محمد عابد الجابري

فيلسوف




2010-05-06

yyy


ياسين العماري
أجمع عدد من الشخصيات المغربية أن محمد عابد الجابري لم يكن مفكرا شامخا بل كان فيلسوفا متميزا، قدم الكثير للفكر العربي، وفي ما يلي بعض شهادات مقتضبة:
حسن أوريد مؤرخ المملكة المغربية (منصب رسمي في الديوان الملكي):
هو من رواد النهضة الفكرية وسعى إلى «تبيئة» الفكر العربي وتفكيك بنيته، اقتفى محاولة فوكو في مسألة «أركيولوجية» الفكر، وسعى لتبيئة المدرسة الاستشراقية في قراءته للقرآن. يعتبر الجابري امتدادا لرواد نهضة الفكر العربي، وصيته تجاوز المغرب إلى العالم العربي، هذا في الوقت الذي انقشع واندحر فيه العلم والفلسفة، وهو آخر الفرسان الذين رفعوا مشعل الفلسفة.

وفيما يخص إسهامه الصحافي، محمد عابد الجابري قام بإخضاع أحداث ساخنة إلى دراسة تاريخية. فقد كان مواظبا على تتبع مجريات الأحداث وكان يترفع على قراءتها قراءة ساخنة، ومن دون شك أثر الجابري في المشهد الثقافي المغربي والعربي رغم أنه ينتمي لمدرسة سياسية معينة وأفكاره أثارت جدلا أحيانا إلا أنه في جميع الحالات يشكل قيمة كبيرة في المشهد الثقافي المغربي.

رحمة بورقية رئيسة جامعة الحسن الثاني المحمدية:
كانت صدمتي كبيرة حينما تلقيت خبر وفاة الكاتب محمد عابد الجابري، لقد تعرفت عليه في شعبة الفلسفة وعلم النفس والاجتماع بالرباط. أستاذ متميز، أطر أجيالا كثيرة من تلاميذه الذين أصبحوا بدورهم فلاسفة ومفكرين كبارا. كان فيلسوفا متميزا على المستويين العربي والدولي، وتميز بتنقيبه وبحثه الدائمين في التراث الإسلامي. ألف الكثير من الكتب التي تهتم بالتراث العربي، والتي أصبحت مرجعا للباحثين والمفكرين على الصعيد العالمي، وفاته خسارة كبيرة للفكر المغربي، وبوفاته فقدنا مفكرا كبيرا.

كمال عبد اللطيف أستاذ الفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط:
فقد المغرب بموت الأستاذ الجابري عالما امتاز بحضوره المتنوع والمتعدد في فضاء الفكر والسياسة والبحث العلمي داخل المغرب وخارجه، تميز الجابري بحضوره التنويري طيلة 4 عقود من الزمن، ومارس بواسطة هذا الحضور دورا بارزا في المجتمع وداخل رحاب الجامعة المغربية، وبلغ إشعاعه إلى أقصى العالم. تميز عطاؤه بأمرين: أولا عنايته بالفكر الفلسفي، إذ يعتبر دون جدال واحدا من أكبر الذين أسهموا في ترسيخ قيم الفلسفة، وأسهمت مصنفاته في تقديم ومناقشة الكثير من المذاهب والتيارات والمفاهيم الفلسفية. وثانيا يتمثل في أطروحاته المثيرة للجدل ومواقفه من التراث، فقد كان الرجل قارئا نهما لكتب التراث، وشكلت أطروحته «نقد العقل العربي» مناسبة لبلورة قراءة جديدة في مقاربة الظواهر التراثية خلال مدة 4 عقود من الزمن. من بين سمات الرجل انخراطه في الحركة اليسارية منذ ستينات القرن الماضي، كان فاعلا ومؤثرا وصاحب رأي، ومن فضائله أيضا في هذا الباب عدم قدرته على إقصاء البعد الأخلاقي في الممارسة السياسية، وقد ظل حريصا على استحضار المكون الأخلاقي حتى عند اعتزاله للعمل السياسي واكتفائه بترسيخ ثقافة التنوير والنقد في الفكر العربي المعاصر.

لحسن العسيبي صحافي وكاتب مغربي من طلابه:
هذا رجل بنى مشروعا فكريا هائلا في العالمين العربي والإسلامي غير مسبوق خلال القرون الأربعة الأخيرة. فمنذ ابن خلدون لم ينتج العرب نظرية معرفية في حجم ما أنتجه الجابري حول «العقل العربي». وهو مشروع مفتوح على المستقبل وسيبقى أثره متواصلا لعقود من الزمن. إن ذلك ما يجعلني اليوم، أنا الذي أعتز بأنني احتككت به لسنوات وأنتمي لجيل عايشه مباشرة، أراه جالسا إلى جوار ابن رشد والفارابي وابن سينا، في ذاكرة التاريخ. إنه هرم كبير قد رحل، وفداحة غيابه كبيرة جدا. > عبد الرحيم العلام نائب الأمين العام لـ«اتحاد كتاب المغرب»:

لقد كان مفكرنا الراحل أحد مؤسسي الدرس الفلسفي في جامعتنا، كما أسهم منذ عقود خلت في تحديث الحقل الفكري والفلسفي، وتطويره، والإضافة إليه، سواء في المغرب أو في العالم العربي، عبر مصنفاته ومؤلفاته وآرائه وطروحاته المؤثرة والمضيئة، وقراءاته الكثيرة في التراث الفلسفي، والفكر الخلدوني، ونقد العقل العربي، والنص القرآني، وأيضا عبر حضوره الوازن في الحقل الفكري والفلسفي العربي والإسلامي والعالمي. فإليه أيضا يرجع الفضل الكبير في تخريج الكثير من المفكرين والفلاسفة الجدد في بلادنا وخارجها.

" الشرق الاوسط "
http://www.3almani.org/spip.php?article8791

 

(0) تعليقات
2010-03-16

yyy

بينا في المقالين السابقين الفرق بين مفهوم «الغيرية» في الفكر الأوروبي من جهة والفكر العربي الإسلامي من جهة أخرى. وقد أبرزنا كيف أن مفهوم «الغيرية» في الفكر العربي الإسلامي لا يعني أكثر من مجرد «الاختلاف»، مع التأكيد على أنه مهما اتسع الاختلاف وتعمق بين الأغيار، فـ «الآخر» (أو الغير) لا ينظر إليه على أنه ضروري للوعي بالذات، (=ضروري لـ«الأنا»)، كما هو الحال في الفكر الأوروبي؛ وإنما على أنه مختلف عن الأنا، على هذه الدرجة أو تلك من الاختلاف، وبالتالي فالموقف منه يتحرك من موقف المودة والأُخُوّة والولاء (أي النصرة)، إلى موقف الإعراض ثم البراءة.



هذا من جهة، ومن جهة أخرى أبرزنا أن القرآن الكريم يتحرك، على مسار ترتيب النزول، من موقف المساواة بين الأغيار، مؤكدا أن أمْر التفاضل بينهم، أعني بيان الموقف الصحيح من غير الصحيح يرجع إلى الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا (المسلمون)، وَالَّذِينَ هَادُوا (اليهود)، وَالصَّابِئِينَ، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوسَ، وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (الحج 17). وما ينبغي لفت النظر إليه هنا أن سورة الحج التي منها هذه الآية، هي آخر سورة نزلت بمكة، أو أنها نزلت بينما كان الرسول عليه السلام في الطريق مهاجرا إلى المدينة. ونزولها في هذا التوقيت بالذات مرتبط بالوضعية الجديدة التي كانت سائدة في المدينة من حيث تعدد المرتبطين، بشكل ما، بالديانات السماوية وغير السماوية؛ ومن هذا الاعتبار تكون الآية المذكورة بمثابة تنبيه للمسلمين إلى عدم الدخول في منازعات، حول صحة أو عدم صحة هذا الاعتقاد أو ذلك، وبالتالي تطلب منهم ترك الأمر إلى الله الذي وحده سيفصل يوم القيامة بين الدين السماوي الصحيح وبين الأديان التي داخلها تحريف. ومما يزكي هذا الفهم أن سورة العنكبوت، التي نزلت والنبي وصحبه يتهيأ للهجرة، توصي بالتعامل مع أهل الكتاب بالتي هي أحسن. قال تعالى: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (العنكبوت 46).

واضح إذن أن «الغيرية» في القرآن لا تعني أكثر من مجرد الاختلاف، وأنه من حيث المبدأ، لا شيء هنا يقرر الكراهية لـ«الغير» أو النفور منه أو احتقاره أو اعتباره على خطأ، بل كل ما يقرره القرآن، انطلاقا من هذا المبدأ، هو الدعوة إلى الحوار، إلى الجدال بالتي هي أحسن، إلى إفهام أهل الديانات السماوية الأخرى أن الدين المنزل من عند الله واحد، يوحد ولا يفرق : «وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (العنكبوت 46). وهذا هو منتهى التسامح في الدين، التسامح مع من ينتمون إلى الديانات السماوية المختلفة؛ إنه تسامح يتجاوز الحوار والاعتراف المتبادل إلى التماهي في القضية الأساسية قضية التوحيد.

أما الذين يتظاهرون بالإسلام وفي نفس الوقت يتواطأون مع خصومه فيتولونهم (ينصرونهم) ويتآمرون معهم لإيذاء المسلمين، (وهم بتعبيرنا المعاصر الجواسيس والخونة)، فالقرآن يدعو إلى أخذ الحيطة منهم، وعدم الثقة فيهم، ولكن دون التنصيص على عقوبة دنيوية ضدهم، فعقوبتهم هي عقوبة حلفائهم الكافرين، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (التحريم 9)، والمعنى، كما يقول المفسرون: «جَاهِدِ الْكُفَّار بالسيفَ، وَالْمُنَافِقِينَ بالوعيد واللسان»، ولم يأمر القرآن لا بتكفيرهم ولا بنبذهم، ولم يعلن البراءة منهم، لأنهم حصَّـنوا أنفسهم بإظهار الإسلام.

وتبقى البراءة خاصة بالمشركين الذين هم في حالة حرب معلنة مع الرسول ونقضوا عهودا أبرموها معه. وهذه البراءة جاءت على سبيل المعاملة بالمثل، مع إعلانها على الملأ في الحج حتى يعلم بها الجميع، فتنتفي تهمة الخداع أو الأخذ على غرة. وأكثر من ذلك منحتهم مدة معينة يتحركون خلالها دون أن يتعرضوا لشن الحرب عليهم. وصنفهم صنفين: فالذين نقضوا المعاهدة التي أبرمها الرسول معهم أمهلوا أربعة أشهر فإن تابوا قبل انصرافها فهو خير لهم، وإلا عرَّضوا أنفسهم للحرب. أما الصنف الثاني فهم المشركون الذين حافظوا على المعاهدة التي أبرمها معهم الرسول لأجل معين، فهؤلاء أمر القرآن المسلمين بأن يتركوهم حتى ينقضي ذلك الأجل. «وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلّم والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم وترك مظاهرة عدوّهم عليهم» (الطبري).

يتضح مما تقدم أنه لا أصل في القرآن لبعض الآراء المنتشرة اليوم في بعض الأوساط والتي تتحدث عن هذين المفهومين الإسلاميين الأصيلين، المبنيين على روح التسامح كما رأينا، حديثا يقع خارج السياق الذي وردا فيه في الذكر الحكيم. من هذه الآراء قول بعضهم : «معنى الولاء : هو حُب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم. والبراء : هو بُغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين، من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق». ومع أن مجمل معنى هذا القول يمكن إسناده بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وردت في سياقات مختلفة فإن استعمال لفظ «الحب» والبغض» هنا، مقرونا بـ»المبتدعة»، يفسح المجال لصرف معنى الولاء إلى صاحب «الرأي الموافق» ومعنى البغض إلى صاحب «الرأي المخالف»، داخل الدائرة الإسلامية نفسها. الشيء الذي قد يتسبب في فتنة. وفي التاريخ الإسلامي فتن كثيرة تستظل بمثل هذا الفهم للولاء والبراء، الفهم «المطلق» غير المقيد لا بسياق الآيات التي تحدثت عنهما ولا بظروف نزول هذه الآيات. وبعبارة أخرى إن مثل هذا الفهم «المطلق» لمسألة الولاء والبراء يتجاهل تماما ما تنطوي عليه تلك الآيات من روح التسامح الذي أبرزناه أعلاه.

أما إدخال بعضهم في معنى الولاء للكفار أمورا لا علاقة لها بالموضوع أصلا فشيء لا يقبله النص القرآني ولا التأويل الصحيح. من هذه الأمور التي يقحمونها إقحاما في معنى الولاء للأعداء قولهم: «التشبه بهم في اللباس والكلام، والإقامة في بلادهم، وعدم الانتقال منها إلى بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين، والسفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس، واتخاذهم بطانة ومستشارين، والتأريخ بتاريخهم خصوصًا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي، والتسمي بأسمائهم ومشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها، ومدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة، والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون النظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد» الخ.

وبعد، فهاهنا خلط بين ما هو من العادات وما هو من العبادات، بين ما هو من قواعد السلوك المتعارف عليه بين الدول والشعوب، وهو من ميدان المباح من جهة، وبين ما هو سلوك ديني، وجهُ التحريم واضحٌ فيه من جهة أخرى. لنرفع هذا الخلط بقراءة قوله تعالى: «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (الأعراف 32-33).

كاتب مغربي

عن الصباح

http://www.assabah.com.tn/article.php?ID_art=31758

 

(0) تعليقات
2010-03-09

yyy


من «آداب الحرب» أو أخلاقياتها- التي أولاها الفقهاء عناية خاصة، ما يخص تصرفات المسلمين أثناء الحرب مع أعدائهم الكفار، مثل : من يُقتَل ومن لا يُقتَل، وما يجوز إتلافه وما لا يجوز الخ. كل ذلك نظمته أحاديث كثيرة وأفعال صدرت من النبي عليه السلام والصحابة وبنى عليها الفقهاء حكم الشرع فيها. من ذلك ما روي عن النبـي (ص) من أنه نهى عن قتل النساء والصبـيان فـي دار الـحرب.



واعتمد الفقهاء هذا الحديث في فهم قوله تعالى: «وَقَاتِلُوا فِـي سَبِـيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» (البقرة -190)، فقالوا : إن من لا يشارك من الكفار في قتال المسلمين أثناء الحرب مع عدوهم لا يجوز قتله، حتى ولو كان موجودا في ساحة الحرب، مثل النساء والصبـيان؛ وأضاف الإمام مالك والإمام أبو حنيفة : الأعمى والـمعتوه والـمقعد وأصحاب الصوامع (رجال الدين من غير المسلمين) الذين طينوا (أقفلوا) الباب علـيهم ولا يخالطون الناس. وقال الإمام الأوزاعي : لا يقتل الـحرَّاث والزرَّاع، ولا الشيخ الكبـير، ولا الـمـجنون، ولا راهب، ولا امرأة. وهذا لأن المعروف عادة أن هذه الأصناف لا تشارك في القتال لأنها لا تقوى عليه. والمبدأ هو : لا يجوز قَتْلُ من لا يُقاتِل. «فإذا قاتلت المرأة استبيح دمها» وكذلك الشأن في غيرها ممن ذكر.

ومن ذلك أيضا قول عمر بن الخطاب للجند من المسلمين : «لا تغلوا (لا تخونوا، لا تسرقوا من الغنيمة)، ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا واتقوا الله في الفلاحين». وذكروا أن النبي (ص) وجماعة من أصحابه مروا على امرأة مقتولة فوقف رسول الله عليها ثم قال : «ما كانت هذه لتُقْتَل، ثم نظر في وجوه القوم فقال لأحدهم: إلحق بخالد بن الوليد (قائد الجيش) فلا يقتلن ذرية (صبيانا) ولا عسيفا (أجيرا) ولا امرأة».

أما تحريق العدو بالنار أثناء الحرب فقد رووا في شأنه حديثا عن النبي قال فيه : «ولا تحرقوا بالنار، فإنه لا يُعذِّب بالنار إلا ربُّ النار». أما قطع الشجر والثمار وتخريب العامر (البيوت والمنازل وسائر مظاهر العمران) وقتل المواشي وتحريق النخل فقد عبر كثير من الفقهاء عن كرههم لذلك : فقد كره الأزاعي قطع الشجر المثمر وتخريب العامر، كنيسة كان أو غير ذلك. ويروى عن أبي بكر: «لا تقطعُن شجرا ولا تخربُن عامرا».

ومن الكلمات التي هي من قبيلا جِماع القول في أخلاقيات الحرب في الإسلام وصية النبي عليه السلام لعبد الرحمن بن عوف حين أرسله إلى دومة الجندل، فقال: «اغزوا جَميعاً في سَبيلِ اللَّهِ فقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ باللَّهِ، وَلاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تُمَثِّلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيداً فَهذا عَهْدُ اللَّهِ وَسِيرَةُ نَبِيِّهِ فِيكُمْ».

1- أما الغلول (لا تغلوا) فهو أن يسرق المحارب من الغنيمة ويخفي ما سرق، وقد شدد القرآن القول في ذلك فقال تعالى: «ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة» (آل عمران: 161).

2- أما الغدر بالعدو وأخذه غيلة فقد نهى عنه القرآن بصريح النص أيضا. قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ (غدّار) كَفُورٍ» (الحج 38). قال القرطبي : «رُوي أنها (هذه الآية) نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة؛ أراد بعض مؤمني مكة أن يَقتل مَن أمكنه من الكفار ويغتالَ ويَغْدِر ويحتال؛ فنزلت هذه الآية إلى قوله: «كفورٍ». فوعد فيها سبحانه بالمدافعة عنهم ونهى أفصح نهي عن الخيانة والغدر». وقد جاء في سورة «الأنفال» التشديد في الغدر والاغتيال، فقال تعالى : «وَإِمَّا تَخَافَنَّ (تعلمن) مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ» (الأنفال 58). ومعنى الآية : إذا ظهر لك، من عدوك الذي بينك وبينه عقد هدنة، ما يدل على أنه يُبيِّت لنقض العهد والغدر بك، فبادر إلى إخباره بأنك لم تعد ملتزما بذلك العقد وأنك تنوي استئناف القتال ضده؛ إن إخباره بما قررت سيجعله وإياك «على سواء» أي متساويين في العلم بنقض الهدنة، فلا يبقى لهم مجال للإدعاء بأنك غدرت ونقضت العهد، من دون أن تخبرهم.

ورووا أنه «كان بين معاوية والروم عهد وكان يسير نحو بلادهم ليقرُب حتى إذا انقضى العهد غزاهم؛ فجاءه رجل على فرس أو بِرذون وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، (وفاء لا غدرا)؛ فنظروا فإذا هو عمرو بن عنبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشدّ عقدة ولا يحلُّها حتى ينقضي أمدُها أو ينبِذ إليهم على سواء» فرجع معاوية بالناس».

وهذا التشديد في النهي عن الغدر بالعدو لا يتنافى مع قوله عليه السلام «الحرب خدعة». فالمفسرون والفقهاء مجمعون على أن المقصود ليس دعوة المسلمين إلى ممارسة الخداع والغدر بالعدو سواء كانت الحرب قائمة أو خامدة، وإلا كان ذلك إباحة للكذب، و»ليس لأحد أن يعتقد إباحة الكذب، وقد نهى النبي، صلى الله عليه وسلّم عن الكذب نهياً مطلقاً، وأخبر أنه مخالف للإيمان، فلا يجوز استباحة شيء منه... وكذلك الحرب (لا يجوز فيها الكذب على العدو أو غيره)، إنما يجوز فيها المعاريض (الإشارة غير الصريحة) والإبهام بألفاظ تحتمل وجهين، فيوَرِّى بها عن أحد المعنيين ليغتر السامع بأحدهما عن الآخر، وليس حقيقته الإخبار عن الشيء بخلافه وضده» فيكون كذبا صراحا. و»قال ابن العربي: الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين (اختفاء) ونحو ذلك. وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب: بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة، ولـهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو كقولـه «الحج عرفة»، قال ابن المنير: معنى الحرب خدعة : أي الحرب الجيدة لصاحبها، الكاملة في مقصودها، إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر».

3- وأما المُثلة بقتل الأعداء فمعروف أن النبي عليه السلام نهى عنها، روى ابن إسحاق أنه «ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام قط ففارقه، حتى يأمرنا بالصدقة، وينهانا عن المثلة». وقد ورد في القرآن ما يؤسس لذلك، قال تعالى «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ» (نوح 126)،. وقالوا: أحسن الناس قِتْلة: أهل الإيمان. أي الذين يلتزمون بالأخلاق الكريمة التي تميز المؤمن، فلا يعذب المقتول مثلما لا ينبغي أن يعذب الحيوان عند الذبح.

هذا عن أخلاقيات التعامل مع العدو المحارب من غير المسلمين. أما «المحاربون» للمسلمين، داخل دار الإسلام، مثل «الخوارج» الذين خرجوا على الخليفة علي بن أبي طالب رافضين نتيجة التحكيم بينه وبين معاوية، رافعين شعار «لا حكم إلا لله» (وهو الشعار الذي قال فيه علي رضي الله عنه: «كلمة حق أريد بها باطل»)، أقول أما «الخوارج ومن في معناهم» فقد رووا فيهم حديثا ذكره علي ورد فيه: «وإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم يقول: سيخرُج قوم في آخر الزَمانِ أحداث الأسنان (شبان)، سُفهاءُ الأحلام، يقولون من خيرِ قولِ البرية، لا يجاوزُ إيمانهم حَناجِرَهم، يَمرُقونَ من الدِّين كما يَمرُق السهمُ منَ الرَّميَّة (يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الدابة المرمية وهو لا يمسك منها على شيء)، فأَينما لَقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلِهم أجراً لمن قَتَلَهم يومَ القيامة». وفي قتال هؤلاء الخوارج اشترط بعض الفقهاء أن يكون قتالهم «بعد إنذارهم والاعتذار إليهم... ولا يُجهز على جريحهم، ولا يتبع منهزمهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا تباح أموالهم؛ وما لم يخرجوا عن الطاعة وينتصبوا للحرب لا يقاتلون، بل يوعظون ويستتابون من بدعتهم وباطلهم». وبعد فأين هي أخلاقيات الحرب، كما قررها الإسلام، من سلوك هؤلاء وهؤلاء: هؤلاء الذين يقاتِلون داخل دار الإسلام أو خارجها باسم الإسلام (غلاة وخوارج وطوائف الخ)، وهؤلاء الذين يردون فيتجاوزون «المِثل» أضعافا مضاعفة. إنه غياب وازع العقل والدين.

كاتب مغربي

abedjabri@hotmail.com

--------------------------------------------------------------------------------

عن الصباح التونسية

الرابط
http://www.assabah.com.tn/article.php?ID_art=31423

 

(0) تعليقات
2010-02-13

yyy



شمس الدين الكيلاني
مهَّد محمد عابد الجابري لكتابه الجديد «فهم القرآن الحكيم» (صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت 2008)، بمؤلفه السابق «مدخل إلى القرآن» الذي صاغ فيه ممهداته الفكرية والمنهجية، وترك في حينه أصداء واسعة، ثم اتجه لإعادة تفسير القرآن، في كتابه الجديد، على ضوء اقتناعه بأن القرآن يخاطب أهل كل زمان ومكان، وبالتالي يخاطب أهل العصر، وقد اتبع، في ذلك، المنهج ذاته الذي اتبعه في كتابه السابق، مبيناً أن (فهم القرآن) لا يتعلق بمجرد النظر في (النص)، وفي التفسيرات السابقة، بل يجب أن يتم (الفصل) عن تلك التفسيرات، بربطها بزمانها ومكانها، وبحمولاتهما الأيديولوجية، كي يتم (الوصل) بين النص وعصرنا.

فاستعاد الجابري كتب التفسير السابقة، ليستنتج بأن علينا أن نتجاوز مجرد جرد موضوعات القرآن إلى فهم (الكتاب) ككل، وراعى في تفسير معاني القرآن إعادة ترتيب النزول، انطلاقاً من الفصل بين المكي والمديني من السور، ومراعاة معطيات كتب التفسير، وعلوم القرآن والحديث والسياق، ومبدأ: إن القرآن يشرح بعضه بعضاً. استعان الجابري بما يسميه علامات الإفهام، لتمكين القارئ من مرافقة النص القرآني، وذلك بوضع معنى اللفظ أو العبارة بين هلالين في النص، وبوّب التفاسير تبعاً لطبيعة الموضوع: سور متعلقة بالإلهيات، وأخرى حول الجنة والجحيم. إلخ. كما وزع تفسيره لهذه الأبواب، بتقديم عرض لأهم المرويات التي وردت حول السورة، كأسباب النزول، أو ما يساعد على الفهم، ومعرفة تاريخ النزول وظروف النزول، مع التحقق من (سلاسل السند). ومن ذكر المصدر، وبوضع الشروح الطويلة في الهامش، ويختتم ذلك بتعليق يستعيد فيه أهم مسائل الشرح. وقد راعى في تسلسل السور ترتيب النزول، فاتضح له أن هذا التسلسل يستبطن تسلسلاً منطقياً بين موضوعاتٍ تتمحور عليها مجموعة السور المتسلسلة، الشيء الذي يبين أن مسار التنزيل مساوق لمسيرة الدعوة. وهكذا ميّز بين ست مراحل في مسار التنزيل. ثلاثة منها خلال الفترة المكية: المرحلة الأولى، في النبوة والربوبية والألوهية، والثانية، في البعث والجزاء ومشاهد القيامة، والثالثة، في إبطال الشرك وتسفيه عبادة الأصنام، وخصص لها القسم الأول، وهو الكتاب الذي بين أيدينا. ثم يعدنا بأن القسم الثاني، سيضم المراحل الرابعة والخامسة والسادسة، وتشمل السور المتبقية من القرآن المكي. أما الكتاب الثالث (القسم الثالث)، فسيشمل على تفسير القرآن المدني. ومداره الأحكام والتشريع للدولة.

وعدد سور (المرحلة الأولى) وهي سبع وعشرون سورة، يكاد أن ينحصر مضمونها بالحديث إلى النبي أو عنه، أو بالرد على خصومه، يرسم فيها الخطاب القرآني نواة العقيدة، تبعاً لسنة القرآن بالتدرج. وتمركزت حول ثلاثة محاور: الرب، الله، الرحمن. فعمل الجابري على تتبع المعنى اللغوي لـ: الرب، الله، الرحيم، وجذورها في اللغات السامية، واستخداماتها في المرحلة (المكية)، فإذا كان لفظ (الرب) من أسماء الأفعال، يعود إلى الفعل التربوي، وينصرف معناه في القرآن إلى ما يفيد الرعاية، والتدبير والتنبيه، فإن لفظ (الله) من أسماء الذات، يخص المعبود الحق وحسب. ويلاحظ أن لفظ (الرحمن) لم يكن مستخدماً في قاموس عرب الجاهلية الديني، والرحمن اسم للذات لا يُطلق سوى على الله تعالى، بينما (الرحيم) اسم فعل يطلق على غيره أيضاً، أما لفظ (الرحمة) فيدل في اللغة على الرقة والتعطّف. وتجاوز الجابري التفسير اللغوي لهذه الأسماء، إلى تحليل مقارن يستحضر فيه معانيها في الديانات الإبراهيمية. تتميز (المرحلة الثانية) بتركيزها على موضوع (المعاد)، تبدأ بسورة (القارعة)، وتنتهي بسورة (القمر). فيكشف الجابري عما تتميز به تصورات القرآن عن تصورات اليهودية والمسيحية، وما يصلها ويفصلها عنهما، لينتقل إلى تتبع أصداء هذه التصورات عند الفلاسفة المسلمين. الذين كانت نظرتهم إلى المعاد امتداداً لنظريتهم في المعرفة القائمة على فكرة الفيض، فيض العقل الأول. يتلقى الفيلسوف بعقله حقائق العقل الفعّال، بينما يتلقاها النبي في مخيلته، وباكتمال المعرفة العقلية تستكمل نفس الفيلسوف كمالها، لاتصالها بالعقل الفعّال، وتصبح من جملة الجواهر المفارقة خالدة، وتغدو هذه السعادة هي جنة الفيلسوف.

ركّزت في المرحلة الثالثة على التوحيد، تضم خمسة عشر سورة طويلة، ذات عبارات جدلية. تخلل تفسير الجابري لها، تعليقات واسعة عن الجن والشياطين في اللغة، وأخبارها في المؤلفات العربية، وبسط تعليقاً واسعاً حول مفهوم التوحيد في القرآن، ختمه بعرض موقف الإسلام من التصوير، والتباس علاقته بالأصنام، فيربط تحريم التصوير بما إذا كان القصد منه هو التقديس. يبدو أن ما قدمه الجابري هنا، نوع من المغامرة العقلية الخصبة المحسوبة، التي اعتاد عليها منذ كتابه نقد العقل العربي، ومنذ ذلك الحين دشن طريقة جديدة في التعامل مع التراث، وهو في مشروعه الجديد لتفسير القرآن يرسي علاقة مع (النص المقدس) من الصعب تجاهلها، وتجاهل تأثيرها، حيث انطلق من منهجيات معاصرة لتقريب النص المقدس من مداركنا المنغرسة في القرن والعشرين.

 

(0) تعليقات
2010-01-31

yyy



خلاصة المقالات الثلاثة السابقة، التي خصصناها للدولة في العالم العربي الإسلامي من منظور ابن خلدون وابن رشد، أنها دولة مركبة "من فضيلة وكرامة وحرية وتغلب" بتعبير ابن رشد، أو من تيموقراطية وأوليغارشية وديمقراطية واستبداد حسب المصطلح اليوناني. أما جوهر العلاقات في مجتمعها فيقوم على مبدأين متلازمين: "الجاه مفيد للمال" بالتسلط أو بالخدمة، و"التملق مفيد للجاه" الذي يولد طبقة المصطنعين، حسب تعبير ابن خلدون.
هل يمكن إصلاح هذه الدولة؟ هل يمكن الدفع بالأمور فيها إلى أن تصير "الفضيلة" فيها مهيمنة؟
لنطلب الجواب مرة أخرى من ابن خلدون وابن رشد!
أما ابن خلدون فقد استقى جوابه من استقراء تاريخ الأقطار الإسلامية إلى عهده، وبالخصوص منها أقطار المغرب العربي، مفضلا التقيد بما تعطيه "الأخبار عن الواقعات" المتسقة مع "طبائع العمران"، متجنبا الخوض في ما ينبغي أن يكون، سواء كان ذلك مما يتصوره الفلاسفة من مدن فاضلة "على جهة الفرض والتقدير" أو مما يسعى إليه صاحب الدعوة الدينية. هو يقرر أن القوة المحركة للتاريخ هي العصبية، وأنه على الرغم من "أن الدول العامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين، إما من نبوة أو دعوة حق"، فإن "الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم"، و"أن من طبيعة الملك الانفراد بالمجد" والجنوح إلى "الترف والدعة والسكون"، وأنه إذا استحكمت طبيعة الملك "من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة أقبلت الدولة على الهرم"، "وأن الدولة لها أعمار طبيعية كالأشخاص"، و"أن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع".
ومع هذا التسلسل الحتمي الذي ينتهي بالدولة إلى الهرم والسقوط، والذي لا يترك مجالا للتفكير في أي إصلاح، فإن صاحب المقدمة لا يستبعد أن "تستجد الدولة عمراً آخر سالما من الهرم"، وذلك بـ"أن يتخير صاحب الدولة أنصارا أو شيعة" من غير أهله وقبيلته "ممن تعوّدوا الخشونة"، أي من غير أولئك الذين حصل بهم الانفراد بالمجد والترف والدعة والذين جروا الدولة نحو الهرم. ويستشهد ابن خلدون لإمكانية حصول هذا التجدد في الدولة، رغم بلوغها مرحلة الهرم، بالسياسة التي كانت تسلكها "دولة الموحدين بإفريقية ، فإن صاحبها كثيرا ما يتخذ أجناده من زناتة والعرب ويستكثر منهم ويترك أهل الدولة المتعودين للترف فتستجد الدولة بذلك عمرا آخر سالما من الهرم".

ومع ذلك فإن هذا العمر الذي تضيفه الدولة إلى عمرها الأصلي لا يحول دون وقوع الدولة، في نهاية المطاف، في "المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه ولا يكون لها منه برء إلى أن تنقرض". إن أفق تفكير ابن خلدون تحكمه حتمية الهرم لأن هرم "الدولة" في نظره طبيعة من "طبائع العمران"، وبالتالي فـ"التناوب" الذي ذكره ابن خلدون قد يضيف إلى الدولة عمرا آخر، ولكنه لا يقيها من الهرم المحتوم.

حالة واحدة يمكن أن تتجاوز الهرم، هي تلك التي نسميها اليوم بـ"الثورة" التي تقوم عندما يصبح كل شيء في الدولة لا يستطع مواصلة السير، وذلك حينما تتبدل أحوال البلد جملة: "وإذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره، وكأنه خلق جديد، ونشأة مستأنفة وعالم محدث". يحدث ذلك عندما تقوم أسرة حاكمة جديدة بتأسيس دولتها على أنقاض دولة أسرة حاكمة قديمة، كما حدث مثلا عندما قامت الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية في المشرق، أو عندما قامت دولة الموحدين على أنقاض دولة المرابطين في المغرب.

هل يوافق ابن رشد على هذا الرأي؟ هل يقول بحتمية الهرم؟

لا، إن فيلسوف قرطبة يرى أن الإصلاح ممكن والمدينة الفاضلة ممكنة، ولكن بشروط! وفيما يلي موجز لوجهة نظره.

عندما انتهى ابن رشد من عرض آراء أفلاطون في تحول أنظمة الحكم على التعاقب، من الأرستقراطية (حكومة الأخيار) إلى التيموقراطية إلى الأوليغارشية إلى الديمقراطية إلى الطغيان، نبه إلى أن هذا التعاقب ليس ضروريا ولا حتميا كما يقول أفلاطون، لأن الأمر، في نظر فيلسوف قرطبة، يتعلق بالشؤون الإنسانية وهي كما يقول: "إرادية كليا"، أي أعمال يأتيها البشر بإرادتهم وتتدخل فيها السنن القائمة كالتربية والسياسة والتشريعات. ومن هنا كان "تحول الإنسان من خلق إلى خلق" لا يحصل ضرورة وبالحتم، كما تحدث التحولات في الطبيعة، و"إنما يكون تابعا لتحول السنن ومرتبا على ترتيبها".

ويرد ابن رشد على الاعتراض القائل إن قيام المدينة الفاضلة كما تصورها أفلاطون يتطلب أن يكون الحكام فلاسفة - وهؤلاء يندر وجودهم، وإذا وجدوا، كما كان الحال زمن أفلاطون نفسه، فالناس في الغالب لا يأتمرون بأمرهم ولا يتخذونهم قدوة، ثم إن المتعاطين للفلسفة أنفسَهم كثيرا ما يفتقدون الصفات التي تؤهلهم لقيادة المدينة الفاضلة، والنتيجة من كل ذلك استحالة قيام هذه المدينة!- يرد ابن رشد على هذا الاعتراض بالقول: "والجواب هو أنه يمكن أن نربي أناسا بهذه الصفات الطبيعية التي وصفناهم بها، ومع ذلك ينشأون وقد اختاروا الناموس العام المشترك الذي لا مناص لأمة من هذه الأمم من اختياره، وتكون مع ذلك شريعتهم الخاصة بهم غير مخالفة للشرائع الإنسانية، وتكون الفلسفة قد بلغت على عهدهم غايتها. وذلك كما هو عليه الحال في زماننا هذا وفي ملتنا هذه. فإذا اتفق لمثل هؤلاء أن يكونوا أصحاب حكومة (حكم)، وذلك في زمان لا ينقطع، صار ممكنا أن توجد هذه المدينة" الفاضلة.

على أن الطريق إلى المدينة الفاضلة ليست واحدة في نظر ابن رشد: هو يرى أنها "قد تنشأ على غير هذا الوجه" الذي رسمه أفلاطون، ويضيف فيلسوف قرطبة: "غير أن ذلك يكون في زمن طويل: وذلك بأن يتعاقب على هذه المدن وفي أزمان طويلة ملوك فضلاء، فلا يزالون يرعون هذه المدن ويؤثرون فيها قليلا قليلا إلى أن تبلغ في نهاية الأمر أن تصير على أفضل تدبير". ويضيف ابن رشد قائلا: "وتحول هذه المدن (غير الفاضلة نحو أن تصير فاضلة) يكون بشيئين اثنين، أعني بالفعال والآراء، ويزيد هذا، قليلا أو كثيرا، تبعا لما تجري به النواميس القائمة في وقت و(تبعا) لقربها من هذه المدينة (الفاضلة) أو بعدها عنها". ثم يضيف قائلا: "وبالجملة فتحولها إلى مدينة فاضلة أقرب إلى أن يكون في هذا الزمان بالأعمال الصالحة منه بالآراء الحسنة، وأنت تلمس ذلك في مدننا".

خلاصات أربع نخرج بها من ملاحظات فيلسوفنا:

1- إن بقاء الدولة على ما هي عليه من الاستبداد أو دخولها في مرحلة الهرم ليس أمرا حتميا، فالإصلاح ممكن لأن الشؤون الإنسانية "إرادية كليا". وبعبارة معاصرة: الإصلاح مسألة إرادة، وبالتالي فهو لا يحتاج إلا إلى قرار سياسي.

2- لابد لكي ينجح الإصلاح من اختيارات محددة لا تتناقض مع "الناموس العام" الذي اختارته الأمة، وفي نفس الوقت لا تكون "مخالفة للشرائع الإنسانية". ولابد من "أن تكون الفلسفة قد بلغت غايتها"؛ وبلغة عصرنا لابد من دستور غير مخالف لـ"الشريعة الإنسانية"، والشرائع الإنسانية اليوم تتلخص في كلمة واحدة هي "الديمقراطية"، ولابد من "فلسفة" أي من فكر مستنير يحل محل العقلية الجامدة على التقليد.

3- إن الآراء الحسنة والتصريحات المنعشة وحدها لا تكفي في الإصلاح، بل لابد أن تقرن بالأعمال الصالحة.

4- لابد من تعاقب "حكومات أخيار" يرعون الإصلاح ويواصلونه إلى أن يصير الأمر على "أفضل تدبير".

هل ينبغي لي إضافة شيء آخر ؟

سأقتصر على تقرير ما يلي:

الانتقال إلى الديمقراطية في العالم العربي يعني مواجهة الحتمية الخلدونية بالمشروع الرشدي.

ولكن كيف؟

إنه السؤال الثالث من أسئلتنا الرئيسية.

عن جريدة الاتحاد الاماراتية

 

(0) تعليقات
2010-01-19

yyy

يعتبر مفهوم «الفتنة» أحد المفاهيم الإسلامية الأصيلة، وهو يغطي مجالين: أحدهما يخص الفرد من الناس، والثاني يخص الجماعة: فعندما يربط هذا اللفظ بالفرد من الناس يكون معناه: الاختبار، والـمِـحْنة، «يقال: فلان مَفْتُونٌ بطلب الدنـيا: قد غَلا فـي طلبها... وافْتَتَنَ فـي الشيء: فُتِنَ فـيه. وفَتَنَ إِلـى النساءِ فُتُوناً وفُتِنَ إِلـيهن: أَراد الفُجُور بهنَّ. والفِتْنة: الضلال والإِثم الخ. أما عندما توصف به الجماعة أو العلاقة بين أعضائها، فمعناه: «اختلافُ الناس بالآراء، وما يقع بـين الناس من القتال» (لسان العرب).

من المجالات التي يرد فيها مفهوم الفتنة في التراث العربي الإسلامي مجال الفقه. والهدف من هذا المقال فحص مدى مصداقية تبرير الفقهاء فرض الحجاب على المرأة «خشية الفتنة» كما يقولون. نحن لن نتعرض للحجاب ذاته، الذي يرجع في نظرنا إلى معنى «الحشمة» المطلوب شرعا من كل من المرأة والرجل الالتزام بها»، وفاقا لقوله تعالى: «قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ». «وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ» (سورة النور 30-31).

ومع أن «غض البصر» مطلوب من الرجل والمرأة بنفس الدرجة على صعيد العبارة، مع البدء بـ«المؤمنين» قبل «المؤمنات» (الرجال قبل النساء) فإن جل ما كتبه الفقهاء والمفسرون - إن لم نقل كله- يجعل سبب هذا الطلب أو مبرره هو أن «المرأة» مصدر الفتنة للرجل، ساكتين عن إمكانية العكس وهو أن الرجل قد يكون هو الآخر «فتنة للمرأة».

لنستعرض بعض أقوالهم في الموضوع:

منهم من يرجع في «تأصيل» الفتنة في المرأة دون الرجل إلى قصة آدم وحواء، منساقين مع ما في الإسرائيليات من أن المرأة هي التي أغوت آدم وجرته إلى الأكل من الشجرة التي نهاهما الله من الاقتراب منها. ففي القرطبي: «يقال إن أوّل مَن أكل من الشجرة حوّاء بإغواء إبليس إياها... وأوّل كلامه كان معها لأنها وسواس المخدّة، وهي أوّلِ فتنة دخلت على الرجال من النساء». هذا الكلام لا يستقيم إلا إذا أخذنا بما ورد في التوراة وفي الإسرائيليات عموما، من أن «الله خلق حواء من ضلع آدم»، وهذا مذكور في التوراة، ولا أثر له البتة في القرآن: ففي الذكر الحكيم «وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ (ماء رحم المرأة) وَمُسْتَوْدَعٌ (مني الرجل مستودع فيها) (الأنعام 98)، وأيضا: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً» (النساء 1)، فالأمر يتعلق هنا بـ «النفس» وليس بالبدن، ولا باللحم ولا بالضلع. والمعنى واضح وهو أن الله يخلق النفس في رحم المرأة من اجتماع مني الرجل و«ماء المرأة» (ما ينزل من مبيضها). أما الخلق أول مرة فواضح من الذكر الحكيم أن الله خلق آدم من طين بث فيه نفس آدم.

هذا من جهة ومن جهة أخرى فليست حواء هي التي دفعت آدم وأغوته بالأكل من الشجرة، فليس في القرآن ما يدل على هذا، وفي التوراة جعلت «الأفعى» هي التي غرت آدم، وقد يفهم من هذا أنه كناية عن المرأة. أما في القرآن فالنص صريح في أن الشيطان هو الذي أزل كلا من آدم وحواء. قال تعالى: «وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ» (البقرة 35-36)، ومعنى الشيطان هنا كما في مواضع كثيرة هو «ما يوسوس في النفس»، هو «الهوى»، هو التصرف بدافع الشهوة والاشتهاء.

ليس في القرآن إذن ما ينص على أن المرأة «فتنة» ولا أنها تفتن الرجل بل الرجل هو الذي يُفتتن بها، وإذا كانت تجذب الرجل ليفتتن بها فالمسؤولية أولا على الرجل لأن المطلوب منه «غض البصر»، أما القول بضرورة فرض نوع من الحجاب على المرأة حتى لا يفتتن بها فهذا يخالف نص القرآن («ولا تزر وازرة وزر أخرى»). فلماذا نحمل المرأة وزر الرجل لكونه لا يستجيب للآية التي تدعوه إلى غض البصر؟ أما إذا فرضنا أن امرأة استثارت عمدا أحد الرجال وأنه استجاب لإغرائها فالذنب ذنبه تماما كما إذا استثارت قنينة خمر شهوة الرجل فشرب منها فالذنب ليس ذنب القنينة...

كثير من المفسرين -حتى الكبار منهم- ينساقون أحيانا مع «الأفكار المتلقاة» من دون إعمال العقل، ودون طرح المسألة على ما يفيده استقراء الذكر الحكيم. من ذلك مثلا ما أورده القرطبي بصدد قوله تعالى: «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ» (آل عمران 14)، قال: «قوله تعالى «من النساء»: بدأ بهن لكثرة تشوف النفوس إليهن؛ لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء» أخرجه البخاري ومسلم. ففتنة النساء أشد من جميع الأشياء. ويضيف القرطبي: يقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة. فأما اللتان في النساء فإحداهما أن تؤدي إلى قطع الرحم؛ لأن المرأة قد تأمر زوجها بقطع الرحم مع الأمهات والأخوات. والثانية يبتلى بجمع المال من الحلال والحرام. وأما البنون فإن الفتنة فيهم واحدة وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم». ونحن نرى أن قوله قبل الحديث «لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال» قول لا يناسب مضمون الحديث حتى يقدم كتمهيد لتفسيره. دليل ذلك أن القرطبي نفسه فسر هنا «فتنة النساء» بعيدا عن المعنى الذي قدم به للحديث المذكور، إذ حصر فتنة النساء في كون الزوجة قد تفتن زوجها وتطلب منه أن يقطع علاقته بأمه وأخواته الخ، أو تدفعه إلى كسب المال من طريق غير مشروع، وواضح أن هذا وذاك لا علاقة لهما هنا البتة بالفتنة التي يجعلها المفسرون والفقهاء موجبة لفرض الحجاب على المرأة.

ومن ذلك أيضا ما ذكره القرطبي من أن النبي عليه السلام قال: «ليس للنساء خيرٌ لهنّ من ألا يراهنّ الرجال، ولا يرين الرجال«. وذلك أنها خُلقت من الرجل، فنهْمتُها في الرجل، والرجل خلقت فيه الشهوة، وجُعلت سكناً له، فغير مأمون كل واحد منهما في صاحبه».

يبقى أن نقول إني بحثت عن هذا الحديث في كتب الحديث المعتمدة فلم أجد له أثرا. وكثير من «الأحاديث» التي من هذا النوع لا تجد مرجعيتها إلا في الإسرائيليات. والقاعدة العامة عندي أن الحديث الذي لا نجد في القرآن ما يشهد له بالصحة، يجب وضعه بين قوسين، فإن تبين أنه من جنس الحديث الموضوع، وما أكثره، نفضنا أيدينا منه، وإن لم يتبين ذلك تركناه معلقا في دائرة الشك. 

كاتب مغربي

عن الصباح التونسية

الرابط

http://www.assabah.com.tn/article.php?ID_art=28583

 

(0) تعليقات
2009-12-31

yyy



حاوره في الدوحة حسن عبدالله:

صوته الخفيض، وكلماته التي بدت متناثرة وارتجالية، أثارا تململ الكثير من المستمعين، فهمست أكاديمية مصرية معروفة بصوت مسموع: «ماذا حدث للجابري.. ولم كل هذا الملل؟».


كان المفكر المغربي د.محمد عابد الجابري قد أفردت له المنصة في ختام الملتقى الثاني للديموقراطيين العرب في العاصمة القطرية الدوحة، ليتحدث وحيدا، على سبيل الاحتفاء والتقدير، فراح يُشرّق ويغرب في استرسال عن الديموقراطية والنهضة العربية وحقوق الإنسان، ثم يصمت ليعود إلى نقطة أبعد مما كان يتحدث فيه. نظرت حولي فإذا بالرجل على وشك الوقوع في قبضة المثقفين العرب، بعد أن أوقعه آخر كتبه وأكثرها إثارة «مدخل إلى القرآن الكريم» في قبضة الفقهاء.


نزل الجابري عن المنصة فصفق الحاضرون بفتور، وأشار إلي فانتحينا جانبا من البهو ورحنا نتحدث.
محمد عابد الجابري صاحب مشروع فكري «نقد العقل العربي ــ التكوين والبنية» 1984 ـ 1986» وهو من أهم المشروعات النهضوية على الساحة العربية، وإذا أخذنا برأي الجابري نفسه، فإن كتاباته تتجلى في أهمية خاصة نظرا إلى أنها تفتح «عصر تدوين جديدا» في الثقافة العربية عموما وخصوصا. وهو يحيلني إلى الخلاصة المركزة التي يختم بها كتابه تكوين العقل العربي: «أدى بنا رصد الأساس الإبيستيمولوجي لإنتاج المعرفة داخل الثقافة العربية إلى تصنيف لا يؤخذ فيه بعين الاعتبار سوى البنية الداخلية للمعرفة، أي آلياتها ووسائلها ومفاهيمها الأساسية. تصنيف يطرق آفاقا جديدة تماما هي من الخصوبة والعمق ــ فيما يبدو لي ــ بمثل الآفاق التي فتحها أمام علم البيولوجيا التصنيف الحديث للحيوانات إلى فقاريات ولا فقاريات.. هكذا أمكن تصنيف العلوم وجميع أنواع المعارف في الثقافة العربية الإسلامية إلى ثلاث مجموعات: علوم البيان وعلوم العرفان وعلوم البرهان».
إن هذا «الفتح الجديد» الذي دشنه الجابري استقبل بترحاب حار من قبل بعض الأوساط الثقافية العربية، فقد أعلن الناقد محيي الدين صبحي أن الدارس للتراث العربي الإسلامي صار لديه، عبر ما حققه الجابري، مفاهيم واضحة عن التراث، وخريطة يرى فيها أين يسير الآخرون وكيف ولماذا.
وتبعه ناقد آخر هو حسن الشامي في الاحتفاء قائلا: «نستطيع القول إن الجابري «صاحب مقالة» إذ ليس كل من تقدم برأي أو دعوة يعد صاحب مقالة، كما يقول صاحب كتاب الملل والنحل الشهرستاني».
إلا أن أوساطا ثقافية عربية أخرى رأت في ذلك «الفتح» وتلك «الإنجازات» التي ترتبت عليه، تراجعا إلى الوراء وتكرارا لإشكالية قديمة مأزومة على صعيد البحث في الفكر العربي المعاصر.
الشاعر والباحث السوري أدونيس يرى أن «الجابري لم يقدم أي فكر جديد في كل دراساته، وإنما صنف أكاديميا ما قاله الذين سبقوه واستفاد من المناهج الغربية».


ويأخذ طه عبدالرحمن على الجابري «تقويل الكتّاب ما لم يقولوا، وسوء التصرف في النصوص، وفساد التعريف، وفساد التصور، والسقوط في التناقض، وعدم تحصيل الملكة في العلوم الصورية والمنهجية، والعجز عن نقد وتمحيص الآليات الاستهلاكية».
وبدا المفكر السوري د.طيب تيزيني «صاحب المشروع الفكري من «التراث إلى الثورة، ولاحقا من التراث إلى النهضة» غاضبا، وراح ينفث دخان شيشته على أحد مقاهي دمشق القديمة، وهو يقول: «يتمثل ما قدمه الجابري في أنه قبض من الريح يعمّم في الوطن العربي باسم فلسفة «بنيانية» هي في محصلتها «فلسفة موت الإنسان» في إشارة إلى كتاب روجيه جارودي: «البنيوية فلسفة موت الإنسان».
طيب تيزيني ألف كتابا في نقد فكر محمد عابد الجابري أسماه «من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي ــ بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية»، ويعد مرجعا مهما في فهم كيفية تعامل المفكر المغربي مع التراث العربي.
ولا تقل انتقادات الكاتب اللبناني جورج طرابيشي حدة، حيث يقول في مقالة له: «إن ناقد العقل العربي ــ يقصد الجابري ــ يخدع قارئه، فهو يقارن بين مقولات أرسطو والقوالب النحوية العربية ليستنتج أن العقلية اليونانية الممدوحة، بعكس العقلية العربية المهجوة. والحال أن المقارنة لا تصح إلا إذا جرت بين القوالب النحوية لكل من اللغتين العربية واليونانية. والحال أيضا أنه لو كان لناقد العقلية العربية أدنى علم باللغة اليونانية لكان امتنع عن إجراء المقارنة التفاضلية».


يتنهد محمد عابد الجابري وهو يستمع إلى سردي لمآخذ الآخرين على نقده للفكر العربي، ثم يقول: «لن أسمح لنفسي بالرد على زملائي أصحاب المشروعات الفكرية. فأنا واحد منهم. مشروعي ببساطة يتلخص في تجديد العقل العربي من داخل تراثه بأدوات عقلانية مأخوذة من الثقافة الإنسانية، لكنها «مُبَيَّأة» ــ أي تم غرسها واستزراعها في بيئتنا ــ محور هذا التجديد من الداخل، تجديد الفكر التراثي عند الحداثيين لكي يتحدث، وتجديد الفكر الحداثي عند الحداثيين بالتراث، أي فهمه وهضمه. ينبغي تجنب الفهم التراثي للتراث، وكذلك الرؤية الماركسية لهذا التراث».
هل ذكر محمد عابد الجابري صاحب الـ 31 مؤلفا الآن «الرؤية الماركسية»؟. نعم ذكرها، ولا يمكن أن ينسى تلك المرحلة من حياته التي اعتنق فيها الماركسية، قبل أن يتحول إلى الرؤية التي تستند إلى الفكر العربي والإسلامي.
الجابري الذي كان ينادي بالماركسية كمنهج للنهضة، دار دورة كاملة قبل أن يكتشف ما اعتبره فتحا جديدا وبداية لعصر تدوين جديد، وهو التجديد بالتراث العربي والإسلامي.
يقول الجابري بحدة: «لست ممن سبقت شيوعيتهم ماركسيتهم. بل على العكس فإن ماركسيتي سبقت شيوعيتي، ولم أكن في يوم من الأيام من معتنقي الماركسية أبدا، فقد وجدت أن النظرية الماركسية كما هي عند ماركس وإنجلز جيدة جدا، لكن تطبيقها يحتاج إلى بيئة أخرى غير بيئتنا العربية».
لم يملّ الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري من السجال مع مفكري المغرب والمشرق العربيين، بداية من عبدالله العروي وطه عبدالرحمن، وانتهاء بحسن حنفي وجورج طرابيشي وطيب تيزيني. إلا أنه يجد اليوم نفسه في قلب عاصفة لم يحسب لها حسابا. فمنذ نشره لبعض المقالات مجتزئة من كتابه الجديد «مدخل إلى القرآن الكريم ــ الجزء الأول» والنيران مفتوحة عليه من أكثر من جبهة. فهناك أولا الصحف، مثل الجمهورية القاهرية، التي اعتبرت ما كتبه الجابري أخطر من محاضرة بابا الفاتيكان التي هاجم فيها النبي محمدا والقرآن، وكتب رئيس تحريرها رسالة مفتوحة إلى شيخ الأزهر يحثه فيها على الإفتاء بتكفير الجابري.
فيما رد بعض الدعاة والفقهاء بالتأكيد على أن «المصحف الذي بين أيدينا منزه عن أي نقص أو زيادة أو تحريف».


وعلق محمد المختار المهدي الأستاذ في جامعة الأزهر بأن عواقب نزع القداسة عن القرآن الكريم ستكون وخيمة، «فهذا يفتح الباب واسعا أمام الخوض في القرآن الذي تكفل الله بحفظه، رغم أنف الجابري وكل حاقد على الإسلام».
ولكن لماذا أثار كتاب «مدخل إلى القرآن» هذه العاصفة الساخنة في العالمين العربي والإسلامي؟ ببساطة لأن الجابري اقتحم حصنا منيعا في الإسلام وهو «قداسة القرآن» التي يعتبر المساس بها موجبا لحماسة وغضب الملايين في العالم الإسلامي.
الجابري في كتابه زرع جذور الإسلام في قلب التاريخ الديني، من خلال ربطه بالحركة «الآريوسية» ــ نسبة إلى آريوس ــ التي نشأت في بداية نزول المسيحية وامتدت لأكثر من 500 سنة، والتي كانت تعتقد بأن المسيح ليس إلها، وتبشر بأن هناك نبيا آخر سيأتي بعد المسيح، هو محمد (صلى الله عليه وسلم). كما ربط المفكر المغربي بين الحنيفية ــ الموحدون على ملة أبي الأنبياء إبراهيم ــ وبين الإسلام برباط وثيق، جعل الإسلام امتدادا توحيديا طبيعيا للحنيفية الإبراهيمية.
إلا أن نقد الجابري للكثير من المفاهيم السائدة حول القرآن ــ رغم أن هذا النقد منقول من التراث ولم يأت فيه بجديد ــ جعل منه هدفا سهلا وأوقعه في قبضة الفقهاء والدعاة.
هل يدرك محمد عابد الجابري خطورة أن يقول مسلم للمسلمين: «إن جميع علماء الإسلام، من مفسرين ورواة حديث وغيرهم، يعترفون بأن ثمة آيات، وربما سورا، قد «سقطت» أو «رفعت» ولم تدرج في المصحف، وأن القرآن وقع فيه تحريف»؟
بل نقل الجابري كذلك رواية عن أم المؤمنين عائشة ــ زوجة النبي محمد ــ تقول إن «شاة أكلت بعض آيات من القرآن كانت تحت سريرها»!
وزاد بأن المسلمين يقرأون القرآن بالمقلوب، أي حسب ترتيب جمعه في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وليس حسب ترتيب نزوله على نبي الإسلام محمد، وهو ــ حسب قول الجابري ــ ما أوقع مفسري القرآن في أخطاء كثيرة، لأنهم فسروا الآيات بمعزل عن ظروف نزولها.
ونفى الجابري الأمية عن النبي محمد، التي يثبت بها المفسرون أن القرآن معجزة لأنه جاء من نبي أمي لا يعرف القراءة والكتابة.
المفكر المغربي الذي لم يلق بالا لاتهامات الفقهاء والصحافيين، بدا منزعجا وهو يقول: «القرآن مقدس منذ 14 قرنا، ولا يمكن لأحد أن يقترب من هذه القداسة. ما ذكرته في كتابي هو أخبار من كتب التراث أوردتها على سبيل المعرفة. شعرت أن الناس يتعاملون مع القرآن بسهولة غريبة عندما يفتون، فقلت إنه لابد أن أوضح للناس وللقراء أن الأمر ليس بتلك السهولة، وأن التعامل مع القرآن له شروء وأن فهمه يتطلب عدة وسائل ثقافية».
إعادة قراءة جديدة ترقى الى مستوى «التفسير القرآني» يقوم بها محمد عابد الجابري في كتاباته الاخيرة، ولذا صوبت نحو سهام حادة من بعض التيارات الدينية المتشددة، التي تضعه في خانة أصحاب «المذاهب الهدامة»، وتتداول الهجوم عليه مواقع الكترونية متطرفة بشكل يومي.
يبتسم الجابري وهو يعلق: «لا يعنيني كل هذا، لا احب الدخول في سجالات مع احد، انا لا افسر القرآن، ولكن من يقرأ التراث، سيجد تأويلات متعددة للقرآن، ولذا اكرر دائما ان افضل ما يجب اعتماده في فهم القرآن هو المبدأ القائل «القرآن يفسر بعضه بعضا»، وانه يجب ان نترك الكلمة للقرآن لانه افضل من يعبر عن نفسه، وتنوع عباراته احسن من كل التأويلات».
وبخصوص الردة واحكامها في القرآن يقرر الجابري: «هناك جملة من الآيات القرآنية التي تتحدث عن مسألة المرتد الذي يعتنق الاسلام ثم يرتد عنه اعتقاد آخر، وفي جميع هذه الآيات نجد ان حكم المرتد، كما يتحدد في سياقها، هو لعنة الله، غضب الله، جهنم.. وليس القتل، واكثر من ذلك فباب التوبة مفتوح امامه. اما في الفقه فحكم المرتد هو القتل كما هو معروف، ويستند الفقهاء في ذلك الى حديث نبوي يقول: «من بدل دينه فاقتلوه» فكيف نفسر هذا الاختلاف؟
لنستبعد الشك في صحة الحديث المذكور - يقول الجابري - فقتال المرتدين زمن خلافة ابي بكر واقعة تاريخية لاشك فيها، ولكن لابد من التمييز بين المرتد الذي يغير دينه كشخص ليس له اية دوافع اخرى غير اقتناعه الشخصي الديني، وحكمه كما ورد في الآيات السابقة، عقاب اخروي لا غير، اما المرتد بدافع خارجي، خارج مجال الاعتقاد المحض فشيء آخر. وما نخلص اليه أن الوضع القانوني لـ «المرتد» لا يتحدد في الاسلام بمرجعية الحرية، حرية الاعتقاد، بل يتحدد بمرجعية ما نسميه اليوم بـ «الخيانة للوطن» باشهار الحرب على المجتمع والدولة، ويبقى مطلوبا من الاجتهاد الفقهي المعاصر النظر فيما اذا كان المسلم الذي يعتنق دينا آخر فرديا لا يمس من قريب او بعيد بالمجتمع ولا بالدولة، يدخل في دائرة «المرتد» الذي يستباح دمه! اعتقد ان من يقول بذلك لا يستطيع ان يدلي بأي نص ديني يرد به على من يعارضه، الا الآيات التي تحدثنا عنها سابقا التي تتوعد المرتدين الوعيد الاكبر، ولكن دون النص على عقابه في الدنيا اي عقاب».
ذهب محمد عابد الجابري الى اشكالية الحجاب وادلى بدلوه بشكل واضح ومحدد: «في رأيي انه ليس ثمة نوع خاص من الحجاب يمكن وصفه دون غيره بأنه «مجاب إسلامي» ودليل ذلك ان المفسرين، القدماء منهم والمحدثين، قد ذكروا أنواعا عدة من الحجاب واعتبروها تستجيب لما نص عليه القرآن في الموضوع، وبالتالي يسمح هذا بالقول ان الأمر يتعلق بمسألة اجتهادية، وأنه من الجائز لأي مجتهد، وفي أي عصر، القول في هذه المسألة -كما في غيرها من المسائل المماثلة- بما يعتقد انه يصلح لزمانه، وبذلك يساهم في تثبيت المبدأ الذي يؤمن به كل مسلم، وهو ان الاسلام صالح لكل زمان ومكان».
ولكن ألا يعني هذا تعطيل الحكم الإلهي بشأن الحجاب؟ يرد الجابري بحزم: «الخطاب القرآني أبدي، ولا يخضع في وجوده او سريان مفعوله لتطور الأحوال عبر القرون ولا لتغير العادات مع تغير العصور. لكن الخطاب القرآني حقيقة ومجاز، خصوص وعموم، أوامر ومقاصد، ألفاظ ومضامين الخ، وعن البيان القول ان الألفاظ انما هي وسيلة للتعبير عن القصد الإلهي. والقصد الإلهي في آيات الحجاب واضح، وهو مايفهم من غض الأبصار والتزام الحشمة والوقار وعدم التبرج تبرج الجاهلية. اما عن كيفية ذلك فتتدخل فيه أمور كثيرة، على رأسها تغير العادات، وأيضا إرادة المرأة وحريتها ومايرتضيه ضميرها. وهذا كله يندرج في مجال الأخلاق.
فلا ذنب ولا لوم على المرأة إذا هي لبست اللباس العصري أو اللباس التقليدي، فليس اللباس ذاته هو الذي يحمي من «مقدمات المحظور»، لان المحظور نفسه يمكن ان يحصل في عصرنا بالحجاب الذي يلف سائر جسم المرأة ولا يحصل بالسفور، والذين يعرفون دخائل الأمور، يعرفون ذلك جيدا «والله بما تصنعون خبير».
وينوه الجابري الى انه يتحدث عن الحجاب بعيدا عن كل خلفية اخرى غير الرغبة في الاجتهاد في فهم النص: «أما عندما يكون وراء الأمر اشياء أخرى -يوضح الجابري- فالموقف يختلف، فاتخاذ الحجاب رمزا دينيا للدفاع عن الهوية، كما هو الحال اليوم في فرنسا، شيء، واللجوء الى الحجاب بسبب الفقر او لستر عاهة شيء، وشيء اخر تماما استعماله كشأن ديني يستغل لأغراض سياسية».
وفي إطار «حفظ النفس» الذي يشمل نفس الفرد البشري من القتل الذي هو من النوع الفردي والجماعي، يطالب محمد عابد الجابري ان يشمل هذا المبدأ ايضا وقف العمل بعقوبة الإعدام، وهي عقوبة صار من الممكن الان اداء القصد منها بالسجن المؤبد، الذي لم يكن ممكنا في الأزمنة القديمة ولا في جميع المجتمعات، لأنه يتطلب وجود دولة تتصف بالاستمرار في مؤسساتها وقوانينها مما يجعل من عقوبة السجن المؤبد حكما بالإعدام مؤجل التنفيذ الى حين حلول الأجل المحتوم.
¼ كيف إذن شرع الله في الديانات الثلاث ان النفس بالنفس؟
- يجيب الجابري: شرع الله مبدأ النفس بالنفس، ليس انتقاما ولا ثأرا، بل كبحا للميول العدوانية وردعا لها، فليس القصد الإلهي من «النفس بالنفس ان القاتل يجب ان يقتل انتقاما او ثأرا، بل ان القصد الإلهي اسمى من ذلك. إنه تنبيه للناس الى ان الذي يقتل غيره أو يهم بقتله هو كمن يقتل نفسه أو يهم بقتلها، ولذلك قرر المشرع «وماكان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ» (النساء: 92)
فلتكن مواجهة ساخنة -إذن- مع محمد عابد الجابري

في الحلقة القادمة

القنبلة النووية العربية.... ضرورة

كنت ماركسيا ولم أكن شيوعيا

المستبدون العرب في أزمة

 

(0) تعليقات
Visiteurs : 106302 :: Aujourd'hui : 48 :: En ligne : 2