زكي الميلاد

مصلح ديني




2010-03-08

yyy

تعد الكتابات والدراسات التي تناولت الحديث عن النزعة الإنسانية في مجال الفكر الإسلامي, من داخله, ومن المنتسبين إليه, أو المشتغلين عليه, ضئيلة ومحدودة جدا, يسهل عدها وحصرها والاحاطة بها. ولهذا السبب تكتسب هذه الكتابات والدراسات أهمية فائقة, بغض النظر عن تقييمنا لها, واختلافنا أو اتفاقنا معها, وذلك لكونها اعتنت بهذه القضية, ولفتت الانتباه إليها, وقدمت لنا نتاجاً وعطاءً يساهم ويضيء بصورة من الصور في تكوين المعرفة بهذه القضية.

وقد وجد الدكتور محمد أركون في كتابه (نزعة الأنسنة في الفكر العربي), أن هذا النقص في دراسة النزعة الإنسانية في الفكر العربي والإسلامي يشمل حتى الكتب العلمية والاستشراقية على حد وصفه. وإذا كانت قد ظهرت أبحاث استشراقية عديدة عن تاريخ الفكر والثقافة في المجال الإسلامي, لكن القليل منها كما يضيف أركون, التي كرس لمسألة النزعة الإنسانية في ذلك الفكر وتلك الثقافة, وتحمل شيئاً جديداً ومبتكراً في مجال البحث العلمي. ولم يجد أركون إلا خمسة مؤلفات في هذا الشأن, بالإضافة إلى أربعة من مؤلفاته.

والملاحظ بصورة عامة على الكتابات التي تناولت هذه القضية, والمصنفة على المجال العربي والإسلامي, أنها كانت متأثرة بطبيعة النسق والموقف الفكري الغربي من جهتين. ومن جهة الانطلاق من موقف الرد على المزاعم والمقولات والنظريات الغربية التي تصور بأن النزعة الإنسانية لم توجد إلا في الثقافة الأوروبية, ولم تظهر إلا في عصر النهضة في القرن السادس عشر الميلادي. ومن جهة التمسك بمفهوم النزعة الإنسانية كما تحدد حصرياً في النسق الفكري الغربي, وحسب المضامين والمعطيات والمحددات التي تعطى له في هذا النسق الفكري الغربي.

وهذا ما نكتشفه ونتعرف عليه عند العودة إلى تلك الكتابات, وفي هذا النطاق يمكن الإشارة إلى محاولتين, كل واحدة لها طبيعتها الخاصة, ومنطقها الفكري, وبنيتها النسقية, وفضاؤها المرجعي.

وهاتان المحاولتان هما:

أولاً: محاولة الدكتور علي شريعتي الذي تطرق لهذه القضية في محاضرة معروفة له, نشرت بعنوان (الإنسان في الإسلام), شرح في مفتتحها منطلقه في الحديث, والذي جاء كرد على موقف الحضارة الغربية المعاصرة التي حاولت أن تميز رؤيتها للإنسان عن رؤية باقي الديانات الكبرى التي عرفها المجتمع الإنساني, وللتشكيك في رؤية هذه الديانات, بقصد تفكيكها وانزياحها, وحتى الإطاحة بها. ورداً على هذا الموقف اعتبر الدكتور شريعتي إن قضية الإنسان وموقف الإسلام منها مهمين للغاية, فنحن نسمع -كما يقول- في العديد من الأوساط بأن الحضارة المعاصرة تقوم على النزعة الإنسانية, وتعتبر الإنسان أساس بنائها وهدفها, بينما كانت الأديان والمذاهب القديمة في تصورها, تحطم شخصية الإنسان, وجعلتها قرباناً للآلهة. كما اعتبرت الإنسان عاجزاً أمام الله, ومخلوقاً مسلوب الإرادة, يلتمس من الله تلبية مطالبه عن طريق الدعاء والابتهال. أما النزعة الإنسانية فقد أصبحت مذهباً تقدمياً وعصرياً, وذلك منذ عصر النهضة في أوروبا.

وفي مقابل هذه الرؤية, ورداً عليها, يرى شريعتي أن هدفه هو شرح موقف الإسلام من الإنسان, ليرى حسب قوله, هل من الصحيح أن يسحب على الإسلام أحكاما وتقييمات متعلقة بأديان أخرى وظروف أخرى؟ وهل صحيح القول بأن الإسلام لا ينطلق من كون الإنسان أصلاً وأساساً لحركته, ويعتبره مخلوقاً عاجزاً أمام الله؟ وهل الإيمان بالإسلام يعني القبول بسلبية الإنسان وإلغاء دوره؟ أم أن الإيمان بالإسلام والانتماء إليه, يعني إعادة الإنسان إلى أصالته, ويعني كذلك اعترافاً بإرادتها وفضائله؟ وهذا ما حاول شريعتي تأكيده, والانتصار إليه.

ثانياً: محاولة الدكتور هشام جعيط الذي نشر مقالة عام 1992م بعنوان (النزعة الإنسانية والعقلانية في الإسلام) وضمنها كتابه (أزمة الثقافة الإسلامية) الصادر عام 2000م. ومنذ البداية يكشف الدكتور جعيط كيف أن هذا الموضوع سيطرت عليه مواقف ردات الفعل, وذلك حين حاول الغربيون وصف أنفسهم بالعقلانية والنزعة الإنسانية, وسلب هذه الصفات عن غيرهم. ويرى الدكتور جعيط أن المسلمين منذ أكثر من قرن لما رأوا الأوروبيين يحتقرون ثقافتهم, ويتهمونهم بالجمود واللاعقلانية, والتشبث بالخرافات الزائفة, قاموا بردة فعل قوية هدفها تبرئة الإسلام ديناً وثقافة. وبعد أن برزت كلمات جديدة مثل العقلانية والنزعة الإنسانية للغرب, والغيبية بالنسبة للإسلام, وعلى أثر ذلك كما يقول جعيط, جاء الحديث عن النزعة الإنسانية في الإسلام.

ويتطابق حديث جعيط مع الرؤية الأوروبية, والسياق التاريخي لتطور وتشكل النزعة الإنسانية في الثقافة الأوروبية, لكنه لا ينفي وجود مثل هذه النزعة في ثقافات العالم الثالث, ويؤمن أيضاً بوجود نزعة إنسانية في الإسلام.

وفي هذا النطاق يفرق جعيط بين ثلاثة أنماط من النزعات الإنسانية:

النمط الأول: ويعطيه وصف النزعة الإنسانية الواعية بذاتها, ويعتقد أن هذا النمط موجود في الغرب, ويحتل قيمة عليا في جوهر الثقافة الغربية.

النمط الثاني: ويعطيه وصف النزعة الإنسانية العفوية, وهي نزعة موجودة عندنا حسب قوله, وفي العالم الثالث, وموروثة عن الثقافة الأصلية من دين وأعراف وتعايش إنساني.

النمط الثالث: ويعطيه وصف أنه يعبر عن شكل من أشكال الوعي بالنزعة الإنسانية, ويرى جعيط أن هذا النمط موجود في الثقافات العليا القديمة كالإسلام حسب تعبيره. ويقصد بهذا النمط النزعة التي ترتكز على الإنسان, وعلى المعرفة, والانفتاح على كل ما هو إنساني. ويضيف جعيط أن الثقافة الإسلامية تعطي السيادة لله, إلا أن القرآن يركز كثيراً على الإنسان من أول الخليقة, كما أن إنسانية النبي على عظيم شأنه لدى الله, أمر أساسي في الإسلام.

وحين يقترب جعيط من الحديث عن ملامح ومكونات النزعة الإنسانية في الإسلام, يشير إلى ثلاثة أبعاد هي: النزعة الإنسانية في القرآن, والنزعة الإنسانية في الثقافة الدينية, والنزعة الإنسانية في الثقافة الدنيوية.

ولعل من المستغرب عند البعض أن يجري الحديث عن النزعة الإنسانية في القرآن, ومنشأ هذا الاستغراب هو الفهم النمطي الشائع لمفهوم النزعة الإنسانية كما تحدد في الثقافة الأوروبية. ويشير جعيط لمثل هذا الاستغراب حين يتساءل (كيف استطاع نص منزل مركز على الله إلى مثل هذا الحد, أن يؤسس نزعة إنسانية كائنة ما كانت؟ فهو بطبيعته مركز على الله لا على الإنسان. نقول ذلك ونحن نعلم أن هذا المفهوم الشائع في الثقافة الدنيوية والحديثة, يعتبر الإنسان كقيمة عليا, ويحرره من كل رجوع إلى كل ما هو إلهي, أو مقدس, أي يتجاوزه ويتعالى عليه. ولكن على الرغم من ذلك لا يمكننا أن نستبعد من الأشكال المختلفة التي اتخذتها النزعة الإنسانية على مدار التاريخ ذلك الشكل المتضمن في الأديان الكبرى. ولئن كان صحيحاً أن كل شيء يرجع إلى الله في الخطاب القرآني, فإن الإنسان يحتل فيه أيضاً مكانة مركزية. فهو المختار من الله, وشغله الشاغل).

فإذا كانت توجد في القرآن مركزية إنسانية, وأنها خاضعة للمقاصد والمخططات الإلهية, فإن هذا في رأي جعيط بحد ذاته يمثل شكلاً من أشكال النزعة الإنسانية. كما يعتقد جعيط أن في القرآن درجة إنسانية أرفع, إنها مكانة الإنسان في مغامرة الوجود, وفي غائية الخلق, وفي التاريخ.

وبعد التعرف على النزعة الإنسانية في القرآن الكريم, يرى جعيط أن من الضلال والخطأ ما ذهب إليه المستشرق الفرنسي فون غروبناوم حين اعتبر ان الإسلام أظهر منذ بدايته, قليلاً من الاعتبار للإنسان.

كاتب سعودي، رئيس تحرير مجلة الكلمة

 

(0) تعليقات
Visiteurs : 106302 :: Aujourd'hui : 48 :: En ligne : 6