّ 1807، “فنومينولوجيا الروح”[22]، يمثّل استثناءً فلسفيّاً ضمن النسق الهيغليّ. فزائداً إلى كونه أوّل نصوص النسقيّة لهيغل، ونظير النصوص التي ستأتي بعده، (علم المنطق؛ موسوعة العلوم الفلسفيّة؛ أوائل فلسفة الحق) فهو ليس كمثلها جميعاً من جهة انّه أوّل نصٍّ ينْظُمه هيغل كشكل مبتكر للتفلسف لم تعهده المثاليّات الألمانيّة السابقة.[23]
يرى كوجيف أن الفنومينولوجيا الهيغليّة أظهرت نفسها على أنّها أنثروبولوجيا فلسفيّة؛ أكثر تحديداً: “إنها وصف نسقيّ وكامل، فنومينولوجيّ بالمعنى الحديث (الهوسرليّ) للمصطلح”[24]. “إن الشكل الحقّ الذي تكون فيه الحقيقة إنّما هو النسق العلميّ الذي لها”[25]؛ ومعناه أن الحق نفسه قد بات من شأن الفلسفة. والسبب في أن الحقيقة لا تكون إلا حركة انتساق وتنسّق ذاتي أن العلم كلّ متراص من التعيينات التي تنتظم ذاتيّاً من تلقاء اسطقسها الجوّاني. والحقّ “ليس إلاّ الحركة الديالكطيقيّة، أيّ هذا المجرى الناجم من نفسه والربيّ بنفسه والآيب إلى نفسه”[26]. ومعنى ذلك أن الحق لا يكون حقّاً إذا ما انفتح على الكذب والنفي والوهم. فالرفض كما يرى هيغل هو ما يميّز الإنسان عن سائر الكائنات وما يشكّل سمته الرئيسيّة. الإنسان كائن تاريخي قادر على التقدّم اللامتناهي لأن باستطاعته أن يرفض أيّاً من المراحل التي يبلغها. وليس التاريخ نزهة سهلة فهو “جدّ النفي وألمه وصبره وعمله”.[27] إن فلسفة الروح تكمن في فلسفة التاريخ التي تصف حقيق المطلق[28].
إنما المطلق يفهم أفهوميّاً
وللنسق الفلسفي الهيغليّ قاعدة حصريّة ألا وهي “أن الحقّ يدرَك ويقال لا كجوهر بل كذلك كذات”[29]. وجوهر المطلق لا يتحقّق إلاّ من جهة الاستحالة الذاتيّة، “أي من حيث يتصيّر لنفسِهِ موضوع نفسه، فلا يستوضع نفسَهُ إلاّ من حيث يتوسط نفسه بنفسه”[30]. ليس لفلسفة المطلق من موضوع بل هي نفسها ذاتها. فقط الجملة [الكلّ] تملك حقيقة مجرّدة. عندما تدرس الفلسفة الحقيقة المجرّدة تدرس الجملة كذلك. هذه الجملة تشير للوعي وأيضاً لفلسفة المطلق[31]؛ يقول هيغل، “الأنا المطلقة تحوي كلّ الحقيقة؛ هي الجملة وخارجها ليس هناك من شيء”[32].
تجد الفلسفة في الأفهوم “وحدة الكينونة والفكر” لذلك على المطلق “أن يفهم أفهوميّاً”[33]. كذلك تحمل الفلسفة جملة الخبرات الإنسانيّة في “الأفهوم”، المعنى الشفاف بالكامل للفكر. فنحن لا يمكننا أن ندرك دون أفاهيم، وكما يقول هيغل “لا يمكن أن نفكّر دون أن نفكّر”[34].
فلسفة هيغل هي فلسفة الأفهوم حيث تحتل “الأنا العزيزة”[35] مكانة مرموقة، وليس كوخاً افترضه كركيغورد لبنّاء القصر الجميل[36].
إنما الأفهوم بيانٌ تأمّليّ
والطريق التأمّليّة ليست تشييداً مصطنعاً يضاف من الظاهر إلى المضمون، بل انقلاب المضمون نفسه وتصيّره إلى صيرورة تعيّن ذاتيّ.[37] و”نعتقد أنّه من المسلّم به”، يقول هيغل (في كتابه “أوائل فلسفة الحق”)، “أن الطريقة التي بها تنتقل الفلسفة من موضوع إلى آخر تقيم الدليل على برهنة علميّة، التي هي المعرفة التأمّليّة عامة المتميّزة عن سائر المعارف الأخرى”[38]. من هنا ينطلق بول ريكور مؤكّداً على أن “الهيغليّة هي فلسفة تأويل مزيّنة بفلسفة معرفة”[39]؛ فمهمة الفلسفة ليست أن تقول للناس ما يجب عليهم أن يأملوا، بل بالأحرى أن تسمح لهم أن يأملوا بطريقة عقلانيّة بمساعدتهم على “إدراك الـ ما – هو”. “وظيفة الفلسفة هي إدراك الـ ما – هو”، يقول هيغل في موضع آخر، “لأن الـ ما – هو هو العقل. بما يخص الفرد، كلّ هو ابن زمانه؛ كذلك أمر الفلسفة، فهي تختصر زمانها في الفكر. الاعتقاد بأن فلسفة ما يمكنها أن تتخطّى عالمها الذي تعاصره، هو اعتقاد مغرق في الجنون يزيد جنوناً على الاعتقاد أن فرداً يمكن أن يتخطّى زمانه ويَعْبر عن الرودس[40] Rhodus”[41].
أمّا التأمّل الفلسفي فقوامه الاعتصام بالتاريخ لإزالة التعارض القائم بين النظر والعمل من خلال تدبير ميتافيزيقي للانفصام والتمزّق الذي يصيب العصر، إذ “لا ريب أنّ كلّ فلسفة إنّما تصدر عن عصرها، وعن اللاإتيقيّة إذا ما شاء المرء أن يفهم تمزّق ذلك العصر على سبيل انعدام الإتيقيّة؛ ولكنّ الفلسفة لا تفعل ذلك إلاّ لتغيّر ما بالإنسان فتصلحه ضدّ فساد العصر، ولتحفظ الجملة التي مزّقها الزمان”[42].
فالفلسفة بما هي نظر تأمّلي هي نشوء في المطلق نفسه كفلسفة، هذا المطلق الذي لا يثبت على هوّيته إلاّ من حيث ينفرق على نفسه ولا يكون إلاّ من حيث ينتفي إلى غير نهاية؛ “من الممكن أن الفلسفة لا تنفكّ تموت”[43].
يؤكّد هيغل إلى أن الحاجة إلى الفلسفة لا تنبعث إلاّ “حين تزول القدرة على التوحيد وتمّحي من حياة البشر، وحين تكون المتقابلات قد فقدت رباطها الحيّ وتفاعلها، فتصير قائمة برأسها؛ إذاك تظلّ تلك الحاجة عَرَضاً من الأعراض”[44]. كلّما أفسد الزمان الثقافة وهوت تكاوينها، فارتفعت عن حياة البشر قوّة التوحيد، وزال الرباط الحيّ الذي يأصر الأطراف المتقابلة، يكون قد حان آن الحاجة إلى الفلسفة[45]؛ وبلسانه، “تأتي الفلسفة دائماً متأخرة. بما أنها تَفَكُّر العالَم، تفصح عن ذاتها فقط حين يكمل وينتهي الحقيق مراحل تشكّله”[46].
…
شقاء الفيلسوف[47]
إن الإنجاز الرومانتيكي الذي حقّقه هيغل على صعيد سؤال الفلسفة لهو حقيقة إنجاز تاريخي، بالمعنى الهيغليّ للأفهوم، كما العام. فالموسوعيّة والنسقيّة والأفهوميّة واسطقسها الديالكطيقيّ الجوّانيّ… كلّها مسائل أساسيّة ميّزة، مجتمعة، طرحه حول سؤال الفلسفة عن سائر الأطروحات التي سبقته ولحقته في هذا الصدد. ولكنّا إذا نطرح مع بول ريكور، (الهيغليّ المعاصر، بما تيسّر!)، سؤال “ساعة الفلسفة” كما ارتآها هيغل نتيجة للتوليفات التاريخيّة، نقع في مأزق نرجسيّة الفيلسوف التاريخي الذي أتى به القدر في اللحظة المناسبة للتفلسف، دون غيره، هذه اللحظة التي من خلالها فقط يمكنه رؤية وجمع كلّ التجارب الإنسانيّة. “أمّا عصرنا نحن، علّه ليس عصر الفلاسفة”، يشكو ريكور آسفاً، “إن اللحظة السعيدة آن تتجمع كلّ الخبرات الإنسانيّة، ربّما، لا تتحقّق إلاّ قليلاً في التاريخ”[48].
*
هوامش
[1] Jostein Gaarder, Le monde de Sophie, Seuil, 1995, p.429
[2] جورج زيناتي، الفلسفة في مسارها، الأحوال والأزمنة، الطبعة الأولى، 2002، ص 213
[3] Michel Foucault, Naissance de la clinique, PUF, 2ème éd, Paris, 1972, p.VII ( in فارس ساسين، فلسفة الحياة والسيد المطلق، هيغل والموت، محاضرة ألقيت في الجامعة اللبنانيّة – كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، الفرع الرابع)
[4] فارس ساسين، م.م.
[5] Emile Bréhier, Histoire de la philosophie, Tome III (XIXe – XXe siècles), Quadrige, PUF, France, 1932, p.653
[6] Jean – Jacques Barrère & Christian Roche, Le Bêtisier des philosophes, Seuil, 1997, p.60
[7] ibid. p.11
[8] Hegel, Principes de la philosophie du droit, Idées, nrf, Gallimard, 1940, p.31
[9] Bertrand Russell, Histoire de la Philosophie Occidentale, 2ème éd, Paris, 1953, p.742
[10] René Serreau, Hegel et le Hégélianisme, PUF, France, 1965, p.125
[11] الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، معهد الإنماء العربي، المجلّد الثاني، الطبعة الأولى، 1988
[12] Jean – François Kervégan, George W. F. Hegel, L’Esprit Absolu, in Le Point, (hors – série), n0 10 – septembre / octobre, 2006, p.76
[13] Jean – Jacques Barrère & Christian Roche, ibid. p.59
[14] Jean – François Kervégan, George W. F. Hegel, L’Esprit Absolu, ibid. p.75
[15] Emile Bréhier, ibid. p.654
[16] François Châteler, La philosophie, Tome III (de Kant à Husserl), Hachette, Marabou, Belgique, 1979, p.62
[17] Emile Bréhier, ibid. p.645
[18] Paul Ricœur, Hegel aujourd’hui, texte d’une conférence destinée à un large public, donnée à la Maison de la culture de Grenoble, publié en 1974 dans la revue Etudes Théologiques et Religieuses, in Esprit, La pensé Ricœur, mars – avril, 2006, p.176- 177
[19] Kant, Critique de la raison pure, in œuvres philosophiques, tome I, Gallimard, 1980, p.1384
[20] Jean – François Kervégan, Hegel et le Hégélianisme, PUF, France, 2005, p.45
[21] هيغل، فنومينولوجيا الروح، ترجمة وتقديم د. ناجي العونلي، المنظمة العربيّة للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطبعة الأولى، بيروت، 2006، ص 78
[22] لم يكن هيغل أوّل من استعمل اللفظ “فنومينولوجيا”، بل سبقه إليه العديد من المفكّرين والفلاسفة الألمان، كما بيّن ذلك هوفمايستر في مقدمة طبعته الممتازة لهذا الكتاب: فقد استخدمه لمبرت في سنة 1764، وهردر في سنة 1774، وكنط في “نقد العقل المحض” سنة 1781، وأخيراً فشته في سنة 1804. (عبد الرحمن بدوي، حياه هيغل، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 1980، ص 58)
[23] هيغل، فنومينولوجيا الروح، م.م.، ص 77
[24] Alexandre Kojève, Introduction à la lecture de Hegel, Gallimard, 1947, p.38, 57
[25] هيغل، فنومينولوجيا الروح، م.م.، ص 121
[26] م.ن.، ص 168
[27] فارس ساسين، م.م.
[28] Alexandre Kojève, ibid. p.37
[29] هيغل، فنومينولوجيا الروح، م.م.، ص 81
[30] م.ن.، ص 82
[31] Alexandre Kojève, ibid. p.38
[32] Jean – Jacques Barrère & Christian Roche, ibid. p.37
[33] هيغل، فنومينولوجيا الروح، م.م.، ص 121 – 122
[34] Jean – Jacques Barrère & Christian Roche, ibid. p.94
[35] Jean – François Kervégan, George W. F. Hegel, L’Esprit Absolu, ibid. p.76
[36] يوسف المعلوف، الفلسفة المثاليّة (ج. ف. هيغل)، متن مادة “المنهجيّات الفلسفيّة الحديثة والمعاصرة”، الجامعة اللبنانيّة – العمادة، الدراسات العليا، ص 39
[37] هيغل، فنومينولوجيا الروح، م.م.، ص 88
[38] Hegel, Principes de la philosophe du droit, ibid. p.30
[39] Paul Ricœur, ibid. p.193
[40] Ici est la rose, ici il faut danser; (Hegel, Principes de la philosophe du droit, ibid. p. 43)
[41] Ibid.
[42] هيغل، في الفرق بين نسق فيشته ونسق شلنغ في الفلسفة، ترجمة وتقديم د. ناجي العونلي، المنظمة العربيّة للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطبعة الأولى، بيروت، 2007، ص 125 – 126
[43] François Châteler, ibid. p.61
[44] هيغل، في الفرق بين نسق فيشته ونسق شلنغ في الفلسفة، م.م.، ص 127 – 128
[45] Ce n’est qu’au début du crépuscule qu la chouette de Minerve prend son vol. (Hegel, Principes de la philosophe du droit, ibid. p. 45)
[46] Ibid.
[47] يرى ريكور في الفلسفة الهيغليّة فلسفة تأويل شقيّة (Paul Ricœur, ibid. p.193)
[48] Paul Ricœur, ibid. p.194
--------------------------------------------------------------------------------
Angelo Beaini________________
Paul Ricoeur_________________
Les vrais symboles sont gros de toutes les herméneutiques
info@fondsangelo.com
tel. 00 961 70 889 556
|
|
(0) تعليقات |
|
2010-02-17
ملحق ثقافي التاريخ: الثلاثاء 6/9/2005
ظافر بشور
الحضارة اسم عام لجميع أنواع الرقي وتتجلى معالمها بالنهضات في كافة مناحي الحياة ويعني التكامل الحضاري لأمة من الأمم أو شعب من الشعوب وصوله إلى أعلى درجات الرقي البشري.
إلا أن الحضارات تتمايز عن بعضها البعض بحيث يكون لكل حضارة شخصيتها التي تدل عليها فكل حضارة تبرز في ذاتها واحدا أو أكثر من خطوط التقدم. فعملية التقدم الحضاري ليست بالضرورة ذات خط بياني متصاعد فقد تذوي الحضارة في منطقة مابعد ان شهدت ازدهارا وقد تتفكك ويحل محلها عصر مظلم. كما قد تختفي في مرحلة تاريخية وقد تزول نهائيا ولكن في كل الاحوال فإن الابداعات القيمة التي أنتجتها الحضارة تبقى آثارها تدل عليها. كما تختلف الحضارات في مظاهرها فالناجحة منها كل متماسك ومتكامل فنشاطها الاقتصادي لاينفصل عن نشاطها السياسي ولاتتناقض مقاييسها الاقتصادية والسياسية مع مقاييسها الخلقية وإبداعاتها الفنية ورؤاها الفكرية ونظرتها السليمة للحرية فتحقيق الإنسان لكمال قوته وكمال وجوده يستلزم بالضرورة ان يحقق كمال حريته وهذا الكمال لايتحقق إلا بحرية الاختيار ضمن مفاهيم الحق والخير والجمال. والحضارات تتصف بكونها إنما جاءت لترفع من سوية الإنسان في كافة الصعد المادية والروحية فهي في جوهرها إنسانية لأنها تعتني بروح الإنسان وجسده فالإنسان محور الحضارات وموئلها فهو الذي يقيمها ويطورها ويدفعها قدما لبلوغ أسمى غاياتها وبالعكس من ذلك قد يسهم في زمن ما بهدمها واندثارها لذلك يبقى الإنسان محط دراسة الحضارات لأن دراسة الظواهر الاجتماعية والفنية والاقتصادية والسياسية إنما تتم من خلاله لأنه صانع التاريخ والحضارات. وتختلف وجهات النظر الفلسفية في أسس نشوء الحضارات ومولدها. فيعزوها بعضهم الى أنها وليدة المعطيات المتواجدة في الطبيعة ( مناخ- تربة- مياه- مواد أولية...) كما يعزوها البعض الآخر إلى أن لكل حضارة مصيرا محتوما حتى قبل أن توجد، إذ أن الحضارات شأنها شأن البشر تتبع خطا واحدا. من المولد فالفتوة فالشباب حيث تكون الحضارة في أعلى مراتبها ثم يعقب ذلك الانحدار فالموت.( شبنجلر الألماني). ويرى الجيوفاني باتيستافيكو الإيطالي الذي وضع نظريته الدورات التاريخية أن كل أمة مرت بدائرة مماثلة فمن (عصر بطولة) انتقلت بعده إلى طور الحضارة الحقيقية وبعدئذ أصيبت بالانتكاس وأغلقت بعد ذلك دورة الحضارة لتتلوها دورة جديدة مشابهة لسابقتها ولكن بقيم حضارية جديدة ولكنها أكثر دسما من سابقتها. أما دانيلفسكي الروسي فقد بنى نظريته على ان مجموع تاريخ البشرية يتألف من عدد من الأنماط التاريخية- الثقافية المختلفة وأن لكل منها خصائص ذاتية ودورا في رصيد البشر الحضاري ويميز دانيلفسكي اثنتي عشرة حضارة ويقسم القبائل والشعوب البشرية الى مجموعات ثلاث حسب الدور الذي تلعبه بالنسبة للحضارة فالمجموعة الأولى تشكل القوى الخلاقة (الإيجابية) التي أنتجت الحضارات أما المجموعة الثانية فتمثل الشعوب التي تلعب دوراً هداماً (سلبيا) في مضمار الحضارة أما المجموعة الثالثة فهي الشعوب التي لم تبلغ مستوى الحضارات (ليست إيجابية ولاسلبية) فهي لاتصنع التاريخ في اتجاهه الإيجابي أو السلبي وإنما تستخدمها القوى التاريخية الإيجابية أو السلبية كمادة سلبية لنشاطها أو عملها. وتكثر النظريات والنظرات في مولد الحضارة ونشوئها وأسبابها إلا أن أبسط النظريات في نشوء الحضارات أهمها بل وأقربها الى المنطق نظرية المؤرخ البريطاني(أرنولد توينبي) حيث يرى أن مولد الحضارة يعزى إلى ظروف قاسية بشكل غير عادي بحيث تشكل هذه الظروف تحديا لمجتمع ما فيحاول هذا المجتمع أن يواجه هذا التحدي بنجاح ويتغلب عليه وقد يؤدي هذا الحافز إلى تحسين قوته الداخلية وقدراته الخلاقة إلى درجة كبيرة بحيث يؤدي ذلك إلى مولد ما نطلق عليه اسم الحضارة وعليه فإن مولد الحضارة عنده لايعزى إلى تفوق جنس بشري معين أو إلى ظروف ملائمة بشكل غير عادي بل إلى ظروف قاسية بشكل غير عادي. ونمو الحضارة عند توينبي ليست عملية بيولوجية أوتوماتيكية تجيء في أعقاب مولد الحضارة ويثبت على ذلك أن عدة حضارات توقفت عند حد معين في مجرى حياتها ففي مجرى تطور المجتمع تبقى تواجهه التحديات والمصاعب وقد تهدد كيانه وبالتالي وجوده وبمقدار الرد على هذا التحدي يتحدد مستقبل هذا المجتمع فإذا كان الرد مناسبا وناجحا في مواجهة التحدي والمصاعب فإن حياة المجتمع تستمر بالازدهار. إن التحديات والردود المتكررة عليها بشكل ارتفاعات وانخفاضات نسبية فحين يكون الرد أعظم من التحدي ترتفع الحضارة إلى مستويات عليا في سلم الارتقاء نحو التكامل الحضاري مادام المجتمع مستمرا في مواجهة التحديات باستجابات أكبر فأكبر تنمو الحضارة وتنمو حيث الاستجابة تلي الاستجابة للتحديات المستمرة وهذه الاستجابات تبعث الحيوية في المجتمع فتنمو لديه الحيوية الداخلية ويتحول عمله تدريجيا من الخارج لمواجهة التحديات إلى الداخل، أي من كفاح للسيطرة على المحيط الخارجي إلى جهاد للسيطرة على النفوس وعليه فبمقدار ما تتوسع دوائر الوعي بمقدار ما تزداد اليقظة لمغالبة تيار الحياة نحو الأفضل. إن الحضارة عند توينبي قد تخبو في بعض الأوقات وتمر بعملية تنقية داخلية أو تطور لاتلبث أن تعو د أكثر غنى. كما أن الحضارة عنده قد تزول وتندثر إذا كانت التحديات التي تواجه مجتمعا ما اكبر من الرد عليها بحيث تكون التحديات قاضية على المجتمع وعليه فليست أية قوة خارجية هي التي تدهور المجتمع. فالقول أن السبب في الهزيمة إنما يعود لقوى خارجية قول خاطىء وإنما السبب يعود الى فساد المجتمع من الداخل وهنا ينبه توينبي إلى أن الأخطار التي تواجه المجتمع أثناء تطوره لاتدرأ بانتصار فحسب يعود بعدها للنوم بل إنها غالبا ما تشكل منبها يثبته المجتمع في سلم الصعود والإرتقاء الى مستويات أعلى فأعلى وعليه فلايقبل توينبي بالنظرية القائلة بأن الحضارة تتدهور بالضرورة بعد فترة معينة من الاضمحلال العنصري أو الروحي بالتالي لايقبل بالتفسيرات الحتمية للتاريخ، فالتاريخ عنده مسرح لمحنة الإنسان وتحوله ودراسة التاريخ عنده محاولة للنظر إليه باعتباره مجموعة حية موحدة من الأعمال والأصول والنظر إلى سجل الشؤون البشرية على ضوء قرائنها بحيث تظهر حيويتها الأساسية وترابطها بعضها بالبعض. فدراسة التاريخ عنده ليست ظاهرة سياسية واقتصادية.. بمعزل عن الإنسان الذي يلعب دورا كبيرا في تحريك هذه العناصر فالتاريخ لا يتحرك ويتطور من تلقاء نفسه ومجمل القول في نظرية توينبي أن النمط الشامل الذي تحكم في ولادة الحضارات وحياتها هو نمط التحدي والاستجابة. فالحضارة البشرية نتيجة الاستجابة الناجحة للتحدي وهي تستمر في النمو مادام ثمة تحديات يواجهها الإنسان ويستجيب لها مواجهة واستجابة فعالتين. إن الإشارة بشكل خاص إلى آراء دانيلفسكي وشبنجلر وتوينبي لايعني انتفاء آراء الكتاب الآخرين وإنما جاء استعراض آرائهم من باب شيوعها وكونها تمثل أثر التفسيرات اكتمالا وجزما بحياة الحضارات ولعل ابرز التحديات التي واجهت آراء الفلاسفة الثلاثة ما عبر عنه بعض الكتاب الآخرين ومنهم سوروكين الروسي من حيث عدم صحة القول بأن الحضارة تولد وتنمو وتنضج وتتحلل فالحضارات لاتولد ولاتموت فهي ليست نظاما متكاملا ولاوحدة ثابتة متماسكة ولكنها تكتل لظواهر ثقافية: سياسية واقتصادية وعلمية ودينية واجتماعية..الخ، يمكن أن تنتقل من حضارة لأخرى ومع ان عددا من هذه الظواهر يتحد في فترات معينة ليشكل ما نسميه حضارة فمن الجائز أن بعضها وجد قبل ظهور الحضارة أوأنه يحيا بعد اختفائها ومعنى ذلك أن الحضارة لاتولد أو تندثر حقيقة ويقول سوروكين «إن قيما كثيرة من الحضارة( الإغريقية- الرومانية) مازالت تقلد وتطبق وتدمج في حضارتنا وثقافتنا ونظمنا وعقليتنا وسلوكنا وعلاقاتنا..» وقد جاء الرد على ذلك بسيطا فإن القانون الروماني وهو أبرز معاني الحضارة الرومانية وإن كان لايزال يدرس ويطبق فإن ذلك لايعني أن الحضارة الكلاسيكية ذاتها مازالت على قيد الحياة فالحضارة الإغريقية أو الرومانية ماتت لأنها لم تعد تتطور وتنمو وتبتكر. ومهما يكن من أمر هذه النظريات والنظرات فإنه مما لاشك فيه ان الميزة التي تختص بها الحضارات من المجتمعات البدائية أن هذه المجتمعات نائمة راكدة لاتتغير فهي تستقرىء الطبيعة فتنفعل بظواهرها وأحداثها وتخضع لها وهي على النقيض من الحضارات التي تكون في حركة مستمرة لأنها تصنع التاريخ فالإنسان طور حياته من الحياة البدائية البسيطة في الكهف والغاب مستعملا الأدوات الحجرية إلى حياة عصرية جديدة حيث أدان لسلطانه قوى الطبيعة فاستنبط طاقاتها وسيطر على بيئاتها وسخرها لبحثه العلمي إلى ان وصل إلى ما وصل عليه من مكتشفات علمية باهرة في شتى المجالات الحياتية فطرق أبواب الكواكب بمركبات فضائية حملته إليها وبدت التكنولوجيا الحديثة في عصرنا الحاضر وكأنها الدليل الحي على نمو الحضارة وبدأت الآلة الحديثة تأخذ إلى حد ما دور الإنسان في العمل والتفكير في مجالات كثيرة وأهمها مجال الرفاه الاجتماعي وتحسين معيشة المجتمع بحيث بدت طرائق الحياة تتغير وتتبدل وهذا الأمر نتيجة منطقية لعمل الإنسان المتحضر فهو مفكر يبهجه أن يفعل أشياء مختلفة في كل مرة يغير نمط حياته بسرعة أكثر فالآراء تنمو لديه وتنضج وتطفر وتتطور ثم تظهر في دنياه المتطورة بمعدلات نسبية نحو الأحسن كلما زادت قدراته وملكاته الفعلية. لقد زادت غلبة الإنسان على البيئة عندما استفاد من السيطرة على الطاقة ولم يكن ذلك مصادفة وإنما نتاج خبرة بشرية طويلة ونتاج بحوث علمية قيمة من الفلك إلى الطاقة الذرية مستعملا الإجهزة العلمية والتقنية العالية. لقد ألب الإنسان البيئة على نفسها واستفاد هو من المعركة. مما تقدم يلاحظ التلازم الحتمي بين الإنسان والحضارة ما يستدعي القول بأن الحضارة وإن كانت ملكا لمجتمعها الذي ولدت فيه ونمت بين ظهرانيه ولكنها في البداية ملك للمجتمع العالمي نتيجة للتواصل البشري بين مختلف أمم وشعوب العالم ومجتمعاته وللمصير المشترك الواحد الذي يجمعهم فثمة مشكلات إنسانية تهم الجميع تستلزم تكاتف وتضامن وجهود المجتمع البشري للتصدي لها والتغلب عليها لأنها تعيق التقدم الحضاري الإنساني وتهدد مستقبل البشرية ككل مما يستدعي أن يقام الحوار بين الحضارات لأنه ضرورة استراتيجية لأنه الطريق الوحيد للبشرية وهو حوار للثقافات بالدرجة الأولى وبالتالي فهم الآخر على أساس الاحترام المتبادل الذي يتطلب انفتاح العقل وإرادة التغيير وفي ظل نظام العولمة فإنه من المفيد بمكان أن تقترن العولمة الاقتصادية بالشروط الثقافية التي تجعل للعولمة هوية إنسانية وبذلك نحن على مفترق طرق فإما نحن في طريق حوار الحضارات أو في طريق صراعها من هذا المنطلق فإن حوار الحضارات يجب أن يتم على جميع المستويات هدفه عالم جديد متعدد الثقافات يقيم جسرا للتفاهم ويشير الى أفاق الحوار. ومن هنا يكون للمثقفين ووسائل الإعلام دورٌ هامٌ في إقامة الحوار البناء الذي يخدم التقدم الحضاري. مصادر البحث: - مستقبل الحضارة تأليف ج.دي بويس ترجمة لمعي المطيعي. -أزمة الإنسان الحديث تأليف تشارلو فرنكل ترجمة الدكتور نقولا زيادة. -فجر الحياة تأليف جوزيف هارولد ترجمة الدكاتره: عبد الحليم منتصر- محمد مصطفى حسن- عبد القادر فطين.
|
|
(0) تعليقات |
|
2010-01-31
إعداد/ محمد بن إبراهيم الفوزان
المقدمة
يتميز كل عصر بفكره وفلسفه حياته, والمسلمون الأوائل خلفوا تراثاً فكرياً وتربوياً ينبغي أن نعتز به, لأنه يعكس صورة الماضي, وبالتالي يضيء لنا طريق الحاضر والمستقبل, بقدر رجوعنا إليه واستشهادنا به, وأن نأخذ منه ما يتفق مع ظروفنا الراهنة وقضايانا المعاصرة فإننا للأسف لا نعرف إلا القليل من تراثنا عن جهل, أو تقليد للتربية الغربية (عبود, 1977, ص 148) .
لذا وجب علينا ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين أن نعود إلى فكرنا وتراثنا العربي الإسلامي, وأن نستفيد منه لأن العمل للحاضر والمستقبل لا يتم إلا بالرجوع إلى الماضي وذلك "لأن حاضرنا لا يستغني عن ماضينا, وعن الفحص الدقيق لأرضه التي يقوم عليها البناء الجديد" (عبدالرحمن, 1970, ص 138) .
ولما كان الفكر التربوي في الإسلام يعتمد على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة, فقد كانت أول مدرسة شهدها الإسلام هي دار الأرقم بن أبي الأرقم في مكة, ثم كان مسجده b في المدينة هو الثاني (عبود, 1978, ص 200). وبمرور الأيام وتغيرات المجتمع الإسلامي ظهر الفقهاء والعلماء والأدباء والفلاسفة وظهر معهم فكر تربوي إسلامي أساسه القرآن الكريم والسنة .
ومن هؤلاء ابن خلدون والذي عُرف على أنه عالم اجتماع ولكن له آراء تربوية ذكرها في كتابه المقدمة, وسوف يسعى هذا البحث للوقوف على هذه الآراء وربطها مع الحياة المعاصرة .
مشكلة البحث :
التربية الإسلامية هي النابعة من القرآن الكريم والسنة المطهرة, وفي الوقت الحاضر ينادي علماء التربية المسلمين بإتباع أقوال علماء الغرب من غير المسلمين, ومع أن بعض آرائهم جيدة, إلا أن الكثير منها يخالف الإسلام, لذا وجب علينا الرجوع إلى القرآن الكريم والسنة وإلى تراث علماء الإسلام للاستفادة منه في حل قضايانا المعاصرة, وفي ضوء ذلك يمكن تحديد مشكلة البحث في السؤال التالي: ما هي الآراء التربوية لابن خلدون ؟
أهداف البحث :
هدف هذا البحث إلى الكشف عن الآراء التربوية لابن خلدون من خلال كتابه المقدمة, مع تقديم التوصيات والمقترحات التي تساعد على فهمنا لقوة الفكر التربوي الإسلامي .
أسئلة البحث :
يجب البحث عن السؤال الآتي :
1-ما هي الآراء التربوية لابن خلدون ؟
أهمية البحث :
تبرز أهمية البحث في أنه يسعى إلى التعرف على الآراء التربوية لابن خلدون, وأثر هذه الآراء في الوقت الحاضر, وهل هذه الآراء تستجيب لحاجات المجتمع الإسلامي في الوقت الحاضر .
حدود البحث :
سوف يقتصر هذا البحث على الآراء التربوية لابن خلدون من خلال كتابه المقدمة .
منهج البحث :
يعهد المنهج الوصفي التحليلي هو أنسب المناهج البحثية لتحقيق هدف البحث, كون هذا المنهج يعتمد على دراسة الظاهرة كما توجد في الواقع (عبيدات وآخرون, 1988, ص 187) .
مصطلحات البحث :
1-التربية: تعرّف التربية بأنها "تنمية الوظائف الجسمية والعقلية والخلقية حتى تبلغ كمالها عن طريق التدريب والتثقيف" (عاقل, 1983, ص 27) ويقصد بها عند علماء التربية نمو الكائن البشري من خلال الخبرة المكتسبة من مواقف الحياة المتنوعة, ويقصد بالنمو اكتساب خبرات جديدة متصلة ومرتبطة ارتباطاً معيناً لتكون نمطاً خاصاً بشخصية الفرد وتوجهه إلى المزيد من النمو ليتحقق بذلك أفضل توافق بين الفرد وبيئته. (النجيحي, 1967, ص 117) .
2-التربية الإسلامية: تعرّف بأنها "المفاهيم التي يرتبط بعضها ببعض في إطار فكري واحد يستند إلى المبادئ والقيم التي أتى بها الإسلام والتي ترسم عدداً من الإجراءات والطرائق العملية يؤدي تنفيذها إلى أن يسلك الفرد سلوكاً يتفق مع عقيدة الإسلام" (علي, 1978, ص 6 ) .
ويمكن تعريفها من خلال الربط بين مفهوم التربية ومفهوم الإسلام بأنها "إحداث تغيير في سلوك الفرد في الاتجاه المرغوب فيه من وجهة نظر الإسلام" (أبو لاوي, 1999, ص 18 ) .
3-الفكر التربوي: ويقصد به الآراء والتصورات والمبادئ التي قدمها علماء التربية أو النظرية التربوية كما يتصورها علماء التربية (موسى, د. ت, ص 6 ) .
فالفكر التربوي هو "ما أبدعته عقول الفلاسفة والمربين عبر التاريخ فيما يخص مجال التعليم الإنساني, وتنمية الشخصية وشحذ قدرتها ويتضمن النظريات والمفاهيم والقيم والآراء التي وجهت عملية تربية الإنسان" (زيادة, 2002, ص 24) .
4-الفكر التربوي الإسلامي: وهو عبارة عن مجموعة الآراء والأفكار والنظريات التي احتوتها دراسات الفقهاء والفلاسفة والعلماء المسلمين وتتصل اتصالاً مباشراً بالقضاء والمشكلات التربوية (الخطيب وآخرون, 1995, ص 44) .
ويقصد بها هنا التعرّف على الآراء والأفكار التربوية لابن خلدون .
الدراسات السابقة :
هناك العديد من الكتاب الذين كتبوا عن ابن خلدون, وإن كانت في الغالب الأعم عن ابن خلدون عالم الاجتماع, وقد ذكر عبدالعظيم (2006, ص 81) قائمة كتب عن ابن خلدون وهي :
عنوان الكتاب
اسم المؤلف
سنة الطباعة
1-العرب وابن خلدون
أبو القاسم محمد
1977
2-طه حسين وابن خلدون
حسن جغام
2004
3-ابن خلدون مؤرخاً
حسين عاصي
1991
4-ابن خلدون
خالد حداد
1987
5-جوانب فلسفية في مقدمة ابن خلدون
زكريا إمام
1985
6-دراسات عن مقدمة ابن خلدون
ساطع الحصري
1967
7-فلسفة ابن خلدون الاجتماعية
طه حسين
1973
8-الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون
عبدالغني المغربي
1987
9-الفكر الأخلاقي عند ابن خلدون
عبدالله شريط
1975
10-عبقريات ابن خلدون
علي وافي
1973
11-عبدالرحمن بن خلدون حياته وآثاره ومظاهر عبقريته
علي وافي
1975
12-منطق ابن خلدن في ضوء حضارته وشخصيته
علي الوردي
1977
13-ابن خلدون في سيرته وفلسفته التاريخية والاجتماعية
عمر الطباع
1992
14-مفهوم الأدب في الفكر الخلدوني
غساق عبدالخالق
1994
15-ابن خلدون بين حياة العلم ودنيا السياسة
محمد الحاجري
1980
16-جديد في مقدمة ابن خلدون
محمد مرحبا
1989
17-ابن خلدون حياته وأفكاره
محمد عنان
1991
18-ابن خلدون وعلوم المجتمع
محمود عبدالمولى
1976
19-الأسس الإسلامية في فكر ابن خلدون ونظرياته
مصطفى الشكعة
1986
20-الفكر الكلامي عند ابن خلدون
منى أبو زيد
1997
عنوان الكتاب
اسم المؤلف
1-ماذا بقي من ابن خلدون
أبو القاسم محمد
2-ما بعد ابن خلدون في الفكر العمراني
حسن جغام
3-علم الهندسة وتكنولوجيا صناعة مواد البناء عن ابن خلدون
حسين عاصي
4-ابن خلدون والفكر الجغرافي
خالد حداد
5-ابن خلدون ناقداً
زكريا إمام
6-تربية الملكة اللسانية عند ابن خلدون وآراء ابن خلدون التربوية
ساطع الحصري
7-منهجية البحث العلمي عند ابن خلدون
طه حسين
8-المدارس في زمن ابن خلدون
عبدالغني المغربي
9-أثر ابن خلدون في بعث الفكر الفلسفي الحديث
عبدالله شريط
10-ابن خلدون وعلم الكلام
علي وافي
11-ابن خلدون في الإبداع العربي
علي وافي
12-ابن خلدون موضوعاً للإبداع
علي الوردي
13-حقيقة ابن خلدون الفسلفي من خلال رؤية نقدية
عمر الطباع
14-الدار الأولى لابن خلدون بمدينة القاهرة
غساق عبدالخالق
15-الحكمة الخلدونية وحدودها
محمد الحاجري
وهذا العرض للدراسات السابقة يوضح أن أكثر الكتابات عن ابن خلدون هي باعتباره عالماً كبيراً في الاجتماع, وقد وجدت بعض الكتب التي كتبت عن فكر ابن خلدون التربوي واستفدت منها وهي :
عنوان الكتاب
اسم المؤلف
سنة الطباعة
1-التربية الإسلامية دراسة مقارنة
أبو القاسم محمد
د. ت
2-ابن خلدون حياته وتراثه الفكري
حسن جغام
1352هـ
3-التربية الإسلامية وفلاسفتها
حسين عاصي
1395هـ
4-في الفكر التربوي الإسلامي
خالد حداد
1402هـ
5-التربية الإسلامية المفهومات والتطبيقات
زكريا إمام
1425هـ
6-تطور الفكر التربوي
ساطع الحصري
1402هـ
7-تطور الفكر التربوي الإسلامي
طه حسين
1420هـ
هو عبدالرحمن بن محمد بن محمد, ابن خلدون أبو زيد,ولي الدين الحضرمي الإشبيلي, من ولد وائل بن حجر, الفيلسوف العالم الاجتماعي, أصله من إشبيلية, ومولده ونشأته بتونس, اشتهر بكتابه العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر, في سبعة مجلدات, أولها المقدمة وهي تعد من أصول علم الاجتماع, وقد ترجمت إلى اللغة الفرنسية وغيرها (الزركلي, د. ت, ص 106), وكانت ولادته في تونس غرة رمضان 732هـ الموافق 27 ما يو 1332م (عنان, 1352, ص 12), وتوفي في 26 رمضان سنة 808هـ الموافق 16 مارس 1406م وسنه 76 سنة, ودفن خارج باب النصر بمقبرة الصوفية في القاهرة (الإبراشي, 1395هـ, ص 273) .
آراؤه التربوية :
يرى ابن خلدون أن للتربية أهدافاً هي :
1-إعطاء الفرصة للفكر لكي ينشط .
2-إعطاء الإنسان الفرصة لكي يحيى حياة طيبة في مجتمع راق متحضر.
3-إعطاء الإنسان الفرصة لكسب الرزق وتنمية الخصال الحميدة فيه ويعتبر أن الأساس في التعلّم القرآن الكريم (خضر, 1402, ص158-159). وقد ذكر علي وآخرون (1425-211) أن ابن خلدون قسم العلوم إلى قسمين:
الأول: العلوم النقلية: وهي العلوم التي ينقلها الإنسان عمن وضعها, وكلها مستندة إلى الخبر من مصدره الشرعي ولا مجال للعقل فيها, إلا إلحاق الفروع بالأصول, ومن هذه العلوم, علم التفسير, علم القراءات, علوم الحديث, علم أصول الفقه, علم التوحيد, علم البيان, علم الأدب .
الثاني: العلوم العقلية, وهي التي يهتدي إليها الإنسان بعقله وهي تشمل علم المنطق والعلم الطبيعي, والعلم الإلهي ( ما وراء الطبيعة ) وعلم النظر في المقادير (الرياضيات والفلك والهندسة) .
وقد رتب ابن خلدون العلوم بحسب أهميتها للمتعلم على النحو التالي :
1-العلوم الدينية وهي العلوم المقصودة بالذات مثل القرآن الكريم والحديث الشريف .
2-العلوم العقلية وهذه أيضاً علوم مقصودة مثل العلم الطبيعي .
3-العلوم الآلية المساعدة للعلوم الشرعية مثل اللغة والنحو والبلاغة .
4-العلوم الآلية المساعدة للعلوم العقلية مثل علم المنطق (خضر, 1402, ص 160) .
ويذكر أحمد (1402هـ, ص 162) أن ابن خلدون شدد على استمرارية التعليم من المهد إلى اللحد وأنه ليس هناك حد ينتهي عنده التعليم, وسوف أذكر الآن أهم الآراء التي ذكرها ابن خلدون في مقدمته .
1- أن كثرة التآليف في العلوم عائقة على التحصيل:
يقرر ابن خلدون أن العقل الإنساني يشوبه القصور, وأن مراتبه تختلف باختلاف البشر, وخاصة في المراحل الأولى من حياة الإنسان, وقد ذكر أن عقل الإنسان لا يستطيع أن يستوعب العلوم التي تكثر فيها المصطلحات والمؤلفات وقد ذكر في المقدمة (د. ت, ص 1230) "اعلم أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته كثرة التآليف واختلاف الاصطلاحات في التعليم, وتعدد طرقها, ثم مطالبة المتعلم باستحضار ذلك" ويقصد ابن خلدون هنا, كثرة المؤلفات والمصطلحات في العلم الواحد, بحيث يؤدي ذلك إلى نفور المتعلم من التعليم, وابن خلدون يهدف إلى التيسير علم المتعلم وبالخصوص في بداية عهد الطالب بالتعليم.
ومن الدوافع لدى ابن خلدون لكتابة هذا الفصل كثرة طرق التدريس في عهده, حيث انتشر في عهده الطريقة القيروانية والمصرية والبغدادية والقرطبية وغيرها. وكان المطلوب من الطالب أن يميز بين هذه الطرق, لدرجة أنها أصبحت هي المقصودة بالتعليم وهذا خطأ كبيرة فالطرق وسيلة وليست غاية. وفي ذلك يقول ابن خلدون "ثم إنه يحتاج إلى تمييز الطريقة القيروانية من القرطبية والبغدادية والمصرية, وطرق المتأخرين عنهم والإحاطة بذلك كله, والمتعلم مطالب باستحضارها جميعها وتميز ما بينها, والعمر ينقضي في واحد منها" (المقدمة, د. ت, ص 1231). مما تقدم يظهر لنا أن ابن خلدون نادى بمراعاة قدرات الطلاب, وأن لا نثقل عليهم بما هو فوق طاقتهم, وأن يتم التعليم بيسر وسهولة حتى يقبل الطلاب التعلم, وتزيد الدافعية لديهم, وأن لا يكون التعليم منفراً لهم. وهذا الذي تنادي به التربية الحديثة, وقد ظهرت النظريات المتعددة التي تنادي بمراعاة الفروق الفردية بين الطلاب, كما ظهر مبدأ التدرج في التعليم, والانتقال من السهل إلى الصعب ومن المحسوس إلى المجرد .
2- عدم إشغال المتعلم بعلمين في وقت واحد :
إن تعليم الطلاب علمين في وقت واحد, يشغل الطلاب ويعرضهم للفشل والإحباط, وذلك لأن عقل الإنسان محدود, وغير قادر على الإحاطة بأكثر من علم في وقت واحد, وفي ذلك يقول ابن خلدون "أن لا يخلط على المتعلم علمان معاً, فإنه حينئذٍ قلّ أن يظفر بواحد منهما لما فيه من تقسيم البال وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهم الآخر, فيستغلقان معاً ويستصعبان, ويعود منهما بالخيبة, وإذا تفرغ الفكر لتعلم ما هو بسبيله مقتصراً عليه, فربما كان ذلك أجدر بتحصيله (المقدمة, د. ت, ص 1225) .
كما أنه نادى أن يتم تعليم القراءة والكتابة ثم الانتقال إلى تعليم القرآن الكريم وحفظه وفهم معانيه, وهو ينتقد المعلمين في عصره لأنهم يصرون على تحفيظ المتعلمين الصغار القرآن الكريم, قبل تعلّم القراءة والكتابة ويقول أن القرآن الكريم هو كتاب الله, وليس لنا أن نقلده, وليس له تأثير في اللغة قبل أن يفهم الناشئة معانيه ويتذوقون أساليبه, ويدركون مقاصده, ويكون ذلك بتعليمهم مبادئ القراءة والكتابة, وليس العكس مراعاة للترتيب المنطقي (أحمد, 1982 ص 157). كما أن تركيز ابن خلدون على حصر التعلم في علم واحد, في الزمن الواحد, يؤدي إلى تمرين العقل, ثم يتقبل العلوم الأخرى بسهولة, ويقول علماء التربية في ذلك أن تدريب العقل بمادة من المواد يجعله قادراً على التفكير في المواد الأخرى ويمكنه في الإجادة في كل مادة, وهذا بسبب انتقال أثر التدريب من هذه المادة إلى المواد الأخرى (يوسف, 1955, ص 352) .
3- التدرج في تدريس العلوم للمتعلمين :
وهذا من الأشياء التي نادى بها ابن خلدون, وذلك بأن يبدأ المعلم مع طلابه بالبسيط الذي يقبله عقله, ثم يتدرج معهم مستخدماً التكرار مع استعمال الأمثال الحسية, وبذلك يتم للمتعلم الحصول على العلم ويقول ابن خلدون في ذلك "اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذا كان على التدريج" (المقدمة, د. ت, ص 1233), وقد ذكر الحصري (1953, ص 453) أن ابن خلدون قرر ثلاث قواعد عامة للمعلم وهي :
1-على المعلم أن لا يخلط مباحث الكتاب الواحد بكتاب آخر .
2-أن لا يطيل الفواصل بين درس وآخر .
3-أن لا يخلط على المتعلم علمين معاً .
ونلاحظ أن ما قاله ابن خلدون لا يختلف عما ينادي به علماء التربية في الوقت الحاضر, من كيفية التعامل مع المتعلم وخاصة في المراحل الأولى, حيث نادى بالاهتمام بالمعاني العامة, والابتعاد عن التفاصيل, واستخدام الأمثلة الحسية, وفي ذلك يقول "يكون المتعلم أول الأمر عاجزاً عن الفهم بالجملة إلا في الأقل وعلى سبيل التقريب وبالإجمال وبالأمثال الحسية" (المقدمة, د. ت, 1233) .
كما أن التكرار الذي طالب به ابن خلدون بقوله "يحصل العلم في ثلاث تكرارات, وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه" (المقدمة, د. ت, ص 1233), هو ما تنادى به التربية الحديثة وقد ذكر ناصر (1989, ص 123), أن المتعلم إذا كرر عملاً معيناً فهذا يسهل عليه التعلم,كما أن تكرار العمل عدة مرات يكسبه نوعاً من الثبات, ويستطيع المتعلم أن يصحح الأخطاء إن وجدت .
كما أن التجارب الحديثة تدل على أن الاستمرار في تكرار ما تعلمناه يساعد على ثباته في الذهن, وبعض التجارب تقول أننا ننسى حوالي 60% من المواد التي يتم تعلمها في حالة عدم التكرار (راجح, 1970, ص 283) .
4- عدم الشدة على المتعلمين :
لقد انتقد ابن خلدون أسلوب العقاب الذي كان سائداً في عصره, وطلب من المعلمين استخدام الرحمة واللين مع الطلاب فقال: "ينبغي للمعلم في متعلمه والوالد في ولده أن لا يستبد في التأديب" (المقدمة, د. ت, ص1244), واعتبر أن مجاوزة الحد في العقاب له أضرار على الطلاب ويعمل على إفساد أخلاقه, وبذلك لا يتحقق الهدف من التعليم, ويقول "من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر, وحمل على الكذب والخبث" (المقدمة, د. ت, ص 1243) .
وهذا القول لابن خلدون يظهر رأيه في العقاب, حيث يرفض الشدة على المتعلمين, لأنها مضرة بالمتعلم وتعمل على إفساد أخلاقه وتؤثر على شخصيته, وتعمل على إكساب المتعلمين سلوكيات غير مرغوب فيها. وتزيد القلق والتوتر والخوف في نفوسهم, وقد أشارت دراسات علماء النفس إلى أنه في حالة عدم تمكن الطفل من التخلص من التوتر النفسي, فإن ذلك يؤدي إلى العدوان والانحراف السلوكي, وقد يؤدي إلى الكذب والسرقة والهروب من المدرسة وغير ذلك من مظاهر الجنوح (بلقيس ومرعي, 1987, ص 155), ومن النظريات الحديثة التي تطرقت إلى الابتعاد عن الشدة على المتعلمين واستخدام الثواب كعامل من عوامل التعزيز, نظرية ثورنديك وفحواها أن الإنسان إذا اقترن عمله بما ينشرح له صدره كالثواب تمكن هذا العمل في نفسه ورسخ في ذهنه, أما إذا اقترن عمله بما ينقبض له صدره كالعقاب فإن هذا العمل لا يتمكن في نفسه ولا يرسخ في ذهنه وذلك على اعتبار أن الإنسان يميل بطبيعته إلى ما يسره, ويتجنب ما يسؤوه (شهيلا, 1961, ص 105) .
ومع أن ابن خلدون عارض الشدة على المتعلمين للآثار السلبية, إلا أنه لم يدعو إلى التسامح الكلي مع الأطفال فقد أباح العقاب البدني في الضرورة القصوى وبما لا يزيد على ثلاثة أسواط, بشرط أن يكون العقاب آخر العلاج, وبعد استخدام الترغيب والترهيب والتوبيخ والعزل والإهمال, إذن العقاب البدني مباح لتعديل سلوك معين ولكن في أضيق الحدود, وكوسيلة لردع الطلاب من الوقوع في الأخطاء, ويجب أن يتفاوت في شدته حسب الذنب المرتكب, ويقول يوسف (1955, ص 153), أن العقاب من ضرورات التربية, ولكن يجب أن يختلف في شدته ونوعه حسب الذنب, لأنه نوع من الألم مقصود لذاته , لكي يشعر به الذي قصّر أو أهمل, فلا يعاود ما عمله سابقاً, فهذا الرأي لابن خلدون في عدم الشدة مع الطلاب يوافق مع ما يذكره علماء التربية وعلم النفس في الوقت الحاضر .
5- إن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم تخل بالتعليم :
يرى ابن خلدون أن من العوامل التي تقف في طريق التعليم اختصار كتب العلم فقال: "ذهب كثير من المتأخرين إلى اختصار الطرق في العلوم يولعون بها ويدونون منها مختصراً في كل علم يشتمل على حصر مسائله وأدلتها باختصار الألفاظ وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفن, وصار ذلك مخلاً بالبلاغة وعسراً في الفهم" (المقدمة, د. ت. ص 1232), وقد ضرب أمثلة على ذلك بابن الحاجب في الفقه, وابن مالك في قواعد اللغة العربية, وقد انتقد ابن خلدون ذلك لأن بعض العلوم تحتاج إلى الإطالة والتكرار, لأن فيها مفاهيم ومعان لا يستطيع المتعلم فهمها بدون الإطالة والتكرار, ولأن اختصار العلوم يصيبها بالخلل وتصبح عسيرة على الفهم وخاصة لصغار المتعلمين, لعدم وجود الاستعداد والقدرة لفهم المختصرات. ويقول ابن خلدون أن الاختصار يفسد التعليم ويخل بالتحصيل ويخلط على المبتدئ في التعليم بإلقاء الغايات من العلم وهو لم يستعد لقبولها (المقدمة, د. ت, ص 1232) .
وهذا يوافق الأبحاث التربوية المعاصرة في أن المتعلم يجب أن يستعد للتعلم, وأن لا يرغم على تلقي العلوم دون الاستعداد الكافي, لأن عدم الاستعداد والإرغام يضيع الجهود المبذولة في التعليم (شهيلا, 1961, ص 119) .
6- طرق التدريس :
لم يطلب ابن خلدون من المعلمين استخدام طريقة واحدة في التدريس, وأجاز لهم استخدام الطريقة التي تناسب قدرات وميول وإمكانيات الطلاب لأن التعليم عنده صناعة والصناع يختلفون في طرق صناعتهم, ولكل صناعة طرق مختلفة ويحق للمعلم أن يستخدم كل الطرق أو بعضها لتحقيق الأهداف المرجوة, وهذا الرأي يتفق مع ما يقوله رجال التربية في الوقت الحاضر من أن أحسن الطرق هي التي تناسب المادة الدراسية ومستوى الطلاب, ومع أن ابن خلدون أباح استخدام الطرق التي تناسب المعلم إلا أنه يشجع على استخدام طريقة المناقشة (أحمد, 1982, ص 105) فالتعليم عند ابن خلدون يهدف إلى حصول المتعلم على ملكة العلم حيث يصبح على درجة عالية من الفهم وليس فقط حفظه دون فهم وتعمق, لذا انتقد ابن خلدون الطريقة القيروانية التي كانت في زمانه تركز على الحفظ بشكل كبير, ووصف الطلاب بأنهم يلتزمون الصمت والسكون التام دون مشاركة .
نتائج البحث :
توصل البحث إلى ما يلي :
1-وجود أفكار تربوية عديدة لابن خلدون .
2-أن الكثير من هذه الأفكار التربوية تتفق مع ما تنادي به التربية الحديثة .
توصيات البحث :
في ضوء نتائج البحث نوصي بالآتي :
1-دراسة القرن الثامن الهجري لبيان واقع الحياة في ذلك القرن .
2-دراسة الآراء التربوية للعلماء والمسلمين, وبيان كيفية الاستفادة منها في الوقت المعاصر .
3-دراسة نظام التعليم في القرن الثامن الهجري, مع ذكر الجوانب الإيجابية للاستفادة منها .
المراجـــــع
1-الإبراشي, محمد (1395). التربية الإسلامية وفلاسفتها. مصر: مطبعة الحلبي .
2-ابن خلدون, عبدالرحمن. (د. ت) المقدمة تحقيق علي عبدالواحد. القاهرة: بدون اسم الناشر .
3-أبولاوي, أمين. (1999). أصول التربية الإسلامية. الدمام. دار ابن الجوزي .
4-أحمد, لطفي. (1982). في الفكر التربوي الإسلامي. الرياض: دار المريخ .
5-بلقيس, أحمد وتوفيق مرعي (1987). الميسر في سيكولوجية اللعب. عمّان: دار الفرقان للنشر والتوزيع .
6-الحصري: ساطع. (1953). دراسات عن مقدمة ابن خلدون. مصر: دار المعارف .
7-خضر, فخري. (1982). تطور الفكر التربوي. دار الرشيد للنشر والتوزيع. بدون مكان النشر .
8-الخطيب, محمد ومصطفى متولي ونور الدين عبدالجواد ومحروس غبان وفتحية الفزاني. (1995). أصول التربية الإسلامية. الرياض: مكتبة الخريجي .
9-راجع, أحمد. (1970). أصول علم النفس. القاهرة: المكتب المصري الحديث .
10-الزركلي, خير الدين. (د. ت). الأعلام الجزء الرابع. بدون اسم الناشر ومكان النشر .
11-زياد, مصطفى. (2002). الفكر التربوي مدارسه واتجاهات تطوره. الرياض: مكتبة الرشد .
12-شهيلا, جورج (1961). الوعي التربوي ومستقبل البلاد العربية. بدون اسم الناشر ومكان النشر .
13-عاقل, فاخر. (1983). قاموس التربية. بيروت: دار القلم .
14-عبدالرحمن, عائشة. (1970). تراثنا بين ماضي وحاضر. القاهرة: دار المعارف .
15-عبدالعظيم, صالح. (2006). "ابن خلدون في الخطابات العربية المعاصرة دراسة تصنيفية وتحليلية". مجلة العلوم الاجتماعية. المجلد 34 العدد 3. الكويت: جامعة الكويت. ص 47-83 .
16-عبود, عبدالغني. (1977). في التربية الإسلامية. القاهرة: دار الفكر العربي .
17-عبود, عبدالغني. (1978). دراسة مقارنة لتاريخ التربية. القاهرة: دار الفكر العربي .
18-عبيدات, ذوقان وعبدالرحمن عدس وكايد عبدالحق. (1988). البحث العلمي مفهومه, أدواته, أساليبه. عمّان: دار الفكر للنشر والتوزيع .
19-علي, سعيد. (1978). أصول التربية الإسلامية. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية .
20-علي, سعيد ومحمد الحامد وعبدالراضي محمد. (2004). التربية الإسلامية المفهومات والتطبيقات. الرياض: مكتبة الرشد .
21-عنان, محمد. (1933). ابن خلدون حياته وتراثه الفكري. القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية .
22-مرسي, محمد. (د. ت). تاريخ التربية بين الشرق والغرب. مصر: عالم الكتب .
23-ناصر, إبراهيم. (1989). أسس التربية. عمّان: دار عمار .
24-النجيحي, محمد . (1967). مقدمة في فلسفة التربية. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية .
25-يوسف, أحمد (1955). أسس التربية وعلم النفس. لجنة البيان, بدون مكان النشر .
26-جريدة اليوم. العدد 12227. الدمام .
|
|
(0) تعليقات |
|
2010-01-20
مقدمة: إذا كان الإنسان يختار فعاله الحرة بصفة إرادية وفي حدود معينة فهذا الاختيار يكون بين ممكنين على الإنسان في ذلك يعي ما يختار، أي لا يتم الاختيار إلا بعد تقييم ثم يترتب عليه الإقدام أو الأحجام فنقدم على الفعل إذا كان حسنا ونحجم عنه إذا كان مستهجنا، فلو أخذنا فعل السرقة، وفعل العمل، لوصفنا الأول بأنه قبيح رغم ما يترتب عليه من أثار مادية كالربح ونصف الثاني بأنه حسن رغم ما به من تعب ونصب، وهذا يعني أن الأول فعل لا أخلاقي أي انه شر أما الثاني فهو فعل أخلاقي وهو خير.
إن ما ينتج عن هذه الموازنة هو أن الإنسان العادي السوي ينشد الخير وينفر من الشر وهذا أمر عادي ومعروف ولكن الموضوع سيصبح إشكاليا لو طرح السؤال متى يكون الفعل خيرا؟ ومتى يكون شرا؟ هل ما كان خيرا سيظل كذلك ؟ أم أن ما هو خير اليوم يمكن إن يصبح شرا غدا؟ أن هذه التساؤلات تفرض علينا مستوى من التحليل يبدل بضبط مفهوم للقيمة الأخلاقية ذاتها .
معنى القيمة الأخلاقية : القيمة في اللغة تعني المقدار فيقال قيمة الشيء مقداره وقيمة المتاع ثمنه ويطلق من الناحية الذاتية على الصفة التي تجعل من ذلك الشيء مرغوبا ومطلوبا ، أما الناحية الموضوعية فتطلق على ما يتميز به الشيء ذاته من صفات تجعله مستحقا للتقدير إن كثيرا أو قليلا . أما في الأخلاق فلفظ القيمة الأخلاقية يعني الخير ونقيضه الشر، بحيث تكون قيمة الفعل فيما يتضمنه من خيريه أو ما نرى فيه من خيريه وكلما كانت المطابقة بين الفعل والصورة الغائية للخير كلما كانت قيمة الفعل اكبر .
طبيعة القيمة الأخلاقية:أ- ضبط المشكلة: إذا كان من السهل أن يقال أن القيمة الأخلاقية هي المطابقة بين الفعل والصورة الغائية للخير فما طبيعة هذه القيمة؟ هل الخير خير في ذاته ومن ثمة فصورته ثابتة، موضوعية، مطلقة لتكون القيمة الأخلاقية موضوعية مستقلة عنا وعن كل ما يطرأ في حياة الناس من تغيرات أم أن القيمة الأخلاقية (الخير) ذاتية لتكون صورته الغائية متغيرة، نسبية، تتصل بالزمان والمكان ؟ بصورة وجيزة هل طبيعة القيمة الأخلاقية موضوعية أم ذاتية.؟
ب- التحليل: 1- القيمة الأخلاقية موضوعية: يذهب المثاليون إلى الاعتقاد أن القيم الأخلاقية ينبغي أن تكون موضوعية مستقلة عن عالم الكون والفساد. فأفلاطون قديما يعتقد أن الفضيلة موجودة في عالم المثل، والروح تأتي منه وهي محملة بالفضيلة، وعليه فما كان خيرا سيظل كذلك والروح تدرك بذاتها ما في الفعل من خيرية من خلال التذكر. على أن الفكرة تزداد وضوحا مع كانط الذي سلك منهجا نقديا قاده بالضرورة إلى افتراض ثلاث خصائص للقيمة الأخلاقية حتى تكون قيمة بالمعنى الإنساني الموضوعية والثبات والمطلقية، وإلا لم ولن تستطيع القيم الأخلاقية أن تكتسب الطابع الإنساني .
وقد تذهب المعتزلة في الفكر الإسلامي إلى أن في الفعل من الصفات ما يجعله خيرا، الشرع مخير والعقل مدرك. فالفعل الخير كالجوهرة فيه من الصفات الموضوعية ما يجعله خيرا, ويذهب فولتر إلى أن الخير يعرف بداهة ولا يختلف فيه اثنان مهما اختلف الزمان والمكان فالراعي التتري والصباغ الهندي والبحار الإنجليزي يتفوق على أن العدل خير والظلم شر, ومعناه إن في العدل من الصفات ما يجعله خيرا بشكل موضوعي وثابت ومطلق.
النقد: يتضح من هذا الطرح أن القول بموضوعية القيم الأخلاقية هدفه تامين اليقين للقيم الأخلاقية وتجاوز كل تضارب أخلاقي يفقد القيم الأخلاقية طابعها الإنساني وهو مسعى لا نعترض علبيه ولكنها طرح يتجاوز الوقائع من جهة ويتجاوز الحياة الإنسانية من جهة ثانية لأن النظر في الواقع يفيد أن لكل بيئة اجتماعية ثقافية نظاما من القيم يخالف بيئة أخرى فإذا كان العدل مثلا مطلبا إنسانيا فهو لا يطبق بنفس الكيفية فالعدل كما يراه الصباغ الهندي يختلف من طبيعة ذاتية:- ( يمكن إدراج وجهة نظر الاشاعرة ضمن الاتجاه الذاتي). يذهب أنصار الاتجاه الذاتي الذي يشمل ذوي النزعة الواقعية التجريبية أن القيمة الأخلاقية ذاتية بنت بيئتها زمانيا ومكانيا, فإذا كنا نعيش عالما يتسم بالتغير فالأكيد إن القيم الأخلاقية تتغير ولا وجود لقيم موضوعية هي بذاتها ثابتة .فالنفعيون والاجتماعيون والعاطفيون يتفقون على أن القيم الأخلاقية ذاتية نسبية متغيرة مثلما تتغير المنافع وتتغير البيئات وتتقلب العواطف وخير دليل الواقع , إن تمثلنا للقيم وتبنينا لها يخضع لما نتلقاه من تربية وتلقين, وما يلاحظ من تقارن بين الناس و بين البيئات الثقافية لذا كان حقد نيتشة على كانط كبيرا حينما زعم نمطا أخلاقيا متعاليا إنسانيا لأن الواقع يفرض نظاما من الأخلاق تبعا لموقع الفرد الطبقي, الثقافي....الخ.
وفي الفكر الإسلامي ناهض الاشاعرة دعوى المعتزلة واعتقدوا أن الحسن والقبيح شرعيان وليسا عقليان , مختلفان باختلاف الشرائع.
النقد: إن كنا لا نستطع إن نقفز فوق الواقع الذي يثبت أن لكل نظام ثقافي منظومة أخلاقية يساهم في إرسائها المعتقد الديني والواقع الثقافي والوضع التاريخي فإننا في المقابل نؤكد أن هذه النظرة تمثل الأخلاق كممارسة وهنا نفهم أن طبيعة القيم الأخلاقية من حيث الممارسة متغيرة وتتأثر بالذات في حين أن النظر أليها من جهة الطبيعية النظرية وفي صورة إنسانية تبدو ثابتة.
نتيجة: تتأثر طبيعة القيمة الأخلاقية بالزاوية التي ننظر منها إلى القيمة فمن الناحية النظرية تبدو مطلقة لوضعية ثابتة حتى أن نحكم الحياة الإنسانية , أما من الناحية العلمية فهي تتأثر بالزمان والمكان ليغلب عليها الطابع الذاتي.
أساس القيمة الأخلاقية: إذا كان الاختلاف قائما حول طبيعة القيمة الاخلاقية فأن هذا الاختلاف امتد أيضا إلى الأساس الذي تقوم عليه هذه القيمة ومن ثمة يطرح السؤال ما هو المعيار الذي بموجبه يغدو الفعل خيرا أو شرا ؟ هل يمكن أن تكون التجربة القائمة على اللذة والألم والنفع والضرر أساسا موجها لأحكامنا الاخلاقية أم أن التجربة تعجز عن ذلك لتضارب اللذات و المنافع و عليه لا يكون الأساس سوى عقليا بعيدا عن الميول والعواطف والهواء أم أن العقل هو الآخر لا يكفي لأنه قد يؤدي إلى أحكام صورية نظرية يصعب تطبيقها و بالتالي يكون التفكير في المجتمع كأساس لأحكامنا الاخلاقية , فما حسنه المجتمع كان حسنا وما قبحه كان قبيحا ؟ وبصيغة موجز هل أساس القيمة الاخلاقية هو الطبيعة البشرية ( اللذة والالم) أم الطبيعة الإنسانية العاقلة (العقل) آم الطبيعة الاجتماعية ؟
أ- المذهب التجريبي: (من اللذة إلى المنفعة) يعد هذا المذهب من أقدم المذاهب الفلسفية إذ تعود جذوره الأولى إلى الفكر اليوناني إذ يذهب ارستيب إلى تأكيد أن اللذة هي مقياس الفعل، بل هي الخير الأعظم، هذا ما يلائم الطبيعة البشرية التي تنجذب بصورة تلقائية وعفوية إزاء ما يحقق لها متعة الحياة وتنفر في المقابل من كل ما يهدد أو يقلل من هذه المتعة هذا هو صوت الطبيعة ، فلا خجل ولا حياء ، أن اللذة المقصودة عنده هي لذة الجسد وأقواها إطلاقا لذة البطن ويلزم على ذلك أن كل القوى تتجه نحو تأكيد وتمجيد هذا المقياس .
لكن اتباع هذا المذهب عدلوا من هذا الطرح لأنه يتضمن صراحة الإساءة إلى حياة إنسانية يقترض فيها التميز عن حياة حيوانية هذا ما يؤكد ابيقور والابيقوريون.الذين ميزوا بين الذات يعقبها الم وأخرى نقية لا يعقبها الم الأولى ليست مقياسا للفعل الاخلاقي هي لذة الفساق كالخمر والنساء، وبينما هي أساسه وانتهى ابيقور Epicure) (341-270 ق م التي تتوافق اكثر مع طبيعة الإنسان هي اللذات الروحية من قبيل الصداقة وتحصيل الحكمة ، وهي لذات تستلزم الاعتدال في السلوك، بينما رفع الرواقيون Les stoicims اللذة إلى مستوى روحي أعلى ومقياس اللذة عندهم كل ما يحقق السعادة، ولا تتحقق السعادة إلا إذا عاش الفرد على وفاق مع الطبيعة .
أما الفلاسفة المحدثون الذين يعد فكرهم امتداد لمذهب اللذة فقد جعلوا من المنفعة أساسا للفعل ويظل الاختلاف بين النفعيين في أي المنافع يصلح مقياسا للفعل فقد حرص جريمي بنتام على وضع مقاييس للمنفعة، كالشدة والدوام واليقين والقرب والخصوبة والصفاء أو النقاء والسعة أو الامتداد ، ومع ذلك لم يخرج بنتام عن الأنانية السائدة في تصوره لمذهب المنفعة فهو يشترط في نقاء اللذة إلا تنطوي على تضحية من جانب الشخص للآخرين وهذا ما رفضه جون استورت مل الذي اثر المنفعة العامة عن المنفعة الخاصة . وهو ما سبقه إليه جون لوك (1704-1632 ) الذي يذهب إلى أن الغاية من الاختلاق اجتماعية.
النقد : يتميز هذا المذهب بنظرية الواقعية آذ لا احد يتصرف ضد مصالحه ومنافعه وهذا ليس أمرا سيئا , لكن السيئ في الموقف هو الاكتفاء باللذة و المنفعة موجها للفعل و إلا ترتب على ذلك تضاربا في القيم نتيجة لتضارب المصالح.
ب- المذهب العقلي: يذهب نيون إجمالا إلى اتخاذ العقل مقياسا للفعل فقد قرن سقراط الفضيلة بالمعرفة, لكن جميع الدارسين يقفون على محاولة كانط التي تعد أهم محاولة لتأسيس الأخلاق لسببين , الأول وضع الأخلاق على محك النقد في محاولة لكشف الشروط القبيلة للفعل الاخلاقي و الثاني إيجاد مقياس يسمح لكل ذي عقل أن يميز بين الفعل الاخلاقي واللاخلاقي.
فعن السبب الأول رفض كانط رهن الواجب الأخلاقي لغايات تخرج عنه, بصيغة أوضح رفض كانط بتأسيس الأخلاق على التجربة الحية لما يطالها من تغير وتبدل وما ترتبط به من غايات خارجة عن الفعل ,وهذا معناه أن الفعل الأخلاقي لا يكون كذلك إلا لذا كان واجبا إذا الواجب آمرا مطلق, كلي, ثابت, إنساني, منزه, صادر عن الإرادة الخبرة للإنسان وعن السبب الثاني يحدد كانط جملة من القواعد أو الصيغ بها تقاس أفعالنا .
1-قاعة الكلية: " اعمل دائما بحيث تستطيع أن تجعل من قاعدة فعلك قانونا كليا شبيها بقانون الطبيعة".
2- قاعة التنزيه: اعمل دائما بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي أشخاص الآخرين دائما كغاية لا كوسيلة".
3- قاعة الحرية أو الإرادة: "اعمل دائما بحيث تستطيع أن تجعل عن إرادتك الإرادة الكلية المشرعة للقانون الأخلاقي."
بهذه القواعد يتضح سمو الواجب الاخلاقي الذي لا يمكن أن نخفضه إلى مجرد واجب اجتماعي قل هو واجب لكل الكائنات العمالقة تمثلا للقانون لا أكبر.
النقد: طمح كانط إلى تأسيس أخلاق ثابتة أمن لها اليقين و المطلقة وجعلها متعالية منزهة ومع ذلك كانت عرضة لانتقادات شديدة وخاصة من قبل الفيلسوف الألمان فريدريك نيتشة الذي لم ير في مساواة الناس جميعا في واجب مطلق يختفي وراءه هؤلاء الضعفاء في الوقت الذي يفترض فيه أخلاق القوة (أخلاق السادة) تلك التي تعبر عن إرادة الحياة.
ج- المذهب الاجتماعي: في المقابل للمذاهب السابقة يرفض الاجتماعيون كل تأمل أخلاقي لا يأخذ بعين الاعتبار الواقع الاجتماعي و فقد جعلت الماركسية الخلاق انعكاس للواقع الاجتماعي الذي يعد هو بحد ذاته صدى لعلاقات الإنتاج, فالأخلاق السائدة هي أخلاق الطبقة المسيطرة , بينما تذهب المدرسة الاجتماعية بزعامة دوركايم وليفي بريل, إلى أن الأخلاق ethique هي في الحقيقة العادات والتقاليد, فهي في نظر دوركايم ظاهر اجتماعية تمارس ضغطا وإكراها , "لسنا سادة وتقويمنا الأخلاقي , فنحن ملزمون ومجبرون ومقيدون والذي يلزمنا ويجبرنا ويفيدنا هو المجتمع". معنى ذلك أن أساس الفعل الأخلاقي هو المجتمع, فما حسنه المجتمع وأمر به فهو واجب أخلاقي لأن الواجب الأخلاقي بالضبط هو الواجب الاجتماعي وما نهى عنه معناه شر ينبغي تجنبه, هذا ما يدل عليه الواقع وما يكشف عليه التاريخ.
النقد: لا شك أن للمجتمع حضورا قويا فيما لدينا من قيم أخلاقية نأخذها كقوالب جاهزة علينا الاقتتال لها ومع ذلك فالأخلاق ليس كلها اجتماعية, فقد ناهض برغسون الخلاق الاجتماعية ووصفها بالأخلاق المغلقة, الساكنة والراكدة التي تتنقل من جيل إلى جيل في مقابل الأخلاق المفتوحة, الحيوية والمتطورة تلك التي يبدعاه الأفراد القديسون والأبطال...
ويعلق فرانسوا غريغوار على الأخلاق الاجتماعية وما بها من نقص"فهي تبرير للانسياق الاتباعي " الذي يحرمنا من كل إبداع.
نتيجة : نكشف من العرض السابق إن الإنسان كائن أخلاقي بلا ريب حتى لو شك في هذا الأساس أو ذاك كما يكشف التحليل انه من الصعب اتخاذ أساس مطلق للأخلاق بسبب من تشعب الحياة وتعدد مناحيها.
مشكلة سلم القيم الأخلاقية وتعارض الواجبات .
ضبط المشكلة: تقرر من التحليل السابق أن الإنسان في جميع الأحوال يسلك بمقتضى رقم ونظام أخلاقي بغض النظر الطبيعية و الأساس و لكن كثيرا ما نجد أنفسنا إزاء واجبات نختار في أيتها نختار وبأيها نبدأ. فما هو السلم الذي ينبغي أن نعتمده في اختيار الواجبات ؟
يمكن إخضاع الإجابة على هذا السؤال للمذاهب السابقة ونتوقع أن يوجهنا أصحاب اللذة والمنفعة إلى اختيار السلوك على أساس من اللذة وبها تغدو الواجبات الشخصية سابقة على العامة, وفضائل الحس والجسد قبل تضائل التأمل والعقل, حلافا للاجتماعين الذين يضعون الواجبات الاجتماعية, الآتية والقائمة موضع التنفيذ قبل الواجبات الخاصة أو المتعالية , بينما ستكون إجابة كانط على ذلك من أن السلم الجدير بالاحترام هو أن نضع الواجب الاخلاقي موضع الاختيار باعتباره الأسمى والمنزه والكلي و الثابت و إجمالا الفضائل أصناف و ينبغي للإنسان أن يحرص على انتقاد واختيار الأجدر منها و الأكمل, أي تلك التي تكمل بها إنسانية الإنسان. .
جميع الحقوق محفوظة، 1424-2004 ©، موقع فلسفة
|
|
(0) تعليقات |
|
2009-12-10
خواطر مقتضبة في تشخيص أزمة الإنسان المدني*
ديمتري أ?ييرينوس**
إلى يوسف عبه جي
يرى أفلاطون بأن المدينة تنشأ أصلاً من عجز الفرد عن الاكتفاء بنفسه في سد حاجاته المتنامية، فيجتمع في مكان واحد عدد من الشركاء المتعاونين يشكِّلون مجتمعًا يُطلَق عليه اسم "مدينة polis" ويجري فيه الأخذ والعطاء، بحيث يعتقد كلٌّ منهم أن التبادل يعود عليه بالنفع. بذلك يعزو أفلاطون نشأة المدينة إلى ضرورة تلبية حاجات الإنسان المادية والمعنوية، مع كل ما يتفرع عنها. ومنه، إذا سلمنا بصحة كلام أفلاطون، كانت المدينة بنت الحاجة إليها.
بيد أن اجتماع الإنسان إلى الإنسان ليس مجرد ضم كمٍّ إلى كم. لذا ظلت المدينة، تاريخيًّا، مكان التفاعل وموضع اللقاء بالآخر. فهي، إذن، أول فضاء حر يتيح للإنسان التحقق بالبعد الاجتماعي الكامن فيه، بما يميِّزه من كائنات الطبيعة إجمالاً ومن التجمع البشري بمعناه الفج خصوصًا. فمع تمايُز الإنسان عن الطبيعة وعن العشيرة الضيقة، ومع انقطاعه، إلى حدٍّ ما، عن التماس المباشر مع البيئة الطبيعية، حاول أن يفتش عن تعويض مادي ونفسي في تماس من نوع جديد مع أنداده من البشر: تماس تفاعلي يؤدي، من ناحية، إلى نموه وتعزيز خصوصيته كشخص شرع في التفرُّد، وإلى إيجاد وعي إنساني جديد يتجاوز الأشخاص بما هم أشخاص، من ناحية أخرى. هذا ما يُسمى "الحضارة" (وضدها في السياق العربي "البداوة") أو "المدنية civilization" – عكس اللاتمايز والانكفاء على الجماعة الضيقة، القَبَلية أو العشائرية.
في المجتمع الجديد، تفتحت ملَكة معرفية جديدة نَمَتْ في الإنسان الفرد مع تمايزه عن الطبيعة، ألا وهي العقل: العقل يغذي الخبرة الإنسانية، يُنضِجُها، ويدفع بها إلى العودة إلى الطبيعة في مآل اكتمالها، غنيةً بخبرة "عمودية"، إذا جاز التعبير، بالإضافة إلى الخبرة "الأفقية" السابقة. في البداية، كان الإنسان متماهيًا identified مع الطبيعة، غائبًا فيها؛ ومع الخبرة العقلية الجديدة، بات في وسع الإنسان أن ينفصل عن الطبيعة – مرحليًّا – ليكتشف ما يتعداها، أي ليكتشف في نفسه بُعدًا كليًّا يتجاوزه كفرد، ويتجاوز الطبيعة أيضًا، ويوحِّد فيما بينهما في آن معًا.
لذا كانت هندسة المدن القديمة تجعل للمدينة مركزًا ومحيطًا، وتعتمد المربع أساسًا لها، من حيث إن شكل المدينة المربع – بما أنها كانت ترمز، من أحد الوجوه، إلى تحضُّر الرُّحَّل من الشعوب – يرمز إلى الثبات والرسوخ والتعيُّن، في مقابل خيام الرُّحَّل أو مخيماتهم الدائرية التي ترمز إلى الحركة وعدم التمايز. وبحسب علم النفس التحليلي، تشكِّل المدينة أحد رموز "الأم" في مظهريها: الحامي والمعيِّن؛ وهي من نَسَق المبدأ المؤنث. المدينة، بحسب كارل يونگ أيضًا، رمز إلى الكلِّية Totality والتكامل الداخلي: دخول البطل المدينة، في الأساطير والقصص والأحلام، وبلوغه مركزها المتمثل بالحَرَم الديني (الهيكل أو المَقْدِس) يشير إلى التكامل الداخلي وتحقُّق قوى النفس الإنسانية بممكناتها كافة ("سيرورة التفردن" individuation process).
وحتى على الصعيد الاجتماعي، كانت أبعاد المجتمع بأسره – بفئاته كافة – تتكامل في المدينة: المقدس، الذي يضمن نقل الثقافة والقيم؛ السلطة، بفرعيها المدني والعسكري؛ والسوق باستطالاته الحِرَفية. ذلك أن المدينة كانت تُبنى قديمًا بحيث يعكس مخططُها البنية الباطنية المثلثة للإنسان، القلب (أو الروح) والنفس والجسم: القلب يقع في المركز من الكائن الإنساني، ويرمز إليه الهيكل؛ ومنه تتفرع الشرايين (الشوارع) التي تغذي بالدم الأعضاء النبيلة (المدارس والمكتبات = العقل) وما تبقى من المدينة: الهيئة الحاكمة التي ترمز إلى النفس، والأسواق، بحوانيتها وحماماتها ومختلف نشاطاتها الاقتصادية، التي ترمز إلى سائر أطراف البدن ووظائفه؛ أما أبواب المدينة، التي غالبًا ما كانت سبعة، فكانت ترمز إلى حواس الإنسان الخمس الكثيفة والحاستين اللطيفتين (الحدس والعقل) أو، كوسمولوجيًّا، إلى الكواكب الخمسة والنيِّرين (الشمس والقمر).
وجودُ المدينة، في حدِّ ذاته، مفارقة، من حيث هي تؤدي إلى انقطاع الإنسان جزئيًّا عن محيطه الطبيعي وعشيرته، لكنها تعوِّض هذا النقص باللقاء مع الآخر المختلف:
1. المدينة، في مرحلة أولى، مكان يؤمُّه الإنسان قابلاً أن يفقد شيئًا من هويته العشائرية الجماعية ليتفرد؛
2. والمدينة، في مرحلة ثانية، مكان تفاعل الأفراد لإبداع "حضارة" تتخطاهم وتعكس "كلِّيتهم" (وليس مجموعهم الحسابي وحسب)؛
3. والمدينة، في مرحلة ثالثة، إذ تتطور، تصبح المكان المنفتح على العالم ككل، المكان الشبيه بالميناء الذي تتحرك فيه البضائع والثقافات في حرية تامة – مكان التفاعل العالمي الشامل.
لكلِّ ما سبق، اتصفت المدينة تاريخيًّا بصفات حافِظة، كأن تكون ملجأ الناس أيام الحرب؛ وبالتالي، كان يكفي لاحتلال أراضي بلد ما الاستيلاءُ على المدينة (من هنا أهمية حصار المدن في التاريخ).
* * *
أما اليوم، فقد اختفى هذا المعيار لأن الأسباب الرئيسية لنشأة المدينة قد انعدمت. حتى التجارة، مع حَوْسَبتها المتزايدة، بات في إمكانها الاستغناء عن المدينة – فما بالك بالبُعد الثقافي-الحضاري؟! الساحة العامة-الأغورا agora (ونموذجها المصغر سوق عكاظ في مكة قبل الإسلام) –، حيث يبلغ التفاعل الثقافي والتبادل التجاري أوْجَه، لم يعد لها من معنى مع تطور وسائل الإعلام وانتشارها الأفقي (الإنترنت أوضح مثال على ذلك). وبذلك قد لا تكون مدن العالم الكبرى اليوم سوى "واجهة" خارجية تقنِّع وجه الاستهلاك القبيح. حتى في الحرب الحديثة، لم تعد المدينة ذلك المكان الإستراتيجي الذي كانتْه في الماضي (ليست للمدن الحديثة أسوار ولا تحصينات).
لقد زال المفهوم القديم للمدينة، لكن الناس ما برحوا يَفِدُون على المدن ويتكتَّلون فيها؛ لا بل إن مصير البشرية ككل أمسى "مدنيًّا" – على الأقل في الأفق المنظور. وبذلك زالت الحاجة إلى المدينة، وحلَّتْ محلَّها الرغبة في المدينة (من هنا الهجرة الكثيفة من الريف إليها).
واليوم، لم يعد للمدن مراكز (كما في أمريكا الشمالية بوجه خاص)، مما أدى إلى أزمة هوية – وهذا ليس لأسباب عمرانية أو اقتصادية صرف. لقد أضحت المدن الكبرى محيطًا بلا مركز (مما يعكس غياب شعور الإنسان بمركزه الداخلي)، ولم يعد لمركز المدينة من مدلول إلا المدلول "الجمالي" وحسب. صار الناس في المدن الكبرى يعيشون في المحيط، غائبين عن مركزهم، تسحقهم المسافات الاجتماعية والجغرافية.
واليوم أيضًا – وهذه مفارقة أخرى – زال مفهوم المدينة نفسه، على الرغم من توسع المدن توسعًا سرطانيًّا، وذلك لأن المدينة أمست مكان العزلة والتجمُّع، لا مكان اللقاء والاجتماع (التمييز بين "التجمع" و"الاجتماع" للفيلسوف ندره اليازجي). ومع الإمعان في هذه السيرورة، سيصير الإنسان المدني، في مستقبل ليس ببعيد، – مع علمه آنيًّا بما يحصل في بقاع أخرى من العالم من أحداث وحوادث، – كيانًا منقطعًا عن العالم، معرفيًّا وإنسانيًّا، ومعزولاً وجدانيًّا.
تقوم فكرة المدينة أساسًا على كونها مكان المعرفة والأسرار، مكان الزوايا والخبايا والاشتباك الحياتي المذهل. لكن تبنِّي فكرة التطور، بمعنى التقدم الخطِّي المتواصل إلى الأمام، انعكس على تخطيط المدن، فظهر بعد الثورة الصناعية مفهوم المدينة الحديثة، "المُعَقْلنة" rationalized، الشاقولية، وتوحدت معايير البناء، متحررة و"محرِّرة" من كل خصوصية ثقافية. وهذا المفهوم "الشاقولي" للمدينة، إذا جاز التعبير، مع كل ما وفَّره من أسباب الرفاهية ومع الرواج الذي لاقاه، لم تؤخذ عواقبُه بالحسبان إلا بعد فوات الأوان. لقد أخذ المنظِّرين له الحماس؛ وهم، في رغبتهم المحمومة في "خدمة" المجتمع، وجدوا أن الأصلح له هو تجزئة حياة الناس إلى قطاعات أو "حجرات" (من "الحَجْر")، فأوجدوا أماكن للعمل، وأخرى للسكن، وأخرى للترفيه، وأخرى للاستهلاك (وهذا بالطبع ناجم في الأساس عن تصوُّر للعالم كأجزاء منفصلة، وعن تصور الإنسان كمجرد حزمة دوافع كمية). هناك قطاع للنوم: المناطق السكنية؛ قطاع للعمل: المكتب والمصنع؛ قطاع للاستهلاك: السوپرماركت والمول؛ قطاع للتسلية: مركز المدينة الافتراضي (وبذلك تغيرت وظيفة هذا الأخير من مكان التفاعل الثقافي إلى مكان "الترويح عن النفس")؛ وتصل بين هذه القطاعات طُرُق عريضة لكسب الوقت.
اختفت "الحارة" القديمة، بكل مظاهر اشتباك الحياة فيها وبكل أسرارها، وحلت محلها أماكن مسطحة، لا هوية لها، تتعالى فيها أعمدة إسمنتية لا تنطوي على أي سر – وفي ظن أولئك المنظِّرين أن هذا كله يؤدي إلى السعادة رأسًا! (لقد تبيَّن أن العكس هو الصحيح؛ فمن الآثار السلبية نفسيًّا للحياة في المدينة: الأمراض النفسية، من قلق وحَصْر وإنهاك عصبي، نتيجة العمل الشاق والضجيج المستمرين، ناهيك عن التلوث القاتل، لا يعوضها تماسٌ مرمِّم مع الطبيعة؛ وهذا كله بالطبع يترجَم إلى ارتفاع طردي في نِسَبِ الإجرام وجنوح الأحداث.) غير أنهم نسوا الحياة، تجاهلوها، وأغفلوا أن المكان تعبير عن الثقافة. تعقيد الحياة، في اشتباك مظاهر تحولاتها، اختُزل إلى تعقيد شبكات الاتصال والمعلومات وإلى تعقيد العلاقات الهرمية في الاقتصاد والسياسة.
* * *
لقد كان "ملعونو الأرض" (ماركس) يحلمون في المدينة بعالم يصيرون فيه ملوكًا. فبمَ يحلم أبناؤهم اليوم؟ الواقع أن "الثورة" الوحيدة التي يتشوق هؤلاء إلى إعلانها هي ثورة الاستهلاك!
فهل لنا اليوم أن نبدع مفهومًا جديدًا، أصيلاً، لحياتنا في المدينة؟
*** *** ***
سماوات
* صياغة نهائية لمداخلة ألقِيَتْ ضمن ندوة حول المدينة عقدتها "الجمعية الكونية السورية" في أواسط التسعينيات.
** كاتب ومترجم؛ محرِّر في مجلة معابر www.maaber.org
|
|
(0) تعليقات |
|
2009-12-05
:
يقوم المفهومُ الإسلاميُّ للتنوير على قاعدة راسخة من الإيمان والعلم ؛ فهو مفهومٌ مصطبعٌ بالصبغة القرآنية، منصرفٌ إلى حقيقة التنوير وطبيعته الأصلية، التي تجمع بين (تنوير العقل)، وبين (تنوير القلب)، بالإيمان باللَّه أولاً وابتداءً وفي المقام الأول، وبالعلم الذي لا ينفصل عن الإيمان، في تكامل وترابط وانسجام بين وظيفة كليهما. فليس المعوَّل عليه في التنوير بالمفهوم الإسلامي، هو العقل المجرد غير المهتدى بنور الإيمان، وبالقدر نفسه لا ينفع المرءَ إيمانُه إن لم يستخدم ما وهبه اللَّه من نعمة العقل، في التفكّر والتدبّر والتأمل وتصريف الأمور على الوجه الذي يحقق المصلحة العامة التي تنفع الناس وتمكث في الأرض.
إن التنوير الإسلامي، هو تنويرٌ للعقل والقلب، في توازن دقيق ومتكامل. يقول الشيخ محمد عبده في تبيان مكانة العقل في الحضارة الإسلامية : >إن الإسلام أطلق سلطان العقل من كل ما كان قَيَّده، وخلَّصه من كل تقليد كان استعبده، وردّه إلى مملكته يقضى فيها بحكمه وحكمته، مع الخضوع مع ذلك للَّه وحده، والوقوف عند شريعته، ولا حدَّ للعمل في منطقة حدودها، ولا نهاية للنظر يمتدّ تحت بنودها< ((25
والتنوير الإسلامي يقوم على استقلال الإرادة، واستقلال الرأي والفكر. يقول الشيخ محمد عبده أيضاً في هذا السياق : > ... بهذا وما سبقه، تمَّ للإنسان بمقتضى دينه; أمران عظيمان طالما حرم منهما، وهما : استقلال الإرادة، واستقلال الرأي والفكر، وبهما كملت له إنسانيتُه، واستعد لأن يبلغ من السعادة ما هيّأه اللَّه له بحكم الفطرة التي فطر عليها ((26
وعلوُّ منزلة العقل في الإسلام جعل وظيفة الفكر تؤدّي رسالتها في الحياة العقلية والفكرية والعلمية في المجتمعات الإسلامية. وبذلك انتفت الأسباب التي تؤدي إلى طغيان أي مؤسسة من مؤسسات الدولة باسم الدين، وزالت كل المبررات التي يمكن أن تُستغل للحجر على الفكر وتقييد العقل وقهر العلماء والمفكرين.
ولأجل ذلك، لم تعرف الحضارة الإسلامية تلك الخصومة الضارية بين العلم والدين، كما عرفتها أوروبا في العصور الوسطى المظلمة، مما خلق الأجواء الملائمة لنشوء فكرة التنوير، ولقيام تلك الخصومة العنيفة بين أحرار الفكر ورواد حركة التنوير، وبين رجال الدين المسيحي في أوروبا.
إن الخلاف بين العلم والدين هو قضية غربية خاصة بالأوروبيين وموقفهم من الكنيسة وتفسيرات الدين، وقد نُقلت هذه القضية إلى أفق الفكر الإسلامي نقلاً باطلاً وزائفاً. وموقف الإسلام من العلم معروف، فليس في تاريخ الإسلام أو الفكر الإسلامي، ما يُشير إلى أن هناك مناهضة بين العلم والدين وقعت، أو أن الدين ناهَضَ العلم. إن علماء الغرب قد وجدوا في كتبهم المقدسة، ما يتعارض مع كشوف العلم فاختلفوا، أما القرآن وهو كتاب المسلمين المقدس، فليس فيه ما يخالف أو يختلف أو يتعارض مع حقيقة ثابتة من حقائق العلم، بل على العكس من ذلك، إن كثيراً من المفاهيم العلمية الثابتة لها مدلول في القرآن ((27
وكما نُقلت قضية الصراع بين العلم والدين في أوروبا، إلى المجتمعات الإسلامية، نُقلت قضية التنوير بالمفهوم الأوروبي الذي يُلغي الدين إلغاءً كاملاً، ويستبدل به العقلَ والطبيعةَ لفهم أسرار الحياة ولتنظيم شؤون المجتمع، ولإقامة العلاقات بين البشر. فلقد كان التنوير الغربي ينهج نهجاً مناهضاً للدين جملةً وتفصيلاً، ولا يزال المفهوم الأوروبي للتنوير يسير في هذا الاِتجاه، بينما التنوير الإسلامي يجمع بين الإيمان والعلم، وبين العقل والدين، في إطار الفهم الرشيد لوظيفة الدين في الحياة، والموازنة الواعية بين مقتضيات الشرع، وبين متطلبات الحياة، دون إخلالٍ بقاعدة من قواعد الدين الحنيف، أو تنازل عن ثابتٍ واحدٍ من ثوابته الراسخة.
إن العقل وحده لم يستطع أن يصل بالذين اعتمدوا عليه، إلى معرفة كل الحقيقة، وأدَّى إلى انحرافهم وفساد رأيهم، لأنه جزءٌ من حقيقة كاملة لا تكتمل إلاَّ بأمور أخرى، وكذلك أخطأ الذين نَحَّوا العقلَ وتجاهلوه والتمسوا المعرفة الباطنية، عن طريق الإشراق، أو الحدس، أو الوجدان وحده، ومن هنا جاء اكتمال النظرية الإسلامية للمعرفة، جامعةً بين العقل والقلب، وجامعةً بين عالم الشهادة وعالم الغيب (28)
إن مسألة تكبيل الدين للعقل البشري بالقيود، هي مسألةٌ تخصّ أوروبا والغرب، ولكن الإسلام لا يعرفها. ذلك كان حكم الفكر الأوروبي الحر على الدين مستمداً من التجربة الخاصة به ومحدوداً بها، فلم يكن من اليسير أن يطبق خارج هذه الدائرة (29)
وهكذا يتبيّن لنا أن الذين يدعون إلى الأخذ بالتنوير الأوروبي بكل مفاهيمه المناهضة للدين، وسيلةً ومنهجاً للإصلاح في البلدان الإسلامية، إنما يمارسون ضروباً من التدليس والاِحتيال على عقول الناس، لأن من يقول بالتنوير في مفهومه الغربي، إنما يقول بكل المبادئ التي قام عليها هذا المفهوم، وهي إسقاط الدين من الحساب، وإلغاؤه بالكامل.
إن التنوير الذي يدعو إليه هؤلاء القوم، يناهض المفهومَ الإسلاميَّ للتنوير مناهضةً كاملة، ولا يعبّر، من قريب أو بعيد، عن طبيعة الأمة الإسلامية. لقد نسي هؤلاء أن حال الأمة الإسلامية في جمودها، يختلف في أسبابه عن حال أوروبا في عصورها الوسطى المظلمة، وإن تشابهت الصورة في بعض جوانبها، فقد كان السبب في الجمود الفكري في أوروبا، أن الكنيسة حجرت على العقل أن يفكر، ورفعت الشعار الذي يقول : >آمن ولا تناقش<، وأن السبب في موقف الكنيسة هذا، كان كامناً في طبيعة الدين الذي آمنت به الكنيسة الأوروبية وقامت على نشره، وهو الدين المحرَّف والمخالف مخالفةً صريحةً، لدين عيسى عليه السلام، والذي يحوي أموراً يعجز العقل عن إدراكها، فزعمت الكنيسة أنها " أسرار"، وادعت أنه لا يعلم تأويل هذه الأسرار، إلاَّ آباء الكنيسة، وهم وحدهم المفوَّضون بتفسيرها، ولا يحق لأحد أن يناقشهم فيما يقولون، وإلاَّ اعتبر مُهَرْطِقاً، وحكم عليه بالحرمان (أي الحرمان من رحمة اللَّه)، إن لم يحكم عليه بإهدار دمه، أو حرقه حيّاً في النار. وهذا هو الذي أشاع الجمود والظلام في الفكر الأوروبي في العصور الوسطى، وليس الدين من حيث هو. فالدين الحقيقي الذي ارتضاه اللَّه للناس، وقال فيه سبحانه : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} (30)، هو دين سمح لا غموض فيه ولا طلاسم، فالخلق كلهم عبيد للَّه، وهو المتفرد بالألوهية، وصلتهم به صلة مباشرة، لا وسطاء فيها ولا أوصياء. وهو إلى ذلك كلّه، دينٌ يحثّ على العلم والعمل الصالح، ويدعو إلى التأمل والتفكّر في الكون والكائنات وإعمال العقل لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة. بل عاب هذا الدين على الذين يعطلون عقولهم ولا يتفكرون ولا يعقلون، فعلَهم، واعتبره مخالفاً لمنهج اللَّه في الحياة.
وإذا كان (التنوير الإسلامي) هو تنويرٌ بالإسلام، أي النظر بعقل مؤمن في المنابع الجوهرية والنقية للإسلام، لفقه أحكامه، والاجتهاد في إيجاد الإجابات عن الأسئلة المعاصرة والأحكام المناسبة للنوازل والوقائع المتجدّدة، فإن التنوير الغربي ــ الوضعي ــ العلماني، قد أقام ويُقيم قطيعةً مع الموروث الديني، رافضاً استلهامه أو التزامه أو الانطلاق منه. ولهذا فإن الفرق شاسعٌ بين تنوير إسلامي، ينطلق من الدين، وبين تنوير غربي يرفض الدين ويتنكر لقيمه وهدايته.
ولما كان التنوير لغةً، وكما سبقت الإشارة، هو الإخراج من الظلمة إلى النور، ومعلوم أن الجهل ظلمة والمعرفة نور، فيكون التنوير المقوِّم للعمل وللحركة والفكر، توعيةً تُخرج الإنسانَ من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة. ومعلوم أن الإسلام يجعل من كل فعل، كائناً ما كان، خُلُقاً صريحاً يُحمَد أو يُذَم، يَحسُن أو يَقبُح. فإذن الفعل المعرفي، يُعدُّ فعلاً خلقياً في الممارسة الإسلامية. ويرتبط التنوير في المفهوم الإسلامي بالتحرير، الذي هو لغةً، الإخراج من العبودية إلى الحرية، ومعلوم أن التعلّق بالمخلوق عبوديةٌ، والتعلّق بالخالق حرية، فيكون التحرير المقوّم للعمل وللحركة وللفكر، تعبئةً تُخرج الإنسان من العبودية للمخلوق إلى الحرية في الخالق (31). وتلك ذروة التنوير في مفهوم الإسلامي.
عن الأسيسكو
الرابط
http://www.isesco.org.ma/arabe/publications/Tanouir/page6.php
|
|
(0) تعليقات |
|
2009-11-21
نوار جبور*:
فجر قول الشاعر والمفكر أدونيس في شمال العراق -كردستان- مشكلة كبرى لدى المثقفين العرب من القوميين إلى المثقفين الحياديين وأصبح هذا القول مادة خام للجميع لاستهداف أدونيس، ولا نستغرب التشكيك حتى بوطنيته وانتماءاته بعد فترة من الزمن.
وكما هي عادة المتفكرين العرب يكيلون الاتهامات والعتاب مبتعدين عن المناقشة الفكرية أو الموضوعية أو الحوارية التي يجب إتباعها في هكذا قضايا حساسة ولم نتعلم بعد من مسار العقل الذي يحكم البشرية بضرورة النقد الذاتي كقانون أو التشخيص الحقيقي للحالات والظواهر الاجتماعية التي حكمت كبرى الثورات الإنسانية والاجتماعية والسياسية. رأى الكثيرون أن أدونيس قد قصد بكلامه نكر الثقافة العربية ومهاجمتها وهو ليس السباق في هذا الطريق دعونا نعود للقرن الماضي فنرى أن كل من "الأب مارون غصن، ثم سعيد عقل،أنسي الحاج" في لبنان"رشيد موسى،عبد العزيز فهمي"مصر"نزار قباني" سوريا.
فكل المفكرين أو الشعراء المذكورين هاجم الثقافة العربية واللغة العربية والتراث الفكري العربي وربط بين الفكر والهزائم وجعلوا التراث العربي والإسلامي كبش فداء لكل التراجع الفكري والحضاري الذي عايشوه. وأعلنوا ما هو أكثر مما قصده أدونيس لأنهم نادوا بإلغائها لا تشخيصها.
كما شخص أدونيس حالتها ولكل منهم خلفية مختلفة لهذه الأفكار منها القومية منها الطائفية منها الإيديولوجية ومنها الذاتية. ونرى هنا أن الدعوة للخروج عن الثقافة والتراث العربي قد بدأت قبل ذهاب أدونيس إلى العراق وأنها قد بدأت في مراحل حساسة من تاريخ أمتنا العربية ولكن وبعد كل هذا نسأل لماذا كل هذا الغضب على التراث العربي؟ لماذا نرجع أسباب تخلفنا وإخفاقاتنا أمام التاريخ وأمام الذات لتراثنا العربي؟ هل من الممكن أن يكون تراث فكري للأمة كاملة هو محض هراء؟ هل يجب نكرانه وإفراغه من كل القيم؟
لاشك أنه من الخطأ بمكان قطع علاقة الماضي بالحاضر أو نكر الماضي أمام الحاضر ومحاربة الماضي بسلاح غريب عنها ولا ينتمي إليها، كالتغريب أو التنميط-الغربي- لأن كل مرحلة اجتماعية حكمت الشعوب هي وليدة زمانها ومكانها وتخضع لقانون الاستمرار ولا يمكن جدلياً وضع البيضة في رحم قطة ولا يمكن جعل الحاضر غريباً عن الماضي أولا ينتمي إليه.
يقول ماو تسي تونغ “لا أستطيع علمنة الشعب الصين دون الحفاظ على تراثه الفكري” فماو هنا أراد أن يقول أن التراث الصيني يجب أن يقترن -ينمط- بالتجربة الجديدة للشيوعية ولا تكون الشيوعية بما تحوي من علمانية ومادية ملغية لتراث روحي لشعب أمتد تاريخه لقرون عديدة.
ونحن كذلك لا نستطيع محو ثقافة وفكر إنسان وتنميطه بثقافة جديدة لا تدخل في خواص شخصيته ولا يمكن النظر إلى ثقافة كالثقافة العربية على أنها مفلسة ولا يمكن النظر إلى أي فكر إنساني بهذه الطريقة التشاؤمية.
ولأننا أيضاً لا نستطيع أن ننسى كم من مترجم أوروبي ترجم كتبنا، وإن المستعمرات العربية في "قرطبة،وصقلية" والاستعمار الروماني كان له فضل كبير على أوروبا بالاطلاع على تراثنا وفكرنا وتقدمنا ونقله إليهم، فحركة الترجمة التي اطلعت الغرب على التراث الفكري العربي له دور كبير في تطوير أوروبا كفلسفة وكعلم وكمجتمع ولا يمكن ذكر المترجمين على سبيل الحصر ومنهم الرهبان بطرس المحترم والبير الكبير وروجور بيكون.
وكان أوج الترجمة متجهاً نحو فلسفة الفارابي، وابن سينا، الغزالي، ابن رشد ،ابن خلدون،الكندي والطوسي وكثيراً ما قتل النظام البطركي الأوروبي العديد من الفلاسفة لتبنيه الفلسفة العربية وخاصة الرشدية-نسبة لأبن رشد- كالفيلسوف الايطالي"بتروبومباري"،"برناردينو تيليزيو".
لا يمكن نكران الفكر العربي وتأثيره على الإنسانية وأن فلسفتنا وتراثنا الفكري كان منارة أوروبا التي أوصلتها إلى الأمان الأمان الاجتماعي والسياسي والفكري بل وحتى الاقتصادي-كنتيجة- وثقافتنا ثقافة غنية مليئة اتجهت نحو المادية كعلم -ابن رشد- واتجهت بمطالب فلاسفتها نحو الإنسانية والإرادة الجمعية كنظام دولة -الفارابي- وتحرير المرأة ومساواتها بالرجل-ابن رشد- وبتفسير الأصوليات والعصبيات وتفسير حركة الشعوب-ابن خلدون- واعتماد الفلسفة العلمية الطبيعية-الكندي- ففلسفتنا متكاملة.
ومع كل ما ذكرنا نبقى غير منصفين فأدوار نصير الدين الطوسي وابن فاجة وابن سينا والغزالي أدوار كبيرة أكملت العلوم الأوروبية من الرياضيات إلى الفلسفة ولكن لماذا استفاد الغرب من هذا التراث العظيم ونحن لا؟ لماذا أصبح الغرب منارة لنا بعد أن كنا منارة له؟لماذا قال مفكرنا الكبير أدونيس قوله في شمال العراق؟
إن الأسباب الحقيقة التي أوجدت حالة العداء للثقافة العربية من قبل المثقفين هي استمرار لظواهر مازالت تحكمنا منذ موت الخليفة المأمون وما قبله. فالمأمون الذي قامت بعصره أكبر حركة ترجمة للفلسفة اليونانية وأكبر حركة علمية وتنموية تنويرية في الأمة العربية،إعطائه الحرية للمعتزلة وللمفكرين العرب وتأثره بالعقلانية ومحاولته ترسيخها كمنهج فكري وإقراره بقضية خطيرة هي قضية خلق القرآن وترجيح العقل على النص والكثير الكثير من الترسيخ العقلي والذي كانت نتائجه ذخر كبير لتقدم الفلسفة العربية والعقلانية العربية.
فبموت الخليفة المأمون انتهى كل شيء فأسلافه بدأُ بحرق كل هذا التراث من المعتزلة خصوصاً إلى الفلسفة والتمنطق عموماً وعادت الثقافة ومعها الفكر إلى نفس أيام التي تلت وفاة الرسول بفترة. فترسيخ حكم النص والقدرية التي حاربها أبناء الفكر المعتزلي، والتفسير السياسي و المصلحي اللاعقلي للقرآن واختلاق الأحاديث عن لسان النبي وتنميطها على النحو المصالحي والطبقي والسياسي ودخل العرب بعدها مرحلة الانحطاط الفكري وبدأ التعامل الإرهابي مع المفكرين والفلاسفة العرب والملاحقات العشوائية والاتهامات تضرب كل حركة عقلية و كل متعقل بدأً من المعتزلة مروراً بابن باجه وابن سينا وابن الطفيل وصلاً إلى ابن رشد.
وكما قلنا بموت المأمون دخلت الحضارة العربية بمرحلة السكون ولا ينكر وجود حركة فكرية فيما بعد ولكنها كانت دوماً في حالة حرب مع السلطة التي لا تريد إلا السلطة الفردية وبوجود أشخاص كابن عباس وابن تيمية والشهرستاني وصولاً إلى البوطي وابن باز والنجوم الشيوخ الذي يظهرون على شاشاتنا وشيوخ اليوم يترسخ الفساد والقدرية والمحسوبية وكل الشرور التي تحكم مجتمعاتنا.
فمحاربة العقل مصيبتنا وهي التي أبعدتنا أشواط عن التاريخ فالعقل الذي يحكم البشرية مرفوض لدى العقلية الفقهية المسيسة المحدودة الفكر والتي ارتبطت بالفردية والأحادية والسلطوية.
فهم حاربوا الفكر المعتزلي العقلي وحاربوا فلاسفتهم والفلاسفة عامة وحاربوا جميع أنواع الحكم الجمعي مرسخين الغيبية القدرية فارتبط الترسيخ السياسي بالديني فمبدأ مثل مبدأ العلة الأولى يلغي الإبداع الفردي والجمعي ومبدأ مثل مبدأ أحقية النص يلغي الحوار ويلغي التاريخ وجدليته ويصبح الشعب منمطاً بكتاب وبأحاديث ملفقة جامدة لا تساير ذهنية العصر وجعل القرآن كتاب شمولي يبعد العقل عن وظيفته بتحليل أي ظاهرة سواء الاجتماعية أو الفكرية أو العلمية.
ألا يجب أن نقف أمام ذاتنا ألا يجب استغلال تراثنا ألا يجب أن نصحي ونحرق الكثير من التراث المزيف ألا يجب أن نعتذر من فلاسفتنا الذي لا نكرمهم إلا بذكر أنهم مسلمون عرب وبأسماء شوارعنا ألا يجب على الشيوخ والفقهاء العرب قبل ذم داروين وماركس و فرويد و أبو حامد الغزالي وابن تيمية وابن عباس ألا يجب علينا أن نعتذر عن جرائم المتوكل وأمثاله على ما ارتكبوه بحق فلاسفة العالم كفلاسفة المعتزلة وابن رشد وابن فاجة وابن سينا كما اعتذرت الكنيسة من غاليليله.
_______________
- كاتب وباحث من سوريا
|
|
(0) تعليقات |
|
2009-11-18
محمد بلال أشمل
بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة 2009، تنظم “الجمعية الفلسفية التطوانية” سلسلة أنشطة ثقافية من محاضرات ومعارض وندوات فكرية في الفترة الممتدة بين 19 و 26 نوفمبر 2009 في مختلف الثانويات التأهيلية العمومية والخصوصية. وستشهد مؤسسة “براعم الرازي” للتعليم الخصوصي حفل الافتتاح يوم الخميس 19 نوفمبر على الساعة الرابعة بعد الزوال. وقد اختارت الجمعية “الفلسفة ومصير عالمنا الراهن” كمحور لانشغالاتها لهذا العام حيث ستقدم مجموعة من المحاضرات والندوات التي تمضي في اتجاه إثارة سؤال المصير في القيم والدين والتربية والعقل وفق البرنامج التالي:
برنامج الأنشطة بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة 2009
الخميس 19 نوفمبر 2009 ، الثانوية الخصوصية براعم الرازي، تطاون.
الساعة: 16:00- 18:00
- افتتاح الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة
- كلمة توجيهية للجمعية الفلسفية التطوانية
- كلمة مؤازرة للسيد النائب الإقليمي لوزارة التربية الوطنية بتطاون
- كلمة دعم لمؤسسة براعم الرازي للتعليم الخصوصي
- كلمة رمزية للمستقبل من لدن ممثلي التلاميذ والتلميذات.
- انطلاق أشغال الندوة الافتتاحية بعنوان “أي نموذج أخلاقي نطمح إليه مستقبلا؟”
بمشاركة مجموعة من الأساتذة والمربين.
الجمعة 20 نوفمبر 2009، الثانوية التاهيلية القاضي ابن العربي، تطاون
الساعة : 16:00- 18:00
محاضرة الأستاذ بدر الحمري، ” مصير القيم الإنسانية في عالم متحول”.
السبت 21 نوفمبر 2009 ، الثانوية التاهيلية الشريف الإدريسي، تطاون.
الساعة : 16:00- 18:00
محاضرة الأستاذ سعيد زبيدة: “هل نحتاج إلى الفلسفة مستقبلا؟”
الاثنين، 23 نوفمبر 2009، الثانوية التأهيلية جابر بن حيان، تطاون.
الساعة: 10:00- 12:00.
محاضرة الأستاذ عثمان أشقرا: ” محبة العالم من محبة الحكمة”.
الثلاثاء، 24 نوفمبر 2009، الثانوية التأهيلية الأزهر، تطاون.
الساعة : 16:00- 18:00
محاضرة الأستاذ عزيز الهلالي: “الفلسفة وقيم الديموقراطية”.
الأربعاء 25 نوفمبر 2009، الثانوية التأهيلية القاضي عياض، تطاون.
الساعة : 16:00- 18:00
محاضرة الأستاذ احمد بوعود: ” البعد الروحي للإنسان المعاصر في ظل التحولات الراهنة”.
الخميس 26 نوفمبر 2009، الثانوية التأهيلية خديجة أم المؤمنين، تطاون.
الساعة : 16:00- 18:00
محاضرة الأستاذ الحسن الغشتول: ” أي أدب لأي مستقبل؟”.
الخميس 19 نوفمبر إلى 26 منه 2009:
التوقيت المدرسي من 11 صباحا إلى 12 زوالا ومن 4 إلى 5 بعد الزوال.
معارض مفتوحة وحلقات نقاش:
- معرض الكتاب الفلسفي والفكري المغربي وحلقة نقاش “أي فكر مغربي مستقبلي”؟ من تأطير مجموعة من الأساتذة، الجمعة الساعة 10 صباحا، ثانوية المنصور الذهبي الخصوصية.
- مؤسسة براعم الرازي الخصوصية، تطاون: معرض صور الفلاسفة والمفكرين المغاربة والأجانب تحت شعار “من صداقة الحكمة إلى صداقة الحكماء”.
الجمعية الفلسفية التطوانية
Asociación Filosófica Tetuaní
|
|
(0) تعليقات |
|
2009-11-15
المقدمة:
من المسلمات التي صارت منازعتها لا تخطر على بال أن مفهوم (مثلا الغير) احتل مكانة مرموقة في تاريخ الفلسفة حيث انكب الفلاسفة و المفكرين على دراسة كل من زاويته الخاصة مما أدى إلى وجود تعارض و اختلاف بين مواقفهم و تصوراتهم و النص الماثل بين ناظرنا يندرج ضمن نفس المفهوم إذ يسلط الضوء مسألة (………..) و من هنا بإمكاننا بسط الإشكال التالي : هل................أم....................؟
و منه بمقدورنا إيراد الأسئلة التالية: بأي معنى يمكن القول......................................والى أي حد يمكن اعتبار................................
العرض:
من خلال قراءتنا للنص يتضح انه ينبني على أطروحة أساسية مضمونها.................................(ثلاث أسطر على الأقل)
حيث يستهل صائغ النص نصه (بتأكيد أو نفي أو استخدام الأساليب الحجاجية و الروابط المنطقية )...............................
و قد استثمر منشئ النص جملة من المفاهيم الفلسفية أهمها............................................. ....................................
و في خضم الاشتغال على النص ثم الوقوف علىمجموعة من الأساليب الحجاجية و الروابط المنطقية أبرزها...................
تكمن قيمة و أهمية الأطروحة التي تبناها صاحب النص في................................................ ...............................
(و لتأييد أو تدعيم أو لتأكيد) موقف صاحب النص نستحضر تصور .................................................. ..................
(وعلى النقيض أو خلاف أو في مقابل) موقف صائغ النص يمكن استحضار تصور.............................................. ...
(للتوفيق أوكموقف موفق) بين المواقف المتعارضة السالفة الذكر بمقدورنا إيراد تصور............................................
خاتمة:
يتبين مما سلف أن إشكالية الشخص بين الضرورة و الحرية أفرزت موقفين متعارضين فاذا كان صاحب النص ومؤيده (فيلسوف أو عالم أو مفكر) قد أكد على أن.......................فان معارضهما(فيلسوف أو عالم أو مفكر) قد خالفهم الرأي حيث أقر........................................
أما فيما يتعلق بموقفي الشخصي فإنني أضم صوتي إلى ما ذهب إليه من...............................
بعض الصيغ لاستخدامها للمنهجية
الإطار الإشكالي(المقدمة)
الاستهلال:
مما لا يختلف فيه البيان أن............................................
من المسلمات التي صارت منازعتها................................
لا تخطر على بال كون ...............................................
مما لا شك فيه أن .................................................. ...
مما يستحق الذكر أن ..................................................
من المعلوم أن .................................................. ........
السياق العام:
و النص الماثل بين ناظرينا ينضوي ضمن المفهوم .....................................
والنص قيد التحليل يندرج ضمن نفس المفهوم ............................................
و النص الذي بين أيدينا يتأطر ضم ننفس المفهوم ......................................
السياق الخاص:
اذ يسلط الضوء على مسألة ............................................
حيث يعالج مسألة .................................................. ......
و يتطرق الموضوع .................................................. ..
اذ يتناول قضية .................................................. ........
الإشكالالعام:
و من هنا بمقدورنا بسط الإشكال التالي هل................... أم ...........................
لدى يجذر بنا طرح الإشكال التالي هل .....................أم ..............................
و في هذا الإطاربمقدورنا وضع الأشكال التالي هل ..........................أم ........................
الأسئلة الفرعية:
و أخيرا ...............................
و منه تنبثق الاستفهامات الجزئية الآتية .............................. ثم ................................ و أخيرا ....................................
و بالإضافة إلى هذا الإشكال تنتظم الأسئلة الفرعية التالية ............................ ثم ............................ وأخيرا ................................
كما باستطاعتنا بسط الأسئلة التالية ........................ ثم ................................ و أخيرا ...................................
الإطار( الإشكالي (
العرض
التحليل:
تحديد الأطروحة
ينبني النص على أطروحة مركزية مفادها أن.................................
من خلال قراءتنا للنص يتضح أنه ينبني على أطروحة أساسية مضمونها أن............................
يتضمن النص فكرة عامة مبناها.....................................
يتمحور النص حول أطروحة مركزية مغزاها..................................
تحديد الأفكار و الأساليب الحجاجية والروابط المنطقية
حيث يستهل صائغ النص نصه ب...................................
يبدأ كاتب النص نصه ب.................................
إذ يفتتح صاحب النص نصه هذا ب...................................
تحديد المفاهيم
- يتضح من خلال النص انه يحتوي على جملة من المفاهيم الفلسفية من قبيل.....................................
- لقد وظف صائغ النص لبناء نصه مجموعة مهمة من المفاهيم و المصطلحات الفلسفية يمكننا إيرادها كالتالي.................................... ......
تحديدالأساليب الحجاجية
- في خضم الاشتغال على النص ثم الوقوف على مجموعة من الأساليب الحجاجية و الروابط المنطقية أبرزها.......................................
- ولتدعيم موقفه هذا استخدم منشئ النص جملة من الأساليب الحجاجية و الروابط المنطقية وقد جاءت في النص كالتالي.............................
- وبغية إقناعنا بطرحها اعتمد صائغ النص ثلة من الأساليب الحجاجية و الروابط المنطقية من أهمها ..................................
تحديد قيمة أطروحة النص
- تتمظهر القيمة الفلسفية للأطروحة المركزية للنص من خلال....................................
- تتجلى قيمة أطروحة النص في كونها.........................................
- تكمن قيمة و أهمية الأطروحة التي تبناها صاحب النصفي..................................
المناقشة
المناقشة بالتأكيد
- ولتأييد موقف صاحب النص نستحضر تصور...................................
- ولتدعيم موقف صاحب النص يمكننا إيراد.......................................
- ولتأكيد تصور صاحب النص بمقدورنا تقديم موقف- وفي نفس المنحنى تنتظم أطروحة..........................................
- و في نفس الاتجاه يرى........................................ ....... ........................
المناقشة بالاعتراض
- و على خلاف تصور صاحب النصومؤيدوه نجد طرح...........................................
- و على النقيض من الطرح الوارد في النص ينتظم موقف.........................................
- وعلى العكس من تصور منشئ النص يمكننا إيرادموقف............................................
المناقشة بالتوفيق
- للتوفيق بين الطرح الذي تبناه صاحب النص ومؤيدوه من جهة وبين الطرح الذي تبناه معارضوه من جهة ثانية باستطاعتنا تقديم تصور........................................
- وكموقف موفق بين المواقف المتعارضة السالفة الذكر بمقدورنا إيراد تصور.............................................. ..
الاستنتاج والتركيب (الخاتمة)
صياغة خلاصة تركيبية موجزة
- يتضح مما تقدم أن إشكالية...............................
- يتبين مما سلف أن قضية..................................
- خلاصة القول أن موضوع..................................
- جملة الكلام أن مسالة.......................................
- نستخلص مما سبق أن إشكالية....................................
إبداء الرأي الشخصي المبرر
- أما في ما يتعلق برأيي الخاص فأضم صوتي.............................................. .
- أما في ما يتعلق بموقفي الشخصي...................................... ....
- أمابصدد تصوري..............................
- أما فيما يرتبط بوجهة نظري الشخصية....................................... ...
|
|
(0) تعليقات |
|
|
|
|
|
Visiteurs : 106302 :: Aujourd'hui : 48 :: En ligne : 6 |
|
|
| | | | | | | | | | | | | | |