نصر حامد أبو زيد

كاتب




2010-03-27

yyy

بدأت حياتي العلمية بدراسة قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة. وما سأطرحه هو تطور وعي وتطور تحليلي لأفكار المعتزلة. فكما تعلمون أننا جميعا نبدأ كباحثين، صغار في السن الحماس لموضعينا يجعلنا نتلبس بفكرهم، المعتزلة لهم تأثيرهم الساحر خاصة فيما يرتبط بالعقل وأهمية العقل. لذلك حين كتبت عن المعتزلة في البداية كنت معتزليا، ود. جابر عصفور نشر مقالة في ذلك الوقت سماها الإعتزال الجديد(1). طبعا لا أعتقد الأن أنني معتزلي. لكن أنا أحاول أن أقدم تطور رؤيتي النقدية للفكر الإعتزالي اليوم. عبد القاهر الجرجاني هو الذي صاغ نظرية المجاز وربطها بنظرية التأويل وبالتالي سنجعل المحاضرة حول عبد القاهر وإنجازه اللغوي في المحاضرة الثانية. في هذه المحاضرة عن التأويل اللاهوتي في القرآن وبعدها محاضرة عن عبد القاهر الجرجاني.
من هم المعتزلة؟ وأنا لا أريد أن أخذكم في دراسة تاريخية وتحليلة وإشتقاق الإسم. أعتقد أن كل هذه المرويات تفسر الاسم ولا تفسر الظاهرة. وأنا أريد أن أقدم لكم المعتزلة من خلال إضاءات، من خلال مجموعة من الأقوال، تكشف لكم من هؤلاء الناس.
المبدأ الأول عند المعتزلة. طبعا بعيدا عن المباديء الخمسة المشهورة جدا. العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس. ولا بد أن نتسائل، أن هذا المبدأ من أهم مباديء التنوير، ومن أهم مباديء الفلسفة، كيف تأتي للعقل العربي في القرن الثامن والقرن التاسع أن يُعلن هذا؟



السياق السسيو\ثقافي هو الذي سيكشف لنا، لماذا كان على المعتزلة الأوئل أن يؤكدوا هذه القسمة أن العقل يوجد في كل البشر؟ ربما لكي أضيئ هذه القضية: أن العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس، أن المعتزلة والفكر الإسلامي قد بالغ أحيانا هنا في أهمية العقل، لاأقصد ببالغ هنا أنهم رفعوا العقل على النقل. لأنه حين يقول البعض أنهم بالغوا في شأن العقل لأن هذا البعض يريد أن يبالغ في شأن النقل. لا أقصد لأن مفهومهم للعقل يتجاوز مفهوم العقل كبنية ثقافية، تتطور مع البنية الثقافية. مفهوم العقل عندهم قد يكون مفهوم مطلق. وأبرز مثال لهذا المفهوم المطلق لمفهوم العقل نجده في رائعة حي بن يقظان التي كتبها إبن طفيل. ذلك أن حي بن يقظان وحده بعيدا عن اللغة وبعيدا عن الثقافة وعن المجتمع، توصل إلى أسمى أفاق المعرفة الإنسان المتوحد. أنا في دراسة كتبتها عن هذه القصة الرمزية أسميته العقل الخالص، طبعا ليس بالمعنى ” الكانطي”. العقل الخالص أي العقل المبرأ من شُبهة أنه ينتمي لسياق إجتماعي وسياق للغوي أو إلى أي سياق. العقل الإنساني هنا يستطيع أن يصل إلى أسمى درجات المعرفة قبل أن يتعرف على الشرع. واللقاء الذي نجده في حي بن يقظان بين حي بن يقظان وبين “أسال” الشخصية التي جاءت من الجزيرة الأخرى، لقاء مذهل ولا أعتقد في عصر الترقب الذي تكلم عنه الدكتور يوسف، إن هذا اللقاء يمكن أن يُكتب. هذا لقاء العقل الخالص مع الوحي المؤول. لأن “أسال” كان يُمثل تأويل الوحي، كان هاربا من جزيرة ترفض التأويل.



المقولة الثانية “قيل لأحد الحكماء، متى عقلت؟ قال أما أنا قد بكيت حين خفت، وطلبت الثدي حين إحتجت، وسكتت حين أعطيت، يقول هذه مقادير حاجاتي ومن عرف مقادير حاجاته إذا منعها وإذا أعطيها فلا حاجة به في ذلك الوقت إلى أكثر من ذلك العقل” الجاحظ. هنا تعريف للعقل يضعه في قلب الحاجة وفي قلب المجتمع. ولابد في دراسة المعتزلة أن نضع هذا التعريف “العقل أعد الأشياء قسمة بين الناس” وأن نرى أن الجاحظ لا يورد إسم الحكيم الذي يأخذ منه هذا القول. وإنما يربط العقل بالحاجة، إذا وضعنا هذا في لغة الحديث إنه يربط العقل بالسؤال. فأنه من خلال عمل السؤال ينبثق عمل العقل، يتحرك العقل لكي يبحث عن إجابة للسؤال. الطفل يبحث عن الثدي حين يجوع، هذه حاجه لكنها أيضا تعني بدرجة ما وجود بذرة عقلية عند الطفل ربما يمكن تسميتها أسماء أخرى.
يعني فيه في فكر المعتزلة وفي الفكر الإسلامي بشكل عام، هذا الجانب في الإعلاء من شأن العقل حتى يصل إلى عقل خالص مجرد من قيود الزمان والمكان والمجتمع، وربط العقل بالحاجة الإنسانية وبالتالي إحتمال الإيمان بتطور العقل. العقل كصيرورة وليس معطى نهائي.
المقولة الثالثة لإبراهيم بن يسار النظام، وأنا شاب كتبت هذه المقولة فوق مكتبي في حجرتي الصغيرة جدا، في الشقة الصغيرة جدا التي كنت أعيش فيها مع أسرتي: “العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك فإن أنت أعطيته كلك فأنت من إعطاءه لك البعض على خطر” معرفة ليس لها أفق نهائي، أنت تبذل نفسك في طلب العلم، العلم هنا عند إبراهيم بن يسار النظام ليس هو العلم كما نقرأه عند المُحدِّثين. لأن كلمة علم في التراث الإسلامي تأخذ دلالتها ممن ينطقها، إلى ما ينتمى الشخص الذي يتحدث عن العلم، إلى أي جماعة. فحين يتحدث المتحدثون عن العلم يتحدثون عن علم الحديث. وهنا كثير من الأحاديث النبوية التي تتحدث عن العلم التي رواها المحدثون هي تتحدث عن العلم بمعنى نقل الأحاديث. “يحمل هذا العلم من كل قوم عدوله” مثلا. يعني علم الحديث والأحاديث. لكن العلم هنا عند المعتزلة هو المعرفة بمعناها الواسع. العلم لا يعطيك بعضا منه إلا إذا تجردت له تجردا كليا، يعني ترهبنت. واذا أعطيت نفسك كاملة للعلم فليس هذا ضمان لأن العلم يعطيك شيئا منه. لأن هناك ضمانات أخرى، ضمانات تحدث عنها المفكرون المسلمون هي ضمانات أخلاقية، ما سمى بأخلاقيات العلم ولا أريد أن أطيل في هذا.
هؤلاء هم المعتزلة أردت أن أقدمهم من خلال هذه الإضاءات. ما هو السياق الذي يمكننا من فهم المعتزلة؟ لابد في هذا السياق أن ننظر إلى البدايات والتطورات والنهايات. في البدأ كان القرآن، كان الشعر يسبق القرآن. ولهذا قال النقاد الشعر، الأصمعي: “الشعر ديوان العرب”، والشعر علم قوم لم يكن عندهم علم غيره، بمعنى أن الشعر تجمعت فيه الحكمة تجمعت فيه عناصر الثقافة العربية أو الأشكال الشعرية الأخرى مثل أقوال الكُهان مثلا. وجاء القرآن بنفس الصيغة الشعرية، القرآن ليس شعرا نعم. أنا أتحدث عن الشعرية وليس عن الشعر الأن، لغة القرآن ولغة كل النصوص المقدسة هي لغة شعرية بإمتياز. إستخدم القرآن أسلوب الشعر وحل محل الشعر. ومن هنا نرى هذا التوتر أو هذا الرفض لأن العرب حين أدركوا سواء اللذين أمنوا به أو لم يؤمنوا أدركوا هذه الطاقة، هذه القوة الشعرية، هذه القدرة على التأثير. وكل العبارات التي نسمعها إعجابا بالقرآن. حتى من قِبل من لم يؤمنوا بالدعوة المحمدية. هي عبارات تعكس هذا الإحساس بالرهبة وقوة التأثير الشعري.
أصبح القرآن في البدأ هو المعطى الأساسي، الذي تكوّن حول رسالته بعض الناس في مكة. ترابط هؤلاء البشر كونوا ما يشبه قبيلة، لكنها ليست قبيلة على نمط القبائل التي كانت قائمة، لاتربطها علاقات الدم والنسب، ولاتربطها علاقات القحطانية…..الخ. هؤلاء الناس إجتمعوا حول هذا المفهوم، يعني يمكن أن نقول أنه تكونت قبيلة جديدة لكنها لا تقوم على نفس الأسس التي كانت تقوم عليها القبائل، رحلت هذه القبيلة إلى المدينة لأن القبائل رفضتها، فتكونت بالتدريج دولة المدينة هنا التحولات من البداوة، القبلية، القبيلة التي ممكن ان نطلق عليها community الى دولة المدينة. كنص مؤسس يتحرك مع هذه الحركة، من هنا العلماء يميزون بين القرآن المكي والقرآن المدني، يميزون بينهما لا فقط على مستوى المضمون وإنما على مستوى الأسلوب، وعلى مستوى درجة الشعرية ودرجة النثرية …الخ.
من دولة المدينة وهذه النقطة الثانية بدأ بناء الإمبراطورية، وقد بدأ بناء الإمبراطورية تجسد في نقل العاصمة من المدينة إلى دمشق، ثم بعد ذلك من دمشق الى بغداد كما نعرف جميعا. لكن هذه النقلة من دولة المدينة إلى بناء المدينة إتسمت بالحروب الأهلية. الحروب الأهلية سواء نتحدث عن موقعة الجمل أو موقعة صفين. وفي الحروب الأهلية بدأ جدل سياسي، وهذا الجل السياسي أخذ طابع تدريجيا، أخذ طابع دينيا.
مثلا علي بن أبي طالب، في موقعة صفين، يقول عن الأمويين وعن بني أُمية “قاتلناهم بالأمس على تنزيله و اليوم نقاتلهم على تأويله” بمعنى قاتلناهم بالأمس كي يؤمنوا، يقصد بالطبع بني سفيان قاتلناهم بالأمس على تنزيله واليوم نقاتلهم على تأويله. لأن القضيه هنا لم تعد حول الإيمان وإنما القضية هنى حول المعنى. أو هكذا فُهمت. وهنا في فبرة مبكرة جدا ربط علي بن أبي طالب بين التنزيل والتأويل، التأويل هو الوجه الآخر للتنزيل. في الحروب الأهلية بدأت الأسئلة، بدءا من سؤال الحاكم، من الحاكم …الخ من هذه الأسئلة، سنرى من هذه الأسئلة كيف بدأت بذور ما يسمى علم الكلام أو اللاهوت.
من عروبية الأمويين إلى أممية العباسيين هذه هي النقلة الأخرى، الدولة الأموية دولة عروبية، لذلك لم يتحل أي خليفة أموي بأي لقب ديني، ليس عندهم ألقاب دينية، دائما فلان ابن فلان، وهذه سمة عربية، طبعا في تأثيرات فارسية، حين أقول عروبية الأمويين لا أعني تلك العروبية القائمة من البداوة. إنما الدولة العباسية قامت بشكل مغايير. قامت على أساس تكاتف قوى مختلفة، على إنها قوى من يُسمون بالعلويين كانت في هذا الوقت لا نستطيع أن نتحدث عن الشيعة. العلويين خاصة بعد مأساة مقتل الحسين. تتطورت الأسئلة مع تتطور الأسئلة برز علم الكلام وتتطور. وهذا أيضا سنأتي إليه.
بعد هذا الحاجة إلى تأسيس العقل، بعد أن كثر الصخب وكثر الجدل، وطرحت إجابات مختلفة لنفس الأسئلة، ودخل النص القرآني كعامل من عوامل دعم هذه الإجابات، وأصبحا النزاع أحيانا نزاع حول معنى هذه الآية او تلك الآية. هنا تطور الأمر بالحاجة إلى تأسيس معيار يَحكم النقاش، وهو الحاجة إلى تأسيس العقل وهذا ما قام به المعتزلة.
بعد تأسيس العقل كانت الحاجة إلى التأويل، ما الذي يفصل بين هذه الإختلافات في الأفهام. كل قراءة وكل إستشهاد هي نمط من التأويل. وكل إستشهاد مغاير هو نمط من تأويل مغاير. ويحدث ذلك في الفضاء الإسلامي الأن بطريقة مزعجة. أصبح القرآن كأنه موضوعا في الجيوب تطلع الآية من الجيب ويقسم فيها وجه أعني في الحوارت العامة. وليس في الحورات الأكاديمية. الحاجة إلى تأسيس نظرية في التأويل، هذا يؤدي إلى إبتداع استراتجيات في التأويل وهنا وجد المعتزلة وتابعهم في ذلك جميع الفرق، وجد المعتزلة في الآية السابعة من سورة آل عمران وجدوا فيها مبدأ هناك مُحكم وهناك متشابه، هناك واضح وهناك غامض وبالتالي لابد من رد المتشابه إلى المحكم أو الغامض إلى الواضح وسنرى إلى أي حد إتفقوا على المبدأ واختلفوا في التطبيق.
ثم بعد ذلك إبداع أليات التأويل. وهو المجاز، كيف تطور مفهوم المجاز. لأن مفهوم المجاز كمفهوم للغوي لم يكن موجودا في الثقافة العربية، المجاز بالمعنى اللغوي هو المعبر، جاز يجوز أي عبر، المجاز هو المعبر، ويقال المجازة على الطريق الذي يصل بين طريقين. كما يقال المفازة على الصحراء بنوع من الأمل ألا يهلك فيها الإنسان. هي مهلكة لكن اللغة العربية مثل كل لغات الأرض تستخدم التضاد لأسباب كثيرة جدا كما يُقال للأعمى بصير، هذا هو الأدب اللغوي أيضا.
هنا أخذكم برحلة إلى تطور هذه المفاهيم، وتبلور هذه المفاهيم، لأنه حين ندخل في قضية التأويل دون أن نفهم هذه المقدمات. يمكن ببساطة أن نُصدر أحكام على التأويل، وأهمها طبعا أحكام الإنحراف. إنما إذا فهمنا الأساس المعرفي، قد نتفق مع الأساس المعرفي وقد نختلف. لأنه لا يمكن الحكم على أي نسق فكري بأخذ النتائج والإتفاق معها والإختلاف معها. ليس هذا هو منهج النقاش العلمي، منهج النقاش العلمي هو الإتفاق والإختلاف مع الأسس التي أفضت إلى الوصول إلى هذه النتائج في هذا البحث أو ذالك. والتكفير كأداة من أدوات الرفض هو يعتمد على ليس على مناقشة الأسس الفكرية لأي نسق فكري، وإنما فقط على النتائج التي يمكن إختصارها و إبتصارها ثم يتم إصدار الأحكام عليها.
بعد هذا نتكلم عن الأباء المؤسسين لعلم الكلام، وأنا أخذت وصف الأباء هذا من يوسف زيدان في مناقشة من يومين، أنا كنت أسميهم علماء الكلام الأوئل، لكنه وضع هذا المصطلح وأنا أعجبني هذا المصطلح “الأباء المؤسسين لعلم الكلام”. هنجد أن معظمهم تم قتلهم، ذُبحوا. مَعبد الجَهني وهو أول القائلين بالقدر كما يُقال: القدر بمعنى أن الإنسان قادر، بمعنى نفي القدر، أن الإنسان مسؤل على فعله. لأن كلمة القدر والقُدرية والقَدرية، أعود مرة أخرى إلى مسألة من يستخدم المصطلح. يستخدم المصطلح للدلالة على المعتزلة لأنهم ينفون القدر، ويستخدمه المعتزلة للدلالة على من يؤمنون بالقدر، ففي قرائتنا في النص التراثي لابد دائما أن نتسائل عن السياق الذي يستخدم فيه المصطلح، كان هناك نوع من محاولة الإستيلاء على المصطلحات فمن هنا القَدرية والقدر والقُدرة، سنجد كثير من الدلائل على أن المقصود بالقدرية هم الذين ينفون القدر، يعني ينفون أن أعمالنا الإنسانية تجري بقدر الله. وإنما هي أعمالنا الإنسانية تجري بقدرنا، بإرادتنا. قتله عبد الملك بن مروان عام ثمانين هجرية.
غَيلان الدمشقي قتله هشام بن عبد الملك، عصر عبد الملك بن مروان هو عصر بناء الدولة، عصر بناء الدولة هو دائما عصر العواصف، اذا لكي تنبني الدولة في العصر القديم يجب القضاء على كل أشكال المعارضة.
الحسن البصري لم يُقتل توفي عام 110 هجرية، وهو صاحب أول رسالة في القدر، والرسالة كان هناك تشكيك في نسبتها إلى الحسن. ولكن العلامة “فان إستس” الألماني أثبت أن هذه الرسالة صحيحة النسبة إلى الحسن البصري، أثبت بأدلة كثيرة جدا في كتاب له على درجة عالية من الأهمية لم يترجم الى اللغة العربية بعد، خمس مجلدات، عن تاريخ علم الكلام.
الجَعد بن درهم، أيضا من القدرية لكنه أول من قال بخلق القرآن، ذبحه خالد القصري عام 120 هجرية.
لماذا لم يُذبح الحسن البصري؟ وهذا سؤال على درجة عالية من الأهمية، لأن حسن البصري ذبحه كان سيكلف الدولة كثيرا. يعني معبد الجهني، غيلان الدمشقي، جعد بن درهم، لم يكن لهم هذه الكاريزمية التي كانت للحسن البصري.
جَهم بن صفوان قُتل في ثورة الحارث بن سُريج في عصر هشام بن عبد الملك عام 128 هجرية.
من مجمل الأقوال التي نجدها في كتب المقالات عن هؤلاء الأباء المؤسسين لعلم الكلام والإعتزال سنجد مقولة خلق القرآن، وهي من مقولات المعتزلة التي على أساسها بعد ذلك نعرف أن المأمون سيقيم محاكمات وما يسمى بعصر المحنة، محنة خلق القرآن. معبد الجهني قدريا، غيلان الدمشقي مرجئا. الصراع كان حول أمرين أساسيين. الأمر الأول هو علاقة الفعل الإنساني بالإنسان، وعلاقة الفعل الإنساني بالإرادة الإلهية. وهناك من ضمن هؤلاء الأباء المؤسسين الأوائل أكدوا. أن الإنسان مسؤل عن عمله. ربما جهم بن صفوان يختلف عنهم في هذا الأمر. أمنوا بقدرة الإنسان ومسؤلية الإنسان عن فعله.
القضية الثانية هي قضية طبيعة القرآن. القضية الأولى لا يمكن أن نفهمها إلا في سياق التحليل الإجتماعي الثقافي، حين تنشأ قضية ما في سياق ما ينبغي أن نبحث عن الأسباب التي جعلت هذه القضية تأخذ مركز الصدارة. القضية الخاصة بقدر الإنسان مرتبطة بممارسات النظم السياسية. كان الأمويون – هكذا تروي المراجع – ليس فقط مراجع المعتزلة وإنما جميع المراجع. كانوا يقتلون ويقولون إنما تجري أعمالنا بقدر الله. الخلفاء العباسيين لم يختلفوا كثيرا، يعني قُتل قائد من القواد وألقي برأسه من فوق القصر وقالوا له لقد قُتل صاحبكم بقضاء الله السابق. طبعا في زعم، في كل النظم السياسية في هذه العصور. يعني هنا الأمبراطورية العربية والإسلامية ليست شذوذا عن القاعدةـ في إدعاء هذا الإنتساب إلى قوة عليا. يعني أن أعمالها أتيه من إلهام إلهي. ونحن عندنا زعماء مثير جدا يُلهمون. وليس “بوش” وحده. يعني زعمائنا كلهم يُلهمون إلهامات.
يعني كان السؤال قار في بنية المجتمع سؤال مرتبط بمصالح الناس. سؤال مرتبط بما هي مسؤلية الظلم؟







1- جابر عصفور، مفهوم النص والإعتزال المعاصر مجلة إبداع – القاهرة عدد شهر مارس 1991 ص30. ونشرت في كتاب هوامش على دفتر التنوير



http://www.kwtanweer.com/articles/readarticle.php?articleID=2426

 

(0) تعليقات
2010-03-19

yyy

الباحث والكاتب الفلسفي زهير الخويلدي:
حوار نبيل درغوث
يعتبر الأستاذ زهير الخويلدي من أنشط الباحثين في مجال قضايا الفلسفة المعاصرة، يؤمن بأن الفلسفة فعل بناء وتأسيس للوجود الافضل والحياة الارحب، ويذهب الى ما ذهب اليه «ادرنو» بان الفلسفة تبقى حية طالما وجد اناس معذبون في هذا الالم.
زهير الخويلدي من مواليد 1969 متحصل على الأستاذية وشهادة التبريز في الفلسفة ويعد رسالة دكتوراه حول الفلسفة المعاصرة.صدر له :
ـ لزومية العود على البدء او استراتيجيات فلسفية» ـ تونس 2007
ـ «معان فلسفية» دمشق 2009.
وبمناسبة حصوله على جائزة افضل «كاتب باحث» لسنة 2009 أجرينا معه الحوار التالي:
ـ يقول هيدغر ان الشعراء فلاسفة ظلوا الطريق اما افلاطون فكان يطرد الشعراء من مدينته فما قولك في كل هذا؟
التساؤل عن الشعر من الكوة التي يطل عبرها الفلاسفة إلى الكون وعن الفلسفة من الصور التي يتخيلها الشعراء هو تساؤل بدئي يعبر عن شعرية الفكر وانتاجية القصيدة للمعنى ويكشف عن توأمة طبيعية وتواشج أصلي بين الاثنين في لحظات الانبثاق البكر. لكن ما حصل بعد ذلك هو ان المفهوم فرّق بين التخييلي والتصوري وشطر الكينونة الى نصفين واحد في علاقة بالمرئي المحسوس ينثره الشعراء والآخر في علاقة باللامرئي المعقول يحدثه الفلاسفة بعيون الروح.
هذا التناقض بين الفلسفة والشعر سببه انتشار النزعة الوضعية التي حطمت شجرة الحكمة وفصلتها عن الجذور الرمزية والسردية والفروع العملية والفنية وأرادت ان تجعل منها مجرد خادمة للعلم بعدما كانت حاضنة اللاهوت. وما اطلعت عليه هو ما قاله كارناب من ان الفلاسفة الميتافيزيقيين هم شعراء ظلوا الطريق لانهم تركوا عالم التجربة وانغمسوا في التجريدات وبنوا الانساق وكان عليهم ان يهتموا بالتحليل المنطقي للغة العلمية ليرسموا الحدود بين ما يمكن معرفته وما لا يمكن معرفته، اما هيدغر فهو يرى ان ما يمكث في الأرض يصنعه الشعراء، وبالتالي ثمة علاقة تواشج اصلي بين الفلسفة والشعر والقصيدة موطن تحقق الكينونة والشاعر بإمكانه ان يعبر عن صوت الوجود المتكتم. وما فعله افلاطون بالشعراء كان مجرد تكريم لهم لأنه اراد الانتصار الى اللوغوس بتخطي عتبة الميتوس والتمسك بنقاء المعقول بارتفاع عن ارض المحسوس ولذلك فانه اطردهم من المدينة محملين باكاليل من الزهور واستلف لغتهم واستعمل مجازاتهم في محاورته وكان منبهرا بفتنة لغتهم ومهارة صناعتهم وخصوصا هوميروس وهزيود وهوريدوت وديوجان اللايرتي.
جل الخطابات المعرفية تعيش عطالة وأزمة فكرية منها الفلسفة، فما هي أسباب هذه الازمة؟
نحن الذين نعيش الفراغ بعد ان اضعنا زمام المبادرة وفقدنا البوصلة ونعاني من الاحتباس النظري والعملي والعطالة في مستوى الخلق والابداع فسقطنا في الثرثرة واللغو دون ان نقول شيئا مفيدا وان نتقدم خطوة الى الأمام على صعيد ابداع المفاهيم وإثارة المشكلات الحقيقية لثقافتنا بل تقهقرنا وتراجعنا عما كنا عليه في بداية القرن الماضي وفي عقد الستينات والسبعينات مع بداية تشكل الدولة القطرية المنعتقة من الاستعمار. ان من كان حاله على هذا النحو من التصحر الثقافي والهيئة من التقليد الاجتراري فمن الطبيعي ان يشعر بفساد الوجود وتأزم الاوضاع ويغفل عن النمو الهائل والثورة المعرفية الكبيرة التي تحدث اليوم في دنيا العلوم والفلسفات والتطور المنهجي والديداكتيكي في دنيا التربية والتعليم، ويكفي ان نغير مثلا لغة العلم من الفرنسية الى الالمانية او الانقليزية او الصينية او الاسبانية حتى نكتشف «ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطرت على قلب بشر».
صحيح ان العولة الاختراقية الاستقطابية قد حاولت تهميش الانسانية وساهمت في تعليق الوعي وتنمط التفكير لما سيطر التصنيع على الثقافة والفن وقامت بتسليع الذوق والإحساس والتشجيع على الرفاه والاستهلاك والانتصار الى مبدأ المردود وكوجيتو البضاعة. ولكن هذه العولمة نفسها وفرت الوسائل الرقمية الداعمة لنشر الأفكار الفلسفية وسمحت بتشكل نوع من الفضاءات الافتراضية التي تجري فيها حوارات عقلانية راقية وأفعال تواصلية ابداعية مهمة.
هل يمكن ان يتعايش الخطاب الديني والخطاب الفلسفي؟
يمكن ان نمعن النظر اولا في في مصطلح خطاب وبعد ذلك نبحث في شرعية اسناده الى كل من الدين والفلسفة، الأنسب هو ان نميز بين الخطاب والكلام والمقال والنص وبالتالي يكون الخطاب في مرتبة دنيا من طقرات التلفظ ويكون أقرب الى الإعتقاد والرأي والتصديق العفوي ولكن اذا ما حاز على نظام واحتكم الى قوانين صعد الى درجة الفصل والوصل وكان نظما للكلام بلغة الجرجاني واستحق معانقة سجية التفكير وصداقة المفهوم. من هذا المنطلق يجوز لنا ان نتحدث عن خطاب ديني مثلما فعل نصر حامد ابو زيد عندما مارس عليه نوع من النقد التأويلي ولا يحق لنا نسبيا الحديث عن خطاب فلسفي الا في حالة واحدة وهي حالة التفلسف الزائف والقريب من السفسطة والجدل ولكن في حالة التفلسف الأصيل يكون الأجدر هو الحديث عن المقال واذا زدنا تدقيقا النص بالمعنى الذي يعرفه بول ريكور من حيث هو يجمع بين المفردة والجملة والفقرة وبالتالي يتقاطع فيه الزمن والسرد والفعل والتاريخ.
اذا عدنا الى نكتة الإشكال في السؤال حول امكانية التعايش بين الخطاب الديني والنص الفلسفي، فاننا ننتبه اولا الى امكانية انتاج نص حول الدين ارفع شأنا من الناحية المعرفية والوجودية من مجرد الخطاب وهو امر موكول من الى الفيلسوف اذا ما اراد ان يجعل من المقدس موضوع تفكير ويبحث في الفضاء الايماني عن شكل من المعقولية يجعله اكثر مقروئية وقابلية للفهم والتقبل وهذا ما سمّي في تاريخ الافكار بفلسفة الدين عند هيغل او الدين المدني عند منظري العقد الاجتماعي وخاصة روسو وهيوم ولوك واسبينوزا.
أغلب الفلاسفة الذين فكروا في هذه القضية اكتفوا اما بانكار الدين والدعوة الى تجاوزه باعتباره طفولة العقل البشري والانتصار الى الفلسفة والعلم والتقنية واما المناداة بالفصل او على الأقل التمييز بين الحقلين وبرروا ذلك بوجود تنافر شديد بينهما على مستوى اللغة والمنهج والهدف والمرجع، هذا الموقف نظر اليه المؤرخون على أنه بديهي ومن المسلمات ولم يطله البرهان الرشدي والشك الديكارتي والنقد الكانطي والنفي الهيغلي ولولا الشغل المضني الذي قام به اقطاب الظن في فلسفة الرجة وخاصة مع جنيالجيا نيتشه وعلم التحليل النفسي لفرويد وعلم الاقتصاد السياسي لماركس وفكر الفرق عند دولوز وأركيولوجيا فوكو وتفكيكية دريدا لما أمكن لأحد ان ينادي بضرورة خلع الهالة عن المقدس والعلمنة الجذرية للايمان ولما وقع التمييز بين الدين والالهي ولما تفطن احد الى ان الاديان تحوي على قاع انساني متين وان معظم الفرضيات الضمنية للفلسفات التي تدعي الدنيوية والمادية والواقعية هي ذات منابت روحية ومرتكزات غيبية، واذا كان الامر بهذه الكيفية: يوجد أساس ديني لكل فلسفة علمانية، فانه من المنطقي السير في الاتجاه المعاكس والبحث عن الفلسفي في المعتقدات الدينية ونحن نرى ان القرآن كتاب ان لم يكن فلسفيا بامتياز فهو على الاقل زاخر بالحكمة ويعج بالافكار والقيم والمعايير ويحرض على التفلسف وهو تفكير نقدي حر. وننتهي من هذا التحليل الى القول بامكانية قيام فلسفة عربية كونية يتعايش فيها واجب الاعتبار وحب الحكمة من جهة والتكلم بلسان عربي وترتيل آيات الفرقان من جهة ثانية تجذيرا لفهم افضل لنص الوجود وتشريعا لتدريب انجع للمدينة الإنسية.
تاريخيا كل العلوم خرجت من رحم الفلسفة. وأصبح العلم باكتشافاته وتطوره ليس شرطا اساسيا لقيام الفلسفة فحسب وانما لتجددها، فلماذا الفلسفة اليوم تبدو غير قادرة على استيعاب التطور التكنولوجي الراهن والثورة المعلوماتية؟
لا يمكن فصل تاريخ العلوم عن تاريخ الفلسفة بأي حال وأنّ الفلسفة هي قول ثان في علوم عصرها بما هي قول اول والعلوم هي محك النظر في شرعية الأنساق الفلسفية وهي التي تعطيها حق المواطنة من عدمه. ربما نسجل ثلاثة أنماط من العلاقة بين الفلسفة والعلم: الأولى في الماضي العتيق حينما كان الفلاسفة الموسوعيين علماء وكان العلماء أطباء وفلاسفة بالمعنى الروحي للكلمة واتخذوا صورة الشيخ الحكيم القادم من الشرق والذي عبرت عنه صورة الرواقي الجامع بين المنطق والطبيعة والأخلاق على احسن وجه، هذا الملمح تواصل الى حد ديكارت في القرن السابع عشر ميلادي لكن دخول الإنسانية لمرحلة التنوير شهد تأزما في العلاقة بين الطرفين وبروز تناقض حاد بين العلم والفلسفة وصل الى حد التعادي بين العلماء والفلسفة وقد عبّر عنه كانط بسؤاله الشهير: لماذا تقدمت العلوم ووصلت الى الطريق الواثق للعلومية بينما ظلت الفلسفة على حالها؟ وأفضت الى ذلك القرار الخطير الذي اعلن عنه أوغست كونت بضرورية التخلي عن كل الاشكال المعرفية التي سبقت العلم ونعني بذلك الدين والميتافيزيقيا باعتبارهما وهم ولغو والاهتداء فقط بنور الفلسفة العلمية. وقد انجر عن ذلك بروز تيار علموي معاد للروح الفلسفية ومنتصر للتجربة والمنطق والرياضيات وعلوم الطبيعة ومثله غوبلو القائل بان «كل معرفة غير علمية فهي جهل». كما برز تيار فلسفي معاد للروح العلمي وساخر من دوغمائية العلماء ومنتصر للشعرية والرومانطيقية ومثله نيتشه المشبه للعلماء بالمثال الزهدي الذي نجده عند رجال الدين وهايدغار الذي اشتهر عنه ان العلم لا يفكر البتة وان التقنية عبرت عن جوهر الميتافيزيقا في الفترة المعاصرة.
بيد أن هذا التوتر لم يتواصل خاصة بعد الازمة التي احدثها كل من التقدم العلمي والتقني للطبيعة وتجلت في انهاك كبير لمنابع نشوء المعنى وفراغ في القيم وتدنيس للمقدسات وبعد استفاقة جديدة للتفلسف مع مناهج جديدة تؤكد على الحياة والوجود في العالم وتعتمد اسلوب التأويل وتتجه نحو الإتيقا والفن، وقد ساعد هذا التوجه الى قيام تحالف جديد بين الفلسفة والعلم وتبادل للادوار بحيث تنقد الفلسفة رسالة العلم وتضبط جموح العلماء وترشدهم نحو خير البشرية وتقيدهم بمبدأ مسؤولية المحافظة على الحياة في الكوكب، وفي مقابل ذلك يغذي العلم الفلسفة بالاكتشافات والمنهجيات المساعدة على سبر اغوار الكون وفهم طبيعة الاشياء والافكار والعلاقة بين الكلمات والمعاني.
غير أن تفجر التخصصات وتكاثر العلوم والتطبيقات الفرعية لها في مختلف الميادين جعل عملية اكسمتها وتنظيمها تكون صعبة ومتعثرة لاستحالة رد الكثرة المتنوعة الى الوحدة البسيطة والجزئيات المتشابكة الى الكلي المجرد، ولكن كل ذلك ادى الى نشأة فلسفات جديدة تعنى بالعولمة والتواصل والصورة والتوجيه والاعلام وتتفهم مجتمع الفرجة وحضارة المشهد مثل الميديولوجيا والسبيرنطيقا والنورولوجيا والعلوم العرفانية.
ذكر أحد الباحثين في حقل الفلسفة: «ان الفلسفة يمكن ان نعتبرها قد استنفذت طاقاتها الحيوية التي أبقتها في الوجود لمدة الفين وخمس مائة سنة ولم تبق منها الا حثالة هزيلة من الالتواءات اللغوية والالغاز الشعرية والخطابة الرنانة». هل يمكن اعتبار الفلسفة قد انتهت من خلال ما جاء به هذا الباحث ونضيف الى عصر النهايات من «نهاية التاريخ» و«نهايات الروايات الكبيرة» و«أفول الكتابة» نهاية اخرى وهي «نهاية الفلسفة»؟
تظل الفلسفة حية طالما وجد اناس يتعذبون، هذه القولة لأدرنو من مدرسة فرانكفورت النقدية تعبر عن العلاقة الوثيقة بين الفلسفة والانسان لا سيما وان سؤال الفلسفة الابرز هو من هو الانسان وهي قد نشأت من الذات الإنسانية المتفلسفة وليست لها من غاية اخرى سوى خدمة الإنسانية وتسديدها نحو الحصول على السعاد ودفع الشقاء. ان الفلسفة هي قبل كل شيء تفلسف حر وارادي وجهد في التفكير والتأويل وهي المعقل الفاعل والمعرفة الصانعة وبلوغ درجة من المهارة في كل حرفة وعمل وكل انسان يحوز على قدر يخصه منها وبالتالي لا تستطيع اية فلسفة ان تستنفد طاقاتها الحيوية طالما ان الانسان محور اهتمامها مازال يواجه تحديات كبرى ويطلب من الفيلسف التدخل الفوري ومعالجة المشاكل المستعصية من حروب وتصحر وسوء فهم وانتشار لأمية جديدة وتوسع دائرة الظلام في مقابل تقلص المساحة المخصصة للنور والمعرفة. ان الحديث عن النهاية يلازم تاريخ الفلسفة منذ بدايتها ويتواجد جنبا الى جنب مع الحديث عن البدايات فكل حديث عن النهاية هو بداية لشيء ما وكل حديث عن البداية هو نهاية لأمر اخر.
والتطرق الى نهاية الفلسفة نجده مع ارسطو في العصر الاغريقي التراجيدي في شكل تأليفية عامة تضم كل العلوم والمعارف ومع هيقل في العصر الرومنطيقي الاوروبي بلغة الاكتمال ومعانقة العالم والتحقق الذاتي بالانتفاء في التاريخ وبلوغ درجة المعرفة المطلقة ولكن في كل مرة كان ينبئ بانطلاقة جديدة وعود على بدء ولكن الجديد عندنا هذه الايام هو الحديث عن عدة نهايات تخص الانسان والله والتاريخ والفلسفة والكاتب والقارئ والدولة والديمقراطية والفن وهي كلها تعبر عما سمي بزمن المنعطفات التاريخية والتحولات الاجتماعية العنيفة المرتقبة التي ستغير معالم الزمن ووجه الكوكب ونعته البعض بالقطيعة الكارثية التي ستجعلها نودع معايير قديمة للحياة ونستقبل معايير للتواجد على الأرض غير معهودة.
ما سرّ تأثير فلسفة او كتابات نيتشه في الخاصة والعامة؟
فردريك نيتشه فيلسوف منزعج ومزعج وهو سقراطي من جهة السخرية والتهكم رغم سخريته من السقراطية وتهكمه من تلميذه افلاطون ومناداته بقلب الافلاطونية ولكنه ثائر على المسيحية وغاضب على الميتافيزيقا الغربية وفكره ضم العديد من النبوءات التي تحققت بعده وقد انجب نصه العديد من الفلاسفة الكبار بحيث ان القرن العشرين في نصفه الثاني على الاقل كان نيتشويا رغم ان فيلسوف المطرقة لم يكن ذائع الصيت في زمنه ولم يلفت الى كتبه الا في وقت متأخر نسبيا، عندما تقرأ لنيتشه فان زلزالا رهيبا يحدث في داخلك وتبدأ التفكير على التو في التخلص من الاحكام المسبقة واليقينات الجاهزة وهذا ما حدث لي منذ سنوات الشباب الأولى عندما طالعت سفره الشهير هكذا تحدث زاردشت. لقد كان شبيبها بالمنقذ من الضلال للغزالي او بمقال عن المنهج لديكارت او بالانسان الكامل عبد القادر الجيلي ووقعه على نفسي مازلت اعاني منه الى الان، انه كان قريبا من نفسي واعطاني الحرية لكي أخاطب تراثي بحرية ومنحني لحظات وعي صافية وجعلني انظر الى الفلسفة الغربية بندية. انه يعري الغرب وينقد تمركزه على ذاته ويجلي أوهامه ويكشف عن غريزة الطغيان المحتجبة تحت طبقات الانثروبولوجيا.
أنا من المساندين للرأي القائل بأن سقراط لم يوجد يوما بل هو أسطورة من الأساطير التي وصلتنا من الاغريقيين، هل سقراط حقيقة أم هو أسطورة؟
التأريخ للفلسفة من جهة بداياتها وتحولاتها ومصيرها مشكل عويص وليس حوله اتفاق وهناك من يكتفي بالنظرة الرسمية الغربية لتاريخ الفلسفة وهي التي تنطلق من الاغريق والرومان وتقفز نحو الحداثة مع ديكارت وبيكون وتمر الى عصر التنوير والفكر الوضعي وبعد ذلك ما بعد الحداثة والعولمة، وهذا التمشي يتضمن تمركزا على الذات واقصاء لمساهمات الثقافات الاخرى في صناعة الكونية ويهضم حقوق الفلسفة العربية ولا يعترف بجهود العلماء العرب ويقع الاكتفاء بالقول بأنهم كانوا مجرد حلقة وصل بين الاغريق والغرب وهذا الكلام فيه الكثير من الاجحاف والتبسيط والاختزالية.
من هذا المنطلق يحاول البعض التأريخ للفلسفة من زاوية شرقية وينصف مدارس فلسفية عربية وصينية وهندية وفارسية وتركية ومصرية ارفدت الفلسفة الاغريقية بالعديد من المناهج والتصورات الكوسمولوجية والقيم الخلقية وبالتالي تربط بين رحلات لفلاسفة الاغريق في حوض المتوسط الجنوبي وآسيا الصغرى والوسطى وبحثهم عن المدارس الفلسفية في مراكز مشهورة بتقدم العلم خاصة الاسكندرية وقرطاج وغيرها، اما بخصوص شخصية سقراط فقد أحيطت بهالة من القداسة بحكم اقتران ولادة السؤال الفلسفي بصرخته المدوية من أجل الانتصار الى الحقيقة ولو بالتضحية بالنفس وكان بذلك اول فيلسوف يشهد على عصره ويكون شهيدا من اجل التمسك بمبدئه وحقه في نشر مهذبه وتشجيع الناس على استعمال عقولهم بحرية في تقليب الاشياء والنظر الى العالم. هذا الامر لم يمنع البعض مثل نيتشه من مهاجمته بعنف واعتباره ممثلا للمثال الزهدي وسبب الحقد السوقي على الحياة والغرائز والجسد وموقع الفكر في الاحكام المسبقة الاخلاقية والمؤسس الاول للميتافيزيقا وهو الذي نصب العقل سيدا على بقية الملكات.
لقد أحيطت بشخصية سقراط الكثير من الخرافات وتمت اسطرته ولكنه يظل هو رسول الفلسفة وحكيم الحقيقة ومعلم البشرية وايتنا في ذلك انه كان قارئا جيدا للحكمة العتيقة المكتوبة في باب معدل دلفي: «اعرف نفسك بنفسك» وتمكن من فك طلامسها لما صرح: «كل ما أعرفه اني لا اعرف شيئا» ومارس منهج التهكم والسخرية ضد السفسطائيين الذين يزعمون امتلاك الحكمة ويبيعون العلم بالمال ويعرضون مهاراتهم في المغالطة والخداع على الحكام من اجل مساعدتهم على الطغيان والاحتماء بهم، فاذا كان الحكماء الاول وجهوا نظرهم الى الطبيعة باحثين عن الاصول والعلل الاولى فان سقراط يحسب له انه اول من وجّه النظر الى الإنسان واعتنى بوضعه في الكون وحدد جوهر التفلسف بانه صناعة للمفهوم وتحديد للمعاني وحارب الثرثرة واللغو ومارس الجدل واتقن فن التوليد والتطهير مؤمنا ان النفس البشرية تكتنز في داخلها كل حقائق الوجود وما على الإنسان الا ان يزيح غشاوة الجهل ليكتشف اليقين موجودا في قرارة نفسه. ان اهمية سقراط تكمن في اننا نؤرخ بما قبله وما بعده فنقول عن طاليس وهرقليطس وبارمنيدس وابيدوكل وغيرهم على انهم ما قبل سقراطيين ونقول عن افلاطون وارسطو والرواقيين والريبيين والابيقوريين على انه ما بعد سقراطيين.
يقول هوسرل: «إن الوضعية قد قطعت رأس الفلسفة فاتجهت المعرفة البشرية نحو العلوم والتقنيات بوصفها ايديولوجيا العصر، هل في هذا العصر ليس هناك مكان للفلسفة؟
لا يجوز عصر يكون خاليا من الفلسفة بل كل حقبة تاريخية معينة تشهد بروز نوع الفكرية التي يستخدمها الناس على انها الخلفية المعرفية التي ينظر من خلالها الى العالم. وبالتالي مهاجمة الفلسفة بالمعنى الواسع للكلمة من طرف الوضعية هو الوقوع في براثن اسوأ فلسفة وقبول بنظرة اختزالية تبسيطية ترد كل شيء الى العلم والتقنية وترهن الذات البشرية بقدر بعض خبراء المعرفة على اجراء تدابير واتخاذ قرار وحرمان الناقد الحر والكاتب المختلف والفنان المبدع من معايشة تجاربه الوجدانية وافادة مجتمعه في حله وترحاله. ان العصر الذي نحيا فيه قد ارتدى لباسا رقميا عاصفا واتجه صوب النانوتكنولوجيا والسيبرنيطيقا الجديدة والنمذجة والوسائطية وما تفرزه من قدرة هائلة على التحكم والتوجيه. ولكنه شهد طفرة عملاقة على صعيد علوم الاحياء وثورة في عالم الهندسة الوراثية والتجارب الطبية المرافقة لها وصار بالامكان تهذيب الطبع والحلم بقهر الشيخوخة وتغيير الجنس واستنساخ الكائن البشري وتحديد هوية الإنسان من خلال بصمته الوراثية واعيد النظر في العلاقة بين الجسماني والروحي ووقع اكتشاف الانغراس الطبيعي للروحاني وتبعية الواعي لأنشطة فزيولوجية للدماغ وقالت العلوم العرفانية والباراسوكولوجيا كلمات ذهبية في هذا المجال المشبع بالغنوص والايمانيات. كل هذا يدل على وجود نمو هائل في مجال الحكمة العملية والعرفانية مواز للتقدم على الصعيد النظري والطبي.
بيد انه يمكن ان نلخص ثورة الفلسفة المعاصرة التي اتخذت طابعا عقلانيا نقديا في ثلاثة اتجاهات كبرى هي:
ـ اتجاه ابستيمولوجي انتقل من التبعية للعلوم الصورية ممثلا في الفيزياء الرياضية والمنطق الرمزي كنموذج ارشادي الى الاهتداء بعلوم الحياة ممثلا في علوم الاعصاب والذكاء والذاكرة كنموذج ارشادي، وتتمثل مهمة هذا الاتجاه في نقد رسالة العلم وتخليصها مما هو ضار والتركيز على ما هو نافع بالنسبة للبشرية وذلك بعقد تحالف جديد بين الطبيعة والانسان وبين العقل والتجربة وبين الروحي والمادي.
ـ اتجاه فنومنولوجي هرمينوطيقي ينهض بمهمة تأويل العالم واضفاء المعنى ويمكن الانسان من فهم ما يحدث له في الوضعيات التاريخية والاجتماعية القصوى التي يعيشها ويحول كل الثقافة البشرية بما في ذلك العلم والدين والفن والاساطير الى نصوص ويعمل على تفهمها وانتشال الدلالة القصدية منها.
ـ اتجاه اتيقي ايكولوجي يميز بين القيم والمعايير ويبحث عن تدبيرات ممكنة للوضعيات المستحدثة التي طرأت على المدينة ويعدد الاخلاقيات لتشمل المهنة والبيئة والحياة ويرفض التصورات الاخلاقية الكبرى التي دأبت على تطبيق قواعد عامة على الوضعيات الجزئية على الرغم من اختلافها وتغيرها، هكذا تشرع الفلسفة الاتيقية الجديدة لنواميس ما بعد ميتافيزيقية تحاول قدر الإمكان وضع مستقبل الحياة على الكوكب من مشمولات المسؤولية الإنسانية.
هناك من يقول «الفلسفة رسالتها مؤذية وضارة لكونها تفسد الشبيبة وتنشر الالحاد وروح العصيان والتمرد مما يعطل القانون ويطعن في قدسية الدين». فما قولك في هذا؟
الطبيعة الثورية للحقيقة الفلسفية لا يعني انها تؤدي وظيفة تخريبية وتنتهي بالانسانية الى الفوضى والنهاية بل بالعكس ان النقد الفلسفي لا يكون هداما وتحطيميا بل بنائيا وتأسيسا للوجود الافضل والحياة الأرحب. ان مصلحة الفلاسفة تنظيم الامور وتعصير الطرق وتجويب الاساليب وفعل العقلنة الذي يمارسه الفيلسوف في كل مرة هو هذا الامتصاص الذكي للعنف وهذا التحويل العجيب للميل نحو العدوان من مساراتها الغرائزية الجارفة الى مسارات حضارية منتجة ومبهرة، ان غاية من التفلسف هو ارساء النظام وصيانة القيم وتحقيق نوع من الفهم المعمق للدين وإزالة اشكال سوء التفاهم بين الناس وتجسير العلاقات بين الثقافات والمجتمعات وتفعيل التقارب بين المذاهب والحوار بين الاديان.
ان الفلسفة نعمة والعلم نور والحكمة مصباح يضيء لنا الطريق ومزايا الفلسفة على البشرية عديدة وهو رمز للذكاء والفطنة والعبقرية وغيابها واهمالها وتقاعس الناس عن طلبها دليل تخلف وترد في الأوضاع المعرفية والركون الى السهل والبسيط وتفضيل التواكل والكسل الفكري وهو ما حصل لبعض العقول العربية التي رضيت بالتقليد والمحاكاة والاستهلاك ونفرت نفورا مبرما عن المغامرة والكدح والتفحص النقدي والامعان في النظر والتسآل الحر والتشخيص الموضوعي للازمات وصياغة نظرة استشرافية شجاعة والتخطيط العلمي للمستقبل.
لماذا دائما تأتي الفلسفة متأخرة كبومة مينيرفا؟
العلاقة بين الفلسفة والعصر هي علاقة متوترة وجدلية وغير نمطية، اذ هناك فلسفات تأتي قبل عصرها وتظل مغمورة ولا تنتشر وتصبح ذات جدوى الا بعد مرور وقت كبير على تشكلها ولنا في فلسفة نيتشه خير مثال، كما توجد فلسفات مواكبة لعصرها وتصعد على الركح المعرفي لزمانها وتتبوأ مكانة بارزة في الحاضر وتتحول الى سلطة مانعة لاي تجديد وتقدم وتمثل عائقا ابستيمولوجيا بلغة غاستون باشلار تهادن الواقع وتحافظ على ما هو موجود مثل المثالية الالمانية والفكر العلموي في القرن التاسع عشر. بيد ان هناك فلسفات تأتي بعد زمانها ولما يهدأ الحال وتخمد نار المعارك وتنتهي الصراعات ويسود النظام والسلم وتعرف الاوضاع استقرارا والبشرية صحة وعافية فتكون معرفة في المعرفة وعلم في العلم وتبني عمارة عقلية شاخمة في صورة نسق معماري كبير يسند معاني وافكار لكل قضية ومشكلة ولنا في فلسفة ارسطو بالنسبة الى الاغريق والفارابي بالنسبة للعرب وهيغل بالنسبة الى الغرب خير مثال.
بقي تصور رابع وهو الأقرب الى الروح الفلسفية مهما كانت التغييرات وتبدلت الأزمان ويتمثل في الفلسفات التي تعتمد التنظير وتنشد التغيير وتلتزم بالمنهج الثوري وتسعى الى استبدال ما هو سائد بما يجب ان يكون وتعمل على تغيير العقول وبناء أشكال نقدية من الوعي وتكوين بنى مادية للثورة والمقاومة وتؤدي هذه الفلسفات الى صناعة الواقع الخاص بها طبقا للنظرية الثورية التي تخيلتها ولنا الأسوة في ماركس وكل المثقفين العضويين الذين اتبعوه وخاصة غرامشي وسارتر وروزا لوكسومبورغ. هنا يقترب الفيلسوف من المصلح والثوري والشخص الرسالي ويكون صاحب دعوى ويبحث عن الخلاص بالنسبة للبشرية ويرفض الاستقالة وحياة القطيع ويلتزم بالبراكسيس ويجد في مساعدة الحشود على النهوض المعنى الفلسفي لوجوده في العالم.
كيف تعرّف الحداثة وما بعد الحداثة؟ فانطلاقا من مقولة هابرماس «الحداثة مشروع لم يكتمل بعد» هل الوطن العربي قد انخرط في الحداثة أم فشل في هذا؟
امر الحداثة امر غريب ومحير سواء بالنسبة الى الغرب او بالنسبة الينا ايضا. اذ بدأنا بالحضارة الغربية فإننا نلاحظ انها تعيش لحظة الحداثة البعدية كما يسميها مطاع صفدي والتي تتفق مع تسمية هابرماس للحداثة كونها مشروع في طور الانجاز وهذه الورطة لم تجد لها حلا الى في تصدير ازماتها نحو بلدان الاطراف والدخول الى عصر العولمة الاختراقية الاستقطابية التوسعية وبالتالي بدأ الفكر الغربي ينقلب على القيم الكونية والمبادئ الإنسانية التي تأسس عليها وهو اشبه بالثعبان الذي يعيش من قذمه لذيله واستهلاك ما تبقى من نفسه وبالتالي تحولت الحداثة التي دشنها الى ورشة يجب التخلص منها والخروج عن الطريق الذي تسير فيه منذ قرون والبحث عن بداية جديدة والسير فوق طريق اخر وهو الآن في انتظار هذا الانبعاث الجديد ولو كان بالعودة الى حكمة الشرق.
اما الحداثة عندنا فهي مطروحة عاجلا في اطار نية البعض المشروعة للحاق بركب التقدم الغربي وغير مدركة لاستحالة الاستنساخ التاريخي للتجارب التمدينية المخصوصة بالتالي فهي معطوبة ومؤجلة وغير مدركة لغاياتها ابدا وتظل تدور في حلقة مفرغة لأن الأسس التي بنيت عليها مغلوطة رغم وجاهة المقصد. ان المطلوب عندنا ليست اتباع نفس المسار التاريخي والذي مرّ به الغرب ونقصد عصر نهضة وإحياء وإصلاح ديني وثورة علمية وعصر تنوير وحداثة سياسية وثورة صناعية وتقنية وما بعد حداثة وعولمة تجارية واعلامية، بل هو التحديث والعصرنة بالاعتماد على الميكانزمات الذاتية وتفجير القوى والطاقات الخصوصية من اجل الكشف عن المنابت النيرة والمناطق الخصبة من ثقافة الضاد وحضارة اقرأ حتى نستطيع ان ننهض بأنفسنا ونقف على قدمينا وندشن عصر الخلق والإبداع ونصنع تنويرنا الأصيل بسواعدنا وعقولنا والاعتماد على الكنوز التي تركها لنا الأجداد عوض التعويل على جهود غيرنا والاكتفاء بالاستهلاك والترويج لأفكار غيرنا.
لماذا بقي الفكر العربي المعاصر حبيس الثنائيات كالأصالة والمعاصرة، التراث والحداثة الخ.. التي أدت بنا الى العقم الفكري والى ثقافة اللامعنى؟
تخطي الثنائيات هو تدشين لعقلانية ما بعد ميتافيزيقية نحن في أمس الحاجة الى القيام به من أجل تدشين منعطف تاريخي حاسم يعيدنا الى الواجهة ويمكننا من الفعل في التاريخ واستئناف مسيرة الاشعاع الحضاري على بقية ثقافات العالم. إن حضارة اقرأ تعاني اليوم من التردد بين عدة ثنائيات تعوقها عن الحركة وتجعلها لا تراوح مكانها مثل العقل والنقل، والتراث والتجديد، والأصالة والمعاصرة، الأنا والآخر، والغرب والشرق، والشمال والجنوب، والمركز والأطراف، وربما أحسن الخيارات الممكنة لتخطي مثل هذا المضيق هو التحطيم والتفكيك وابداع جملة من المفاهيم الجديدة والتحرك فوق مسطح محايثة خاص بنا نعبر فيها عن براءة الصيرورة ونطرح فوقها بجدية مشاكلنا ونعمل على حلها وفقا للمنظور الاستشرافي البعيد وربما تساعدنا في ذلك بعض اللمحات والاشراقات مثل الهوية السردية والسياسية الحيوية والديمقراطية الجذرية والتنوير الاصيل الطريق الثالث في الاقتصاد.
ان فلسفة الضاد اليوم اذا ما قدر لها ان تنبعث هي بالاساس فلسفة تأويل وفهم تهتم بتدبير آيات القرآن وتتحول الى فلسفة لغة او فكر يجعل من اللغة نبراس الوجود والمأوى الذي يحقق فيه كل انسان ذاته ومرآة تعكس التنور والاختلاف والتعدد الذي تزخر به الطبيعة.
الفلسفة تقدم أدوات تساعدنا على فهم العالم الذي نعيش فيه، بها ندرك سلبياته ومهاويه، لماذا الفلسفة اليوم غير قادرة على مساعدتنا على فهم العالم الآن في ظلّ هذه الفوضى Chaos العارمة؟
نحن لا نتحدث عن الفكر الضعيف على حد تعبير جيانو فاتيمو الذي مل من احتلال الرفوف والموائد المستديرة في النزل الفخمة والذي أصاب الثقافة الغربية بنوع من التخمة والدعة وجعلها تتقيأ التفكير والتساؤل والنقد والبحث وتدور في تفقد ذاتها ومراجعة منطلقاتها، اما نحن فعلى خلاف ذلك نبحث عن فكر قوي ويقظة معرفية وثورة ثقافية وعزيمة فولاذية وانطلاقة وجودية لا سيما وأننا في عطش كبير الى المعرفة ونحس بالحاجة الماسة الى التنظير والبرمجة ولذلك نشعر بان الفلسفة لم تبدأ عندنا بعد حتى نقول بانها ماتت او افلست او انتهى دورها، ان الفلسفة في حضارة اقرأ تفتش عن موقع لكي تستوطن فيه وعن تربة تنغرس فيها وتنبت وتنمو.
في الختام، ان تبدأ الحكمة الشرقية من جديد هو ان تعيد ثانية ما كانت قد بدأته مع الكندي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن رشد وابن خلدون، فمن يستطيع ان يكتب نصا فلسفيا اليوم ينسخ به نص المقدمة؟ اظن ان الامر يحتاج الى معجزة عربية حتى نستطيع ان نكتب مقدمة فلسفية تتفوق على اثر واضع علم العمران البشري ندشن بها نمطا مختلفا من التفكير ونقتطع جزء من السديم وننظم هذه الفوضى العارمة في المفاهيم وفي المناهج وفي المعايير؟ اظن ان الامر يقتضي عودا على بدء واتباع اسلوب الشذرة وبناء استراتيجية فلسفية متكاملة.


http://www.essahafa.info.tn/dhad/article1.html

 

(0) تعليقات
2010-03-14

yyy


مراجعة شفيق جرادي
في* ?الانتقال العاطِف،* ?وشبه العاصِف،* ?الذي* ?قطعته تدريجياً* ?مجلة* ''?قضايا إسلامية معاصرة*''?،* ?يُعاد الانطلاق في* ?الأخير تحت مظلة تأسيس منهجي* ?عكفت المجلة* (?أي* ?صاحبها عبدالجبار الرفاعي*) ?على التمهيد له منذ انطلاقاتها الأولى،* ?حيث التأسيس لمركز دراسات* ''?فلسفة الدين*'' ?في* ?بغداد،* ?بوصفه إطارا مؤسساتياً* ?يُدير الاشتغال الفكري* ?الذي* ?تميّزت به المجلة وإصداراتها،* ?ليكون التعدّد والتسامح الفكري* ?ودفع العمل الاجتهادي* ?وإنهاء وصاية الأسلاف*.. ?هو المكوّن البرامجي* ?لعمل المركز*. ?وليس بخافٍ،* ?أن هذا الإعداد والتأسيس جاء على أنقاض علم الكلام التقليدي،* ?والذي* ?جوبه بنقاشات حامية،* ?انتهت

إلى القول بانتفاء وظائفه وعطب آلياته وعجزها عن مجاراة سؤال العصر*. ?هذه النتيجة لم تقتصر على الأطياف الفكرية التي* ?تعاطت بعنفٍ* ?رمزي* ?مع تكويناتها الأصولية والكلامية،* ?بل ثمة تقاطع مع هذه المقولة آخذ بالاتساع داخل أروقة الانتماءات الدينية شبه التقليدية وتلك العابرة نحو الحداثة المؤسلمة،* ?إنْ* ?على طريقة طه عبدالرحمن أم محمد حسين فضل الله وغيرهما*. ?الشيخ شفيق جرادي،* ?وعبر* ''?معهد الدراسات الحكمية*'' ?في* ?بيروت،* ?يشتغل على تثمير الاجتهادات المتنوّعة في* ?موضوع فلسفة الدين،* ?ليكوِّن إعادة تحصيلية جادة* ?يُراد منها أن تكون عوناً* ?في* ?فهم الدين بنحو مغاير عما هو سائد ومبسوط في* ?دروس اللاهوت المدرسي،* ?وخصوصاً* ?في* ?نماذجها الأرثوذكسية*. ?وفي* ?هذه الإعادة التطويرية؛* ?يستحضر جرادي،* ?وكما* ?يتضح جليا من كتابه* ''?مقاربات منهجية في* ?فلسفة الدين*'' ?ضرورة المعالجة المنهجية في* ?مقاربة الدين والنصوص الدينية،* ?رادفاً* ?اهتماماته تلك بالبحث عن التأسيس المنهجي* ?الذي* ?يُحقق فعّالية عصرية وإيمانية في* ?معالجة الفهم الديني*. ?وفي* ?هذا البحث،* ?لا* ?يجد جرادي* ?غضاضة من معايشة الفكر المعاصر والمعرفة الجديدة،* ?والتعويل عليها في* ?بناء منطلقات حاسمة في* ?بعض القضايا الكلامية القديمة،* ?ويبلغ* ?ذلك حدود التأكيد البيّن على تجاوز المعرفة المعاصرة لـ*''?سيرة علم الكلام وصياغاته،* ?بحيث بات علينا التوفّر على صيغة معرفية جديدة،* ?وصياغات مفاهيمية من لون جديد؛ تنطوي* ?على كل التزامات المنطلق الديني* (?العقلي* ?والنصي*)?،* ?وتتجه نحو موارد معرفية مفتوحة على الواقع والحياة والإنسان،* ?خارج دائرة التمذهب والتصنيفات الخاصة*''. ?ص *?. ?هذه الأمنية تدفع إلى التساؤل عن الطبيعة المنهجية التي* ?يمكن أن تحرّك* ''?فلسفة الدين*'' ?في* ?محوري* ?العلاقة بين النص والواقع،* ?وعمّا إذا كانت ستنتهي* ?إلى إعادة بلورة الصّيغة المنهجية التي* ?تمثلها المدرسة المقاصدية،* ?أم أنها ستُجّهز نتائج منهجية من عيار* ''?القطيعات*'' (?من القطيعة لا القطع)؟ مواد هذا الكتاب وما* ?يعالجه من مسائل مفتوحة؛ تدفع بعقيدة* ''?إنّ* ?مع العسر* ?يسرا*'' ?إلى تبني* ?طاولة الحوار المفتوح،* ?حيث كلّ* ?قضايا الإيمان والاعتقاد محلّ* ?نقد ومناقشة،* ?وبقدر ما تنطوي* ?عليه هذه الاندفاعة من وثوق بقوة العقيدة وسلامتها،* ?وجدارتها في* ?حلبات النقاش،* ?فإنها ستؤدي* ?إلى إحداث ما ليس بالحسبان*. ?فتبعاً* ?لقانون الاحتكاك الثقافي،* ?فإنّ* ?كلّ* ?اقتراب مع ثقافة جديدة،* ?وكل مقاربة مع أنسقة مغايرة* ?يفضي* ?إلى توليد جديد ومعقولية مختلفة*. ?وربما،* ?بله* ?غالبا،* ?لا* ?يكون ذلك منظوراً* ?في* ?أوّل الأمر،* ?ولكنه* ?يشتعل،* ?مثل الشيب،* ?بالتراكم،* ?وبالطفرة أيضاً*. ?

" خذ العفو وأمر بالعرف وأعرِض عن الجاهلين " الأعراف/199

 

(0) تعليقات
2010-03-08

yyy


سعد الصويان

اللغة والكتابة كلاهما خاصيتان إنسانيتان، لكن اللغة خاصية بيولوجية وجدت منذ وجد الإنسان بينما الكتابة خاصية ثقافية اكتسبها الإنسان في وقت متأخر من تاريخ وجوده على الأرض، ولا تزال بعض الجماعات تفتقر للكتابة. لم يخترع الإنسان الكتابة إلا في فترة متأخرة جداً من هذا التاريخ الطويل ومنذ مدة وجيزة لا تزيد عن أربعة آلاف سنة على يد السومريين. تكلم الجنس البشري خلال تاريخه الطويل على هذه الأرض عشرات الآلاف من اللغات التي اندثر معظمها دون أن تترك أثرا لأنها لم تعرف الكتابة. واللغات المعروفة والموثقة لا يتعدى عددها ثلاثة آلاف لغة لكن ما كُتب منها كتابة أبجدية وأنتج أدبا مكتوبا لا يتعدى المائة. ولكي ندرك التغيرات الجذرية التي أحدثتها الكتابة على المجتمع الإنساني علينا أن نتذكر أنه لولا الكتابة لاستحال قيام الدولة العصرية بمساحتها الجغرافية الشاسعة وعدد سكانها الكبير وتنظيماتها المعقدة وأجهزتها البيروقراطية الضخمة وقنوات اتصالاتها المكثفة وسجلاتها المدنية وأرشيفاتها وتعاملاتها الاقتصادية. كانت القبيلة أو دولة المدينة التي تغطي رقعة جغرافية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها بضعة آلاف هي أكبر كيان سياسي ممكن التحقيق في مراحل ما قبل الكتابة.

الكتابة مهدت الطريق لظهور العلوم العصرية والتكنولوجيا والصناعات ومختلف الإنجازات الحضارية التي يتوقف عليها تطور الجنس البشري. علوم الفلك والرياضيات والمنطق والفلسفة والعلوم الطبيعية إجمالا لم يكن من الممكن لها أن تتحقق وتنمو وتتطور بدون الكتابة. هناك عمليات رياضية أبسطها القسمة والضرب وعمليات منطقية مثل القياس والاستدلال وعمليات ذهنية مثل الاستنباط والاستقراء يستحيل أصلا إجراؤها بدون الاستعانة بالكتابة. كما أن الملاحظة والرصد والمسح والتوثيق وعمليات الإحصاء وجمع المعلومات، التي هي أهم أدوات البحث العلمي، لا يمكن تحقيقها بدون الكتابة. فالبابليون مثلا تمكنوا بفضل ملاحظتهم وتسجيلهم لحركات الأجرام السماوية لمئات السنين والمقارنة فيما بينها أن يكتشفوا عبر الأجيال ما تنطوي عليه من نظام مما مكنهم من التنبؤ بالكسوف. هذا عدا إمكانيات عرض المعلومات التي تتيحها الكتابة على شكل قوائم أو جداول ثنائية الأبعاد أو بشكل هرمي، إضافة إلى الأشكال والخرائط ومختلف وسائل التوضيح.

تسطير الكلام على الورق يوحي بقدر من الترتيب والتنظيم والتحكم وغيرها من مفاهيم الضبط والربط التي تتعلق بتجاربنا الحسية المرتبطة بالحيز المكاني كالإبصار والحركة. ترتيب الكلمات على الورق وصفّها في سطور منضدة لا بد وأن تكون له انعكاسات على تنظيم الأفكار التي تعبر عنها الكلمات، كما أنه لا بد وأن يترك آثاراً هائلة على ملكات الإنسان الإدراكية والوجدانية وعلى وسائله في تخزين وتنظيم واسترجاع مستودعاته الذهنية والنفسية. نمو المعارف الإنسانية لا يتوقف على المضامين بل يفترض أيضا عمليات محددة تتعلق بآليات الاتصال بين الأفراد ووسائل توريث المعرفة من جيل إلى جيل.

الثقافة في نهاية المطاف هي مجموعة العمليات التواصلية، لذا فإن الاختلاف في وسائل الاتصال المعلوماتي غالبا له نفس الأهمية التي لأساليب الإنتاج المعلوماتي، لأنها تشمل تطوير أوعية التخزين ووسائل التحليل والتوليد للمعرفة الإنسانية، إضافة إلى تحوير العلاقات بين الأفراد المعنيين. التدوين، خصوصا الكتابة الأبجدية، أفسح المجال لإمكانية تفحص الكلام بشكل مغاير وذلك بإعطاء اللفظ المنطوق شكلا ثابتا. هذا التفحص سمح بتوسيع آفاق الممارسات النقدية، ومن ثم نمو العقلانية والتساؤل والمنطق. وهذا مما أدى إلى دفع عجلة النقد، لأن الكتابة وضعت الكلام أمام نظر الإنسان بطريقة مختلفة، كما أنها وسعت في الوقت نفسه من إمكانية التراكم المعرفي، خصوصا المعرفة ذات الطابع المجرد، ذلك لأنها غيرت طبيعة الاتصال لتتخطى العلاقة الشخصية المباشرة وجها لوجه، مثلما غيرت نظم تخزين المعلومات. بهذه الطريقة أصبح هناك مجالا أرحب من "الأفكار" متاحا لجمهور القراء. وهكذا لم تعد مشكلة التخزين في الذاكرة هي المسيطرة على العمليات الذهنية عند الإنسان. تحرر العقل الإنساني من هذا العبء ليتفرغ لتحليل "النص" المقيّد. وهذه عملية مكنت الفرد من أن يفصل بين شخصه وإبداعه ليتفحصه بشكل موضوعي مجرد وعقلاني. الكتابة أتاحت إمكانية مراجعة المعلومات التي أنتجها البشر خلال فترة ممتدة من الزمن، كما أنها شجعت كذلك النقد والتفسير من ناحية وأكدت سلطة الكتاب من ناحية أخرى.

تعلُّم الكتابة له تأثير ملحوظ على الأنساق المسؤولة عن تنظيم العمليات الذهنية، حيث أن الكتابة نظام رمزي خارجي يتدخل في تنظيم المعالجات الفكرية ويؤثر على بنية الذاكرة وطرق التصنيف وحل المسائل والمعضلات. الكتابة ليست مجرد وسيلة عالية الكفاءة لتسجيل المعلومات وحفظها وتذكرها، بل هي أيضا وسيلة ناجعة لتنظيم المعرفة وترتيبها وتصنيفها والتعامل معها بطريقة تساعد على تحليلها ومعالجتها وإخضاعها لمختلف العمليات المنطقية والنقدية. تدوين النصوص وتثبيتها بواسطة الكتابة ثم وضعها جنبا إلى جنب والنظر إليها بالتزامن، بدلا من سماعها بالتتالي، والمقارنة فيما بينها يساعد على اكتشاف ما فيها من غموض وتناقضات وأخطاء وتضارب وكذلك ما فيها من انتظام واطراد واتساق مما يمكن صياغته على شكل قواعد أو قوانين علمية. اكتشاف قواعد اللغة من نحو وصرف غير ممكنة بدون تقييد الألفاظ والعبارات وتثبيتها كتابيا بحيث يمكن المقارنة فيما بينها والنظر إليها بالتزامن، بدلا من سماعها بالتتالي الذي هو سمة الكلام الشفاهي. كما أن تثبيت الكتابة للروايات المتعددة للقصيدة الواحدة أو الحادثة التاريخية هو الذي يسهل علينا اكتشاف ما بين هذه الروايات المختلفة من تضارب وتباين واختلافات تصعب ملاحظتها في ظل الرواية الشفاهية الشاردة. ومن هنا نجد أن اكتشاف قواعد اللغة العربية وأوزان الشعر العربي، وغير ذلك من الإنجازات العلمية في مجالات اللغة والأدب لم تأت إلا بعد تفشي الكتابة في القرن الثاني الهجري، وفي هذه الفترة ذاتها أيضا بدأت الاختلافات في رواية القصائد الجاهلية تشكل معضلة تسترعي الانتباه وتثير التساؤلات والشكوك. وقبل ذلك عند الإغريق نجد أن ظهور الكتابة ارتبط بظهور علم التاريخ على يد هيرودوتس وعلم القياس المنطقي على يد أرسطو.

غياب الكتابة غيّب الحس التاريخي عند الرجل الأمي وجعله يعيش دائما في الحاضر. أحداث الماضي البعيد التي لم تعد ذات صلة بالحاضر تنتفي الحاجة لإعادة الحديث عنها وتكرارها فتتبخر من الذاكرة أو تُحوّر وتحدّث بشكل تلقائي وعفوي وتدريجي غير محسوس، وربما غير مقصود، في انتقالها شفاهيا من راو لآخر ومن جيل لجيل مما يفقدها هويتها الأولى لتصبح متوافقة مع متطلبات كل عصر. فالمفردات التي فقدت دلالاتها تندثر في حال التوقف عن استخدامها أو تستبدل بغيرها أو يتغير نطقها أو دلالاتها لأنها لم تقيد في قواميس ومعاجم تحفظها من الضياع وتسجل تاريخها الدلالي وتستعرض المعاني المختلفة التي مرت بها في استخداماتها عبر العصور. فالكتابة مثلا سجلت لنا مفردات العصر الجاهلي والتي يمكننا الرجوع إليها والتحقق منها بصرف النظر ما إذا كنا نستخدمها الآن أم لا، لكننا لا نملك أي معلومات ذات بال عن اللغة العربية في العصور التي سبقت العصر الجاهلي لأنها لم تصلنا عن طريق التقييد الكتابي. الرجل المتعلم يعرف الكثير من خلال قراءاته واطلاعه على المصادر المكتوبة عن التاريخ العربي منذ عصور ما قبل الإسلام حتى الوقت الحاضر، على خلاف الرجل الأمي أو البدوي في الصحراء الذي لا يعرف من التاريخ إلا نتفا من الروايات الشفاهية المشوشة التي لا يتعدى عمقها الزمني مائتي سنة. غمر الماضي بمقتضيات الحاضر ومتطلباته يجعل الإنسان الأمي ينظر إلى الأمس دائما بعيون اليوم دون أن يدرك حقيقة التغير والتطور أو يعي مسيرة الزمن وعمق التاريخ فيركن إلى الاعتقاد بأن العالم كان وما زال وسيظل كما هو. فالأنساب والأصول والتشكيلات القبلية القديمة تُنسى ويتصرف أبناء القبيلة كما لو كان التكوين القبلي الحاضر أزليا منذ بداية الخليقة. خذ مثلا الأسطورة التي تتحدث عن نشأة ولاية الغونجا في شمال غانا الأفريقية. تقول الوثائق التي سجلها الإنجليز في بداية دخولهم المنطقة مع بداية القرن العشرين أن مؤسس الولاية كان له سبعة أبناء كل منهم يحكم مقاطعة من مقاطعات الولايات السبع. ومع مرور الوقت اندمجت أحد المقاطعات بجارتها بينما اختفت أخرى بسبب تعديل الحدود. وهكذا تقلصت مقاطعات الولاية من سبع إلى خمس. وحينما أعيد تسجيل تاريخ الولاية مرة أخرى بعد ستين سنة من المرة الأولى تبين أن الأسطورة عُدّلت وحُدّثت تلقائيا بحيث أصبح أولاد المؤسس خمسة فقط بعدد المقاطعات المتبقية من الولاية. وإذا ما تدبرنا مثل هذه الحقائق ووضعناها نصب أعيننا أدركنا أن الكثير من التغيرات التي طرأت على نصوص الأدب الجاهلي بعد ظهور الإسلام قد يكون مرد معظمها في المقام الأول إلى مثل هذه الآليات، التي هي من خصائص وطبيعة الآداب الشفاهية والثقافات الأمية، وليست دائما وبالضرورة، كما يزعم أصحاب نظرية الانتحال، تزييفا مقصودا أو تدليسا متعمدا تحدوه الدوافع السياسية والاعتبارات الدينية، وإن كنا لا ننفي هذه الاعتبارات على وجه الإطلاق.


http://www.saadsowayan.com/html/Articles/A49.htm

 

(0) تعليقات
2010-03-08

yyy

الحبيب الأسود

أعلنت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم يوم غرة مارس يوما للغة العربية، التي يتحدثها أكثر من 450 مليون نسمة من سكان الوطني العربي والأحواز المحتلة والاسكندرون ومن أبناء الصحراء الكبرى في تشاد ومالي والنيجر ونسبة هامة من سكان أريتريا وإقليم أوغادين المحتل، إضافة إلى بعض القبائل في السينغال ونيجيريا.

واللغة العربية هي لغة القرآن، ولغة أهل الجنة، يؤذّن بها للصلاة من قبل أكثر من مليار مسلم، وهي أكثر لغات المجموعة السامية انتشارا، واللغة الرابعة من لغات منظمة الأمم المتحدة، تحتوي على 28 حرفا مكتوبا يضاف إليها عند بعض اللغويين حرف الهمزة ليصبح عدد حروفها 29 حرفا، وتسمى العربية بلغة الضاد نظرا لكونها اللغة الوحيدة في العالم التي تحتوي على حرف الضاد.

وهناك عشرات اللغات الأخرى التي تعتمد على الحرف العربي مثل الفارسية والبلوشية والسندية والأوردو والشيشانية والمالاوية والقرغيزية والبيلاروسية والكشميرية والكردية والطاجيكية والبنجابية والكازاخية والويغورية والأذرية والبشتونية والتترية واللورية والطبرية وغيرها.

ويمكن لكل باحث أو دارس أن يلاحظ التأثير الكبير للغة العربية في اللغة الأوروبية، مثل الايطالية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية، وكيف أن هناك للغة الضاد أكثر من 30 في المئة من مفردات لغات أخرى مثل الفارسية والتركية والكردية والعبرية والسواحلية والمالطية والصومالية والطاجيكية والتجرينية والفولانية والكشميرية والباشتونية وغيرها.

ولقرون طويلة كانت العربية لغة العلوم والسياسة والفكر والإبداع والتجارة في العالم، غير أن مرحلة التجزئة والانحطاط والاستعمار الأجنبي والردّة القومية أثّرت سلبا في اللغة العربية.

وقد تسببت الهزيمة الحضارية والثقافية في تعرضها إلى مؤامرات من الداخل قادتها الأنظمة المتدافعة للتنصل من هويتها القومية والمحتمية بوهم الحضارات المندثرة وبالتبعية للمستعمر، وبالخضوع لأيتامه المشككين في قدرة لغة الضاد على أن تكون لغة علم وتقنية ولغة حداثة ومعاصرة ولغة فكر وحرية وانطلاق نحو المستقبل، رغم أن العربية هي الأقدر من بين لغات العالم على الاشتقاق وتوليد المعاني والألفاظ وعلى التعبير واتساع المفردات والتراكيب، وعلى امتلاك خاصية الترادف والأضداد والمشتركات اللفظية واحتضان المجاز والطباق والجناس والمقابلة والسجع والتشبيه وفنون البلاغة والفصاحة، إضافة إلى تضمنها ظاهرة الإعراب التي توجد في أية لغة أخرى، ومناسبة حروفها لمعانيها وإعطاء كل حرف من حروفها لمخرجه الخاص وجرسه المختلف.

وواضح أن اللغة العربية لم تفشل عبر التاريخ في أن تكون لغة الشعر والفلسفة والعلوم والطب والتقنية والروحانيات والسياسة والتجارة والفلك.. وغيرها، ولكن النظام الرسمي العربي الحديث هو الذي فشل في أن يكون في مستوى اتساعها وعبقريتها، فشل في إرساء التعليم الجدّي، وفشل في مواكبة العصر والحداثة من داخل خصوصيات الهوية، وفشل في تحقيق الاستقلال الحقيقي الذي يضمن له التحكم في التقنيات والمفردات، وفشل في توحيد الأهداف والتوفيق بين الأصالة والانفتاح، وفشل في إنجاب القيادات القادرة على إلهام الجماهير بما يخدم المشروع الحضاري والثقافي القومي الذي يليق بالأمة..

لم تفشل اللغة العربية، وإنما فشل العرب الذين توهّموا ولوج بوابات الحداثة من باب التبعية للآخر، أما المتجذرون في الأرض والتراث والبيئة البدوية والريفية والثقافة الدينية، فإنهم ما زالوا ينطلقون لهجات عربية صافية ونقية لم تلوثها حداثة مزعومة ولا مؤامرات مدعومة.

الرابط


http://www.alarab.co.uk/index.asp?fname=\2010\03\03-08\835.htm&dismode=x&ts=08/03/2010%2002:26:43%20م

Alarab Online. © All rights reserved

 

(0) تعليقات
2010-03-05

yyy

 

التأويل والحداثة



د. توفيق شومر


أي نص ديني، هو نص مقدس لمعتنقي الديانة التي يعبر عنها، وهو بهذه الصفة نص مطلق غير قابل للنقاش يدافع عنه المؤمنون به بحيث لا يترك أي مجال للتفاهم حول بعض المسائل المحورية التي يقر بها النص. وحتى يكون النص الديني سرمدياً يمكّن أفراد المعتقد الديني من الإيمان به في كل زمان ومكان يستلزم أن يتضمن إقراراً بأنه نص صالح لكل زمان ومكان.



والمعضلة هنا أنه نص يخاطب في الأساس عقول البشر أيضاً، وبالتالي يجدر بالنصوص الدينية أن تكون قد كتبت بلغة تتناسب مع عقول المتلقين للرسالة الدينية. فالنص الديني المقدم قبل ثلاثة آلاف عام لا يمكن أن يستخدم الخطاب نفسه الذي يستخدمه النص الديني المقدم قبل ألفي عام، وسيختلف بالضرورة عن النص المقدم قبل أربعة عشر قرنا.


إذ أن المعرفة في تلك الأزمنة كانت محدودة، والبشر غير قادرين على استيعاب علوم القرون السابقة، فكيف هي الحال بعلوم اليوم. بالمقابل فالله بالتعريف كلي المعرفة، يعرف علوم اليوم والأمس قبله وكل علوم المستقبل. فلماذا لم ينطق النص الديني بأي من هذه العلوم؟ الجواب أبسط من أن يُبحث فيه، فلو أن النص الكتابي على سبيل المثال، خاطب عقول الأمة بأن الإنسان سيكون قادراً وهو جالس في بيته أن يخاطب ويرى شخصاً آخر في أقصي المعمورة دون أن يحتاج لأن ينتقل من مكانه قيد أنملة، لما صدقت البشرية الرسل.


لذا لا بد من احتواء النصوص الدينية على مستويات من الخطاب، مستوى مباشر يصل عقول وأذهان البشر في الزمن الذي يقدم فيه، ومستوى آخر يستطيع أن يعطي خطاباً عاماً يمكن تأويله فكرياً وفلسفياً لكي يصلح لكل زمان ومكان. ومستوى ثالث قد لا يكون بمقدور البشر تفسيره وتأويله، إذا ما قلنا أن المعرفة الكلية عند الله أبعد من أن يستطيع البشر الوصول إليها.



هذا يعني أن البحث في أغراض ومعاني وأهداف الخطاب الديني يجب ألا تتوقف أبداً. وهذا يعني أيضاً أن المفسرين الأوائل للنصوص الدينية لا يمكنهم بأي حال أن يكونوا قادرين على تفسير النص الديني كما يجب أن يفسر. فالعلم الذي توافر عند المفسرين الأوائل لا يمكن أن يرتقى إلى جزء مما نعرفه اليوم.


قد يقول البعض أن علوم الدين تختلف عن العلم بظواهر الطبيعة، وبما أن الاهتمام بالدين كان عند العلماء الأوائل أفضل من الاهتمام بالدين اليوم، فهذا يعني أنهم أكثر قدرة على فهم أمور الدين من الذين يحاولوا تأويله اليوم. وأقول لا انفصال بين فروع العلم، كما أن هناك قضايا خاصة منها قدرة الإنسان، وعقله، وخبراته، وتأثير هذه الخبرات وكيف ننظر إلى المعرفة وإلى الإدراك وغيرها من القضايا الشائكة والتي وصلنا إلى معارف فيها تفوق حد الوصف ما كان يعرف سابقاً وترتبط بشكل وثيق بعلوم الدين، وبالتالي فالفهم الديني بحاجة إلى إعادة نظر في كثير من قضاياه.



إذن فإن التبرير لفتح باب الاجتهاد والتأويل مرة أخرى يتعدى القول بالضرورة لأخذ موقف من قضايا لم تكن معروفة سابقاً كالاستنساخ أو القتل الرحيم، إلى القول أن ما كنا نعرفه سابقاً بالارتباط مع كل القضايا المعرفية لا يمكن مقارنته بأي حال مع ما نعرفه اليوم. وبالتالي فإن التفسير والتأويل للنص الديني الذي قدمه فقهاء وعلماء الدين سابقاً لا يمكن بحال أن يرقى إلى المستوى الشافي لتساؤلاتنا.


والحداثة كما نعرف موقف فلسفي يتميز بإعمال العقل في القضايا التي تواجه الإنسان، بالاستناد إلى السببية التي تربط بين الأحداث في العالم وأسباب واضحة لهذه الأحداث التي تنتمي بشكل أساسي إلى هذا العالم لا إلى عوالم غيبية. وهي تقر بأننا نستطيع أن نعرف مكنونات هذا العالم مهما بلغت التعقيدات التي تترافق مع هذه المعرفة. ولكي نصل إلى هذه المعرفة لا بد لنا من أن نستخدم عقولنا لا أن نعتمد على أي معرفة خارجية، لأن نزول الوحي لم يعد أمراً وارداً منذ وفاة الرسول. لذلك فالأمور الميتافيزيقية لا يمكن أن تكون مقبولة إلا إذا تأسست على العقل أولاًُ.


وعلى الرغم من أن تاريخ الفلسفة يرجع مفاهيم الحداثة إلى الفيلسوف الألماني امانويل كانط، فإن التراث العربي الإسلامي قد قدم مفكرين عظاماً تمكنوا ومنذ مرحلة مبكرة جداً في التاريخ العربي الإسلامي من أن يدركوا مفاهيم الحداثة هذه. لكننا اليوم أبعد ما نكون عنها. ومن الأمثلة المعروفة على ضرورة العقل، ابن رشد وموقفه المعروف في كتابه "فصل المقال"، والقاضي عبد الجبار وموقفه في كتابه "شرح الأصول الخمسة". والذي أكد لنا في الفصل الأول من كتابه، بأن العلم هو المنطلق الأساسي للمعرفة وبغيره لا معرفة ممكنة التأسيس، وشمل بذلك معرفة الله ووجوب هذه المعرفة. فهو لذلك يميز بين العلم والاعتقاد، ويحدد أن الله لا يعرف بالضرورة وإنما بالعقل، ثم يبحث في الأدلة التي تثبت أن معرفة الله واجبة.



وهنا نصل إلى النقطة الهامة في هذه المقارنة. بما أن الحداثة أساسها العلم والعقل، وبما أن النص الديني لا بد أن يكون متوافقاً مع العلم والعقل، لا من منطلق حداثي فقط بل من منطلق الفكر العقلاني العربي، فإن هناك ضرورة لأن يتم التعامل مع النص الديني بالاعتماد على العلم. وبما أن العلم يتطور، بل بما أن العلم دائم التطور، فأن هذا يفرض علينا أن نتعامل مع النص الديني انطلاقاً من تطور معرفتنا العلمية وقد كان خطاب القرآن دائما يدعو إلى إعمال النظر والتفكر.


ومن الأمثلة على أهمية أن نفكر بالعقل فيما يقوله النص التوراتي التالي. إذ أن كل مؤمن يقر، أن الله حق وعادل كلي القدرة ومتعال. لذا إذا جاء نص ديني وقال إن "يعقوب قد تعارك مع الله وانتصر" ولذلك فإن الله "المهزوم" باركه وأسماه "إسرائيل" ومنحه "أرض الميعاد له ولنسله من بعده"، فإن هذا المؤمن العاقل سيقول أن هذا كلام لا يصح لأن الله حق وعادل وكلي القدرة ومتعال، ولا يمكن لمخلوق التغلب عليه. مما يدفع إلى الاعتقاد بأن هناك خلل في النص الديني، وقد يكون الخلل ناتجاً عن أن النص الديني لا يمثل الحقيقة الدينية، وهو نص محور ومحرف لا يمكن الاعتماد عليه في عرف الكثيرين، أو أن يقول البعض بأن هذا النص يتحدث عن رب آخر غير الله.


على المؤمن إذا أراد الدفاع عن إيمانه أن يكون قادراً على التعامل مع النص الديني بتوافقه واختلافه مع المعرفة العلمية وإلا كان بمقدور الضالعين في لعبة المنطق تجاوز قدرات النص واثبات التناقضات الكثيرة الموجودة فيه، إذا ما أخذت بمعناها اللغوي فقط لا بمستويات الخطاب فيه.





الفلسفة العقلانية وفهم الشريعة في منهج ابن رشد



د. توفيق شومر




يتميز الفيلسوف العربي أبن رشد في أنه جاء في زمن سيطرت فيه بعض النزعات المعادية للفكر والفلسفة، وأراد لذلك أن يبرأ الفلسفة من تهمة الزندقة وتهم الغزالي بأنها نوع من التهافت الذي يدخل الإنسان بالشرك. ولكن أبن رشد يبرر الفلسفة ويدافع عنها منطلقاً من أرضية مختلفة عن الأرضية التقليدية للفلسفة.


فهو يريد أن يستخدم الشرع لبرهان أهمية الفلسفة. لذلك فإننا نراه في كتابه الشهير "فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال" - تحقيق محمد عابد الجابري - يبدأ بالقول: "إن الغرض من هذا القول أن نفحص، على جهة النظر الشرعي، هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع". وبالتالي فهو يسهب بدراسة ضرورة النظر العقلاني كوسيلة لدراسة الظواهر (الموجودات)، فالفعل الفلسفي "ليس أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها".


ويؤكد أبن رشد ضرورة عدم النظر إلى الفلسفة كبدعة، فهو يقول بـأن كون أوائل المؤمنين لم ينظروا في موجودات الكون من منظور فلسفي لا يجعل الفلسفة بدعة، فيؤكد أبن رشد أن القياس في الفقه لم يكن من علوم الأوائل أيضاً فهل جعل هذا من الفقه بدعة؟ بالتأكيد لا. ولذلك فهو يقول أن النظر في أمور الشريعة بمنظور فلسفي يجعل ممن ينظر في هذه الأمور أكثر قدرة على إدراك المقاصد، ما ظهر منها وما لم يظهر في النص بصراحة. وهو يعتبر أن من الواجب لمن يريد أن يدرس النصوص الشرعية أن يكون متمكناً من علوم المنطق، فالمنطق هو البرهان العقلي المبني على القياس المحكم للقضايا. "فإذا كان الشرع قد حث على معرفة الله وسائر موجوداته بالبرهان، كان من الأفضل، أو من الضروري، لمن أراد أن يعلم الله تعالى وسائر الموجودات بالبرهان أن يتقدم أولاً فيعلم أنواع البراهين وشروطها".


وهو يؤكد ضرورة فحص المسائل والتحقق منها والاعتماد على العلوم المختلفة في أدراك المقاصد. ويعطي في ذلك مثال مهم، فيقول أنه لو لم يكن هناك علم الهيئة والأجرام السماوية فهل كان بمقدور أي إنسان عاقل أن يعرف بأن الشمس أكبر بأضعاف مضاعفة من الأرض؟ ويؤكد بأن ذلك غير ممكن من دون هذه العلوم باستثناء المعرفة المتحصلة من الوحي. أما غير ذلك فهو بحاجة للبرهان للوصول إليه. ولو أن ما يعرفه العلماء قيل لعامة غير عارفة بأصول علم الأجرام لقالوا بأنها ضرب من الجنون.


وفي هذا ينزع أبن رشد للقول أن الخطاب الموجه لاستقطاب العامة لا يمكنه أن يستخدم علوم غريبة عن العامة، ولكن عدم استخدام العلوم لا يجعل منها علوم خاطئة أو غير ضرورية. فهي من جهة المتعلم لها علوم يقينية مبنية على البرهان والنظر.


لكن من يريد أن يعرف مقاصد الشريعة فعليه أن يعرف علوم العصر، وما أحوجنا اليوم لهذا النوع من التفكير. فعلوم اليوم تعادل ملايين أضعاف علوم الأوائل. ولكي يستطيع المرء الوصول إلى مقاصد الشرع فلا بد له أن يدرس هذه العلوم بتمعن لكي يتمكن من استخدامها في معرفة مقاصد الشرع، فإن من "نهى عن النظر فيها" "فقد صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس إلى معرفة الله، وهو باب النظر المؤدي إلى معرفته حق المعرفة. وذلك غاية الجهل والبعد عن الله تعالى".


وينتقل أبن رشد للحديث عن المفصل في العلاقة بين الفلسفة والشريعة: التأويل.


فيقول بأنه إذا ما وصلنا من خلال العلم إلى معرفة بظاهرة ما (موجود ما)، وكان الشرع قد خلا من ذكر لهذه الظاهرة فهذا لا يعني تعارض بين العلم والشرع فهو "بمنزلة ما سكت عنه من الأحكام فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي". وبذلك فيكون التأويل كما يعرّفه أبن رشد "أخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية". ويؤكد أبن رشد بأن الفقهاء يفعلون ذلك باستخدام القياس الظني لكنه يقول بأن الأحرى أن يقوم بذلك صاحب علم البرهان (الفيلسوف) والذي يملك قياس يقيني لا قياس ظني فقط.


ويؤكد أبن رشد بأنه من الصعوبة أن يتفق علماء عصر ما على تفسير واحد لمسألة من مسائل الشرع، إلا إذا كان الشرع لا يحمل ظاهر وباطن، وإلا إذا كان ما من شيء مكتوم في النص عن أحد. لكننا نعرف بوضوح اليوم بأن هناك الكثير من المعارف التي سكت عنها الشرع لكونها لا تتناسب مع معرفة المتلقيين لهذا الشرع. "وأما الأشياء التي لخفائها لا تعلم إلا بالبرهان فقد تلطف الله فيها لعباده الذين لا سبيل لهم إلى البرهان، إما من قبل فطرهم وإما من قبل عادتهم وإما من قبل عدمهم أسباب التعلم، بأن ضرب لهم أمثالها وأشباهها ودعاهم إلى التصديق بتلك الأمثال."



ولذلك فأن الاستنتاج الأساسي الذي يصل إليه أبن رشد من هذا التفكير العقلاني بالشريعة واتصالها بالفلسفة إلى القول بأن مهمة النظر الشرعي الأساسية هي الخروج من بوتقة الفهم الضيق للنص الشرعي للوصول بالبرهان والفهم الفلسفي للنص الشرعي إلى خفايا وخبايا هذا النص مما لم يعلن عنه لأسباب تتعلق بالعادات والتقاليد التي سادت يوماً، أو لكونها كانت معارف غير متحصلة لدى المتلقي للنص الشرعي، فكان من الضروري للنص الشرعي أن يستخدم الأمثال والصور التي لا تعبر لفظاً وحقيقة عن ما يريده النص الشرعي ولكنها إنما هذه دلالات على المعنى المجازي المراد من النص الشرعي. فالمسكوت عنه يمكن الوصول إليه من خلال النظر العقلاني العميق للنصوص الشرعية.


أخيرا إن ما بدأه أبن رشد طريق طويل في العقلانية، وما المشروع المهم الذي بدأه بكتابه فصل المقال إلا الحلقة الأولى نحو اعتبار النظرة الفلسفية والعقلانية الرديف الأساسي والمهم لفهم الشريعة والوصول إلى المقاصد، وكان حلم أبن رشد أن يتفرغ لإتمام مشروعه فيقول في الفقرة الأخيرة من كتابه "وبودنا لو تفرغنا لهذا المقصد وقدرنا عليه، وإن أنسأ الله في العمر فسنثبت فيه قدر ما تيسر لنا منه." لكن المشروع ما زال قائماً إلى اليوم ولم ينجز بعد كل هذه القرون.

 

(0) تعليقات
2010-03-01

yyy


صبحي حديدي

صدرت في باريس، قبل أيام، الترجمة الفرنسية لكتاب الراحل إدوارد سعيد 'قضية فلسطين'، الذي كانت طبعته الإنكليزية الأولى قد صدرت سنة 1979، وشكّلت إسهام سعيد الأبرز في تصحيح حقائق المسألة الفلسطينية أمام الرأي العام الأمريكي، والقارىء الغربي عموماً. وبصدور هذا المؤلف الرئيسي، تكون دار النشر الفرنسية Actes Sud قد قطعت شوطاً نوعياً على طريق استكمال ترجمة أعمال سعيد، بعد صدور 'تأملات حول المنفى' عن الدار ذاتها؛ و'الإستشراق' و'الثقافة والإمبريالية' و'خارج المكان' وسواها، عن دور نشر أخرى.
ولعلّ هذا العمل بالذات هو الذي أطلق صورة سعيد كمدافع أوّل، إذا لم يكن الألمع، عن الحقّ الفلسطيني داخل أشدّ المؤسسات الأكاديمية والإعلامية الأمريكية انحيازاً إلى الدولة العبرية؛ كما صنع ـ بعد 'الإستشراق' وإلى جانب 'تغطية الإسلام'، التتمة الثانية الكبرى لشخصية سعيد الإنشقاقية التي تنحاز إلى الحقّ البسيط والحقّ اليومي والحقّ الثابت، وتُبقي التاريخ نصب الأعين. والأرجح أنّ هذا العمل هو الذي أكسب سعيد لقب 'بروفيسور الإرهاب'، الذي 'يريق الحبر دفاعاً عن إراقة الإرهابي الفلسطيني لدماء الأبرياء'.
وفي عام 1989 نشر إدوارد ألكسندر مقالته الشهيرة 'بروفيسور الإرهاب' في مجلة 'كــــومنتري' الأمريكية، اليمينية الصهيونية المتعاطفة مع الشطر الليكودي من الدولة العبرية، وقال فيه: 'يجب أن نتذكر على الدوام أنّ إدوارد سعيد ليس فقط مجرد بروفيسور وإيديولوجي، بل هو أيضاً عضو في المجلس الوطني الفلسطيني، والناطق الأبرز باسم منظمة التحرير الفلسطينية في وسائل الإعلام الأمريكية، وواحد من أقرب مستشاري عرفات. مَنْ ينسى الصُوَر التلفزيونية لشهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، والتي تُظهر هذا المثقف وهو يدنو من ملك الإرهاب، ويهمس (مَن يعرف ماذا؟) في أذن سيّده عند اختتام اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر'!
ورغم أنّ سعيد كان من أشدّ المعارضين لاتفاقات أوسلو، وكانت تحليلاته لآثارها المستقبلية المدمّرة بمثابة الكاشف الأحدث عهداً لذلك النوع الدؤوب من الانشقاق الشريف والشجاع والنبيل، فإنّ المؤسسة الصهيونية لم تتوقف عن محاولات تهديم سعيد بالمعنى المادّي الحرفي للكلمة. ولعلّ آخر أشهر الوقائع في هذا الصدد جرت أواسط العام 1999، حين نشرت مجلة 'كومنتري' ذاتها مادّة مطوّلة لـ 'الباحث' الإسرائيلي جستس رايد فاينر، الذي صرف ثلاث سنوات وهو ينقّب في أرشيف فلسطين أيّام الإنتداب البريطاني، وفي قيود الأحوال المدنية، والصكوك العقارية، وسجلات مدرسة سان جورج في القدس، وسافر لهذا الغرض إلى عواصم عديدة بينها القاهرة وعمّان، لكي يبلغ النتيجة التالية: إدوارد سعيد لم يعش في القدس، ولم ينتسب إلى أيّ من مدارسها، وهو ليس لاجئاً!
وبالطبع، كان مطلوباً من هذا 'الإكتشاف' أن يقوّض حكاية سعيد بوصفه ابن المنفى الفلسطيني، وبالتالي فهو لم يعد رمزاً للظلم الإسرائيلي كما كتب ألن فيــــلبس مراســـل 'الدايلي تلغراف' في القدس. وأمّا 'حكايته المؤثّرة'، التي كانت تُروى وتقتبس في الصحف والمجلات وأقنية التلفزة، فينبــغي أن تُطوى اعتــباراً من تـــاريخ ذلك 'الإكتشاف'. أخيراً، 'هـــذا الرجــــل الذي حظي بموقع مدلّل اليسار الأمـــريكي طــــيلة زمـــن مديد، لا يمكن أن يستأثر بعد الآن بموقع الرمز الحيّ للشتات الفلسطيني'.
والحال أنّ نفوذ إدوارد سعيد الفكري والأخلاقي لم ينهض، في أيّ يوم، على استثمار حكايته الشخصية، ونهض في المقابل على توظيف عبقري ذكيّ ودؤوب ومبدئي لكلّ ما في القضية الفلسطينية من أبعاد إنسانية وتاريخية وثقافية وجيو ـ سياسية. وفي إحدى صفحات كتابه 'خارج المكان'، الذي يروي بعض محطات حياته، يكتب سعيد: 'ما يستولي عليّ الآن هو مقدار الإقتلاع الذي حاقَ بأسرتي وأصدقائي ولم أدرك سوى القليل منه، إذْ كنت في الجوهر شاهداً على العام 1948 دون أن أعرفه (...) أبصر الحزن والفقدان في وجوه وحيوات الناس الذين عرفتهم من قبل، وفي الآن ذاته أعجز عن فهم المأساة التي حلّت بهم'.
والحال أنّ الكثير من آراء سعيد السياسية، فضلاً عن تلك الإيديولوجية والفكرية، التي انطوت عليها فصول كتابه الرائد 'قضية فلسطين'، سوف تتبلور أكثر، وبعضها سوف يتخذ مسارات مختلفة في قليل أو كثير، على امتداد الأعوام التي أعقبت صدور الكتاب. وكان أمراً حسناً أنّ الترجمة الفرنسية حملت المقدّمة الخاصة، وكذلك التعقيب، اللذين كتبهما سعيد لطبعة 1992، وسعى فيهما إلى ربط الكتاب بما كان العالم يشهده من تطورات فاصلة، على صعيد الولايات المتحدة وإسرائيل والعالم العربي ومنظمة التحرير الفلسطينية ذاتها، وما كان يجري على الأرض بعد عمليات 'عاصفة الصحراء' ومؤتمر مدريد، وكيف انعكست تلك المستجدات الجيو ـ سياسية على واقع الشعب الفلسطيني، في الشتات وفي الوطن. صحيح أنّ ظروف ذلك الشعب المعيشية، ثمّ السياسية والوطنـــــية والاجتـــــماعية، كانت تسير من سيئ إلى أسوأ بسبب استمرار الإحتلال الإسرائيلي، لكنّ حسّ المقاومة لدى هذا الشعب ظلّ يتعاظم، وتشبثه بحقّ تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة صار خياراً نهائياً وحاسماً.
وإذا كان صدور الترجمة الفرنسية قد انتظر 21 سنة، فإنّ الكتاب ليس البتة متأخراً عن أزمنة فرنسية ما تزال تتسيدها عشرات التنميطات الخاطئة، أو القاصرة، أو الخبيثة عن سابق قصد، حول الحقّ الفلسطيني وجوهر الصراع.

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\28qpt98.htm&storytitle=ffقضية%20إدوارد%20سعيدfff&storytitleb=صبحي%20حديدي&storytitlec=

 

(0) تعليقات
2010-02-28

yyy

إن الإنسان كائن عارف ،و لا يمكن أن يعيش بدون دافع فضولي فطري يدفعه إلى محاولة فهم العالم ، هذا الفهم الذي يسمح له بالسيطرة على هذا العالم و التحكم فيه و استخدامه لصالحه . لكن المعرفة التي كونها الإنسان عن العالم أصبحت هي نفسها محل نقاش و حوار و خلاف ، وبصيغة أخرى أصبحت خاضعة هي نفسها لنفس الفضول المعرفي وتحولت إلى موضوع للفهم و سببا في تأسيس معرفة حول المعرفة ، أي حول المعرفة الإنسانية بصفة عامة ، والمعرفة العلمية على وجه الخصوص. و قد تركزت النقاشات بصفة عامة حول دور العقل والتجربة في تأسيس العلم, وحدود كل منهما …
في موضوع التجريب ما يهمنا هو الفرق بن التجربة العامية اليومية ذات البعد الإنطباعي و التجريب العلمي المنضبط لأصول صارمة و منهج دقيق و منشإ من طرف العالم داخل المختبر.
ثم تطور العقلانية العلمية و التحولات التي عرفتها منذ المرحلة الكلاسيكية والتحول الذي أنتجته حول تصورنا للعالم و الكون و التداعيات الفلسفية لهده الإكتشافات العلمية وتحديد دور التجربة و العقل في الوصول لهاته النتائج.
وكذلك النظرية باعتبارها إنتاجا عقليا خالصا دخلت في نزاع مع التجريب العلمي المستند على خطاب الطبيعة حول أحقية القول العلمي ، وباعتبار النظرية بناءا عقلانيا تجريديا يصعب التحقق منه تجريبيا ، فإن معيار حقيقتها و سلامتها يطرح مشكل التحقق منها . فكيف يمكن التحقق منها و هي النظام التجريدي المتعالي على الواقع المادي المباشر؟

لقد برزت أغلب الإشكالات الفلسفية التي تهتم بالمعرفة العلمية منذ بداية العصور الحديثة ولكن مبحث المعرفة انطلق منذ الفلسفة اليونانية و خصوصا مع ألاطفون ، تمحور هذا المبحث حول كيفية الوصول إلى الحقيقة ومعايير هته الحقيقة وأصولها ...إلخ . و يتمحور اهتمامنا نحن حول الفرق بين الرأي أو كما يسميه أفلاطون الظن و الحقيقة المبنية على أسس مضبوطة .
كما أن معيار الحقيقة يطرح إشكالا مهما : هل تتأسس بالإعتماد على التجربة أم على العقل المنطقي المتعالي على التجربة الحسية المباشرة ؟ وأخيرا ما قيمة الحقيقة و ما القيم التي يجب أن تستند عليها وهل تمتلك قيمة في ذاتها أم قيمة نسبية مرتبطة بتحقيقها لأغراض نافعة للإنسان؟

النظرية و التجريب

المجال الإشكالي
إن العلم كمعرفة بشرية يتميز بخصوصيية الضبط و الإنضباط لمنهج صارم ومحسوب و مراقب من طرف العالم و الهيئات العلمية و مجالات معرفية أخرى كالفلسفة من خلال مبحث الإبستيمولوجيا أساسا . إن خاصية المعرفة العلمية أنها تفكر في موضوعها بشكل صارم أما لمعرفة العمية فإنها تعتمد الصدفة و العشوائية و الإعتماد على الإنطباع كما أنها مخترقة من طرف خليط من المعارف الغير المتجانسة و وفق نظام غير منطقي و غير عقلاني , لذلك فالأسئلة التي يمكن أن نطرحهاهي:
ما هي طبيعة التجرة العامية؟ وما دورها في تاريخ العلم؟ وما طبيع المعرفة العلمية و ماهي شروطها وهل هي معطى طبيعي خام أم انها تنشأمن طرف العالم وبالتالي من خلال العقل و ما الحدث العلمي ؟
ثم نطرح السؤال حول طبيعة العقلانية الكلاسيكية من الإكتشافات التي توصلت إليها و الأفكار الفلسفية التي أطرتها و النقاش الفلسفي الذي رافق هاته المعرفة ثم التحولات التي عرفتهاوأنتجت عقلانية معاصرة أقل غلوا و أكثر نسبية في مقاربتها للمعرفة العلمية بصفة عامة
I-التجربة والتجريب

يتفق العلماء على ضرورة التمييز بين التجربة العادية و التجربة العلمية أو التجريب ، لكن يختلفون حول حقيقة التجريب وعلاقته بكل من الواقع والخيال . فما دلالة الفرق بين التجربة والتجريب ؟ وهل التجريب انفتاح على الواقع أم على الافتراضي و الخيالي ؟
مع بداية تطور المعرفة العلمية التجريبية في العصر الحديث ُطـرح التساؤل،بأيهما تبتدئ المعرفة الإنسانية هل بالتجربة أم بالنظرية؟ يمكن أن نميز بين التجربة أو المعرفة التجريبية والإدراك الحسي أو الحدوس الحسية المباشرة:يرى عالم الفيزياء جاليلي أن الحديث عن التجربة العلمية تقتضي ثلاث شروط أساسية وهي:
1) أن تكون مجهزة
2) أن تكون مصطنعة
3) أن تكون مكممة .
الاتجاه الرافض للتجربة يمثله الفيلسوف سبينوزا الذي يمنحها دورا هامشيا في بناء المعرفة ، حيث يرى أن المبدأ المحدد والخاضع للبرهنة الصحيحة بفضل المنهاج الرياضي هو وحده القادر على تحديد صدق التجربة وعدم خداعها لنا، فالتجربة هي في أفضل أحوالها وصفية، ومساعدة للنظرية ، لأن التجربة لا تقودنا إلى جوهر الأشياء .
كلود برنار :
الفرضية حقل للقاء بين الملاحظة التجريبية والنظرية
لقد حاول كلود برنار أن يضع حدا لهذا الجدل بين العقلانيين الذين يؤكدون دور النظرية والتجريبيين الذين يؤكدون أهمية التجربة . وذلك بأن اقترح مفهوم الفرضية كحقل للقاء بين الملاحظة التجريبية والنظرية. فالمعرفة تنطلق من الملاحظة الخالصة و القائمة على افتراض نظري، هذا الأخير يمكن فحصه عن طريق التجربة وهو ما أسس لمفهوم النظرية التجريبية: التي يمكن أن نمثل لها بالشكل التالي: الملاحظة ــ الفرضية ــ التجربة
يتبين أن الفرضية هي فكرة يقترحها العالم لتفسير بعض الظواهر العلمية ولها دورين أساسيين :
- من جهة للفرضية دور نقدي اتجاه شروط الملاحظة، فهي تهيئ الشروط لإقامة تجارب مغايرة انطلاقا من فرضيات نظرية لا تدعي أن تكون نهائية وتامة، ولكنها لا تعني أنها غير مؤكدة .
- من جهة ثانية فالفرضية هي تركيب نظري وتقني يدمج الملاحظات في التجربة، وهذه يجب فحصها بفضل طبيعة الملاحظات المستعملة في تجميع المعطيات من الواقع، فالفرضية هي تحويل للمعطيات التي يتم الانطلاق منها كمعطيات أساسية للنظرية .
انطلاقا من المساهمة الفكرية لكلود برنار يمكن القول أن التجربة العلمية ليست الملاحظة الحسية ولكن هي ابتكار واقتراح لتطوير المعرفة العلمية، لأنها فحص للفرضية .
روينه طوم :
لا وجود لفرضية بدون وجود شكل من أشكال النظرية
يعتقد أن واقعة تجريبية لا يمكن أن تكون علمية إلا إذا استوفت شرطين أساسين :
- أن تكون قابلة لإعادة الإنشاء وفق بروتوكول تجريبي واضح.
- أن تثير الواقعة اهتماما تطبيقيا يتمثل في الاستجابة لحاجات بشرية ، واهتماما نظريا يجعل البحث يندرج ضمن إشكالية علمية قائمة.
في هذه الحالة ، يكون الهدف من التجريب هو التحقق من صدق أو صحة فرضية ما : فمن أين تأتي الفرضية ؟
لا وجود لفرضية بدون وجود شكل من أشكال «النظرية"...ويتعلق الأمر بالعلاقات السببية التي تربط السبب بالنتيجة. وتهدف التجربة إلى إثباتها أو تكذيبها..غير أن التجريب وحده عاجز عن اكتشاف سبب أو أسباب ظاهرة ما . ففي جميع الأحوال ينبغي إكمال الواقعي بالخيالي. وهذه القفزة نحو الخيالي هي أساسا عملية ذهنية لا يمكن لأي جهاز آلي أن يعوضها.فلا يمكن للتجريب ليكون علميا و ذا مغزى، أن يستغني عن التفكير، غير أن التفكير عملية صعبة تنفلت من كل رتابة ومن كل منهج.
الكسندر كويري:
التجربة الخام شكلت عائقا في وجه التطور العلمي
أما كويري فيؤكد على أن التجربة الخام شكلت عائقا في وجه التطور العلمي و لم تلعب أي دور في بناء المعرفة العلمية، أما التجريب وهو المسائلة العلمية للظواهر الطبيعية التي تفترض لغة رياضية و قاموسا يتيح التأويل هو الذي مكن العلم من التطور في فهم هده الظواهر .
ويؤكد على أن تجاوز تصور الكوسموس الأرسطي واستبدال المكان المجرد بالمكان الملموس هو الذي سمح بالقطيعة بين الفكر العلمي القديم و الكلاسيكي.
دافيد هيوم :
تقوم المعرفة كليا على التجربة
لا يرى دافيد هيوم فقط أن كل معرفة ينبغي أن تبتدئ مع التجربة، ولكن على المعرفة أن تقوم كليا على التجربة. فما يمكن ملاحظته هي الظواهر التي لا يمكن تفسيرها، وهو بذلك يرفض الفكرة القائلة إن المعرفة لا يمكن أن تقوم حول الجواهر التي هي مبدأ الوجود، فلا شيء يمكن معرفته قبليا أي قبل المعرفة القائمة على التجربة.

II.العقلانية العلمية :
بين العقل و التجربة ، بين الانسجام المنطقي الداخلي للنظرية ومطابقتها للواقع تمتد المسافة المعبرة عن إشكالية أساس العقلانية العلمية. فإذا كان العقل هو أداة بناء النظرية، فإن الواقع هو موضوعها. وإذن ما أساس العقلانية العلمية ؟ هل هو العقل ، أم التجربة، أم حوار بين العقل والتجربة؟وما هي المراحل التي قطعتها المعرفة العلمية والقطائع التي مرت بها؟ وما هو مفهوم العقل في التصور العلمي الحديث؟ هل للعقل محتوى سابق كما أكد على دلك التصور الكلاسيكي أم ليس إلا فعالية و نشاط بدون أي محتوى سابق؟ وهل هو عقل خارج التاريخ أم ينطبع بسمات كل مرحلة تاريخية وكل عصر...؟
هانز رايشنباخ :
النزعة الصوفية والنزعة الرياضية :
إن المعرفة العلمية يتم التوصل إليها باستخدام مناهج معقولة لأنها تقتضي استخدام العقل مطبقا على مادة ملاحظة . غير أنها ليست عقلانية ، إذ أن هذه الصفة لا تنطبق على المنهج العلمي ، و إنما على المنهج الفلسفي الذي يتخذ من العقل مصدرا للمعرفة التركيبية المتعلقة بالعلم ، ولا يشترط ملاحظة لتحقيق هذه المعرفة .إن العالم الرياضي حين يدرك مدى نجاح الاستنباط المنطقي في مجال لا يحتاج إلى التجربة...تكون النتيجة نظرية للمعرفة تحل فيها أفعال الاستبصار العقلي محل الإدراك الحسي ، ويُعتقد فيها أن للعقل قوة خاصة به، يكتشف بواسطتها القوانين العامة للعالم الفزيائي .وعندما يتخلى الفيلسوف عن الملاحظة التجريبية بوصفها مصدرا للحقيقة ، لا تعود بينه وبين النزعة الصوفية إلا خطوة قصيرة. فإذا كان في استطاعة العقل أن يخلق المعرفة ، فإن بقية النواتج التي يخلقها الذهن البشري يمكن أن تُعد بدورها جديرة بأن تُسمَّى معرفة. ومن هذا المفهوم ينشأ مزيج غريب من النزعة الصوفية والنزعة الرياضية.
ألبير إنشتاين :
دور العقل في المعرفة العلمية
إذا كانت التجربة هي مبتدأ ومنتهى معرفتنا بالواقع ، فأي دور تبقيه للعقل في مجال المعرفة العلمية ؟ إن أي نسق كامل في الفيزياء النظرية يتألف من مفاهيم و قوانين أساسية ، ويتيح ربط هذه المفاهيم بالنتائج النظرية التي تترتب عليها، بواسطة الاستنباط المنطقي . وتلك النتائج هي التي يجب أن تتوافق مع تجاربنا الخاصة ...
وبهذا النحو تتحدد منزلة كل من العقل والتجربة. العقل يمنح النسق بنيته . أما معطيات التجربة فينبغي آن تتناسب مع نتائج النظرية تناسبا تاما. إن البناء الرياضي الخالص يمكننا من اكتشاف المفاهيم و القوانين و التي تمنحنا مفتاح فهم ظواهر الطبيعة . ويمكن للتجربة أن توجهنا في اختيارنا للمفاهيم الرياضية التي يتعين استعمالها ، إلا أنها لا يمكن أن تكون هي المنبع الذي تصدر عنه تلك المفاهيم . ولئن ظلت التجربة معيار المنفعة الوحيد لبناء رياضي في مجال الفيزياء ، فإن المبدأ الخَلاَّق في العام لا يوجد في التجربة ، بل يكمن في الرياضيات ، إذن فالفكر الخالص قادر على فهم الواقع .
جان بيير فيرنان:
العقل تاريخي
يرى فيرنان أن العقل هو ابن التاريخ وهو نسبي خاضع للشروط التاريخية التي ينتمي إليها فما يطلق عليه عقل هو أنماط معينة من التفكير تتغير حسب العصور و حسب المواضيع التي تفكر فيها، ويؤكد على انه ليس للعقل أية طبيعة مطلقة.
محمد أركون
المراحل الثلاث
أما محمد أركون فانه يسجل بأن العقل العلمي مر بثلاث مراحل:
-عقل لاهوتي قروسطوي
-عقل علمي كلاسيكي أمن للغرب تفوقه
- والآن يمر الغرب الى العقل النسبي النقدي متجاوزا العقل الكلاسيكي المعتمد على اليقينيات المطلقة.
وهدا ما يذهب إليه روني طوم حينما يؤكد على أن العقل العلمي الكلاسيكي اعتبر مع ديكارت أن العقل هو مطابق للعقل الإلهي وبالتالي فهناك مطابقة ضرورية بين العقل و العالم الطبيعي، إلا أن كانط تجاوز هدا حيث و اعتبر أننا لا يمكن أن نعرف العالم إلا من خلال ما تسعفنا به قدراتنا العقلية القبلية المتمثلة في المقولات القبلية السابقة في دهننا وبالتالي فكانط اخضع العالم و التجربة للعقل .
غير ان كانط و ديكارت يتفقان على أن العقل يحتوي على معطيات عقلية سابقة وهو ما تنفيه العقلانية العلمية المعاصرة التي تعتبر العقل ليس إلا دينامية أو نشاط أو فعالية بدون أي محتوى سابق أو قبلي
غاستون باشلار :
أساس العقلانية العلمية حوار بين العقل و التجربة :
ينتقد باشلار كل من النزعتين التجريبية و العقلانية ، ويرفض اعتبار الواقع المصدر الوحيد لبناء النظرية العلمية ، كما يرفض اعتبار العقل مكتفيا بذاته في بناء هذه النظرية . ويرى أنه لا يمكن تأسيس العلوم الفيزيائية دون الدخول في حوار فلسفي بين العالم العقلاني و العالم التجريبي ينبني على يقين مزدوج :
أولا : يقين بوجود الواقع في قبضة ما هو عقلي ، فيكون بذلك مستحقا لاسم الواقع العلمي
ثانيا : يقين بأن الحجج العقلية المرتبطة بالتجربة هي من صميم لحظات هذه التجربة
إن هذا اليقين المزدوج لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار فلسفة لها نشاطان يُمارسان عبر حوار دقيق و وثيق بين العقل و الواقع بحيث يصبح من المطلوب أن يتموقع العالِم في مركز يكون فيه العقل العارف مشروطا بموضوع معرفته ، وبحيث تكون فيه التجربة تتحدد بشكل أدق .
?? III- معايير علمية النظريات العلمية
من المفروض أن ترتبط كل نظرية بالواقع الذي تتولى وصفه أو تفسيره ، غير أن الطابع التركيبي للنظرية يجعل من المستحيل تقريبا التحقق من صدقها أو كذبها بواسطة التجربة . فما معيار صدق النظرية؟ هل هو انسجامها الداخلي؟ أم قابليتها للاختبار التجريبي ؟ وما قيمة تعدد الاختبارات ، وقابلية النظرية للتكذيب أو تأكيد صدقها ؟
إن الواقع الذي يدرسه العلماء هو واقع مبني وليس معطى لإدراكنا الحسي المباشر، و معنى ذلك أن الفرضية العلمية لا تنطلق من الأحداث الملاحظة ، ولكن من الشروط الصورية للملاحظة، فبناء فرضية يقتضي تفسيرا و تحديدا دقيقا لتغيير الشروط الشكلية، فالفرضية تقتضي تجربة مثالية أو ( متخيلة) لتأكيدها عبر تحققها، واستعمال الميكروسكوب ليس امتدادا للعين كما يقول باشلار ولكنه امتداد للفكر المبدع عبر قلب وسائل الإدراك والملاحظة. و بعض التجارب المثالية لإينشتاين يمكن تمثلها بشكل أفضل في الهندسة اللاأوقليدية حيث لا وجود للخط المستقيم( هندسة ريمان). كما أن ثورة كوبرنيك المشهورة قبل أن تصبح نظرية ، قد عملت على تغيير معطيات الملاحظة الفلكية فأنتج تصورا مخالفا للواقع الفلكي .
إذا كانت التصورات العلمية السابقة تجعل من التجربة وسيلة لفحص صدق وصلاحية النظرية فإن التطورات العلمية المعاصرة وخاصة في الميكروفيزياء فد قلبت هذه المعادلة بحيث أصبحت النظرية هي التي تفحص صلاحيات التجربة. باعتبار أن الفرضية هي نظرية غير مكتملة، و العودة إلى التجربة لا يعني التحقق التجريبي من النظرية ولكن كما يقول كوايرى الفحص النظري للتجربة.
دوهيم
معيار صلاحية النظرية هو التجربة :
يرى دوهيم أن التجربة هي منبع النظرية بحيث تشكل نقطة انطلاق النظرية العلمية ، منه تستمد معطياتها المصاغة صياغة كمية ورمزية رياضية في صورة معادلات ودوال . كما أن التجربة تشكل نقطة الوصول بالنسبة للنظرية العلمية ، إذ بواسطتها يتم التحقق من صدق أو صلاحية النظرية أو كذبها. هذا موقف العلماء التجريبيين حيث يعتبرون أن معيار صلاحية النظرية يتحدد في مطابقتها للواقع من خلال القوانين التجريبية .
. يقول ستيفن هوكينغ " لم أسمع عن أي نظرية كبرى قد طرحت على أساس التجربة فحسب، فالنظرية هي التي تأتي دائما أولا،وتطرح بسبب الرغبة في الحصول على نموذج رياضي رائع ومتسق. ثم تعطي النظرية تنبؤات، وهذه يمكن اختبارها بالملاحظة، وإذا اتفقت الملاحظات مع التنبؤات فإن هذا لا يبرهن على النظرية، وإنما تظل النظرية باقية لتصنع تنبؤات جديدة، تختبر مرة أخرى بالملاحظة. وإذا لم تتفق الملاحظات مع التنبؤات نتخلى عن النظرية
كارل بوبر
النظرية العلمية هي النظرية القابلة التكذيب:
تبدو هذه القولة تلخيصا لنظرية كارل بوبر المنهجية يقول بوبر:
" بدأ عملي في الفلسفة منذ خريف 1919 ، حينما كان أول صراع لي مع المشكلة التالية: متى تصنف النظرية على أنها علمية؟ وهل هناك معيار يحدد الطبيعة أو المنزلة العلمية لنظرية ما؟ ولم تكن مسألة متى تكون النظرية صادقة قد أقلقتني آنذاك؟ و لا متى تكون مقبولة؟ كانت مشكلتي شيئا مخالفا إذ أردت أن أميز بين العلم والعلم الزائف /شبه العلم. وأنا على تمام الإدراك أن العلم يخطئ كثيرا، والعلم الزائف قد تزل قدمه فوق الحقيقة ."
لقد قلب كارل بوبر معادلة التجربة والنظرية فبعد أن كانت التجربة تستعمل من أجل التحقق من النظرية وصدقها ، فإنها أصبحت تستعمل للتفنيد والتكذيب، باعتبار أن توفير ألف حالة لا تثبت النظرية، ولكن بالمقابل حالة نفي واحدة تحسم في القول بكذب النظرية، ولذلك يقول بوبر " لن استطيع الزعم بأن نظريتي لها خاصية النظرية التجريبية ، إلا إذا كنت أستطيع أن أقول كيف يمكن تفنيد نظريتي أو تكذيبها . هذا المعيار للتمييز بين النظريات التجريبية والنظريات اللاتجريبية هو المسمى معيار القابلية للتكذيب أو معيار القابلية للتفنيد أو ما يمكن أن يُطلق عليه معيار القابلية للاختبار و النظرية التي تعرف مقدما أنه لا يمكن تبيان العيب فيها أو تفنيدها لهي نظرية غير قابلة للاختبار ...
بيير تويليي :
معيار صلاحية النظرية هو تعدد الاختبارات :
ينتقد تويليي النزعة التجريبية ويعتبرها نزعة اختزالية تبسيطية إذ القول بأننا نستنبط من النظرية نتائج قابلة للتحقق التجريبي ، بوضعها مباشرة تحت الاختبار ، أمر مبسط جدا ويصعب تصديقه. فالتحقق التجريبي في نظره لا يعطي دلائل قطعية ، وإنما يعطي فقط تأكيدات غير مباشرة وتكون جزئية ومعرضة دائما للمراجعة. لكن بفضل تنوع الاختبارات التجريبية والمقارنة بينها ، يكون الفحص أكثر فأكثر تشديدا .
لا يشكل الفحص التجريبي إذن ،إلا فحصا بين فحوص أخرى، ذلك أن اختبارات التماسك المنطقي للنظرية الواحدة أو ما بين نظريات عديدة ، تبقى لها مكانة مركزية في التكوين الفعلي للعلم .


خلاصة :

- إن التجريب هو انفتاح على الواقع وعلى الخيالي وعلى الافتراضي ذلك أنه عندما يستحيل التجريب الواقعي يتم اللجوء إلى التجربة الذهنية الخيالية
- إن أساس العقلانية العلمية يتراوح بين العقل والتجربة أو بين الحوار بينهما لأنه لا وجود لنظرية علمية عقلية خالصة ، كما أنه لا وجود لتجربة علمية مستقلة عن العقل .و من ثمة فإن انغلاق النظرية على ذاتها هو فناؤها ، كما أن انغلاق العقل على ذاته هو عزلته ونهايته .
- إن تعدد معايير صدقية النظريات العلمية يرجع بالأساس إلى تعدد وتنوع التصورات الفلسفية . وكل تصور يبقى منسجما مع منطق نسقه المذهبي.


جمال لحبيشي

 

(0) تعليقات
Visiteurs : 106302 :: Aujourd'hui : 48 :: En ligne : 7