زهير الخويلدي

سيرة داتية




2010-08-27

yyy



"إن الذي لابد له من طلبه في المتكلمين مما يتكامل به علمهم بالله وصفاته وعلمهم بعدله وتوحيده وعلمهم بالنبوة والشرائع وتمسكهم بذلك"
استهلال:
يكاد يتفق معظم الباحثين في الإسلاميات على أن ما سمي بالاعتزال هو حركة عقلية رائدة تعود إلى فئة القراء الذين حفظوا القرآن في صدورهم واتبعوا المنهاج النبوي في أعمالهم وينحدر هذا التوجه من خط التوحيد والعدل وينسبه البعض إلى محمد ابن الحنفية وأبي ذر الغفاري ومعاذ بن جبل وعبد الله ابن مسعود والحسن البصري وغيلان الدمشقي وسعيد ابن جبير. بيد أن واصل ابن عطاء هو أول من جاهر بالاعتزال وحول الكلام في العقائد إلى علم عقلي ينطلق من مقدمات وأصول ويتبع مسالك وأساليب وينتهي إلى نتائج وقوانين وقد تبعه في ذلك من الطبقة الأولى عمرو ابن عبيد وزيد ابن علي وأبو عمرو عثمان بن خالد الطويل وحفص بن سالم وبشر بن سعيد وأبي عثمان الزعفراني.
غير أن الاعتزال لا يتوقف على جملة من الأسماء وعدد من الأشخاص بل هو منزع فلسفي ومغامرة فكرية حمل لواءها الكثير من الأعلام الثائرة والرجال الأحرار والعقول النيرة التي سعت إلى فهم عميق للآيات والآحاديث من أجل الإيضاح والتبليغ والرد على الخصوم بالحجج المنطقية والبينة الدامغة.
من المعلوم أن فرسان المعتزلة قد جالوا بخواطرهم وعاشوا تجربة الشك وخاضوا معارك النقد الذاتي واعتصموا بالعقل وتسلحوا بالعلم وطرحوا الأسئلة وأثاروا القضايا واقتحموا لجج عالم الافتراض والممكن وصنفوا المسائل وبوبوا العقائد وضبطوا الحدود وقربوا غوامض الكلام وغريب اللفظ وطريف المعنى وجدة الفكرة من الأفهام وشجعوا الناس على الاجتهاد ودربوا على التأويل والمقارنة والاستنباط.
لكن السؤال الذي يطرح هاهنا يتعلق بمدى اقتراب المبادئ الاعتزالية الخمسة المعروفة من التعبير عن روح الإسلام ويثير أيضا مشكلة الدور التنويري الكبير الذي لعبه فرسان الاعتزال في حضارة اقرأ وأسباب التواري والذبول في عصور الانحطاط والجمود وسر تعلق محاولات الفكر النهضوي الثاني في الساحة العربية الإسلامية بالمدونة العقلانية التي تركها تلامذة واصل ابن عطاء والجاحظ والعلاف والنظام ومعمر ابن عباد وبشر ابن معتمر والفوطي والاسكافي وثمامة ابن الأشرس والجبائي والخياط والزمخشري والأصم والبلخي والقاضي عبد الجبار والبيضاوي والجرجاني.
لعل أهم الإشكاليات التي مازالت تحير الباحثين وتملك وجاهة الطرح هي: عن أي عقائد إيمانية يتساءل علم الكلام؟ وما السبيل الذي يعتمده لتعليلها بالأدلة العقلية؟ وماهي الأسس النظرية والمبادئ العقدية التي بنا عليها المعتزلة تصورهم للعالم؟ وكيف كان المنهج الذي استخدموه في قراءة القرآن والحديث منهجا عقلانيا؟ ولماذا راوح أقطاب هذا المذهب مكانا وسطا بين فرق الأمة وخاصة السنة والشيعة والخوارج؟ والى مدى يحق للناهضين اليوم أن يستندوا على روح الاعتزال الجديد من أجل تحقيق الاستفاقة المنشودة؟
ما نراهن عليه من خلال هذه البحث هو الرد على الشبه المضللة والدعاوي المغرضة بخصوص إلجام العوام عن علم الكلام والعمل على الكشف عن مناهج الأدلة العقلية في عقائد الملة الشرعية.
1- الدفاع عن علم الكلام:
" موضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية، فترفع البدع وتزول الشكوك والشبيه عن تلك العقائد."
من البين أن علماء الاعتزال هم بناة حضارة قد أبدعوا ثقافة بالمعنى الواسع للكلمة وساهموا في خلق علوم نقلية ولغوية أصيلة واستأنفوا علوم صحيحة وطبيعية حركت البيئة الثقافية الإسلامية آنذاك بعد أن كادت تغرق في بحور من الركود و الظلام. إذ قلما نجد علما ناشئا لم تكن وراءه شخصية اعتزالية بما في ذلك الفلسفة والتصوف فقد عرف عن الكندي والحلاج أنهما من خرجي مدرسة الاعتزال. وقد نشأت هذه المدرسة في أواخر العهد الأموي ولكنها اشتهرت أكثر وتفرعت إلى عدة فرق في العصر العباسي ويؤصل البعض هذه التسمية الاعتزال من الآية الكريمة التي تتحدث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام:"واعتزلكم وما تدعون من دون الله" والآية التي تروي قصة أهل الكهف:"وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله" .
بيد أن هذه المشاعل المرفوعة والمنارات المضاءة عبثت بها رياح التسلط والطغيان وأطفئت أنوارها أفواه التقليد والاجترار وبالتالي تعرضت مؤلفات حكماء المعتزلة إلى الحرق والطمس وزادت السلطات من عزلة أهل الاعتزال وألبت عليهم الجمهور وصودر حقهم في الكلام على مستوى القضاء والفتوى والإمامة فسقطوا في خصومات مرهقة وأبدوا ردود أفعال أدت بهم إلى الدخول في لعبة التنافس بين سلطان القلم وقوة السيف.
إذا كان منهج فرسان الاعتزال هو استعمال العقل من أجل بيان وجاهة الدين الحق ضد تشكيك المعطلين فإنه من المشروع استعمال هذه السلطة للدفاع عن المنزع العلمي الكلامي عامة والطرح الاعتزالي خاصة وبيان رجاحة تصورات هذا الطرح وحداثته في ذاك الزمان وحاجتنا الأكيدة اليوم لمثل ذاك الجدل الخصب والمحاورة الجادة حول علاقة الدين بالحياة تصديقا لقوله تعالى:" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين " .
هناك عدة بواعث ومبررات ساهمت في نشأة علم الكلام لعل أهمها :العامل الخارجي وهو انتشار الإسلام في العالم والاحتكاك بجملة من الثقافات الأجنبية والتحدي الذي مثلته عدة معتقدات غريبة مما اقتضى نحت خطاب عقلاني يستوعب هذا التنوع والثراء ويوضح الدعوى ويفسر ماهو غامض ويفصل الخطاب ويرد على الخصوم. أما العامل الثاني فهو داخلي ويتمثل في وجود عدة آيات تفيد التجسيم والتشبيه بالإنسان وبروز اختلاف في الفهم ونزاع بين المفسرين مما استوجب التدقيق في التأويل والنظر إلى القصص على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة والحرص على التجريد والتنزيه. ومن المفيد التذكير بأنهم"سموا مجموعه علم الكلام إما لما فيه من المناظرة على البدع وهي كلام صرف وليست براجعة إلى عمل وإما لأن سبب وضعه والخوض فيه هو تنازعهم في إثبات الكلام النفسي" .
عندئذ عرف علم الكلام على "علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات" وقد اصطلح على تسميته بعلم التوحيد وعلم أصول الدين وكانت مهمته تقديم براهين عقلية على وجود الله والملائكة والرسل والكتب المنزلة والبعث والجزاء والعقاب. وعلم التوحيد الذي تحصل به السعادة الإنسانية في الدنيا والآخرة هو علم اضطراري في النفس يساعد الإنسان على بلوغ مرتبة الإيمان الكامل، وهذا الأخير "هو أصل التكاليف وينبوعها هو بهذه المثابة ذو مراتب أولها التصديق القلبي الموافق للسان وأعلاها حصول كيفية من ذلك الاعتقاد القلبي وما يتبعه من العمل مستولية على القلب." وهذا يدل أن علم الكلام يساعد المرء على الحصول على ملكة الإيمان وذلك بتحقيق الموافقة والمصالحة بين الشهادة بماهي إقرار باللسان والتصديق القلبي والعمل بالجوارح.
إن العقائد الإيمانية التي يقررها علم الكلام هي تنزيه الذات الإلهية عن مشابهة المخلوقات وعن صفات النقص وتوحيده والاعتقاد بأنه عالم قادر ومريد ومقدر لكل كائن وموجد ومعيد وباعث للرسل ومجازى. وزاد علماء الكلام على ذلك أقوال في البعث والرؤية والثواب والعقاب وأحوال الجنة والنار والصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح والتخيير والكسب والإمامة والجوهر الفرد والحدوث والسببية. وقد جعل علم الكلام "هذه القواعد تبعا للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها لتوقف تلك الأدلة عليها وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول." والمقصود من ذلك أن إثبات صحة هذه الفنون النظرية والعلوم الفلسفية الغاية منه هو الاستدلال على صدق العلوم الدينية والسماح بانتشار العقائد الشرعية بين الناس.
من هذا المنطلق "إذا علمت حال الفن في حدوثه وكيف تدرج كلام الناس فيه وكلهم يفرض العقائد صحيحة ويستنهض الحجج والأدلة علمت حينئذ ما قررنا هلك في موضوع الفن وأنه لا يعدوه."
غير أن اعتبار ابن خلدون نشأة الاعتزال نوع من البدعة في الدين ودعوته إلى التخلي عن خدماته بقوله:"ينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم" هو أمر في حاجة إلى تمحيص وتثبت لأنه قول يشترط انقراض الإلحاد والابتداع وترسخ العقائد عن طريق الحجج النقلية والشفاء من كل العيوب والأمراض المشخصة وهذا غير صحيح طالما أن المسلمين يعيشون زمن العولمة حالة من التحول الكبير والمخاض العسير في المعايير والقيم.
زد على ذلك هناك تنوع في النظريات وتطور في الفلسفات وظهور الكثير من البدع مثل عبادة الشيطان وما أدى إليه تطبيق بعض العلماء لمناهج لغوية لقراءة الوحي والحديث من نتائج محيرة ومناقضة للسائد مما استوجب استئناف الاجتهاد في علم الكلام وبالتالي فإن "نفي العيب حيث هناك عيب ليس بالعيب".
" إنهم رأوا أن الاعتقاد بحدوث العالم في الزمان والعناية الإلهية بالعالم في جزئياته الشخصية والمعجزات لا يمكن أن تتفق وأرسطوطاليس. ولكن مذهبا جديدا قدر له أن يكون أداة في المحافظة على الإسلام وتقاليده الفكرية في عالم العقول المستنيرة، وهذا المذهب أو النظام هو ما عرف في تاريخ الفلسفة باسم علم الكلام، كما عرف رجاله باسم "المتكلمين"، ولما كان القصد من علم الكلام أن يستخدم سندا للمذاهب الدينية فقد قام على فروض ضد الفروض الأرسطية وكان في المعنى الحق للكلمة فلسفة الدين وأقدم أنصاره هم الذين عرفوا باسم "المعتزلة" الذين أوجبوا على أنفسهم أن يبعدوا عن "الله" كل الأفهام أو التصورات التي تتنافى الاعتقاد بعدله وأن يطهروا فكرة الله من كل الأفهام التي قد تفسد بطبيعتها وحدته وعدم تغيره المطلق. وفضلا عن ذلك فهم يتمسكون في ثبات وقوة بفكرة الله الخالق العامل المعني بالعالم."
إننا نعاني اليوم من فوضى في المفاهيم واختلاط في المسائل والالتباس في المواضيع مما يستوجب إدخال أفكار الفلاسفة في العقائد ورفع التناقض بين اعتماد التقليد واستنهاض الهمم من أجل الإصلاح والسداد. على هذا النحو يمثل علم الكلام الحاضن العلمي الأول لتجربة ثبت الهوية وأحد الأسلحة النظرية التي استخدمها العقل في حضارة اقرأ للنحت خصوصيته والدفاع عن قصوره المعرفية الحصينة ونحن اليوم نلجئ إليها مثلما يحتمي فاقد البوصلة ببر الأمان. من جهة مقابلة ثمة من يقدم السمع على العقل في إدراك حقيقة المعبود ورسالة الشارع ويبرهن على ذلك بأن "العقل ميزان صحيح فأحكامه يقينية لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراءه طور، فإن ذلك طمع في محال."
لكن ألا نحتاج إلى الأدلة العقلية من أجل تنزيه الله صفات الحدوث وصمات النقص؟ ثم ماذا سيربح المسلمون بالاكتفاء بالفهم الحرفي وجهلهم بالحجج العقلية؟ وألسيت فائدة هذا العلم العقلي معتبرة؟ وكيف نصف المعتزلة بالتبديع وهي فرقة عقلية نشأت من أجل التصدي لأهل البدع من حيث الأصل؟
2- الأصول الخمسة عند المعتزلة:
"ويسمون أصحاب العدل والتوحيد ويلقبون بالقدرية والعدلية... وقالوا لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من اله تعالى..."
حارب أهل الاعتزال عند أول ظهورهم الآراء الظنية عند القائلين بالتوكل والتسليم والجبر والإرجاء وتخاصموا مع من يحيل أحوال العباد كلها على ما فيها من نفع وضرر إلى القدر المحتوم والحكم المحتوم ونادوا بالإدراك والعمل والحرية والمسؤولية وانقسام الخير والشر على فعل الله وفعل العبد. وقد سميت بالوعيدية والمقتصدة وذلك لقولها بأن مرتكب الكبيرة هو في المنزلة بين المنزلتين وبالتالي فهو ليس بمؤمن ولا بكافر ويجوز تسميته بمسلم لنطقه بالشهادة ولا يجوز القول بأنه مؤمن. أما الاجتهاد العقلي الثاني الذي تفطن إليه حكماء الاعتزال فهو القول بالاختيار وذلك لكون الإنسان وهب العقل واستخلف في الأرض وشرف بوظيفة التعمير وسخرت لهم المخلوقات وهو يخلق أفعاله بنفسه ومختار في كل أمر يقوم به وليس مسيرا ولذلك يستحق الجزاء والعقاب يوم الحساب. وقد طور واصل ابن عطاء هذه الأفكار وصاغها في نسق كلامي يتكون من خمسة مبادئ هي التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي مشتقة بعضها من بعض وقد أضاف إليها تلامذته وتابعيه العديد من الأصول الأخرى والاستتباعات العملية والكونية.
إن أصل التوحيد هو تنزيه الله عن كل سمات الشرك والنقص من جهة الذات والصفات أولا لأن الله ليس كمثله شيئا وذلك لكونه مختلف عن الأشياء وموجدها من العدم وصفاته عين ذاته والقدم أخص وصف لذاته بينما كل ما عداه محدث وهو علم بذاته وقادر بذاته وحي بذاته لا بعلم وقدرة وحياة. وليس الله بجسم ولا عرض ولا عنصر ولا جوهر ولا عنصر بل هو الخالق لكل هذا وليس له حد ولا نهاية ولا يحده المكان ولا يسعه الزمان بل هو الذي لم يزل والمحيط بكل شيء.
لقد نشأت عن هذا الأصل قضيتان خلافيتان أثارت العديد من الجدل وتنازع حولها وهما: مسألة خلق القرآن وذلك لنفي صفتي الكلام عن الله وامتناع رؤيته بالأبصار يوم القيامة وذلك تفاديا للتجسيم والتشبيه. إذ "لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية" .
في العموم لقد قام شيوخ المعتزلة بنفي الصفات الايجابية وأن تكون زائدة عن الذات حتى لا تشارك الله في القدم وحاربوا المنوية والتثليث الذي تقره المسيحية وقالوا بأن الصفات عين الذات أو أحوال لها وميزوا بين صفات أزلية وصفات أفعال وأولوا الآيات بما يتفق مع ذلك.
الأصل الثاني هو العدل ويعني أن الله ليس بظلام للعبيد ولا يرضى بالفساد في الكون ولذلك ترك مسؤولية اختيار الأفعال للإنسان لكي يفعل ما أمره به ويترك ما نهاه عنه بالقدرة التي جعلها فيه. والله لا يكلف نفسا إلا وسعها وهو ولي لكل حسنة وبرئ عن كل سيئة تحدث للمخلوق. كما أن الله لا يجبر الناس على طاعته ولا يضطرهم إلى معصيته رغم قدرته على ذلك ولكن رحمته وسعت كل شيء.
"إن الله خلق للإنسان قوة وكان بها الفعل وخلق له إرادة للفعل واختيارا له منفردا كما خلق له طولا كان به طويلا ولونا كان به متلونا." وقد ترتب عن هذا الأصل "أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد." إضافة إلى ذلك تقول المعتزلة بفعل الأصلح ويعني أن الله لطيف بالناس وما يصبهم من ضرر أصغر هو امتحان وابتلاء من اجل جلب منفعة ودفع لضرر أكبر. في هذا السياق نجد تأكيدا على أن العدل هو القانون الوجودي الذي ضبط به الله الكون:" أراد جل وعز أن يؤمنوا طوعا لا كرها لتصح المحنة والابتلاء وليستحقوا أفضل درجات الثواب وانه لا يكلف عباده ما لا يطيقون ثم يعذبهم على تركه ولا يحول بين أحد وبين ما أمر به بوجه من الوجوه ، وأنه لا يفعل بعباده مؤمنهم وكافرهم مادام آمرا لهم بطاعته ناهيا لهم عن معصيتهم إلا ما فيه صلاح لدينهم الذي أمرهم به وماهو داع إلى طاعته والإيمان والرجوع عن معصيته إلى إتباع أمره وأنه لا قصور في خلقه ولا تفاوت في تدبيره وأن كل ما قضاه وقدره ففيه الخيرة وأن الواجب الرضا بكل ما قضاه وقدره والتسليم لذلك والإنكار والرد له والتكذيب به كفر وضلال."
الأصل الثالث هو الوعد والوعيد ويعني أن يفي الله بوعده ويجازي الذين آمنوا وأحسنوا عملا في الدنيا ويدخلهم الجنة ويخلدهم فيها وأن يعاقب الذين كفروا وساءت أعمالهم في الدنيا كما توعدهم وأن يدخلهم النار ويخلدون فيها لارتكابهم الكبائر وامتناع الشفاعة فيهم. عندئذ "إن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض...وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها واستحق الخلود في النار."
المبدأ الرابع يسمى المنزلة بين المنزلتين وهو حكم الفاسق في الدنيا حيث لا يكون مؤمنا ولا بكافر وهي النقطة التي اختلف حولها واصل ابن عطاء عن أستاذه الحسن البصري حيث كانت الخوارج تقول: إنه كافر، وكانت المرجئة تقول: إنه كامل الإيمان وتقول المعتزلة: انه منافق. من هذا المنطلق "إن الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمي المرء مؤمنا وهو اسم مدح. والفاسق لم يستجمع خصال الخير وما استحق اسم المدح فلا يسمى مؤمنا وليس هو بكافر مطلقا لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه... لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من أهل النار خالدا فيها."
لقد ترتب عن هذا المبدأ قول المعتزلة "أن الله سبحانه لا يغفر لمرتكبي الكبائر من غير توبة" ، ثم "إن كل ما لم يأمر الله تعالى به أو نهى عنه من أعمال العباد لم يشأ الله شيئا منها."
بقي الأصل الخامس وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويتنزل ضمن الصعيد العملي والحياة الواقعية ويفصل بأن الجهاد في سبيل الله من أجل نشر راية الحق فرض عين على كل مؤمن ومؤمنة ولكنهم اشترطوا ذلك باستيفاء شروط الإمامة وحصول الإجماع وقد حذروا حكماء الاعتزال من التردد على مجالس الحكام وأكدوا على النصح وإصلاح ذات البين عند كل منازعة وتغيير المنكر والخروج عليه إن ضلوا عن الحق.
قد ارتبط هذا المبدأ بالآية الكريمة:" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" ، وقد برر عبد الجبار هذا المبدأ كما يلي:" الغرض من تشريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن لا يضيع المعروف ولا يقع المنكر، فمتى حصل هذا الغرض بالأمر السهل لا يجوز العدول عنه إلى الأمر الصعب وهذا ما أشار إليه تعالى بقوله:" وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله" فقد أمر الله بإصلاح ذات البين أولا ثم بالمقاتلة ثانيا إن لم يرتفع الغرض إلا بها" .
هكذا تبوأ مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مكانة رئيسية في الدين القيم ولازال ركنا من أركان العقيدة وبدونه يصبح الإسلام دينا نظريا وحبرا على ورق لأن الغرض من الدين هو العمل وان تطبيقه كفيل بأن يخلص المسلم من مرض النفاق والقعود ويجعله يجمع بين التصور والفعل.
على هذا النحو ينبغي أن ننظر إلى المعتزلة على أنها مدرسة فلسفية كاملة اتخذت لنفسها مواقف سياسية ثورية وليست مجرد فرقة دينية نشأت نتيجة حادثة تاريخية بعد خلاف حول مسألة فقهية. لكن ماهي رؤية هذه المدرسة لعلاقة الإنسان بالطبيعة ومنزلته في الكون؟
3- الإيمان بالعقل والسببية:
"أمور العالم ممزوجة بالمشاكلة ومنفردة بالمضادة وبعضها علة لبعض، كالغيث علة السحاب والسحاب علة الماء والرطوبة وكالحب علته الزرع والزرع علته الحب...والإنسان علته الإنسان."
أن يكون الإنسان إنسانا عند المعتزلة ويستحق أن يرتقي إلى مرتبة الاستخلاف والتعمير هو أن يجمع بين فضائل العقل ومكارم الشرع وبين طهارة الروح وطهارة الجسد وأن يعمل ما ينفع الناس ويمسك نفسه عن إتباع الهوي وارتكاب المعاصي ويتحلى بالإيمان والتقوى ويعتبر العقل أصل في العقائد قبل ورود النقل ويقوم للاجتهاد والتعلم ويؤمن بقوانين الطبيعة وسنن الكون إذ "لن تجد لسنة الله تبديلا" .
من هذا المنطلق "إن الإنسان من وجه في دنياه حارث وعمله حرثه ودنياه محرثته ووقت كموته وقت حصاده والآخرة بيدره ولا يحصد إلا ما زرعه ولا يكيل إلا ما حصده."
لقد شرف الله الإنسان على سائر المخلوقات بالعقل والنطق والعمل ولكن ماهية الإنسان في حد ذاتها تتركب من جوهر هو الروح والبدن والأعراض ويدرك الجسم بالبصر بينما تدرك النفس ذاتها و"وجود النفس في الإنسان لا يحتاج إلى أن يدل عليه لوضوح أمره" و"قد ركب الله الإنسان تركيبا محسوسا معقولا على هيئة العالم وأوجده شبه كل ماهو موجود في العالم حتى قيل: الإنسان هو عالم صغير ومختصر للعالم الكبير وذلك ليدل به على معرفة العالم فيتوصل بهما إلى معرفة صانعهما."
حري بنا أن نبين أن حكماء الاعتزال يؤمنون بأن الإنسان تحركه مجموعة من القوى الطبيعية هي التغذي والإحساس والتخيل والنزوع والتفكر والعقل وأن أرفع هذه القوى هو العقل ولكنهم يعظمون أمر القلب باعتباره جوهر الذات ووسيلة إدراك وقوام وجود وذلك بقول واحد منهم:"لما كان مبدأ تأثير هذه القوى من الدماغ قيل: مسكن الفكرة وسط الدماغ ومسكن الخيال مقدمه ومسكن الحفظ والذكر مؤخره. ولما كان قوام الدماغ بل قوام الجسم كله من القلب الذي منه منشأ الحرارة الغريزية صار في كلام الناس يعبر عن هذه القوى تارة بالدماغ.. ويعبر عنها تارة بالقلب والثاني أكثر."
هذا التركيز على الإنسان والعقل بفعاليته قواه المدركة والفاعلة يضاف إليه تأكيد على أن فضل الإنسان على سائر المخلوقات يكون "بالقوة المفكرة التي بها العقل والعلم والحكمة والتمييز والرأي" وفي الجسم "باليد العاملة واللسان الناطق وانتصاب القامة الدالة على استيلائه على كل ما اوجد في هذا العالم" ولذلك يطلب منه أن يراعي "ما به صار إنسانا وهو العلم الحق والعمل المحكم."
ما يهمنا هنا هو تركيز شيوخ الاعتزال على فضيلة العمل في تحديد أهلية الاستخلاف وكمال الإيمان وبالتالي فإن أفضل الناس هو من يصل إلى معارف حقيقية ويأتي أعمال حسنة ويعدل في نفسه ومع غيره ويقوم بعمارة الأرض وعبادة الله وخلافته ويهتدي بفضائل المساواة والحلم والإحسان والفضل.
يميز شيوخ الاعتزال بين السببية والعلية وبين السبب الشرعي والعلة العقلية وبين الأسباب المادية والأفعال الإرادية وذلك أن الأسباب منها ما هو موجب لبعض الأحكام الشرعية بالجعل ومنها ما أوجدها الله أمارات على بعض الأحكام الشرعية، وهذا النوع من الأسباب الذي يكون السبب موجبا للحكم قد شبهه المعتزلة بالاستقراض باعتباره سببا مساعدا على سداد الدين، وكذلك بالإنعام على الغير والتكفل بالوديعة، باعتبارهما سببين موجبين لشكر المنعم وحفظ الوديعة.
أما العلة العقلية فتستعمل في كل ذات أوجبت حالا لغيرها والأسباب المادية الطبيعية ينطبق عليها مبدأ العلية لا السببية لأن "المعلول صادر عن العلَّة وجوبا، أما المُسبَّب فإنه صادر عن السَّبب اختيارا"، أما مسلك المعتزلة في الأفعال الإنسانية فيقوم على مبدأ السببية لا العلية ذلك أن الفعل يحدث باختيار الفاعل إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله. في حين ذهب شيوخ المعتزلة إلى أن هذه العلاقة بالنسبة للأفعال الإلهية تفقد حتميتها، ذلك أن الله تعالى يخلق السّبب كما يخلق المُسبَّب، بمعنى أنه يقع عنده الفعل لا به، فلا يكون السَّببُ موجبا للمُسبَّب في أفعال الغائب." كما أقروا فكرة التلازم بين العلة والمعلول عند اكتمال الأسباب.
وفي المجمل إن السبب يوجب المُسبب إذا تحققت لوازم السببية، وقد جعل بعض المعتزلة من القائلين بالطبائع والمتولدات للطبيعة تأثيرا مستقلا، فكل طبع من طباعها يمتلك تأثيرا ذاتيّا مستقلا ولكن الله عز وجل لا يفعل إلا ابتداء، وإن ظهر لنا وجود بعض الأسباب في أفعاله، فهي مجرد أمارات وعلامات.
بين إذن أن الأسباب قد تستوي في مواضع وتتفاوت في مواضع ولكن كل ذلك في سبيل أن يجمع الله تعالى لعباده مصالح الدنيا ومراشد الدين وأن يؤلف بين قلوبهم على الرضا بالأوطان وإعمال التمدن فيها.
زد على ذلك تؤكد المعتزلة على ضرورة العودة إلى الفطرة التي فطر الله عليها عباده وذلك لكونها لا تحاج إلى نظر أو تدبر فهي طبيعة الإنسان وقانون خلقته وما عليه جبلت الخلائق وان انقاد إليها واتبعها يحقق جوهره وينعم بالصحة في الدنيا والآخرة. وتعنى الفطرة أيضا العقل والدين وبها يميز الناس بين الخير والشر وبين النافع والضار وهي أفضل النعم وأصل النشأة وبالاعتماد عليها يحصل المرء على درجة عالية من التعلم والتأدب . في ذلك نجد قوله عز وجل:" فطرة الله التي فطر الناس عليها" والحديث الشريف:"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه".
إن إتباع الفطرة وملازمتها يؤدي بالإنسان إلى مفارقة الألف والعادة والكد في طلب العلم النافع والحرص على العمل الصالح والتمييز بين الذي يحسن طلبه من العلوم والذي لا يحسن وذلك لأن "العلوم ضرورية وإنها تختلف للمكلف بالإلهام فيعرف صحيحه من فاسده باضطرار" .
لقد ترتب عن هذا الاهتداء بالفطرة والعقل اتفاقهم على "أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجبة قبل ورود السمع.والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك وورود التكاليف ألطاف للباري تعالى وأرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء عليهم السلام امتحانا واختيارا." وبذلك نسبوا طاعات إلى الله ونفوا نسبة المعاصي إليه وأكدوا أن الله خلق الإنس والجن ليعبدونه وأنه يجازي الذين أمنوا به بجنة الخلد والنعيم ويعاقب الذين كفروا به بالعذاب في النار.
من هذا المنطلق إن العقل وحده لا يكفي في تحصيل المعرفة وان الناس يحتاجون إلى الشرع والأخبار وإرسال الرسل من أجل الانتباه إلى حقيقة الائتمان ويؤدون وظيفة التعمير ويسيرون نحو المثل الأسمى من الخلق وهو البعث والمعاد. أضف إلى ذلك أن الإنسان في عرف المعتزلة مخير أكثر منه مسير وأنه حر في أن يفعل ما يريد وفي أن يترك أفعال منفرة ولذلك "قد يكون الإنسان مسخرا لأمر ومخيرا في آخر ولولا الأمر والنهي لجاز التسخير في دقيق الأمور وجليلها وخفيفها وظاهرها، لأن بني الإنسان إنما سخروا له إرادة العائدة عليهم ولم يسخروا للمعصية كما لم يسخروا للمفسدة."
ألا يكفي الإيمان بالعدل الإلهي والحرية الإنسانية والدعوة إلى إقامة الإمامة بإجماع الأمة بجمهورها وعلمائها على أن تكون النظرية الاعتزالية خير سبيل للتقريب بين الفرق ولإقامة الحكم الرشيد والسياسة الشرعية التي تعطي لكل ذي حق حقه وتصون العرض والنفس والمال والدين؟
خاتمة:
" لا ينبغي للعاقل أن يستهين بشيء من العلوم بل يجب أن يجعل لكل واحد حظه الذي يستحقه ومنزلته التي يستوجبها ويشكر من هداه لفهمه وصار سببا لعلمه."
لقد كان أهل الاعتزال مصابيح مشتعلة أضاءت أروقة قصور المعرفة الإسلامية وأنارت قناديلهم الساهرة سراديب الذات العربية وزرعت الورود في حديقة العقل وأيقظت الرغبة في الاكتشاف والمتعة من البحث ووضعت النجاة في الآخرة والصحة في الدنيا غاية تتوق إليها النفوس وتهفو إليها القلوب وكانت عقولهم سيوفا مسلطة على أعداء الأمة وعلى الخصوم المشككين من أهل العقائد المغالية. ولعل من محاسن هذه الحركة العقلية أنها ساعدت الفكر على ممارسة تجربة الشك بطريقة مغايرة لتجربة الريبيين وعلى التفطن إلى أهمية المرور بمراحل المنهاج التجريبي من ملاحظة وافتراض وثبت واستنتاج أو ما سموه بالسبر والمعاينة والاعتماد على الحساب والإحصاء وفنون الهندسة الرياضية في إنقاذ الظواهر الفلكية والتحكم في القوى الطبيعية، هذا إضافة إلى التفلسف في الدين والنظر إلى الفلسفة من زاوية الرؤية القرآنية للوجود.
إن هذه المرونة العقلانية في التعامل مع النصوص والأحداث التاريخية ومع الشخصيات الرئيسية في الدعوة ومع الوقائع الاجتماعية مكنتهم من اتخاذ جملة من المواقف الثورية وإبداء جملة من الآراء الحكيمة بخصوص أمهات القضايا التي مازلت عالقة إلى حد الآن مثل نظرتهم الايجابية للمرأة وتثمينهم لقيم الحب والجمال وإباحتهم الغناء والاعتناء بالفنون وإدراج ذلك في باب الحكم الجمالي. ورغم تأكيدهم على الدور المركزي للعقل وعلى أن المعرفة إرادية إلا أنهم بينوا أهمية الحواس والمعارف الاضطرارية وكشفوا عن الحاجة إلى الاهتمام بالتخيل و القصص والرواية التاريخية التي تقوي الذاكرة وتيسر الاعتبار من التقاليد وتجارب الأمم الغابرة واقتناص الحجج على صدق النبوات.
في ذلك نجد ما يلي:"ولو أن الناس تركوا وقدر قوى غرائزهم ولم يهاجوا بالحاجة على طلب مصلحتهم والتفكر في معاشهم وعواقب أمورهم وألجئوا إلى قدر خواطرهم التي تولد مباشرة حواسهم دون أن يسمعهم الله خواطر الأولين وأدب السلف المتقدمين وكتب رب العالمين لما أدركوا من العلم إلا اليسير ولما ميزوا من الأمور إلا القليل."
إن اكتشافات المعتزلة كثيرة وآراؤهم الكلامية المبتكرة عديدة فقد عرف عن واصل قوله بالمنزلة بين المنزلتين وعن العلاف تبنيه لنظرية الجوهر الفرد وعن ابن عبيد بأن العالم محدث وعن ثمامة المتولدات وعن معمر الأعراض والطبائع عند الجاحظ والأحوال عند أبي هاشم الجبائي ونفي الإمامة عند الأصم والنظم والبلاغة عند الجرجاني والفقه عند النظام والبصيري والنحو عند سبويه والإعراب و التركيب عند ابن جني. وقد لأكد الجاحظ أن "كل شيء لم يوجد محرما في كتاب الله وسنة رسول الله صلعم فمباح مطلق وليس على استقباح الناس واستحسانهم قياس ما لم نخرج من التحريم دليلا على حسنه وداعيا إلى حلاله" . لقد بقي شيوخ الاعتزال قناديل ساهرة تحرس الإسلام من كل تحريف وتدافع على المناهج النبوي دون غلو وكان وقودها هو الحجة العقلية والبينة التجريبية والاعتبار من قصص الأولين.
غير أن الإشكال الذي يظل قائما هو هل تكفي مثل هذه العودة إلى التجربة المستنيرة لأهل الاعتزال من أجل الرد على تدهور الأوضاع في الواقع العربي الإسلامي البائس؟ ألا نسقط في وهم استعادة الأصول وفي الحنين إلى الماضي مجددا؟ وألا تحتاج مثل هذه العودة نفسها إذا ما رمنا تأسيس التنوير الأصيل الذي يخصنا إلى نقد واعتزال؟ ألم يحسن أهل الاعتزال صنعا عندما اعترفوا بتناهي المعرفة البشرية تصديقا للآية الكريمة:" " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" ؟
المراجع:
أبو عثمان، رسائل الجاحظ، الرسائل الكلامية، تقديم علي أبو ملحم، دار ومكتبة الهلال، الطبعة الثالثة 1995
أبو الحسن الشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، طبعة أولى ، القاهرة، 1969.
عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، تحقيق سعيد محمود عقيل، دار الجيل، بيروت، طبعة أولى 2005.
القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق عبد الكريم عثمان، مطبعة الاستقلال، القاهرة، الطبعة الأولى 1965.
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ، تحقيق فؤاد السيد، الدار التونسية للنشر،تونس ، طبعة 1986.
الراغب الأصفهاني، كتاب الذريعة إلى مكارم الشريعة، تحقيق أبو اليزيد العجمي، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى 2007.
محمد جلال شرف، الله والعالم والإنسان في الفكر الإسلامي، دار النهضة العربية، بيروت،طبعة 1980،
محمد عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، تعديل صدقي جميل العطار، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية 2002،
عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، تعليق إبراهيم بيضون، دار المعرفة ، بيروت، طبعة 2001.
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-08-11

yyy


"يؤتي الحكمة من يشاء ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا" البقرة 269
من المعروف أن الفلسفة منذ بواكيرها الأولى مع الهنود والإغريق والفنيقيين والقرطاجنيين والعرب والرومان ارتبطت بالمعرفة والعلم والتفكير والإدراك والوعي وأنها تجسدت في انطباعات الحواس وامدادات الذاكرة وإرهاصات الخيال وخطابات العقل ورمزية اللغة وشعرية التصوف. ولعل أفضل ما اختصت به في ذاك الزمان هو حب الحكمة والشوق نحو الحقيقة والبحث عن المعنى والحرص على القيمة واحترام النواميس وبناء النسق وإتمام النظرة الموسوعية. ولكن الفلسفة المعاصرة استوعبت كل هذا وتعففت عنه وصارت تبحث عن التحطيم والتفكيك والنقد الجذري وتعشق أسلوب الشذرة خارج كل منهج وارتضت بلانهائية التأويل ومعقولية العدمية وخطت لنفسها مهمة الخوض في التخوم والهوامش ثورة على المركز وبحثا عن الأصل الذي لاأصل له واقتناعا بأهمية المظهر وغنى السطح.
فهل هذا يعني أن الفلسفة قد تخلت عن نبراسها الهادي وأنها لم تعد حبا للحكمة؟ وما المقصود بأن في اللعب والكسل والكذب والوهم والعنف مزايا ومنافع؟ فأية علاقة جديدة ستقيمها مع كل من الحب والحكمة؟ هل أصبحت تنهل من الكره بعد أن ملت كل تجارب الحب؟ هل انقلبت إلى ضدها وأصبحت مجنونة لا تعترف إلا بكل أشكال اللامعقول والخلف المنطقي والعبث والفارغ من المعنى واللاحكمة؟وما الحكمة من لاحكمية الفلسفة المعاصرة؟ وهل تعلمنا حب التفكير أم حب الحياة؟ ألا ينبغي أن تولي وجهها شطر حكمة النظر وحكمة العمل من أجل أن تؤهل الناس للوعي بالزمان والفعل في التاريخ؟
يبدو أن مطلب الفلسفة المعاصرة من الإنسان هو أن يهجر ديار الحكمة والتحكم وما رافق ذلك من تسيد وتذويت وتمركز وأن ينقل لنا بعد التشخيص والوصف بعض من الوضعيات اليومية التي يتخلى فيها عن كل أشكال السيطرة العقلانية والمنهجية في تسيير حياته وأن يعبر بحرية عن لاوعيه وحمقه وأنانيته وعنفه وعن كيفية وقوعه ضحية حتميات اجتماعية وطبيعية وسلطات اقتصادية وسياسية ويسرد تناهيه وتشظيه وعجزه عن تحمل خفته وعن الإقامة في العالم.
من البين إذن أن الفلسفة اليوم لم تعد تحب الفكرة الشاملة والحقيقة المجردة بل أصبحت تسعى إلى اقتناص المنفعة الجزئية والمصلحة الآنية وتتصيد الفرصة السهلة والحياة الممتعة وبالتالي لم يعد موضوعها طلب المعلوم الأسمى بل العناية بالمرء صحة وتربية وحياة وسكنا في الكوكب. وكما يقول سانتيانا:"ليس من الحكمة أن يكون الإنسان حكيما فحسب" بل عليه أن يوظف هذه الحكمة في معاشه ومعاده وأن يحذر من أن تنقلب إلى قوة تتحكم فيه. هكذا من جديد التفت الفلسفة نحو طرق تفادي الألم وشرعت في البحث عن الدروب المؤدية إلى السعادة ومن جديد عرض الفيلسوف خدماته وأسئلته على سكان المدينة بحثا عن هوية ضائعة وسط ركام الأجوبة المعلبة وهكذا أطلق عنان التفلسف في طبقات الميراث والتقاليد.
الفيلسوف الجديد هو الرجل الحر الذي يعاند الحكيم ويبغض صرامته وجديته ويخشى الموت ويحب الدنيا ويكره التكلم عن الروح وتجذبه الأهواء ويحركه الجسد ويفتنه الشعر ويقلب العلاقة بين الخير والشر وتستهويه الرذائل وتثقل عليه الفضائل وتبحر به إرادة القوة ويجرفه طغيان الغريزة ويفنيه الضحك وتهلكه السخرية وتعلمه النميمة واللغة العادية وتسرق منه الصناعة ذكائه وتتحكم الوراثة في مؤهلاته ومصيره وتحمله ثقافة الاستهلاك ومجتمع الوفرة إلى وجهة غير معلومة وتغمره آراء الحشود.
إن الحكمة لا تدرس وان المعرفة لا تقابلها الذات وان الحقيقة بعيدة كل البعد عن التطابق وان المتفلسف الجديد ليس سوى خرائطي ماهر يهتم برسم خطوط التمايز بين المناطق المظلمة والأخرى المنارة. كما أن مفكر مابعد الحداثة هو حاسب ومتصرف في شؤون المعلومة أو خبير في تكنلجة الحياة والاقتصاد.
في الواقع إن الفلسفة المعاصرة تتراوح بين خيارين:
الخيار الأول هو ادعاء الحكمة واستعادة الدوغمائية القديمة في شكل واقعية علموية واثقة من سيطرة العلوم والتقنيات على الطبيعة ومن قدرتها على التحكم في الظواهر، أما الخيار الثاني فهو تبني التنسيب كحجة كسولة والذرائعية في الجانب العملي واستعادة النزعة السوفسطائية التي تمجد الخطاب وتترك الفرصة للمحاججة بين الآراء المتصارعة وتشرعن العنف باسم سلطة الأقوى.
لكن يبدو أن الخيار الثالث بماهو عودة الفلسفة إلى حفاري قبرها من أجل البحث عن حكمة في الحب وعن حب للحكمة يظل أمرا متروكا ومؤجلا إلى زمن يمل فيه الكائن الآدمي من لعب النرد مع الآلهة ويقبل على الوجود بغير تحفظ وينشد مع بقية الكائنات قصيدة العودة إلى حدائق الأكوان الكبرى.
إن الإنسان لم يخلق ليصبح حكيما وعاشقا فقط بل إن حبه للحكمة هو الذي يجعلها محبوبا وحاكما على ذاته ومحبا للآخرين. وان الحياة الإنسانية بلا حكماء تكون ممكنة ولكن الذي يجعلها جديرة بأن تعاش هو عزوف هؤلاء الآدميين عن ولههم بذاتهم وانهماكهم في حب جواهر الأشياء والبحث عن أسرار الكون.
أن نتعلم كيف نتفلسف اليوم هو أن نعرف كيف نواجه الأنساق الفلسفية التي تركها لا لنا كبار الفلاسفة وأن نحسن تدبير العبر والمعان التي تزخر بها مؤلفاتهم وأمهات كتبهم وذلك الهدف من الفلسفة ليس تحريض الناس على حب الحياة فقط وإنما كذلك مساعدتهم على إيجاد معنى لحياتهم. والجمهور ينتظر بلهفة شديدة إلى ما تجود به قريحة الفلاسفة من حكمة حتى يسترشدوا بها وسط هذا الضجيج المعولم والحياة الصاخبة.
إن الفلسفة في حد ذاتها لا توفر للإنسان زادا معرفيا رفيعا ونفائس من العلوم الكونية فحسب وإنما تجعله يتذوق جود الوجود وينعم بفيض الخاطر وينغمس ولهانا في حب الحقيقة دون أن يبالي بمصاعب الطريق ومخاطر الرهان. وان هذا الدور هو الذي جعل من الفلسفات التي وجدت على مر التاريخ كنوزا مهمة.
على سبيل المثال إن هذه الحكمة الكونفسيوشية تظل معينا لا ينضب للمعنى والقيمة وتلهم كل كائن بشري في أي زمان وأي مكان شريطة أن تكون مالكة لجميع حقوقها:" إذا قابلت رجلا مبدئيا فينبغي أن تبحث كيفية للتشبه به وأما إذا قابلت رجلا سيئا فينبغي أن تبحث عن عيوبه في ذاتك عينها لكي تتخلص منها."
خلاصة القول أن الحكمة بالمعنى العتيق للكلمة والجامع بين التعقل والدراية وبين التأمل والتدبير غائبة عن نظريات الفلسفة المعاصرة وتوجهاتها وماهو موجود منها هو مجازها الميت وطيفها البعيد وظلها الباهت،فماهي أسباب هذا الإخفاء والحجب لدرة التفلسف الأصيل؟ وهل من الحكمة ألا نحب الحكمة اليوم؟ أليس من الحكمة أن يكون الإنسان محبا للحكمة فحسب؟
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-08-04

yyy


"ربما لم تحظ أي تكنولوجيا سابقة باهتمام وترقب كمثل الذي حظيت به تكنولوجيا النانو التي تعد بحق تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين والمفتاح السحري للتقدم والنماء الاقتصادي المبني على العلم والمعرفة."
كتب Matthew Stein مؤلف كتاب :"عندما تخطئ التكنولوجيا" عن وجود ستة مخاطر قاتلة بالنسبة إلى الحضارة وعن الكارثة الكبرى التي تهدد البشرية وعن العوامل التي تجعل معدل الأمل في الحياة في أدنى مستوى له وتنذر الهيئات الايكولوجية بجدية الموقف وتحملها مسؤولية مصير الأجيال القادمة .في هذا السياق يصرح هذا الكاتب ما يلي:""إذا لم تكن لنا القدرة على تهدئة هذه العاصفة فإنها ستحطم دون شك الحياة على الأرض التي نعرفها"
إذا ما واصلت الكائنات التصرف في الأشياء بنفس الكيفية التي شهدها القرن الأخير فإن المخاطر الكارثية ستواصل زحفها وتفاقمها ولتصيب بالجدب أنساق الطبيعة وتجفف منابع التقدم في الاقتصاد العالمي. فماهي هذه المخاطر القاتلة؟ وهل من الممكن إيقاف زحفها وإنقاذ الحياة في المعمورة من الهلاك الحتمي؟
1- التغيرات المناخية الجوهرية والتي كانت بفعل الإنسان ووفق نسق تصاعدي وخاصة في علاقة بارتفاع درجة حرارة الأرض وغمر المياه للمزيد من الأراضي اليابسة.
2- نفاذ مدخرات البترول والغاز الطبيعي وعدم كفاية الطاقة المستخرجة من النفط للاحتياجات في أسابيع الذروة لمواسم البرودة أو الحرارة، في المقابل ثمة عسر في تصنيع الطاقة البديلة لما تقتضيه من موارد ضخمة ومكلفة.
3- تقلص الحياة في المحيطات لارتفاع درجة التلوث نتيجة الإفراط في التصنيع وتكاثر الإشعاعات والإلقاء بالنفايات وانبعاث الغازات الخانقة و انسياب لسوائل الكيماوية الضارة.
4- التصحر وذلك بالتخلص من المساحات الخضراء بالزحف العمراني وإقامة المناطق الصناعية في الأراضي الصالحة للزراعة ، إذ اختفت 50% من الغابات في العالم وحدث اضطراب في الدورة البيئة والحالة المناخية وتعرضت الثروة المائية إلى التلويث وقاربت المدخرات على النفاذ بسبب الاستهلاك المشط للمياه الجوفية وتبخر المياه السطحية نتيجة ارتفاع درجات الحرارة.
5- الأزمة الغذائية العالمية والتي ألقت بظلالها على الدول النامية وعلى فقراء الدول الغنية ، انه للمرة الأولى منذ الثورة الغذائية التي حدثت في المعمورة بعد تطور الصناعات الغذائية واستعمال التقنيات المتطورة في فلاحة الأرض لم تقدر بلدان العالم على إنتاج ما يكفيها من كميات الغذاء وعوض الطحين المصنوع من مسحوق الخشب وجذور الأشجار الخبز المصنوع من الذرة والقمح والسبب هو ارتفاع عدد السكان وتعثر التكتلات الاقتصادية وتمزيق الحروب والنزاعات اللحمة الاجتماعية وتعطيل المشاريع التنموية.
6- الانفجار الديموغرافي والمتمثل في التزايد السريع لعدد السكان في العالم، إذ في سنة 1000 ميلادي لم يتجاوز النوع البشري خمسة مائة مليون نسمة وفي عام 1800 بلغ عدد سكان العالم مليار قاطن ولكن في سنة 1930 تضاعف هذا الرقم وسيصبح 12 مليار سنة 2012 ولذلك ستشهد العديد من دول العالم ندرة في الغذاء وستحدث مجاعات لقلة الغذاء وعدم توفر العناية الصحية.
والحق"أن الخطر الحقيقي الذي سوف تواجهه الشعوب الفقيرة والنامية هو خطر اقتصادي في المقام الأول. إن التزايد المطرد في حجم المبيعات والمنتجات النانوية لأمر مقلق...وأخشى من مجيء ذلك اليوم القريب الذي تتحول فيه العقاقير والأدوية الفعالة إلى منتجات نانوية لا يستطيع شراءها إلا كل قادر..."
هذه المخاطر المحدقة بالنوع البشري والمهددة لمستقبل الحياة على الأرض والمنذرة بالخطر تدعو الفكر البشري إلى إحداث نقلة نوعية في مستوى نظرته إلى الدنيا وإبداع آليات جديدة تمكنه من تأمين استمرارية للكائن البشري ومن المحافظة على المنجزات الحضارية. في هذا السياق طالب Matthew Stein في نفس المجلة بلزومية القيام باثني عشر تغيير جوهري في تصرفات البشر من أجل الإنقاذ.
في السياق نفسه يرى بيتر كامب أن" العولمة الاقتصادية لا يمكن التفكير فيها بعزل عن العولمة التكنولوجية لوسائل الاتصال . هذه الأخيرة وقع الرفع من قيمتها بشكل سريع بحيث صارت خطيرة" .
إن الإنسان المجتمع المعولم ما ينفك يسعى إلى فهم فكره الخاص على أنه فكر حسابي وأداتي ولكن هذا الفهم هو الخطر عينه لأنه لو كان الفكر مجردة أداة من بين أدوات أخرى يستعملها الإنسان للاتصال بالعالم الخارجي لصار هو نفسه غير قادر على فهم نفسه ولعجز عن التواصل الحقيقي مع غيره من بني الإنسان ولاختفى المعنى الأصيل للحياة على الأرض.
من هذا المنطلق مثلت العولمة الاقتصادية والتكنولوجية تحديا كبيرا أمام المطالب الإتيقية والايكولوجية للنوع البشري الباحث عن رغد العيش وضمان حياة كريمة على الكوكب وان الرد على هذا التحدي يقتضي عولمة الإتيقا نفسها وذلك بنحت تصور عن مواطن عالمي قادر على تحمل مسؤوليته في الانخراط ضمن جبهة كونية للمواجهة الديمقراطية ضد الأنساق الاقتصادية والتكنولوجية المغلقة.
غير أن أهم رد على هذه التحديات هو ميلاد النانو تكنولوجيا التي تعني مجموعة المهارات والتقنيات الرامية إلى تطويع النظريات وتطبيق النتائج البحوث العلمية من أجل وضع حلول فريدة لمشكلة معينة.
"يقصد بعلم النانو ذلك العلم الذي يعتني بدراسة وتوصيف مواد النانو وتعيين خواصها وخصالها الكيميائية والفيزيائية والميكانيكية مع دراسة الظواهر المرتبطة الناشئة عن تصغير أحجامها."
واذا حوالنا تصنيف المواد النانوية وتطبيقاتها فأننا نقول انها تتجاوز المواد التقليدية وتهتم بذرات اللب الداخلي للحبيبية وتهتم بالفلزات والسبائك الفلزية والمواد السيراميكية والبولمرات والمواد المتراكبة والمواد المتقدمة وأشباه الموصلات والزجاج وتستخدم هذه الخامات الأولية في تخليق مواد ذات أبعاد نانومترية وتحضر في صورة حبيبات أو رقائق أو أسلاك أو أسطوانات أو أعواد أو أحجار دقيقة.
لعل أهم استعمالات النانو التكنولوجية الواعدة فهي في مجال الطاقة البديلة والغذاء والبيئة والطب وقد انصبت جهود العلماء حول طرق إزالة ملوثات المحيط ومعالجة الأمراض الفتاكة وحول توفير الغذاء.
"في هذا الصدد قدمت تكنولوجيا النانو الكثير من التقنيات المبتكرة والسبل الميسرة التي تمكننا من التحكم في البناء الذري الداخلي للمادة وتطوير نمط ترتيب الذرات بمواقع الشبكات البلورية مما أدي الى طفرة هائلة في منهاجية علوم المواد أدت إلى ميلاد أنواع جديدة من المواد غير النمطية التي تختلف في خواصها عن أترابها من المواد التقليدية."
لقد شملت تكنولوجيا النانو العلوم والتخصصات التالية: الصناعات الكميائية والالكترونيات والطب والدواء وتحلية المياه وتكرير البترول والبيئة والاتصالات والمعلومات والغذاء والبيتركيماويات والطاقة وصناعة السيارات والتسليح والأمن القومي والغزل والنسيج وضمت بالتالي الدوائر الكبرى التالية: علوم المواد والرياضيات والكيمياء الفيزيائية وميكانيكا الكم والكيمياء الجزئية والفيزياء الجزئية.
" هذا وتتفوق تكنولوجيا النانو في كونها التكنولوجيا الوحيدة ذات الوظائف والاستخدامات المتعددة حيث يمكن توظيف منتج واحد من منتجاتها النانوية في أكثر من مجال تطبيقي وبطبيعة الحال يؤدي هذا إلى تخفيض تكلفة الإنتاج. لذا فمن المرجح أن تضاعف تكنولوجيا النانو من القدرة الإنتاجية في البلدان النامية، وذلك من خلال تقديمها سبلا جديدة لعمليات تصنيعية مبتكرة ورخيصة."
وإذا علمنا أن الدول العربية والإسلامية والإفريقية مازالت في طريقها نحو تحقيق التنمية والتطور وذلك قصد اللحاق بالدول الصاعدة فإن غيابها عن ساحة النشر العلمي المكثف الخاص بعلوم وتكنولوجيات النانو وضعف مساهمتها في هذا المجال هو كفيل بأن يخلق أزمة ويعمق الهوة التي تفصلها عن بلدان المركز ويوسع من درجة الفجوة الرقمية. فمتى نرى هذه الدول العربية تبادر بجدية لامتلاك هذا الابتكار العجيب؟ وهل ستحل تكنولوجيا النانو هذه الأزمة الحضارية المستعصية؟ وكيف ستساعد البشرية على إيجاد مسالك للرد على هذه المخاطر وتعمل على برمجة غد أفضل؟ وهل ستختفي الفوارق بين الطبيعي والصناعي في النمط المستقبلي للحياة الآدمية على الكوكب؟ وهل تعد النانو تكنولوجيا نعمة على النوع البشري أم نقمة على طبيعة الطبيعة على حد عبارة أدغار موران ؟ وهل يكفي اعتماد الفكر المتعقد لفهم ما يحدث في الكون؟
المراجع:
Matthew Stein, Six dangers mortels pour la civilisation, dans le Huffington Post, Lundi 24 Mai 2010
Peter Kemp , La mondialisation technologique, novembre 2004.
محمد شريف الاسكندراني ، تكنولوجيا النانو، من أجل غد أفضل، عالم المعرفة، عدد374، أبريل 2010،
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-07-06

yyy


"من الصعب على المسلم أن يفصل في خبرته الدينية بين التجربة الروحية وبين الأسس العقلانية التي تتبلور في وعيه تدريجيا عن عقيدته ودينه"

لقد هجرنا المهاجر وبارح ديارنا بعد أن أجبره حراس التاريخ التذكاري علىالإقامة لسنوات في المهجر، غادرنا المغترب بعد أن عاد لأرض المولد وخلنا أنه سوف يمكث طويلا ولكنه يفارقنا مجددا وكأن قدر المفكر عندنا أن يولد غريبا ويرحل بغتة وبمفرده ودون ضجيج. لقد غادرنا نصر حامد أبو زيد عن 67 عاما بعد أن تعرض لمحنة ليس لها مثيل في التاريخ العربي سوى محنة ابن حنبل أو مصير ابن رشد وقد ترك لنا أستاذ الفيلسوف الأندلسي في جامعة أوترخت الهولندية العديد من المؤلفات لعل أهمها هي رسالته في الماجستير التي عنوانها الاتجاه العقلي في التفسير (دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة) ورسالة الدكتوراه حول فلسفة التأويل (دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي)، ثم كتب أخرى وهي مجموعة دراسات مثل "مفهوم النص دراسة في علوم القرآن" و "إشكاليات القراءة وآليات التأويل" وكذلك "نقد الخطاب الديني" و "الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية" و"الخطاب والتأويل" و"النص السلطة الحقيقة" و"الخلافة وسلطة الأمة" و" التفكير في زمن التكفير" و" هكذا تكلم ابن عربي" وأنجز كتابا عن المسألة النسوية هو" دوائر الخوف قراءة في خطاب المرأة" وله العديد من المقالات والمقابلات المرئية في الفضائيات والمكتوبة في المجلات والمواقع الالكترونية.
لقد عبّر نصر حامد أبو زيد عن حتمية الظهور المتأخر للحس النقدي في المجال الديني داخل حضارة اقرأ واصطدم بالتفكير الصراطي والحركات الإحيائية وبيّن هشاشة المرتكزات التي تقوم عليها وأعلن عن تناقضه تناقضا تاما مع الصور النمطية السائدة في الأزهر التي تتراوح بين التسليم التام والعنف التعصبي وجسد كأحسن ما يكون المفكرين الأحرار في الإسلام والشخصيات القلقة في التاريخ الانساني.
لم يمنع زمن التكفير وصكوك الغفران والتوظيف النفعي للدين الذي عاش فيه أبو زيد من أن يتوجه نحو التفكير العقلاني وحرية المعتقد وأن ينظر للتأويل والاجتهاد والتجديد في فضاء إيماني دأب على الشرح والتفسير والتقليد وأن يتبنى أطروحات علمانية دنيوية في مناخ سياسي يتنفس نوعا من التيوقراطية المستترة وأن ينتصر للدولة المدنية و"العقل هو الحل" على حساب الدولة الدينية و"الإسلام هو الحل".
يمكن اعتبار أبي زيد واحد من المفكرين الذين انتقدوا الشأن الديني من داخله وما اعتصامه بالاتجاه العقلي في التفسير عند المعتزلة وبفلسفة التأويل وإشكالية وحدة الوجود عند ابن عربي وبمفهوم النظم عند عبد القاهر الجرجاني سوى هربا من سطوة الاجترار والفقر المعرفي المسيطر على طرق البحث والتأطير في الجامعات العربية. لم يكن هذا الكاتب المستقل منعزلا عن الحركة الاجتماعية التي كانت بصدد الحدوث في المجتمعات العربية وإنما كان خير معبر عن وعي الطبقة الناشئة بنفسها ورغبتها الجامحة في الثورة الثقافية وخلخلة الموروث وما تحليلاته الفردية اللامعة سوى رغبة عارمة منه الى تفكيك البنية الفكرية الجماعية التي تقوم على ذهنية التحريم ورؤية ماورائية للعالم وتستند إلى سلم هرمي للقيم والمعايير المحددة للسلوك.
لم يسقط أبو زيد في الردود الدفاعية على خصومه ومنتقديه وابتعد عن السجالية الانفعالية التي اشتهر بها علماء الكلام في عصور الازدهار بالنسبة للعقل العربي الإسلامي وإنما أثار تساؤلات جذرية مست أصول الثقافة وطرح مسائل حيوية حركت الثوابت وشككت في أسس العلوم وبحث عن الدلالة والمعنى وأثث إمكانية رحبة لوجود الإنسان العربي في العالم دون تحفظات أو أحكام مسبقة تعيقه عن مقابلة الآخر والفعل في الحياة والمشاركة في صناعة الكونية.
إن الأمر يتعلق بمفكر يقيم دائما مسافة نقدية بينه وبين ذاته المفكرة والدين الذي يعتقده والثقافة التي ينحدر منها واللغة التي يتكلمها والهوية التي ينتمي إليها والفلسفة العامة التي يتحرك ضمنها، انه يمعن النظر في شروط الإيمان وسبل المعرفة ومناهج التفكير ويقوم بتحليل الخطاب وتطبيق أحدث نظريات القراءة.
لم يتعسف أبو زيد على النصوص التراثية من أجل أن يظهر مواطن النور كما فعل غيره من دعاة التنوير المسقط ولكنه ترك النصوص تتكلم بنفسها وتشع بأنوارها على القارئ وتفصح عما في طياتها من نفائس، لقد كان منقبا بارعا في الأغوار وكاشفا عن طاقات مطمورة لثقافة حجبت طبقات الميراث عبقريتها الفذة.
ليته كان زنديقا أو ملحدا كما اتهمه فقهاء البلاط من الوعاظ ليحررنا من أوهامنا وليحطم ما تبقى من القيم البالية بمعوله الهرمينوطيقي وليوقظنا من سباتنا الأنثربولوجي ولكنه ويا للأسف أوشك على ذلك واكتفى بتقمص شخصية الإناسي الذي أفنى عمره في سبر أعماق النفس البشرية عبر محاورة النصوص التي كتبها في السر والعلن ولينزع الهالة السحرية عن المقدس ويبحث عبثا عن العلمنة الجذرية للأديان.
لقد اشتهر أبو زيد باعتباره القرآن مجرد نص وفي ذلك جرأة فريدة من نوعها عند قوم أفلحوا في المحافظة على طقوس الدين وضمان أمن الطرق المؤدية إلى الآخرة ومعارج الغيب وفشلوا في استصلاح السياسة وتدبير شؤون الدنيا وفي المحافظة على الأرض وأضاعوا حقوق الناس ومصالح الأوطان.
لم يتوقف أبو زيد عن البحث في الذاكرة المفقودة وعن عقد المقارنات والقياس بين اللغة والشعر وبين الأسلوب والمجاز وكأنه في كل ذلك يبحث عن نص أصلي كان القراء العرب الأول قد فقدوه نتيجة سجن قفص الكتابة المحدودة لثروة المعنى التي كانت تزخر بها التلاوة ومن بعدها القراءة.
صحيح أن نصر حامد قد توقف عن الكتابة وعن الإبداع ولكن حرفه واسمه لن يتوقفا عن الإشعاع والتأثير وسيظل العقل العربي مدينا له بالصحوة الهرمينوطيقية التي حاول إيقاظها في الثقافة العربية بعد خلنا أنها تحولت إلى رماد، فهل نقول سلاما أيها الروح المجنحة فوق الضباب، سلاما أيها الطائر المحلق فوق الآراء الظنية والأقاويل المغشوشة؟ ألا ننادي على هذا العقل أن يعود طفلا تماما مثلما قال هو عن نفسه:"نكبر ونقرأ ونتزود بالمعرفة لكن تظل جذور تجربة الطفولة كامنة في أعماق كل منا" ؟
كاتب فلسفي

عن ايلاف

http://www.elaph.com/Web/opinion/2010/7/576668.html

 

 

(0) تعليقات
2010-07-04

yyy



" إن الظالم لا يكون ظالما لغيره حتى يظلم نفسه... والعادل مع الناس إذا هم بالعدل وتحراه فقد عدل مع نفسه قبل أن يعدل مع غيره"
يعاني بني الإنسان من دائرة الناطقين بلغة الضاد في زمن العولمة من الفساد الوجودي والتدحرج الأخلاقي ومن التفاوت الاجتماعي الصارخ واللامساواة على صعيد توزيع الخيرات والمنافع وتضخم درجات المظلومية وانكماش دوائر العدالة ،ورغم المحاولات المبذولة من أجل إصلاح ذات البين وتنقية الأجواء المشحونة وتهذيب التدافع بالتي هي أحسن من طرف بعض الجهات الرسمية والهيئات المدنية إلا أن دار لقمان بقيت على حالها والأوضاع تفاقمت نحو الأسوأ وانسداد الآفاق بالنسبة للشبيبة الأبية قد ضاعف لديها درجات الإحباط وأفقدها الأمل في تعمير الأرض واستصلاح الفعل، والمدهش أننا نعثر على الظالمين في كل مكان تقريبا حيث هناك سلطة ومصلحة من السياسة إلى الاقتصاد مرورا بالاجتماع والتربية والثقافة وأنهم ليسوا على وعي بذلك بل يعتقدون أن ما يقيمون به هو قمة العدل والاستقامة.
فماهي دلالة الظلم؟ وماهي الأسباب الموقعة فيه؟ وماهو تعريف العدل؟ وكيف السبيل إلى التقيد به على مستوى المبدأ وفرضه على صعيد الواقع؟ وهل يمكن للمحبة أن ترفد العدالة في سعيها إلى زرع الأمل والحث على العمل الصالح؟ وماذا ستضيف المحبة والصداقة إلى هذا الوضع المتأزم؟
ما نقصده من خلال هذا الاستشكال ليس تبرير الأفعال المشينة بالاحتماء بالحتميات القهرية وإنما اقتلاع المظلومية من جذورها وتحميل أولى الأمر في الإنسان سواء العقل على الصعيد الفردي أو الدولة على الصعيد الاجتماعي المسؤولية الكاملة في وقوع ذلك وتبعاته العاجلة والآجلة.
1- دلالة الظلم:
" يتكون الظلم من نقيضين، الأول هو تحمل الظلم، والثاني هو اقترافه" أرسطو
الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه المخصوص به وهو انحراف عن العدل وترك الحق إما قريبا وإما بعيدا، والإفراط في الجور يسمى عدوانا وطغيانا ومتى أمعن الظالم في البعد عن الحق صعب عليه حينئذ الاهتداء والإقلاع. ومن صفات الظالم أنه انسلخ عن دائرة الإنسانية وتعطل عن تعاطي العدل وصام عن الأعمال الجليلة وعن نفع الناس واحتكم إلى التخلق والرياء والتصنع واحتكم إلى القوة والتغالب ضد الضعيف والمحتاج.وقد يظلم المرء نفسه وغيره وربه وأبويه وعامة الناس إذا تولى الحكم بينهم. كما أن وقوع الظلم على المرء يسمى الانظلام والسعي نحو دفعه عند السلطان أو الله يسمى تظلم، والانظلام ينتج عن الانخداع والتغافل ويكون في المال والكرامة والنفس وينقسم إلى محمود بقدر ما يحسن وفي وقت ما يحسن ويرتبط بالمسامحة والعفو والتواضح ومذموم وهو الاستخذاء للظالم بقدر ما يجلبه في النفس من غبن وسخط وهوان ومذلة. وقد قيل في المأثور:"أظلم الناس من جار على نفسه ثم من جار على ذويه ثم من جار على كافة الناس" . يترتب عن ذلك أن ترك العدل إلى الظلم عمدا هو أمر مذموم يستوجب به المرء سخط الناس وعقاب الله خصوصا وأن أفضل الناس هو من عدل مع نفسه وغيره وأقرب الناس اليه.
قد يسقط المرء في حال الانظلام أو يقترف الظلم بسبب الشرارة أو الشهوة أو الشقاوة أو الخطأ ولكن أهم الدوافع التي تؤدي إلى ارتكاب المظالم هي المكر والخديعة والحيلة والكيد وذلك بالاستدراج والإضمار والترصد والإضرار بالنفس والغير توصلا إلى نفع دنيوي أو خوف عقوبة السلطان. فهل من آفة حسب أرسطو أعظم من الظلم إذا أمسك بيده سلاحا؟ وماهو الفعل الذي يحسن ترك الظلم فيه؟ وما السبيل للارتقاء في الحكم من العدل والقسط إلى الافضال والإحسان؟
2- الحاجة الى العدل:
" الفرق بين الإحسان والافضال: أن الإحسان النفع الحسن، والافضال النفع الزائد على أقل المقدار وقد خص الإحسان بالفضل ولم يجب مثل ذلك في الزيادة لأنه جرى مجرى الصفة الغالبة كما اختص النجم بالسماك ولا يجب مثل ذلك في كل مرتفع."
إذا اعتبرت لفظة العدل بالقوة فهي هيئة في الإنسان يطلب بها المساواة وإذا اعتبرت بالفعل فهو التقسيط القائم على الاستواء، وهكذا يكون الإنسان العادل تام الفضيلة وتقع أفعاله على نهاية الانتظام ويكون العدل أكمل الفضائل وميزان الله في العالم وهو صواب بلا زيادة أو نقصان ووسط أطرافه كلها جور. بالعدل يكون الاستبقاء والبناء وبالظلم يكون الخراب والاندحار ولذلك ينبغي أن يكون المرء عادلا مع نفسه ومع غيره ومع ماضيه ومع ربه ومع عامة الناس إذا كان حاكما وينقسم العدل إلى مقيد ومطلق، فأما المقيد فهو نسبي ومتغير وعلى سبيل المجاز وينسخ في بعض الأحيان ويمكن أن يوصف بالجور ، أما المطلق فهو الحكم الحسن الذي يقتضيه العقل ويعرف بأنه جذب الإحسان إلى من أحسن إليك وكف الأذية عمن كف أذاه عنك. إن العدل هو بث النصفة بين الناس على سبيل الحكم، والحكم العدل هو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والنص العدل هو مجمع الحق ومنبع الإحسان والأفضال، وقيل إن أعدل الناس من أنصفه عقله من هواه.وقد جاء في المأثور: " يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم". فكيف لا يتجنب الناس حكم الظالمين وأفعالهم كلها شرا ولا يرجوا فضل العادلين وأفعالهم كلها خير؟
محاربة الظلم وزرع العدل يكون بالتسلح بالمحبة والاعتصام بالصداقة وذلك قصد الوصول إلى بلورة أخلاق المحبة وسياسة الصداقة كوسيطين رمزيين لإزالة التنافر الذي يهز دائرتي الحقيقة والتاريخ. وتعرف المحبة على أنها ميل النفس إلى ما تراه خيرا إما للشهوة والمنفعة أو للفضيلة وتوجد المحبة في منزلة وسطى بين العش والصداقة طالما أن العشق إفراط في المحبة والصداقة تبيح التفريط بمنفعة الذات من أجل منفعة الجماعة وقد قيل:" أحد أسباب نظام أمور الناس المحبة ثم العدل ولو تحاب الناس وتعاملوا بالمحبة لاستغنوا بها عن العدل" ، وآية ذلك أن المحبة تؤلف بين القلوب وتحقق التواصل بين الأفراد والتعاون في الأعمال وتسهم في تعمير الكون من قبل بني الإنسان ليتأكد باجتماعهم الأنس وليقع بسبب ذلك الود. فأي دور تؤديه الصداقة في مجابهة الظلم وفرض العدل؟
3- المحبة والصداقة:
" عندما نحب بالمعنى الحقيقي للكلمة فانه يتعذر علينا أن نكره" كارل ياسبرس
إن التظالم هو احد الأسباب المفضية إلى العداوة والبغضاء بين الناس، والعداوة هي القصد إلى الإضرار بالغير بالتحري في التخلص منه أو بالتضاد فيما يؤدي إلى مصالحه، وسببها شيطان الهوى ورأسها الغضب والجهل الذي يتحول إلى كره واضطغان يؤدي إلى إهلاك المعادي وتأذيته ونشر الفساد في البر والبحر ويزداد الفقر وينعدم الأمن وتبرز الهوة بين المالكين والعاملين.
اللافت للنظر أن علاقة المرء بالناس تخضع لجدلية الاختلاط والتفرد لكون اختلاط العاقل الفاضل بالعامة واجب إذا كانت الغاية منه إقامة مراتب الحقيقة عندهم وإنالتهم من الأفعال الجميلة بقدر الوسع ولكن هذا الاختلاط نفسه يتحول إلى رذيلة وفعل مذموم إذا كان يعقبه حط من المقامات وذهاب لوقار العلم ووقار الأخلاق. من هذا المنطلق إن الناس لا يستغني بعضهم عن بعض والأصل أن اجتماعهم مع بعضهم البعض ضروري والتفرد مكروه باستثناء من أجل التفرغ للبحث والتأمل وكما قيل من استأنس بالحق استوحش من الخلق. فهل يجوز القول بأن المروءة التامة هي مباينة العامة؟
إن التخلص من التظالم بين الأنا والآخر والتعادي مع الغير يتوقف على حب الناس ومصاحبة الأخيار ومجانبة الأشرار ويتطلب تخلي المرء عن المشاكسة وقسوة القلب والملق والتحلي بطلاقة الوجه والجود والتحالم والمطايبة في الكلام ويحب المساعدة وسلاسة الطبع والابتعاد عن الخلاف ويكون ظريفا ولين الجانب وقادرا على الاحتمال وكما قيل:"أن يجامل المعاشرين والمعاندين والمشتهين منهم بالإخوان ويصابرهم ويكاشرهم طمعا في رجوعهم إخوانا واتقاء من شرورهم" .
إن حلول مركب المحبة والصداقة في الفضاء المجتمعي يعني رحيل مركب الظلم والعداوة، ورغم أن الصديق الحقيقي هو عملة نادرة ومطلب عسير لكون اختيار من تركن إليه لتصادقه أمر صعب إلا أن التفتيش عنه هو من الأوكد المطالب الاجتماعية وأكثرها نبلا لكثرة نفعه واستحالة الاستغناء عنه. وإذا كان الصديق هو أنت بالنفس إلا أنه غيرك بالشخص فإنه ما يحتاج إليه في كل حال إما للتعاون في الضراء أو للمؤانسة في السراء. وقد قيل:" إنما سمي الإنس إنسا لأنه يأنس بما يراه خيرا وان شرا" ، وعلى خلاف المكروه فإن الشخص المحبوب هو من صفى جوهره وطابت روحه وحسن عمله وتهذبت مشاعره وسكنت انفعالاته ولذلك من حق الإنسان أن يصاحب الأخيار فإنها قد تجعل الشرير خيرا ويتجنب مجالسة الأشرار فإنها قد تجعل الخير شريرا. إن المحبة تقتضي التنازل للغير عما كان مخصصا للذات بنوع من الإيثار والتضحية في سبيل الخير المشترك والتمتع بالفرح والتسلح بشجاعة الأمل.
غني عن البيان أن المركز يرتكب الحيف تجاه الأطراف وثقافة المدينة تحاصر قيم الريف والأغلبية تضطهد الأقليات والعالم يسخر من الأمي والغني يظلم الفقير وصاحب رأس المال يستغل موظفيه والأول في كل طائفة أو حزب يحتكر لنفسه وجاهة المنصب وحق الكلام والتسيير، كما أن مقاومة الظلم خفت زمن العولمة وقلت المعارضة واعتبرت نوع من العناد وانحصرت مساحة النقد وصار الكتبة من سدنة السلطان وتراجع دور الثقافة في عملية التغيير وأمسك رجال المال والعسكر السلطة الفعلية.
هكذا يكون ترك الصداقة لصالح العداوة والعدل إلى الظلم في جميع الأحوال أمرا مرفوضا ويكون الاعتصام بالمحبة في الأخلاق والعدالة في السياسة أمرا مستوجبا ولازما. فمتى تكف الكائنات الآدمية عن التسلطن المؤذي وتعطي كل ذي حق حقه؟ ومتى يكف الناس عن الانظلام والتغاضي عن حق له في المال أو في الكرامة أو في النفس؟ وأليس من المفروض أن نحلم بحياة بلا ظلم؟ ألا يكون التوق إلى العدل سوى تخوفا من وقوع الظلم؟ وأليس السور الذي يحمينا كوننا مظلومين؟
المرجع:
الراغب الأصفهاني، الذريعة في الشريعة ، تحقيق أبو اليزيد العجمي، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى 2007
أبو الهلال العسكري، معجم الفروق اللغوية، نسخة محملة.
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-06-07

yyy


" الفن هو الحفظ الإبداعي للحقيقة في العمل الفني" مارتن هايدغر
اعلم أن شغف الإنسان في الحياة بالجمال يساوي من حيث الدرجة تعطشه لمعانقة المطلق وتوقه اللامتناهي لمعرفة أسرار الأشياء وللوصول إلى الحقيقة، فالجمال ديدنه وكنهه وما به يتقوم، فهو ليس فقط نبراسا لذاته وهاديا لغيره وإنما إكسيرا للخلود وهبة من الدافع الحيوي.لكن اعلم كذلك أن الجمع بين الجمال والحقيقة هو ضرب من القول العجب والخلف المنطقي طالما أن الجمال هو حياة العاطفة والوجدان نصل إليه عبر الإحساس والتخيل والذاكرة والإلهام وتجاوره مفاهيم المتعة والذوق واللذة والتام والكامل وتناقضه مفاهيم القبح والمبتذل والهابط والمحرف والناقص أما الحقيقة فهي نتاج التجربة العلمية والعقل نصل إليها عبر منهج يستند إلى جملة من المبادئ والشروط المنطقية وتناقضها مفاهيم الخطأ والوهم والكذب والغلط والباطل وتجاورها مفاهيم اليقين والبداهة والتصديق والصواب والتطابق بين العقل ونفسه في مستوى ماهو صوري ومع الواقع في مستوى ماهو مادي وتنبع من الفهم والعاقلية والذهن والإدراك. علاوة أن الحقيقة هي مطلوب الخاصة من أهل الفطر الفائقة وأصحاب البرهان ينفر منها الجمهور ويفضل عليها الرأي والظن والاعتقاد، في حين أن الجمال هو مقصد كل إنسان وفي متناول كل العامة مثلما هو في متناول الفلاسفة. فكيف السبيل إذن إلى تجاوز هذه الامية المرهقة أو الاحتمالين المربكين: إما حقيقة وإما جمال؟ وماذا لو ننطلق من العمل الفني ذاته؟
غير أن التفكير الفلسفي الحاذق هو الذي يهتم بالخبرة الجمالية لذاتها تصديقا للمبدأ الشهير:"العودة إلى الأشياء ذاتها قبل الأحكام المسبقة"، وهو الذي يكشف عن كون الفن يعد نشاطا إنسانيا عميقا يعبر به الفنان عن قدرته وتوقه المستمر نحو تجاوز الواقع المباشر يتيح لحقيقة الوجود أن تكشف عن نفسها من خلال جملة من الآثار والمنجزات ولنا في تراث الإنسانية من بناءات ومنحوتات ولوحات وجداريات خير شاهد وأحسن مثال. فلنمرر النظر إذن إلى أحد الآثار الفنية ولنحدق في إحدى لوحات بيكاسو مثل الموناليزا ولنسترق السمع للسمفونية التاسعة لبيتهوفن ولنتساءل كيف لتلك الألوان والخطوط والمناظر والأصوات والأنغام والايقاعات والأحجار والأعواد أن تتجاوز تعددها وكثرتها وتنصهر في شيء واحد وتتحول إلى عمل فني بالمعنى الأصيل للكلمة؟ وإذا بحثنا وتأملنا فيه ماذا سنجد؟ هل سنعثر على الحقيقة مدفونة هناك مثلما يدفن الذهب في الرمل أم أننا سنحس بالجمال وذلك بأن نمتع العيون ونطرب الأّذان ونغرف من نهر الحياة الخالد ما يسكن الجوارح ويطيب الخواطر؟ أليست هذه لحظة معانقة الأثر بوصفه حدث الحقيقة التي تمتلكنا ولا نمتلكها؟ ألم يقل فرويد أب التحليل النفسي أنها تعبر عن الماضي الطفولي للفنان وأن طيات الثوب الذي ترتديه تلك المرأة التي رسمها ليونارد دي فنشي تخفي مجموعة العقد والمكبوتات الجنسية الخاصة به؟ ألا تعكس الآثار الفنية عند ماركس وجهة نظر طبقية داخل المجتمع الذي ينخره التناقض؟ ألم يعتبر نيتشه موسيقى فاغنار حضور بارد للروحانيات المسيحية؟ فأين الحقيقة من كل هذا الركام الهائل من التفسيرات؟ فهل ثمة مبررات لقيام خطاب فلسفي حول القيمة الجمالية؟ وهل هي مطلقة سرمدية أم نسبية دنيوية؟ وما علاقة الفن بالحياة؟ وماهي أغراض الفنان؟ وأين توجد القوى التي تقف وراء إنتاج الأثر الفني؟ هل هي الإحساس والخيال أم الحدس والشعور؟ وما علاقة الفنان بالتجربة الجمالية؟ وهل يعكس الفن المرحلة التاريخية التي يعاصرها أم يسهم في تغييرها والتأثير في حالتها المستقبلية؟ ما السبيل إلى قيام فن إنساني كوني؟ وكيف نميز في الإبداع الفني بين ماهو ذاتي وماهو موضوعي؟ وهل تتحدد التجربة الفنية من جهة المبدع أم من جهة المتلقي؟ وأي أسلوب ينبغي أن يعتمده حتى يستطيع أن يقوم بتصنيف فني للفنون؟ وماهو الفن الذي ينبغي أن نضعه في أعلى السلم والفن الآخر الذي يكون في المرتبة السفلى ؟ وبماذا يتميز الجميل الفني عن كل من الجميل الطبيعي والنشاط العلمي والإنتاج الصناعي؟ ما الذي يجعل العمل الفني عملا فنيا بحق؟ وهل كل جميل هو بديهيا حقيقيا وخيرا؟ وألا يمكن للشر والوهم أن يترافقا مع جمالية معينة؟ وهل أن الفن رؤية نفعية للإنسان تحقق التسلية وتملأ أوقات الفراغ أم أنه نشاط إبداعي لذاته وهو في حد ذاته غائية دون غاية؟
غير أن الإشكال الأساسي الذي يجدر بنا معالجته هو: هل نبني حكما في شأن الأثر الفني من خلال ما يعكسه من جمال أم بموجب ما يكشفه من حقيقة؟فما الذي يبيح الجمع بين الجمال والحقيقة في الأثر الفني؟
إن معالجة هكذا إحراج تقتضي مفصلة خطة البحث إلى لحظة أولى يكون فيها الانطلاق من تحديد مفهوم الفن من جهة علاقته بالطبيعة والصناعة والعلم والفلسفة والدين والأخلاق، وبعد ذلك الانتقال للتطرق إلى مسألة الإبداع الجمالي والتساؤل عن دور ذاتية الفنان في التجربة الفنية، مع التوقف عند نقد الوعي الجمالي باعتباره واقع لامحالة في الاغتراب والتشريع لحق جمالية القبح في المواطنة الاستيطيقية، ثم لنصل في الأخير إلى حدث الحقيقة كلاتحجب في الأثر وتراوح هذا الأخير بين الرمز واللعب والاحتفال.
بيد أن ما يراهن عليه الإحساس وماهو في متناول الحكم هو تفادي الفن الهابط والذوق المعلب والجمال الصناعي والشروع في نفي الاغتراب والإقرار أن الحاجة إلى الفن الأصيل هي حاجة وجودية متأكدة وأن الحياة تكاد تكون غير محتملة من دون الاستمتاع بالآثار الفنية.
"إن الفن لم يكن ضروريا في الماضي وحسب بل سيبقى كذلك في المستقبل أيضا وعلى الدوام"
لما كانت الفلسفة في صميمها تدبرا مفهوميا ووصفا دقيقا لمختلف أبعاد التجربة الإنسانية ولما كانت الظاهرة الجمالية هي أحدها وكان الكائن الآدمي مغرما بالفن من حيث الفطرة ومتعطشا للجمال بغريزته فليس بدعا أن نرى الفلاسفة يولون عناية قصوى بهذا المطلب ونشاهد الناس في حياتهم اليومية يصرون على الفوز به والاستمتاع بمحاسنه. غير أن دراسة الفن قد اتخذت عدة أشكال ونحات نحو عدة اتجاهات إذ أراد البعض منها أن تكون مجرد دراسة تجريبية للأذواق، بينما قام البعض الأخر بدراسة نفسية للإبداع الفني والتذوق الجمالي، في حين ربط غيرهم الفن بالنشاط الحضاري وبالأطر الاجتماعية والتقاليد الثقافية، فاتجه البحث نحو علاقة الفنان بالجمهور والصلة بين الباث والمتقبل.
إن كان الفن يمثل رؤية للواقع تتجلى من خلال ذاتية الفنان وتعكس الأعمال والآثار الثقافة التي تنتمي إليها فإنه من الضروري أن يقوم هذا الجوهر النفيس بعدة أدوار ويلعب عدة وظائف ترتبط بالطاقة الإبداعية لدى الفنان وبالحاجات الاستيطيقية لدى المجتمع وبالتجليات الوجودية للحقيقة. وقد عبر هيجل عن هذه الوظيفة بقوله:"إن هدف الفن يتمثل في أن يظهر للعيان ما يتولد عن الروح"، ويقصد بذلك أن العمل الفني يتوسط الحسي المحض والفكري المحض، وكما قال فلوبير:"إن مكانة المبدع بالنسبة إلى أثره هي مثل مكانة الإله بالنسبة إلى خلقه".
لكن أن نعتبر الفن رؤية للعالم ووسيط رمزي بين الإنسان وغيره وأداة للتعبير عن مكنونات الذات وحركات الفكر نحو العودة إلى ذاته فذلك أمر بديهي ولا يمكن المجادلة بشأنه ولكن أن يتحول الأثر الفني إلى سلاح نقدي يعمل على إحراج الثقافة السائدة ويقوم بفضح الحضارة الصناعية ويعري أساليبها في الخداع والتمويه ومحاصرة إمكانات الحياة فذلك ما يثير الاستغراب ويدعو إلى الدهشة والتدبر، إذ كيف يا ترى تنهض الفنون بوظيفة إظهار ما يريد أن يختفي وتخفي ما يريد أن يظهر؟ والى أي مدى يجوز لنا أن نفسر الآثار الفنية بطريقة علمية؟ ألا يؤدي ذلك إلى فقدانها لهالتها السحرية واختفاء قيمتها الجمالية؟ ألم يقل سارتر:"إن الفن هو ذات الإنسان الطموحة إلى استعادة حريتها"؟ وما صحة ما قاله فرويد عن الفن بأنه "إشباع خيالي لرغبات لاشعورية ومحاولة لتفادي الصراع المكشوف مع قوى الكبت" وعن الفنان بأنه" إنسان منطو يكاد يصبح عصابيا"؟ وما قيمة الاعتبار الماركسي للفن بأنه جزء من البنية الفوقية التي تعكس ثقافة الطبقة الاجتماعية المهيمنة وتصريحه بأن"الواقع الاجتماعي هو مصدر الأفكار المحركة للعمل الفني"؟ هل يعني ذلك أن الفن مجرد إيديولوجيا تصدر الأوهام أم أنه تعبير عن حقيقة الصراع القائم بين الطبقات الاجتماعية؟ ثم ألم يقل هربرت ماركوز هو الآخر:"أن ذاتية الأفراد تنزع من خلال الفن إلى الذوبان في الواقع الطبقي" ؟ وألم يوكل إلى الفنان مهمة الكشف عن قمع الحضارة للغرائز وحيلولتها دون إشباع الرغبات الإنسانية؟
بيد أن الإشكال الحاسم الذي يحرج كل تفكير فلسفي في الظاهرة الفنية هو ذاك الذي يثيره مايكل دوفرون بعد قام بالوصف الفنومينولوجي للخبرة الجمالية واعتمد أسلوب التحليل وقارن الاتجاه الجمالي بالاتجاهات غير الجمالية ويتمثل في مقارنة الاتجاه الجمالي بالموضوع الحقيقي وبالموضوع المحبوب ويمكن صياغته على هذا النحو: هل أن الاتجاه الجمالي هو الاتجاه نحو المحبوب أم الاتجاه نحو الحقيقي؟
في هذا السياق يقول مايكل دوفرين:"إنني أنا الذي أمتلك الحقيقي بينما الجميل هو الذي يمتلكني" ويقصد أن الاتجاه نحو الجميل يشبه اتجاه الإنسان نحو الحقيقي. ولكن التأمل الفلسفي لا يبحث بطريقة شرعية عندما يهتم بحقيقة الجمال ولذلك ينبغي التركيز على المحبوب لأن الحقيقة تكون ذاتية في العمل الفني والخصائص التي تشير إلى توجهنا نحو الحقيقي هي الانبهار الذي يعيشه المرء وهو في حالة حب التي هي أحسن تعبير عن الخبرة الجمالية التي يمكن أن يعيشها الإنسان. فكيف يا ترى يكون الاتجاه نحو المحبوب هو خير ضامن للتأليف بين الاتجاه نحو الحقيقي والجمال في الآن نفسه فيكون ماهو حقيقي جميل وماهو جميل حقيقي؟ وأليس من الأجدى أن يؤلف الفنان بين قيمتي الجميل والحقيقي من أجل أن يتجه نحو الحرية؟ ألم يقل بول ريكور في هذا الصدد:"إذا تحرر الفنانون من... فلابد أن يجعلوا أنفسهم أحرارا من أجل..." ؟
بيد أن التحدي الكبير بالنسبة للعرب والمسلمين هو تجاوز التناقض بين الدين والفن والإيمان بإمكانية استثمار الاحتفال بالمقدس من أجل تفعيل آلية الخلق الجمالي والمشاركة في إنتاج الآثار الفنية، فهل يجوز لنا القول بوجود فن عربي إسلامي؟ وماهي خصوصية الرؤية الجمالية في الإسلام؟
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-06-03

yyy





"لا ينبغي أن نطلق اسم الفن إلا على ما نتج عن حرية أي بصفة اختيارية تجعل العقل أساسا لأعماله."
لئن ارتبطت الفلسفة بالعقل وتكلم العقل لغة المفاهيم وصورت لنا المفاهيم أحداث الواقع ولئن انغمست العلوم في التجربة وتكلمت التجربة بلغة الرياضيات والأرقام والمعادلات ونقلت لنا هذه المعادلات العلاقات بين الأشياء وصاغت قوانين الظواهر فإن الفنون ترتبط بالأحاسيس الدافئة والمتوترة والخيال الخلاب والمنتج وبالذاكرة العميقة والجماعية وستتكلم لغة الأهواء وستعبر لنا هذه المشاعر عما يدور داخل الذات من جموح نحو المطلق وثورة على السائد وإرادة لتجاوز الحدود نحو اللانهائي.
ربما كان مصطلح الفن غامضا بعض الشيء وآيتنا في ذلك أنه يطلق على التقنية وعلى الفنون الجميلة على الرغم من الاختلاف الكبير بين عمل الحرفي الموجه من قبل أهداف نفعية أداتية وعمل الفنان الممارس لذاته والهادف إلى قيمة نوعية متعلقة بالجمال أساسا. لذلك يشير الفن في معناه العام إلى الإنتاج الانساني الذي يجمع بين الحرية والعقل والإبداع. على هذا النحو يشير لالاند في معجمه إلى أن:"الفن أو الفنون تعني كل إنتاج للجميل بواسطة الآثار التي يبدعها كائن واع." وبالتالي يتميز الفن على الطبيعة تميز الفعل عن الحركة والحرية عن الضرورة من حيث أنه كما يقول فرنسيس بايكن "الشيء الذي يضيفه الإنسان إلى الطبيعة".
كما يتميز الفن عن العلم تميز المعرفة النظرية عن المعرفة العملية إذ لا يعرف الإنسان بالضرورة كل ما يقدر على فعله ولا يصنع بالضرورة ما يقدر على معرفته، وقد برهن كانط عن ذلك بقوله:"الفن هو العمل الوحيد الذي لا نملك مهارة صنعه حتى وان كنا نعرفه على الوجه الأكمل." زد على ذلك أن الفن متميز عن المهنة لأن الفنان هو الصانع الذي يمتلك فكرة عما سيبدعه ولكنه يتحرر من كل غرض مادي.
كثيرا ما يقع الناس في الخلط "بين الفني والاستيطيقي والجميل فيستخدمون الواحد منها محل الآخر...غير أن هذا الاستخدام يدعو إلى الأسف، لأنه يخلط بين ثلاثة أنواع يختلف كل منها تعن الآخر...فلفظ "الفن" يشير إلى إنتاج موضوعات أو خلقها عن طريق نوع من الجهد البشري. وهكذا نتحدث عن "الفنان الخلاق" وعن نتاج نشاطه وهو "العمل الفني". والجمال يشير إلى جاذبية الأشياء أو قيمتها. أما الاستيطيقا ...فهو يحتفظ في الكثير من الحيان بمعنى اللفظ اليوناني الذي اشتق منه Aisthesis إذ انه يشير إلى إدراك موضوعات طريفة والتطلع إليها."
بيد أننا لو عدنا إلى اللسان اللاتيني فإننا نجد اللفظ اللاتيني Ars وقد اشتق منه مفهومBeaux arts الذي يرتبط بالنشاط المهني والتقني.ونستنتج من هذا التحديد الإتيمولوجي أن الفن هو مهارة في الصنع وتقنية للعب وقدرة على الإنتاج والمعرفة الصانعة Savoir faire. لكن ما سر اشتهار تعريف الفن على أنه محاكاة للطبيعة؟ وما قيمة مثل هذا التحديد؟
يركز التصور السفسطائي منذ الإغريق على أن جذور الفن متأصلة في أعماق الذات بما أن الإنسان هو مقياس كل شيء وبالتالي يكون الفن مواضعة واصطلاح وجهد منصب على تقليد المناظر والحركات والأصوات الطبيعية والجميل الفني هو مرآة عاكسة للجميل الطبيعي ولكي يصبح الإنسان فنانا عليه أن يتجول في الطبيعة ليستنسخ مواطن الجمال ويستلهم أسرار الإبداع . غير أن أفلاطون نقد هذا التصور بقوله:" الفن محاكاة للمحاكاة أو محاكاة مضاعفة" لأنه يتراجع عن الحق ثلاثة مرات الأول عن الجمال في ذاته (المثال) والثاني عن الجمال الطبيعي (المثيل) والثالث عن الجمال الفني (الممثول)، ويستدل على ذلك بقوله:"إن هذه الأعمال تنتمي إلى المرتبة الثالثة بالنسبة إلى الحقيقة وأنه من الممكن الإتيان بها بسهولة حتى لو لم يكن المرء يعرف الحقيقة، إذ أنهم لا يخلقون إلا أوهاما لا أشياء حقيقية" . وينتهي إلى الإقرار بأن الفن القائم على المحاكاة هو بعيد كل البعد عن مثال الحق بماهو جمال في ذاته وخير أسمى.
لهذا السبب يكشف أفلاطون عن وجود عروة وثقى تجمع الجمال والحق والخير ويعمد إلى تفسير الفن بوصفه تعبيرا عن الحقيقة ويتعالى به عن مجرد المحاكاة للمظاهر الخادعة ويرى أن مصدر الإلهام لدى الفنان هو المثال المعقول للجمال، وآيته في ذلك ما خاطب به هوميروس في محاورة ايون:" إن براعتك في الكلام عن هوميروس لا تعزى إلى الفن... ولكنها تأتيك من قوة إلهية تحركك" . ويقصد أن علم الإنسان مأخوذ بالسماع بينما علم الآلهة مأخوذ بالعيان ولذلك ينبغي أن تعلم آلهة الشعر الشاعر ويجب أن يعتصم هذا الأخير بالحب لكونه محرك الفيلسوف نحو الحق ودافع للفنان نحو الجمال.
غير أن نظرية المحاكاة قد مثلت عائقا ابستيمولوجيا أمام تطور الفنون ونشأة علوم الجمال لذلك حاولت مدرسة الفنون الجميلة في عصر النهضة استبدال نظرية المحاكاة التامة البسيطة بنظرية المحاكاة المنقوصة والتي تعمد إلى القيام بتحريفات وإضافات على ماهو طبيعي تبرز من خلالها قدرة الفنان على إنتاج الجمال بمعزل عن التصوير المطابق للواقع، وقد عبر أرسطو من قبل عن هذه الرغبة في تخطي عتبة الطبيعة فنيا بقوله:"إن الإنسان الذي زودته الطبيعة باليد أقوى الأسلحة يستطيع أن ينتج من الفنون ما يكمل به الطبيعة ويقومها " واليد هي الأداة التي تخلق غيرها من الأدوات وبها يصنع الإنسان ما شاء من فنون" . لكن أنظر كيف طوع هيجل هذا المفهوم الأرسطي ليتماشى مع فكرته الشاملة بقوله:"يكمن الهدف الأساسي للفن في المحاكاة وبعبارة أخرى في الاستنساخ البارع للأشياء كماهي موجودة في الطبيعة."
إن فنون المحاكاة عند أرسطو تستخدم الإيقاع واللغة والوزن وتلجئ إلى الحبكة والعبارة وهي متحررة من أغراض الفائدة والاستعمال وتحدث في النفوس عملية تطهير وتتفرع إلى الملحمة والملهاة والمأساة والشعر والموسيقى والغناء. عندئذ يحدد أرسطو مهمة الفنان في رواية ما يمكن أن يقع من الأحداث وليس في روايتها كما وقعت فعلا مثلما يفعل المؤرخ، ولذلك يطلب منه ما يلي:" ينبغي أن نفضل المستحيل المحتمل على الممكن الذي لا يقبل التصديق."
هذا الدرس انتبه إليه ليونارد دي فينشي حينما ساهم في بناء مدرسة جمالية تحررية تحاول أن تنعتق من المدرسة القديمة الميتافيزيقية ومن اللاهوت المسيحي بقوله:"الرسام سيد خلقه والعين تخطئ أقل مما يخطئ الفكر" . فكيف أدى تعاظم دور الذات في نشأة الاستطيقا؟ ألا ينبغي أن ننتقل من فن يحاكي الطبيعة إلى طبيعة تحاكي الفن إذا ما رمنا الانخراط في الثورة الكوبرنيكية في دنيا الجماليات؟ وكيف ارتبط ميلاد الذاتية بالخلق الفني وتشكل الوعي الجمالي؟
"إن الفنون لا تتولى محاكاة المواضيع التي تمثل أمام أنظارنا وإنما ترتقي إلى الأسباب العقلية التي تنبثق منها طبيعة الأشياء. وأخيرا، فإنها تخلق كثيرا من الأشياء بنفسها وهي تضيف إلى الشيء ما ينقص كماله لأنها تملك في ذاتها الجمال."
يعبر بول كلي عن صعوبة إيجاد حد جامع مانع للفن لأن هذه التجربة التي يعيشها الفنان ويختلط فيها الانفعال بالخيال والإشراق بالإحساس تظل لغزا غامضا لا يمكن فك رموزه ومعرفة آليات إنتاجه. والغموض مرده تحول الفن إلى مواد معدة للاستعراض والاستهلاك ولكن الطريق إلى تذوقه والحكم عليه والاستمتاع به عسير ووعر نظرا لأن طريق العقل والمفهوم ليس المدخل المناسب لذلك نظرا لأن عالم الفن هو عالم العاطفة والشعور والوجدان والإبداع وفيض الخاطر. إن الفن ليس فقط تركيب بين أصوات وألحان ورسوم وأشكال وكتل بل هو امتزاج بين هاته الأشياء وأمر آخر ينضاف إليها ويصبغ عليها سحرا ما غير معروف عبر عنه بول كلي بقوله:" الفن يرمز إلى الخلق مثلما ترمز الأرض إلى الحياة" ويصرح أيضا:"الفن لا يسمح بإعادة إنتاج المرئي بل يجعله مرئيا" .
كما يرى أن جوهر الفن يقوم على الإبداع والحرية ويتجه نحو التعبير عن اللامرئي بواسطة ماهو مرئي وعماهو مألوف ومعتاد بأشياء غير مألوفة وطرق غير معتادة بقوله:" الفن يخترق الأشياء إلى ماوراء الواقع وما وراء الخيال" . إن تذوق الآثار الفنية يفضي إلى نوع من التربية الجمالية التي تساعد كل إنسان على إطلاق العنان للذاتية لكي تمارس العمل الإبداعي وتنخرط في تجربة كاريكاتورية أقرب إلى الهزل منه إلى الجد تلعب بالموجودات وتعبث بالمصنوعات لا تكتفي بالتكرار والمعاودة بل تولد التنوع والمختلف وتحرر الخيال من ألنماط وتهذب اللغة وترتقي بالإحساس وترتحل نحو المجهول واللانهائي.
لكن ما الفرق بين خبرة الخلق الفني على مستوى الإبداع و خبرة الإدراك الجمالي على مستوى التذوق وخبرة النقد الفني على مستوى التقبل؟ وهل يقتضي ذلك الحصول على درجة معينة من الوعي؟ وماذا نعني بالوعي الجمالي؟ ثم "ما الذي يجعل البصر يدرك الحسن في الجسام والسمع يستجيب إلى الحسن في الأصوات وكيف يتم الحسن في كل ما له علاقة مباشرة بالنفس؟ وهل للحسن في كل تلك الأمور أصل واحد لا أصل سواه أم الحسن شيء أن يكون في الجسد وشيء آخر أن يكون في غير الجسد؟"
ارتبط ميلاد علم الجمال بميلاد الذاتية وارتبط اسم الاستيطيقا باستقلالية الفن وتحرره النسبي من الميتافيزيقا والدين والأخلاق وكان الفيلسوف الألماني كانط خير معبر عن هذه النزعة الجديدة في التذوق الجمالي، إذ يعود إليه الفضل في إحداث تمييز بين الفن والطبيعة والعلم والتقنية بقوله:"الفن مهارة إنسانية متميزة عن العلم تميز ملكة التذوق عن الملكة النظرية والعملية" .كما تصور كانط العمل الفني على أنه بعيد كل البعد عن النشاط الغريزي المسجون داخل الخيال التكراري ورأى أنه منبعث عن ذوق جمالي يمارس عن حرية ووعي ولذاته وأن "الجمال هو ما يروق للجميع دون فكرة" . زد على ذلك أن كانط أكد على فكرة الفن للفن والتي تعني الانغماس في التلقائية والعفوية وغياب التوظيف الأداتي بالنسبة للآثار الفنية وكونها غائية دون غاية وبالتالي لم يعد الفن يعرف بوصفه محاكاة للطبيعة ولا تمثل الشيء الجميل بل التمثل الجميل للشيء".
اللافت للنظر أن الحداثة الفنية التي تم تدشينها مع الذاتية تميزت بالانتقال من تعريف الجمال على أنه معطي ميتافيزيقي جميل في ذاته ومرتبط بالكمال والتساوق والانسجام مع نظام الكون إلى تعريفه بالنظر إلى الانطباع والتأثر والتوقيع والتمثل والاستقلالية والتلقائية والقابلية وبالتالي تنسيبه ووضعه في التاريخ.
إن التجربة الفنية هي تجربة إبداعية والإبداع يتمثل في الانفصال عن السائد وامتلاك قدرة على الاستكشاف والتنبؤ وتسليط الضوء على الحياة البشرية الخفية والتعبير عن الباطن بواسطة لعبة الصور لاسيما و"أن هذا النوع من القوة الافتراضية للصور ستبحث في عمق الفكر عن الإمكانيات التي لم يقع استخدامها إلى اليوم" . إن ديدن الفنان هو إعادة خلق العالم وانتقال إلى عالم مافوق الحقيقة وهروب إلى مملكة الحرية وانفلات إلى دنيا الحلم وان غرضه هو التعبير عن فرديته وتميزه وعبقريته من خلال حبكة حية من الأحداث والمشاعر وكلما كان أثره الفني الذي أبدعه أصيلا اقترب من قيمة الحقيقة وعبر بجلاء عن مطلب المعنى. وكما قال ديينس هويسمان:" لا يمكن أن نكون مبدعين إلا في الحقل الذي نستطيع فيه أن نعمل دونما التعرض لخطر السخرية" .
إن الفرق بين الجميل والجليل هو فرق في الدرجة وليس في النوع بما أن الجليل مثير وعظيم ويؤدي إلى الدهشة والقسوة والفزع والرعب والرقي والعظمة والروعة بينما الجميل ساحر وممتع وحسن ورائق للجميع دون مفهوم. وبالتالي يكون الجليل الحسن الخلاب والجميل بامتياز.
لقد بين كانط "أن الذين يملكون إحساسا بالجليل يحملهم صمت ليل صيفي نحو مشاعر راقية عن الصداقة وعن الأبدية وتفاهة العالم" . كما أن التذوق الجمالي ليس مجرد متعة حسية وإنما غبطة روحية تدعو إلى النظر بانتباه واللعب مع الوجود وممارسة التفكير بحيث يشعر المرء أنه أدرك الديمومة وشارف على الاكتمال ويكاد يتحد بالمطلق.
إن ماهية الفن هي الحرية وان حرية الفنان هي أساس إبداعه وإلهامه وان ضريبة الحرية هي المغامرة في المجهول والمخاطرة بالحياة من أجل التضحية في معبد الجمال الفتان. وكما قال كانط:"لابد من ذوق حتى نحكم في شأن شيء جميل لكن لابد من عبقرية لإبداع شيء جميل"، وآيته في ذلك أن الذوق ملكة حكم وليس ملكة إبداع وهو حكم تأملي بحت يحقق الرضا النزيه الحر دون أية مصلحة حسية أو عقلية.
لكن لماذا يظل الجمال لا قيمة له إلا بالنسبة إلى الإنسان؟ وكيف يستعمل الفن في غير محله ويساهم في إفساد الذوق وتنميط الوعي؟
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-05-12

yyy



"إن المبدع لنتاج يدين به لعبقريته لا يعرف هو نفسه كيف توجد فيه الأفكار الخاصة بهذا النتاج"
أثار غياب الفيلسوف عن دائرة حضارة اقرأ منذ ابن رشد وابن خلدون حفيظة المثقفين والقراء حول الصفة التي تليق بمقام هذا الكاتب المنتظر والعالم الموعود والصفة التي يمكن أن تنعت بها المجهودات التنويرية التي يفترض أن يبذلها لتفادي حالة الضعف وموقف العجز ولكسب وسائل المنعة وإعداد القوة الفكرية. ولئن وصف بكونه متفلسفا حرا يسهم في تحريك العقل العربي ويعيد الاعتبار إلى الفلسفة الإسلامية وفق مناهج وآليات معاصرة فإن البعض الآخر قد يقللون من شأنه ويتعاملون معه على أنه مجرد مفكر ابستيمولوجي ومربي أناسي ومؤرخ للأنساق المعرفية. أما الفريق الثالث فقد يعتبره مصلحا دينيا وقارئا هرمينوطيقيا جيدا للقرآن والمدونة الشعرية والنثرية ومفجرا لثورة ثقافية تطال أهم العلوم الإنسية والصحيحة وتطرح من جديد إشكالية التراث والحداثة والخصوصية والكونية من منظور تقدمي.
لكن الفرضية التي يمكن اختبارها في هذا الصدد هي مدى استحقاق مثل هؤلاء الأساطين المصلحين صفة العبقرية، فهل يجوز لنا أن نعتبر محب الحكمة عبقريا ؟ وماذا تعني كلمة عبقرية لغة واصطلاحا؟ وكيف يمكن التصرف فيها دون الوقوع في نظرة عنصرية أو حكم ثقافي متعال؟ وهل هناك عباقرة أخرون مازلوا على قيد الحياة ويمكن للمجتمعات العربية أن تستفيد من اجتهاداتهم وعلمهم؟ وكيف تتعامل الأنظمة السياسية معهم؟ وهل تشجعهم أم تتفادى آراءهم؟ وهل العبقرية تحصل بالطبع أم يرتقي إليها المتعلمون بالاكتساب؟ وهل هي الذكاء والفطنة أم المهارة والصنعة؟ وهل تتجلى في الاختراع المادي للوسائل أم في التخطيط النظري للغايات؟ والى أي مدى يسمى كل مبدع عبقريا؟ وما الفرق بين الذكاء الاصطناعي والعبقرية ؟ وهل نشجع الإبداع من أجل الرقي أم نحاصره خشية الفتنة والاضطراب الذي يحصل في النفوس؟ فمن هو الذي يستحق شرف تسمية عبقري؟ ألم يعتبر عباس محمود العقاد النبي محمد (صلعم) والخلفاء( رضع) بدرجة أقل من عباقرة الإنسانية؟ وهل يمكن أن نعتبر العبقرية بعد ختم النبوة صفة بشرية يجوز إطلاقها على الكائن الآدمي المتناهي؟
ينظر العامة إلى العبقري على أنه شخص غالبا ما يكون صاحب بدعة ولا يحسن التعلم والتقليد وجاهل بأصول المعرفة المتداولة ونظام الفكر وغير ناجح بالمعنى الوظيفي بل منغمس في الخيال ومصاب بالجنون ويعشق الثورة والتمرد وهو أبله ومشعوذ "ينشر من حوله الضباب كي لا نستطيع أن نحكم بوضوح" ولذلك فهو منفر ويأتي أشياء من قبيل العجيب والغريب التي لا ترضي أحد.
بيد أن التروي والمداولة بشان هذا العصفور النادر يفضيان إلى التصريح بأن العبقري هو الموهوب المخترع الذي لا يعيش وفق نظام العقل وهديه بل يخط لنفسه أسلوب في الحياة يبدعه بنفسه ويظهر في عيون معاصريه أمرا غير مألوف. وليست الصدفة هي التي تجعل من بعض الناس عباقرة ولا الحظ بل هناك عوامل وراثية وثقافية ونداء وجود ورسالة من الحضارة يتكفل البعض بحملها واستئنافها.
إن البحث الإتيمولوجي يقودنا إلى القول بأنه قد جاء في لسان العرب ما يلي:" عبقر موضع في البادية كثير الجن... نسبوا إليه كل شيء تعجبوا من حذقه أو جودة صنعته...كلما رأوا شيئا فائقا غريبا مما يصعب عمله ويدق أو شيئا عظيما في نفسه نسبوه إليها (الجن) فقالوا عبقري ثم اتسع فيه حتى سمي به السيد الكبير...وأصل العبقري صفة لكل ما بولغ في وصفه...وعبقري القوم سيدهم وقيل العبقري الذي ليس فوقه شيء والعبقري الشديد... وهو الفاخر" .
أما في اللاتينية فهو اسم مشتق من كلمة genius التي تعني الإله الذي يسطر الميلاد ومصير كل إنسان وهذا المعنى هو قريب من معنى اللفظ الإغريقي Daimon الذي يشير إلى قوة الهبة تدفع الأفراد نحو مصيرهم المحتوم. ونجد في محاورة أيون لأفلاطون ما يلي:" العبقري هو هذا الجن الإلهي الذي يلهم الفنان" وهو كائن موهوب بالبركات الإلهية وموعود بمصير استثنائي.
أما الدلالة السكولاستيكية فهي تفيد العطاء الذي يتميز به الفكر في مجال مخصوص مثل عبقري الرياضيات أو عبقري في قضاء الأعمال والعبقرية هنا هي مصدر الخلق والإبداع.
غير أن الكلمة ارتبطت بالاستطيقا وفلسفة الفن وخاصة بالرومنطيقية وتدل على القدرة الإبداعية لدي الفنان ولدى الشخص الذي يقدم عطاء ما. وعند كانط يتغير التحديد ليصبح ما يلي:" العبقرية هي استعداد فطري للفكر تعطي من خلاله الطبيعة قواعدها للفن." من هذا المنطلق ينبغي حسب كانط أن نعتبر الفنون الجميلة صادرة بالضرورة عن عبقرية الفنان لاسيما وأن الفن لا يمكن أن يكون مجرد تطبيق لمعرفة قبلية وإنما هو نشاط إبداعي خال من أية قيمة معرفية.
إن العبقري حسب كانط يتميز بالخصال التالية:
- الأصالة التي تعنى الأصلي والفطري والفريد وغير المتوقع نظرا لأنه لا يتمثل أي نموذج قبلي.
- النموذجية التي تشير إلى أن الأثر عندما يتم الفنان إبداعه فإنه يصبح نمطا مثاليا لغيره من الآثار.
- الإلغاز بحيث لا يستطيع الفنان أن يكون على دراية تامة بما ينتجه من آثار. كما يرى كانط فإن الطبيعة تحرس طابعها الإلغازي وان الخيال يبقى "فنا مخفيا في أعماق الطبيعة."
يحسب لنيتشه أنه ربط العبقري بالمكابدة والقدرة على الانتصار على الذات والتجاوز فهو "يتدرب على طرح الأحجار ثم البناء والبحث عن مواد يشتغل عليها دائما" . وإبداعية العبقري تشبه إلى حد كبير الميكانيكي الماهر وعلم الفلك أو المؤرخ. إن العبقرية ليست ادعاء ولا تظاهر وبروز وإنما هي انبثاق وحركية وإنتاج وفعل يثير الفضول ويقلب الأمور رأسا على عقب ويحرك التاريخ.
على خلاف ذلك ينبغي أن نحترس من أن تؤدي ايديولوجيا العبقرية إلى أرستقراطية اجتماعية وجنون العظمة والشعور بالتفوق على الآخرين مما ينتج الهويات المنطوية على ذاتها والانتلجينسيا السياسية المزهوة بنفسها والآراء الثقافية الإقصائية التي قد تتسبب في اندلاع النزاعات والحرب ومشاعر الكراهية والتباغض بين الفئات مما يتعارض من دمقرطة التربية واحترام منظومة حقوق الإنسان بشكل منصف.
إن من استحق شرف تسمية عبقري هو من طينة أولئك الرجال العظام الذين شملتهم الآلهة برعايتهم والذين ينظمون قصائد مملوءة بالروح وتنبثق منهم أفكار مليئة بالخيال وحبلى بالمعاني ويسهموا في إكمال المعارف الإنسانية النافعة وإنضاج العقول وتطهير الأنفس وإصلاح المجتمعات. وغرابة الموقف أن العبقري لا يمتلك معجزات مثل النبي ولا كرامات مثلما يزعم الساحر وإنما يعول على ملكاته الطبيعية ليفتن الناس بموهبته ويضيف إلى الموجود بجرأته وإعادة تنظيمه لأشياء الكون على طريقته الخاصة.
هكذا تتنافى العبقرية مع نظام المؤسسة وروتينية التعليم وتتعارض مع روح المحاكاة والتقليد وتنشد التفوق والاجتهاد والامتياز وتولد من رحم المعاناة والمحن وتظهر عند أناس خبرتهم الحياة بنوائبها ومباهجها.
اللافت للانتباه أن العبقري لا يعترف بالفشل ولا يرضى بالهزيمة بل يفتش بلا ملل عن الانتصار ويرفع لغة التحدي والمثابرة ولذلك نراه يمتلك ذهنا متقدا وخيالا واسعا وذاكرة حافظة وإرادة صلبة وعزيمة جبارة ووعيا ثاقبا ولغة متنطعة وهو شخص عقلاني شرط أن نفهم من العقل ما كان قد عرفه المحاسبي بقوله هو :" غريزة وضعها الله سبحانه في أكثر خلقه...فمن عرف ما ينفعه وما يضره في أمر دنياه عرف أن الله تعالى قد من عليه بالعقل الذي ساب أهل الجنون وأهل التيه وسلب أكثره الحمقى الذين قلت عقولهم. وكذلك معرفة بعضهم من بعض بظاهر فعل الجوارح."
ما نلاحظه في هذا الزمن الجدب أن الناشئة العربية تبحث عن أفكار الرفعة والنهوض وتحبذ إرادة القوة وتسعى وراء نحت الشخصية الرسالية ولذلك تحتاج إلى أنموذج العبقرية من أجل فك الارتباط مع نفسية الاستسلام واللامبالاة واكتساب مهارات في التمدن والترقي وتفجير طاقات الإبداع الكامنة فيها. لكن هل العبقري هو الذي يتجنب المضرة ويطلب المنفعة حتى يجيب بما يعقل؟ أليس الأحرى به أن يذهب إلى اللب والجوهر ويعيش صفوة الروح؟ وألا يكون العقل نورا في القلب يبصر به العبقري بعد أن كان قد وضعه الله طبعا وغريزة؟ ألا تحتاج الثقافة العربية في زمن فقدان البوصلة إلى تشجيع روح العبقرية وتفضيل منطق الاختراع من أجل الاستئناف الحضاري وإمساك زمام المبادرة؟
المراجع:
ابن المنظور، لسان العرب المحيط، المجلد الرابع، دار الجيل، بيروت، طبعة 1988. الحارث بن أسد المحاسبي، العقل وفهم القرآن، مائية العقل ومعناه واختلاف الناس فيه، تحقيق حسين القوتلي، دار الكندي للطباعة والنشر والتوزيع،الطبعة الثالثة 1982
E. Kant, Critique de la faculté de juger, Vrin, Paris, 1993.
Nietzsche, Humain, trop humain ,Id Gal, t1
Platon, Ion, in Œuvres complètes, PL Gal,

كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-05-04

yyy

شمعة أخرى تنطفئ
"إن إشكالية ابن خلدون مازالت معاصرة لنا خاصة وهو الذي أعلن قناعته بشرف الريادة وحملنا مسؤولية مواصلة الطريق" محمد عابد الجابري- نحن والتراث

تعازينا القلبية لكل الأسرة الفكرية والثقافية المغربية لفقدان الفيلسوف العربي الكبير محمد عابد الجابري المولود بفكيك - في الدار البيضاء عام 1936 والمعروف بنضاله ضد الاستعمار وانخراطه في العمل السياسي في مواقع متقدمة ضمن الاتحاد الاشتراكي والزاهد عن السلطة والمتعفف عن عدة جوائز.
نعزي أنفسنا بهذا المصاب الجلل في معلم كبير لأجيال بأسرها وليس لشخصنا المتواضع أو لتيار معين أو لمدرسة فكرية دون غيرها. كيف لا وهو الذي زعزع كل المرجعيات وبين دغمائيتها رغم تباعد المصادر التي ترجع إليها وتباين التوجهات التي تقصدها. ألم يستعمل المنهج الأركيولوجي لفوكو من أجل الكشف عن أنظمة المعرفة في الثقافة العربية وألم يستخدم لوكاتش وبنيوية ألتوسير لينقد العقل العربي في دوائره الأربعة مترحلا بين البيان والبرهان والعرافان ومنقبا في التكوين والبنية والسياسة والأخلاق ولينتهي إلى الإقرار باستقالة العقل العربي وانفجار أنظمته المعرفية بعد القرن الخامس الهجري.
إن مصابنا في الفقيد هو خسارة كبيرة للعرب والمسلمين، فقد رحل عنا فيلسوف فذ وهو في عز العطاء وبعد شروعه في قراءة القرآن من زاوية أسباب النزول بعد أن أكمل مشروع نقد العقل العربي.
فجيعتنا في رحيلي معلمنا الثوري كبيرة خاصة وأنه الذي مكننا من الجمع دون تناقض بين الانتماء إلى الفضاء التقدمي اليساري دون تغريب أو انمحاء والاعتزاز بالعروبة والقومية دون تعصب أو شوفينية والنهل من المعين الإسلامي الذي لا ينضب دون ماضوية أو انغلاق.
إن الاشتغال الذي انخرط فيه باكرا على العلوم الصورية وخاصة الرياضيات وعلى العلوم التجريبية وخاصة الإبستيمولوجيا قد مكنه من رسم خطوط التمايز بين المعقول واللامعقول في الثقافة العربية وساعده على رسم مشروعه بدقة منذ الاحتفال بألفية الفارابي في بغداد وان همه كان منصبا حول تفجير الحداثة الفلسفية في الديار العربية وان الآليات المنهجية المستمدة من العلوم الإنسانية قد كانت تسير بشكل موازي مع نصوص المقاصد والإشارات التنويرية للشاطبي وابن حزم وابن رشد وابن خلدون.
كما أن المعول الفكري للدكتور قد انصب حول إعادة الاعتبار لحضارة اقرأ وفلسفة الضاد ضد سخرية المتغربين الفرنكفونيين المستنقصين لأس دور للعرب في مجال الفلسفة والعلوم وطال أيضا مشكل الهوية والتراث والحداثة والتربية والتاريخ مؤمنا بالحوار بين غرب العرب وشرقهم وبين جامعة الإسلام ودائرة العروبة ضمن تصور ديمقراطي علماني وفاقي ودون إهمال لمشكل الغيرية المنفتحة على العالمية والثقافات المغايرة.
الإشكاليات التي تناولها الفقيد كثيرة ولعل أهمها هي الخطاب العربي والوحدة العربية والفلسفة العربية ونحن والغرب وقراءة القرآن ونقد دعاوي النهضة والإصلاح والتجديد والبحث عن بناء كتلة تاريخية تجمع كل الفاعلين السياسيين الذين يشكلون التيارات الكبرى للأمة ويكون مقصدها هو الاستئناف الحضاري. لقد عاش الأستاذ الجابري حياة صاخبة وكان غزير الإنتاج وموضع جدل وتعرض للنقد الشديد والتجاهل في بعض الجامعات العربية وشكك بعض الفقهاء في تدينه، ولكن هذا العالم الجليل ظل مثابرا في بناء عمارته المتنورة غير آبه بما يقوله خصومه إلى أن فرض نفسه على الجميع كفيلسوف من طينة عقد حكماء الضاد الفريد ولفت له أنظار العلماء في الغرب وفي البلدان الإسلامية غير العربية.
إن ما قام به الجابري هو انجاز عمل عظيم لا تقدر عليه أجيال بأسرها وكل ما كتب من مؤلفات ومقابلات ومقالات تمثل منارات ينبغي على كل عربي أن يفتخر بها. وما يدهشنا هو الصرامة المنهجية التي يكتب بها وخلو نصوصه من الغلو الإيديولوجي، وربما ترجمة مشروعه إلى العديد من لغات العالم هو دليل على كونية أفكاره، وما نتمناه هو أن يأخذ العرب بوصفاته التنويرية وألا يضيعوا جهوده الفلسفية مثلما ضيعوا من قبل جهود ابن رشد وابن خلدون. رحمه الله وأدخله فراديس جنانه.
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-04-28

yyy

"إن علم التعبيرعلم بقوانين كلية يبني عليها المعبر عبارة ما يقص عليه وتأويله"
استهلال:
تأخرت الكتابة عن ابن خلدون نسبيا بالمقارنة مع غيره من الحكماء العرب على الرغم من أهمية المنعرج الذي أحدثه في تاريخية الفكر العربي الإسلامي وقوة الكشف العلمي لسنن الظواهر العمرانية ودقة الإشكاليات التي طرحها بالنسبة إلى حضارة اقرأ وخطورة القرارات النظرية والعملية التي اتخذها بشأن تدبير الاجتماع البشري واستراتيجية الإصلاحات التي اقترحها بالنسبة إلى الثقافة الإنسانية جمعاء.
كما استقرت الخيارات المعرفية عند جملة من المنطلقات المعاصرة والمرجعيات التحديثية بالرغم من النزعة الخلدونية البادية للعيان عند كل كاتب يشتغل على هموم الأمة سواء على مستوى شكل اللغة المستعملة أو ضمن الروح الفكرية التي يؤطر بها مباحثه ويرصع من خلالها مقالاته .
ولعل سبب هذا التأخير هو كثرة الضجيج حول هذه الشخصية الفريدة وتزايد النصوص المدحية الافتخارية لكاتب المقدمة مما جعله يكون ملهم لمرجعيات متنافرة مثل تنافر المادية التطورية مع الدينية الروحانية. والداعي الثاني هو الرغبة في التخلص من الهالة السحرية التي يمارسها تمثال ابن خلدون على المخيلة الإبداعية لكل عقل باحث عن وجهة نظر فريدة من نوعها وذلك بوصفه ما لا يمكن تجاوزه تصديقا للحديث الشريف:" لا نبي بعدي" وتفعيلا لمنهجية النقد الهرمينوطيقي التي نروم استعمالها هاهنا. فهل يجوز التفكير هرمينوطيقيا مع ابن خلدون؟ أو بعبارة أخرى ما السبيل إلى استخلاص تجربة هرمينوطيقية بالانطلاق من مقدمة كتاب العبر؟
إن التسلح بروح المغامرة وببعض من الحذر الفلسفي والتزود بالتدبير التعقلي قد ييسر علينا إمكانية الشروع في القيام بقراءة هرمينوطيقية نقدية لمقدمة ابن خلدون تحفر بين تضاريسها وتنقب في طياتها وتتجول في أروقة عمارتها وتستعيد اللغة التي كتبت بها والمقولات التي عبرت عن قدرته التأليفية المدهشة وتقف عند مواطن الضعف والقوة وحركات الصعود والهبوط في الأسلوب الخلدوني.
هذا المشروع على ضخامته ووعوده الكبيرة بالمقارنة مع أفق انتظار الجماعة العلمية يظل مستعصيا ما لم ينطلق من العمل الهرمينوطيقي الذي قام به ابن خلدون بنفسه في المقدمة على الرغم من ضموره وقلته. فكيف عرف علامة العرب في الهزيع الأخير من الحضارة في دورتها الأولى الهرمينوطيقا؟ وهل نجد أثر لمنهج في التفسير لديه؟ ما سر إغفاله لمصطلح التأويل؟ وماذا يقصد علم تعبير الرؤيا؟ ولماذا اختار تقريظ ملكة الخيال بالمقارنة مع ذمه الحواس ونقده للعقل؟ والى مدى لعبت اللغة دورا كاشفا للحقائق والمعاني؟ وكيف فسر ظاهرة النبوة؟ وهل كان مصطلح التأنّس على الضد من مصطلح التوحش؟
لكن الإشكال الأول هو: لماذا وضع ابن خلدون علم التفسير ضمن علوم قراءات القران ؟ وهل هو يدرج ضمن العلوم الحكمية الفلسفية أم ضمن العلوم النقلية الوضعية؟ والإشكال الثاني هو: ماهو السبب الذي دفع ابن خلدون إلى وضع علم التعبير بعد علوم التصوف وقبل التطرق إلى العلوم العقلية؟ هل المقصود أنه علم بياني يستثمر مخزون اللغة من رمزية ومجاز أم أنه طريقة عملية ورياضة روحية تستثمر القلب والخيال؟ فهل يترتب عن ذلك أنه من العلوم الشرعية التي تختص بها الملة الإسلامية أم أنه من العلوم الكونية منقول عن الأمم الغابرة وأضافه له حكماء العرب بعض البدع؟ كيف عمل واضع علم العمران البشري على تفسير ظاهرة النبوة دون لغو أو تعصب؟
إن ماهو في ميزان الفكر ليس التقول على ابن خلدون غير ما أراد هو أن يقوله ولا ممارسة العنف التأويلي على مدونته وإنما استنطاق نصوصه ورفع الالتباس عن التناقضات التي تهز المتن الخلدوني من الداخل وتمنعه من التأثير في الواقع وتمنع من تحوله إلى أحد مصادر الثورة الإبستيمولوجية المنشودة.
1- علم التفسير بين الرسم والقراءة:
"لابد من النظر بالكتاب ببيان ألفاظه أولا وهذا هو علم التفسير"
يدرج ابن خلدون علم التفسير ضمن العلوم النقلية الوضعية التي تقوم بالإخبار عن الواضع الشرعي ويبقي على حاجة إلى العقل من جهة الإلحاق بوجه قياسي. ويضعه من حيث الترتيب ضمن الشرعيات إلى جانب علم القراءات وعلوم الحديث وعلم الفقه وعلم أصول الفقه وعلم الكلام. ويعترف أنه من بين العلوم المختصة بالملة الإسلامية وأن العرب امتلكوا ناصيته وأتقنوا صناعته غاية الإتقان. في السياق يصرح ما يلي:"إن هذه العلوم الشرعية النقلية قد نفقت أسواقها في هذه الملة بما لا مزيد عليه وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى الغاية التي لا شيء فوقها وهذبت الاصطلاحات ورتبت الفنون فجاءت من وراء الغاية في الحسن والتنميق. وكان لكل فن رجال يرجع إليهم فيه أوضاع يستفاد منها التعليم" .
ما يهمنا هنا أن علم التفسير إذا ما نظرنا إليه بعيون هرمينوطيقية معاصرة يضم علم القراءات التي تزيد عن السبعة وترتبط بالرواية والأداء وتتراوح بين المد والتسهيل وتشترط حسن السمع والإصغاء ولكن قيمتها لا تضاهي قيمة النقل والكتابة والتدوين. بين إذن أن ابن خلدون ينتصر إلى الكتابة على القراءة والى النص المرقون على الخطاب الشفوي ويظهر ذلك في مماهاته بين القرآن والمصحف بقوله:"القرآن هو كلام الله المنزل على نبيه المكتوب بين دفتي المصحف وهو متواتر بين الأمة." علاوة على إدماجه فن الرسم أو الخط إلى الفضاء الهرمينوطيقي في الاعتناء بأشكال الحروف وأحوال الألفاظ وانثيال الجمل بقوله:"ربما أضيف إلى فن القراءات فن الرسم أيضا وهي أوضاع حروف القرآن في المصحف ورسومه الخطية لأن فيه حروفا كثيرة وقع رسمها على غير المعروف من قياس الخط" .
اللافت للنظر أن ابن خلدون مارس النقد الهرمينوطيقي عند إشارته إلى جملة من المسائل الإشكالية:
- الأولى هي المقارنة بين القراءة والكتابة في قوة الحفظ والنقل والوفاء للكلام الإلهي وأيهما يسهل إمكانية القدح في تواتر القرآن.
- الثانية هي مسألة تعدد القراءات وتأثير ذلك على الفهم والتأويل والإمساك بالمعنى الأصلي أو فرضية التشريع لتعدد المعاني بالنسبة للآية المنجمة الواحدة.
- الثالثة هي مسألة مخالفة أوضاع الخط في القرآن لقوانين لغة الضاد ورسم جملة من الحروف على غير المعروف من قياس الخط وكثرة الخلاف في الرسم وهو ما استوجب البحث عن التعليل والإقناع لتفادي مخالفة الرسم المصحفي لأوضاع الخط وقانونه.
يعلمنا ابن خلدون بأن الناس تفهموا الوحي عن طريق قواعد وتراكيب اللغة التي دون بها وهي لغة الضاد وأنهم ركزوا على معاني المفردات وعلاقات الفروض بالوقائع وميزوا بين المجمل والخاص والمطلق والمقيد وتوقفوا عند مقتضى الحال وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ واستخدموا المعارف المتوارثة وطبقات الشعر وعلوم اللسان وموضوعات اللغة وأحكام الإعراب والبلاغة في التراكيب في تفسير القرآن. و" وصار التفسير على صنفين: تفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف وهي معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ومقاصد الآي...والصنف الآخر من التفسير وهو ما يرجع إلى اللسان من معرفة اللغة والإعراب والبلاغة في تأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب..."
ما ينبغي التوقف عنده في هذا المستوى أن ابن خلدون يمارس النقد الهرمينوطيقي مجددا من خلال القرارات التالية:
- القول بأن العرب لم يكونوا حضارة علم وأهل كتاب قبل نزول القرآن وغلب البداوة والأمية عليهم وماهو هام هنا تفاديه مصطلح الجاهلية وقوله بالتوحش.
- الاعتراف بأنهم كلما طلبوا العلوم ورغبوا في المعرفة إلا وعادوا إلى الأمم التي سبقتهم في ذلك وخاصة أهل الكتاب.
- الانتباه إلى أن تفاسير الوحي قد امتلأت بالمنقولات المتأتية من تفاسير التوراة والإنجيل وذلك بتصريحه الخطير:"تساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات."
- إرجاع النوع الثاني من التفسير إلى النوع الأول وإزالة التفريق بينهما بقوله:"هذا الصنف من التفسير قل أن ينفرد عن الأول إذ الأول هو المقصود بالذات وإنما جاء هذا بعد أن صار اللسان وعلومه صناعة."
- وقوع التفسير بالعقل في بعض الانحراف والغرابة وإعطاء الأولوية لعقائد المذاهب الفاسدة على حقائق النصوص ومعان الآيات .
من هذا المنطلق دعا ابن خلدون إلى التحقيق والتمحيص في التفاسير والقيام بالتحري والتثبت من أجل تخليص الجيد من الرديء والصحيح من الخاطئ وقام بتحذير الجمهور من الأخذ عن مفسري العقل والاكتفاء بما يعرضه مفسري النقل.
يناقش ابن خلدون ظاهرة الإعجاز عند الأنبياء ووقوع الخوارق والتصديق بها من طرف عامة الناس ويستند إلى آراء المتكلمين المعتزلة والفلاسفة العرب ، فإذا كان المتكلمون يرون أن المعجزة واقعة بقدرة الله لا بفعل النبي وليس للنبي فيها إلا التحدي بها والاستدلال قبل وقوعها على صدقه في مدعاه، فإن الحكماء يفسرون الخارق على أنه من فعل النبي ولو كان في غير محل القدرة وذلك لامكانية وقوع الحوادث بعضها من بعض وبناء على مبدأ الايجاب الذاتي.
بعد ذلك ينقل ابن خلدون العمل الهرمينوطيقي من دائرة الوحي القرآني إلى دائرة جديدة هي الأحاديث النبوية واستعمله كقانون للتمييز بين الأحاديث الصحيحة والحسنة والأخرى الموضوعة والضعيفة والمنقطعة والشاذة والمرسلة والمعضلة والغريبة وذلك بالنظر في الناسخ والمنسوخ وفي الأسانيد.وفي أمر الناسخ والمنسوخ نجده يصرح:"إذا تعارض الخبران بالنفي والإثبات وتعذر الجمع بينهما ببعض التأويل وعلم تقدم احدهما تعين أن المتأخر ناسخ."
إن الحاجة إلى التأويل تأتي لتخطي التناقض بين النوعين من الأحاديث وبين النص والواقع والمتن والعقل، لكن كيف تمكن ابن خلدون من تفسير ظاهرة النبوة؟ وماذا يقصد بعلم تعبير الرؤيا؟
2- علم التعبير بين الرؤيا والنبوة:
"وأما معنى التعبير فاعلم أن الروح العقلي إذا أدرك مدركه وألقاه إلى الخيال فصوره فإنما يصوره في الصور المناسبة لذلك المعنى بعض الشيء."
يضع ابن خلدون علم التعبير بين علوم التصوف وعلوم الحكمة وبين المنهج النقلي البياني والمنهج العقلي البرهاني وربما المغزى من ذلك هو المنزلة التي تحتلها الآلة التي يستخدمها في الكلام عن الكشف والحقيقة وهي الخيال الذي يأتي بين القلب والعقل. ويرى ابن الزيتونة البار أن الخيال "ينتزع من الصور المحسوسة صورا خيالية ثم يدفعها إلى الحافظة تحفظها له إلى وقت الحاجة إليها عند النظر والاستدلال"، كما اعتبره الواسطة بين المحسوس والمعقول بقوله:"تجرد النفس منها صورا أخرى نفسانية عقلية، فيترقى التجريد من المحسوس إلى المعقول والخيال واسطة بينهما."
يعتبر ابن خلدون الرؤيا والتعبير لها من العلوم الشرعية المستحدثة في الملة التي وقع جلبها من الأمم الغابرة وتوارثها جيل بعد جيل ويبرهن على ذلك بقوله:"الرؤيا موجودة في صنف البشر على الإطلاق ولابد من تعبيرها". ولكنه يميز بين الرؤيا الصالحة التي ينظر إليها كنوع من البشرى وفي مرتبة الوحي والرؤيا الكاذبة التي ينظر إليها كأوهام وأباطيل وفي ذلك يصرح:" إنها كلها صور في الخيال حالة النوم ولكن إذا كانت تلك الصور متنزلة من الروح العقلي المدرك فهو الرؤيا، وان كانت مأخوذة من الصور التي في الحافظة التي كان الخيال أودعها إياها منذ اليقظة فهي أضغاث أحلام."
كما يفرق واضع علم العمران البشري بين ثلاثة مواضيع: الموضوع الأول هو المرئي والذي يتميز بالجلاء والوضوح وتكشف عنه الرؤيا الصريحة أما الموضوع الثاني فهو الموضوع الغيبي الذي يرتبط بالمستقبل وهو يحتاج إلى التأويل، أما الموضوع الثالث فهو غامض وغريب ويتعلق بالحلم والخيال،إذ يقول حول هذا الموضوع:"الرؤيا التي من الله هي الصريحة التي لا تفتقر إلى تأويل، والتي من الملك هي الرؤيا الصادقة تفتقر إلى التعبير، والرؤيا التي من الشيطان هي الأضغاث."
لكن ما الفرق بين الموضوع الذي يفتقر إلى التأويل والموضوع الآخر الذي يفتقر إلى التعبير؟ وهل يوجد موضوع يصنعه الخيال ولا يفتقر إلى التأويل ولا إلى التعبير ويكون مجرد أضغاث أحلام؟ ألا يمكن أن نخضع الأحلام نفسها إلى منهج في التفسير كما بين ابن سيرين؟
يقوم علم التعبير على قوانين كلية هي بمثابة قوالب لغوية معتادة تتضمن التمثيل والتشابه والمناسبة وتوفر القرائن بين التصورات والدلائل ويستدل بقول ابن سيرين:" أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثا وأن العابر لا يضع يده من الرؤيا إلا على ما تعلقت أمثاله ببشارة أو نذارة أو تنبيه أو منفعة". ويضيف:"الرؤيا الصادقة قسمان: قسم مفسر ظاهر لا يحتاج إلى تعبير ولا تفسير، وقسم مكنى مضمر تودع فيه الحكمة والأنباء في جواهر مرئياته." لكن أي صنف من البشر قادر على إدراك الوحي والرؤيا؟ وهل يتم هذا الإدراك بالفطرة أم بالرياضة؟ وهل قام ابن خلدون بعقلنة ظواهر الكهانة والرؤيا وتفسير حقيقة النبوءة؟
يصف ابن خلدون النبي بأنه واحد من البشر الذين وقع اصطفائهم لمعرفتهم وتفضيلهم بخطابهم وتخصيصهم كوسائل بين الله والعباد ، وتتمثل وظيفة النبي في تحريض الناس على الهداية وتدليلهم على طرق النجاة بتجنيبهم ارتكاب الشر وتقريبهم من فعل الخير، ويتفوق النبي عن البقية بالخوارق والاطلاع على المغيبات وبالصدق والعصمة والعفاف والصدقة وتلقي الوحي وتفهيمه للبشر وتقريبه لمداركه.
في هذا السياق يصرح:"ومن علاماتهم أيضا أنه يوجد لهم قبل الوحي خلق الخير والزكاء ومجانبة المذمومات والرجس أجمع. وهذا هو معنى العصمة وكأنه مفطور على التنزه عن المذمومات والمنافرة لها و:انها منافية لجبلته."
يورد ابن خلدون قولا للحكماء العرب عن النبي يقر فيه بالمغايرة بين النبوة والولاية وبأن المعجزة هي مجموع الخارق والتحدي ويصف النفس النبوية على أن لها خواص ذاتية منها صدور هذه الخوارق بقدرته وطاعة العناصر له في التكوين. والنبي مجبول على التصريف في الأكوان مهما توجه إليها واستجمع لها بما جعل الله له من ذلك."
الفرق بين معجزة النبي وتحدي الساحر أن النبي مجبول على أفعال الخير مصروف عن أفعال الشر، أما أفعال الساحر على الضد من ذلك كلها شر وفي مقاصد الشر. كما أن خوارق النبي كثيرة تتفوق على خوارق الولي القليلة وتقع في الغالب مغايرة للوحي الذي يثبت النبي صدقه بالمعجزة. في السياق نفسه يلخص الجرجاني فلسفة الإعجاز القرآني في موقف التحدي بتساؤله:"أيجوز أن يكون تعالى قد أمر نبيه صلعم بأن يتحدى العرب إلى أن يعارضوا القرآن بمثله من غير أن يكونوا قد عرفوا الوصف الذي اذا أتوا بكلام على ذلك الوصف كانوا قد أتوا بمثله؟ ولابد من "لا" لأنهم إن قالوا: يجوز، أبطلوا التحدي من حيث أن التحدي كما لا يخفى مطالبة بأن يأتوا بكلام على وصف...ثم إن هذا الوصف ينبغي أن يكون وصفا قد تجدد بالقرآن وأمرا لم يوجد في غيره ولم يعرف قبل نزوله."
ولذلك يصرح ابن خلدون:" اعلم أن أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبينا محمد صلعم" . ويضيف أيضا:"وأما الذي للأنبياء فهو استعداد بالانسلاخ من البشرية إلى الملكية المحضة التي هي أعلى الروحانيات ويخرج هذا الاستعداد فيهم متكررا في حالة الوحي."
يميز ابن خلدون بين الكهانة والرؤيا حسب التقسيم الثلاثي الذي قام به للنفس البشرية، حيث رأى أن هناك صنف من النفوس عاجز عن الوصول إلى الحقيقة الوجودية فينغمس في المدارك الحسية والخيالية ويركب المعاني عن طريق الحافظة والواهمة، أما الصنف الثاني فهو متوجه في حركته الفكرية نحو العقل الروحاني فيتسع نطاق إدراكه ويسرح في فضاء المشاهدات الباطنية ويصل مرتبة العلماء والأولياء.في حين أن الصنف الثالث هو مفطور على الانسلاخ الجسمي والروحي حتى يصير ملكا بالفعل ويحصل له شهود الملأ الأعلى ويسمع الخطاب الإلهي وهذه رتبة الأنبياء.
تظهر الكهانة من هذا الاستعداد الموجود في النفس البشرية للانسلاخ من البشرية إلى الروحانية وذلك بالاكتساب والاستعانة ببعض المدارك والتصورات والأفعال سواء الكلام أو الحركة ولكنه انسلاخ وهمي واتصال منقوص وفي ذلك يقول ابن خلدون:"ولا يقوى الكاهن على الكمال في إدراك المعقولات لأن وحيه من وحي الشيطان". ويرى أن حالة السجع التي تدل خفة المعنى وابتعاده عن المرئيات والمسموعات وقربه من الاتصال والإدراك بالمغيبات. ان هذه الكهانة كانت موجودة زمن النبوة وانقطعت بعد ختمها. من ناحية ثانية يفسر ابن خلدون الرؤيا بأنها وقوع لمحة في النفس بعد أن أصبحت ذاتا روحانية بالقوة مستكملة بالبدن ومداركه سواء بالظاهر أو بالباطن وحول هذا الموضوع نراه يقول:"وأما الرؤيا فحقيقتها مطالعة النفس الناطقة في ذاتها الروحانية لمحة من صور الواقعات."
يبحث ابن خلدون بعد ذلك حال الرؤيا في اليقظة واختلاف حالها في النوم ويميز بين الحالومية والرؤيا الصالحة وينتقل إلى تقصي الأشخاص الذين يخبرون بالكائنات قبل وقوعها ويدركون الغيب من الناظرين في الأجسام الشفافة ومن أهل الطرق بالحصى والنوى والناظرين في المرآة ومن العرافين الذين يشغلون الحس بالبخور ومن المنجمين الذين يضعون قوانين لاستخراج الغيب بالدلالات وقراءة الكف وخط الرمل.
يتفهم ابن خلدون ظاهرة الوحي بتأكيده أن التنزيل يتم على مراحل ثلاثة ويتميز بالغيبة والشدة والرهبة، المرحلة الأولى من الله إلى الملك والثانية من الملك إلى النبي والثالثة من النبي إلى الصحابة، ويصف هذه التجربة كما يلي:"إنما هي في الحقيقة استغراق في لقاء الملك الروحاني بإدراكهم المناسب لهم الخارج عن مدارك البشر بالكلية، ثم يتنزل إلى المدارك البشرية إما بسماع دوي من الكلام فيتفهمه أو يتمثل له صورة شخص يخاطبه بما جاء به من عند الله ثم تنجلي عنه تلك الحال وقد وعى ما ألقي إليه."
يحدد ابن خلدون الوحي القرآني في كتاب المقدمة في جملة من المواضع نذكر منها ما يلي:
- "القرآن هو بنفسه الوحي المدعى وهو الخارق المعجز فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه."
- "القرآن هو كلام الله المنزل على نبيه المكتوب بين دفتي المصحف. وهو متواتر بين الأمة إلا أن الصحابة رووه عن رسول الله صلعم على طرق مختلفة في بعض ألفاظه وكيفيات الحروف في أدائها."
- "اعلم أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه. وكان ينزل جملا جملا وآيات آيات لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع. ومنها ماهو في العقائد الإيمانية ومنها ماهو في أحكام الجوارح ومنها ما يتقدم ومنها ما يتأخر ويكون ناسخا له. وكان النبي صلعم يبين المجمل ويميز الناسخ والمنسوخ ويعرفه أصحابه فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه."
- " وأما القرآن وان كان من المنثور إلا أنه خارج عن الوصفين وليس يسمى مرسلا مطلقا ولا مسجعا بل تفصيل آيات ينتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها. ثم يعاد الكلام في الآية الأخرى بعدها ويثنى من غير التزام حرف يكون سجعا ولا قافية."
- "واعلم أن في حالة الوحي كلها صعوبة على الجملة وشدة قد أشار إليها القرآن...وسبب ذلك أن الوحي كما قررنا مفارقة البشرية إلى المدارك الملكية وتلقي كلام النفس، فيحدث عنه شدة من مفارقة الذات ذاتها وانسلاخها عنها من أفقها إلى ذلك الأفق الآخر."
ما نلاحظه أن ابن خلدون يفرق بين الوحي والقرآن والمصحف والتنزيل والكتاب ويتحسس صعوبة الانزياح به من مستوى الكلام الالهي الى مستوى كلام البشر وما ينتظره من تلقي عند تعدد القراءات تبعا لتعدد اللهجات وما سيحصل لمعجزه عند التدوين والكتابة ومغادرة طور المفارقة والمكوث بطور المحايثة. لكن الإشكال الذي يطرح هنا هو طبيعة التقاطع بين الشرع والعقل ويمكن صياغته على النحو التالي: هل أن الشرع حد من حدود العقل أم التأويل هو الذي يعمل على إزالة التناقض وتوطيد الاتفاق بين الشرع والعقل؟ وهل تتمثل وظيفة التأويل في تحويل المعنى الحقيقي لتعبير ما إلى معناه المجازي؟
خاتمة:
"انظر كيف أخذ من العصمة والدعاء إلى الدين والعبادة دليلا على صحة نبوته ولم يحتج إلى معجزة فدل على أن ذلك من علامات النبوة."
صفوة القول انه من المشروع لنا ممارسة فن الفهم والتأويل للمتن الخلدوني وبالخصوص للمقدمة وذلك لكون الهرمينوطيقا هي فلسفة كونية تشتغل على النصوص وكل التراث المكتوب للبشرية علاوة على أن ابن خلدون نفسه اعتنى بمنهج التفسير وأوجد علما جديدا يهتم بالرؤيا والمعجزة والوحي والكهانة سماه علم التعبير، لكن هذا الإقرار يصطدم بمشكلة كبيرة تتمثل في التباسية منزلة العقل في المدونة الخلدونية.
إن العقل عند ابن خلدون هو ميزان صحيح وأحكام يقينية لا كذب فيها وهو ينقسم إلى:
- عقل نظري الذي يهدف إلى إدراك مفهوم الوجود كماهو بتفصيلاته العامة والخاصة مع أسبابه البعيدة والقريبة وكذلك يرمي إلى تحقيق ذاته بوصفه معنى جوهر الإنسان.
- عقل تمييزي يهدف إلى تحقيق غايات عملية وهي تنظيم الأفعال الإنسانية.
- عقل تجريبي يهدف إلى إعادة تنظيم الأعمال البشرية من أجل جلب الخير وإبعادها عن الشر.
غير أن الشرع ليس مقيد بحدود العقل بينما العقل مقيد بحدود الشرع ، كما أن العقل يسقط في التبرير والتشريع عندما يحاول أن تكون له مهمة سياسية وحضارية ويواجه مجموعة من التحديات المعرفية والوجودية والإتيقية بحكم عدم قدرته على بلوغ المطلق في نظرية المعرفة وعجزه عن درك الوجود بإطلاق وتميز ما يسنه من قيم ومعايير بالطابع النسبي والمتغير.
يبررابن خلدون ذلك بتحديد وظيفة العقل وتثمين دور النقل بقوله:"من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا وقصور فهمه واضمحلال رأيه فقد تبين لك الحق من ذلك. وإذ تبين ذلك فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الارتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا خرجت عن أن تكون مدركة فيضل العقل في بيداء الأوهام ويحار وينقطع." فهل يمكننا النقل من تفسير ماهو خارق للعادة من معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء؟
إن حسن التعامل مع الكهانة والسحر والرؤيا والتنجيم والطلسمات هو تطبيق التأويل وذلك بمعالجة التعابير الظاهرة والتخلي عن معانيها الحرفية والالتجاء إلى معانيها الرمزية من أجل إزالة التناقض الذي يظهر مع العقل والواقع وربطها بعالم الحس والتجربة. من هذا المنطلق ينعت ابن خلدون عمل العرافين والمنجمين بالزعم والادعاء والباطل والظن بقوله:"والوهم أول ما يلقي إليك هذه وأمثالها إنما يجعله من قبيل الغيب الذي لا يمكن معرفته وظهر أن التناسب بين الأمور هو الذي يخرج مجهولها من معلومها...وليس هذا من المقام الأول بل إنما يرجع لمطابقة الكلام لما في الخارج ولا سبيل إلى معرفة ذلك من هذه الأعمال بل البشر محجوبون عنه وقد استأثر الله بعلمه."
يعلق عبد الرحمان بدوي على هذا الحضور المكثف للجوانب الغيبية والأبعاد الاشراقية في المقدمة وانحسار مساحة المعقول بقوله:"والواقع أن المميز الأكبر بين ابن خلدون وفلاسفة الحضارة والاجتماع والسياسة في العصر الحديث هو غلبة الروح الدينية على اتجاه التفسير والتعليل. وهو أمر مفهوم بطبعه لدى مفكر ينتسب بكل روحه إلى الحضارة الإسلامية والى العصر الوسيط. ومن العسير أن نعثر في تأويلاته وتعليلاته على نزعة عقلية صريحة rationaliste. وأنى لنا أن نظفر بها عند رجل يؤمن بالكهانة والرؤيا والسحر، ويسمح للخوارق بأن تدخل عوامل في توجيه الأحداث التاريخية."
فهل تستطيع الهرمينوطيقا الفلسفية الواعدة أن تنبش النزعة العقلانية الثاوية في عمارة المقدمة الخلدونية الشامخة؟
المراجع:
عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة. تحقيق سعيد محمود عقل، دار الجيل ، بيروت، طبعة أولى 2005.
عبد الرحمان بدوي، ملحق موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى،1997.
عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، شرح وتعليق محمد عبد المنعم خفاجي،دار الجيل،بيروت، الطبعة الأولى2004.
محمد ابن سيرين، تفسير الأحلام الكبير، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، طبعة جديدة منقحة 2004.
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-04-09

yyy


 
" الأدوار الاجتماعية المختلفة بما فيها الأدوار المهنية تحكمها مبادئ أخلاقية تختلف عن المبادئ الأخلاقية العادية بل حتى تتعارض معها"
الانتقال من الإتيقا إلى الإتيقات كان نتيجة حتمية للتطور العلمي والتكنولوجي الحالي وللتقسيم المنهجي والصناعي للعمل، وكان أيضا بسبب استحالة إخضاع كل دوائر النشاط البشري إلى منظومة قيمية واحدة وصفت عادة بكونها صورية وكلية وعامة وتميزت بالصرامة والواجبية والقانونية. من هذا المنطلق ظهرت اتيقات جديدة تحاول قدر الإمكان مسايرة التغيرات ومراعاة الظرفية والخصوصية وتواكب أشكال الحياة الصغرى التي يعيشها الإنسان دون نظرة أكسيولوجية فوقية وبعيدا عن التعسف المعياري ونذكر من بينها أخلاق الحياة في الطب وأخلاق البيئة في أمور المحيط والأرض وأخلاق المهنة بالنسبة إلى النشاطات المهنية التي يقوم بها الناس.
هذا التكوثر الإتيقي عبر عنه بول ريكور بقوله:"فليس من باب الصدفة إن كنا نعين من خلال اللفظ اتيقا شيئا مثيلا بالميتا-أخلاق، أي تفكير من مستوى ثان في المعايير، ومن جهة أخرى إجراءات عملية تستدعي وضع عبارة اتيقا في صيغة المتعدد وإرفاق العبارة بنعت مثل حديثنا عن الإتيقا الطبية والإتيقا الحقوقية واتيقا الأعمال."
لقد وجدت أخلاق المهنة نفسها منذ انبثاقها مطالبة بالرد على تحديين كبيرين هما:
1- تعريف الواجبات الأخلاقية بحسب الدور الذي يشغله الإنسان في الحياة النشطة.
2- مسألة تعددية الخيرات والقيم الناتجة عن كل نشاط وبروز تعارض فيما بينها.
فهل يؤدي القول بتعددية الميادين إلى تطبيق مبادئ أخلاقية مختلفة أم أن هناك اعتبارات أخلاقية ذات أولوية وفريدة يجب تحقيقها مهما تباعدت المجالات؟
والحق أنه توجد مبادئ كونية مثل العدالة والمساواة والنزاهة والإخلاص والوفاء والحق والخير الأسمى والجمال في ذاته ولكن هذه القيم تختلف بحسب المجالات التي تطبق فيها وتضعف علاقات الأشخاص بها وتقوى حسب الرغبة التي يبدونها في تحصيل ذلك.
من هذا المنطلق نصل إلى القاعدة التالية: وجود أدوار مهنية مختلفة ووجود اعتبارات اجتماعية مختلفة يقتضي إيجاد معايير للسلوك مختلفة. وبالتالي فإن أخلاق الأطباء ليست هي أخلاق القضاة ولا تشبه أخلاق المحامين أخلاق المربين ويوجد فرق بين أخلاق التجار وأخلاق رجال الأعمال وربما لا يجوز لنا أن تقيس أخلاق الفنانين والكتاب وفق الأخلاق السائدة لدى العامة. لكن هذا لا يعني وجود نقاط مشتركة بين هذه الإتيقات المهنية وتناغم وظيفي سواء في الإسهام الايجابي أو في التأثير السلبي.
ما نلاحظه في ميدان الشغل هو عدم وجود هذه الإتيقات المهنية في مستوى المعاملات والضمائر وحتى إن وجدت على المستوى التشريع القانوني فإن معظم المهنيين لا يلتزمون بها ولا يحترمونها وتقودهم نوع من الانتفاعية غير المبررة والسلوك الأناني المتناقل من الواحد إلى الآخر عبر العدوى التفسيدية.
لقد عبر مسكويه عن ذلك بقوله:" وأسباب المضرات كلها تتفنن الى أربع أنواع: أجدها الشهوة والرداءة التابعة لها. والثاني الشر والجور التابع له، والثالث الخطأ ويتبعه الحزن والرابع الشقاء."
إن ميدان المهنة هو مجال التنافس غير النزيه والصراع للبحث عن الربح والمنفعة الشخصية ولو بتخليف الضحية والتناقض مع الأخلاق العادية وان العلاقات بين المهنيين والمسيرين يسودها النزاع والتوتر وتغلب عليها بعض السلوكيات السوداوية من نوع التملق والرياء والوشاية والتوسط والمخاتلة. كيف نفسر موقف طبيب يكلف مريضه ما طاقة له من المعالجة في سبيل تحقيق أقصى حد من الربح؟ وما تفسير تحويل المربي المتعلمين إلى حقل استثمار مادي عوض أن يستثمرهم معرفيا ويزرع فيهم قيم التربية والابتكار؟ وماذا نقول عن محام يعلم أن موكله مدان ولكنه يبذل أقصى ما عنده لكي يثبت براءته؟ وكيف نفسر عدم تضامن المهنيين من نفس القطاع مع زميل لهم تعرض لمشكلة معينة؟ ألا يعني ذلك أن الجماعة المهنية لا تحكمها منظومة اتيقية تكون بمثابة العروة الوثقى التي تشد العناصر لبعضعها البعض؟
إن لب المشكلة عند ريكور يكمن في علاقة الفاعل بالمعايير وفي الوجه الذاتي من الإحساس بالواجب وليس في الحرص على ضبط حد مرجعي قار يعين مبادئ المباح والمحظور.
إن الحاجة إلى بناء أخلاق المهنة والالتزام بها هي حاجة أكيدة من أجل صون كرامة العامل والمحافظة على إنسانية الإنسان ومن أجل الكف عن الثلب والتشهير والتطاول على حقوق الآخرين وان المجال الإعلامي والصحفي هو أكثر هذه الميادين المهنية هشاشة ويتطلب معايير إتيقية صلبة تنظم الساحة التواصلية حتى يتخلص القطاع من الدخلاء والمتسللين.
فمتى تعود قيمة الزمالة المهنية إلى وضعها الأخلاقي المرموق؟ ومتى يحترم كل رجل مهنة التراتيب القانونية والأخلاقية التي يجب عليه أن يتبعها؟ وما السبيل إلى رفع التناقض بين أخلاق المهنة ومبدأي الكونية وعدم الانحياز؟ وألا نجد في قواعد أبيقراط الطبية خير معين لنا لكي نستشرف نظيرات لها في كل مهنة؟
المراجع:
بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ترجمة عبد العزيز العيادي ومنير الكشو، بيت الحكمة، قرطاج، 2003
مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق،تنقيح حسن تميم، منشورات دار مكتبة الحياة بيروت، طبعة ثانية،.
مونيك كانتو– سبيربير وروفين أدجيان، الفلسفة الأخلاقية، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2008.

كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-04-03

yyy


 
"إن الأرض إنما هي ملك أولئك الذين وحدوا بين قواهم للذود عنها"
احتفل العرب بذكرى يوم الأرض وتعرض البعض من المحللين إلى النكبة وما حل بنا من تفريط وتضييع بفعل الاستعمار والاستيطان والأطماع الخارجية وتذكروا المناطق والأقاليم العربية التي مازالت منهوبة ومستعمرة من دول الجوار في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب، وكشفوا عن النتائج الكارثية التي سببها مثل هذا التغافل عن الحقوق التاريخية والثوابت القيمية وأبانوا عن لوحة سوداوية تجاه المستقبل حيث تعم التجزئة ويغيب عن الوعي أي توجه نحو التوحد ويتفرق العرب إلى طوائف وملل.
غير أن الأمر المهمل في كل هذا هو التساؤل عن سبب التقاعس عن الدفاع عن الأرض وعن علة العزوف عن التمسك بالسيادة على الموطن، وهو نقيصة لا يمكن للعقول الباحثة عن الإصلاح والتغيير أن تسقطها من حسابها والطامحة إلى الاستعادة والانتفاض.
من هذا المنطلق حري بنا أن نطرح بأنفسنا مثل هذا المشكل وأن ننقله من دائرة الاستعصاء إلى دائرة الاستمعان ومن وضع الإمهال إلى حال الاستحضار. وقد تسلحنا بالفقرة 19 للفيلسوف المستنير اسبينوزا مقتطعة من الفصل السابع من كتاب السياسة حيث نجد مقارنة لعلاقة الإنسان بالأرض بين حالة الطبيعة والحالة المدنية والتي يستخلص منها ما يلي:"لا شيء يمكن امتلاكه والدفاع عنه في الحالة الطبيعية أقل من الأرض" ، والمقصود هو أن الإنسان في الحالة الطبيعية يتصرف بكل طواعية في جل ما توفر له الأرض ولا يجد مانعا أمامه يصده وهو قادر على إشباع حاجياته وبالتالي هناك نوع من المشاعية والوفرة والاكتفاء وذلك لغياب مفهوم الملكية نفسه.
على خلاف ذلك ترتفع قيمة الأرض مع الانتقال إلى الحالة الحضرية وتكون المدن ويزيد حب امتلاكها والرغبة في الاستحواذ عليها سواء من أجل الاستقرار فوق مسطحها أو للاستفادة من الخيرات المدفونة في باطنها أو المستفلحة على آديمها. وفي هذا الأمر يقول اسبينوزا:" إن الأرض وكل ما يتبعها في الظروف التي ذكرت إنما هي ملك للمدينة" ويشير أيضا إلى أن شخص واحد يمكن أن يحتكر ملكيتها إما بالغلبة أو إذا ما فوض له الجميع القدرة على ذلك. ويؤكد على أن المدينة إذا ما تغلبت على هذا الاحتكار الأناني للأرض وشرعت للملكية المشتركة لها فأنها تجني فوائد عظيمة ويعم الخير على الجميع وتنتفي الانقسامات وتزول الرذائل مثل الطمع والسرقة والاستحواذ.
ما يهم من هذه الفقرة وما يمكن الاستفادة منه في تحليل علاقة العرب بأرضهم هو التالي:
- احتباس العرب في المرحلة الإقطاعية وتشتت الملكية وهيمنة فئة قليلة من السماسرة وتجار الألم على الأراضي الصالحة للزراعة والتي تحتوى على ثروات هامة.
- التعامل الرعواني والتقليدي مع الأرض وتعثر التنمية والعصرنة بما يوحي بالبقاء في مرحلة حالة الطبيعة وعدم إدراك مرحلة التمدن اكتساح الحزام القصديري والبناء العمراني في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية للمناطق الخضراء.
- غياب الإجماع والاشتراك في التعهد بصيانة الأرض وحمايتها وهو ما يسهل عملية نقلها وإخفاء هوية المالكين الشرعيين لها.
رأس الأمر أن العرب أضاعوا أرضهم لأنهم:
- لم يوحدوا صفوفهم للدفاع عنها ولم ينظروا إلى تراب أوطانهم على أنه حق مشترك يجب الذود عليه.
- أثبتوا للعالم أنهم لم يعودا في حاجة للاستقرار عليها وباتوا يحلمون بالهجرة.
- تخلوا عن مبدأ السيادة في مقابل توفير لقمة العيش من طرف المستثمر الأجنبي.
الخطأ الكبير الذي اقترفه العرب في حق الأرض أنهم باتوا يتعاملون معها من زاوية ما يمنحه القانون الوضعي وانصرفوا عن اعتبارها حق تاريخي مقدس غير قابل للتفريط مهما كان المقابل ومهما كانت الظروف. ما يبينه اسبينوزا أن أصل الداء في غياب الديمقراطية وعدم تمكين السكان من التمتع والاستفادة من خيرات الأرض التي يسكنون عليها ومساعدتهم على تدبيرها وتعميرها وفلحها وأنسنتها ونراه في ذلك يقول:"يجب أن تكتسب الأرض وما يتعلق بها في نظر المواطنين قيمة تقاس بمدى حاجتهم إلى الاستقرار بها والذود عن حقهم المشترك أي عن حريتهم."
إن ملكية الأرض ليست مسالة شخصية أو عشائرية ولا تتوقف على القانون والعرف بل هي مسالة جماعية مشتركة وذات رمزية محفورة في الذاكرة والمخيال ومرتبطة بالثقافة والعقيدة وتصل إلى حد القداسة ولا يجوز التفاوض بشأنها بسهولة والتعاطي معها دون مسؤولية.
لكن كيف نطالب الناس بالدفاع عن أرض لا يشعرون فيها أنهم أحرار ولا يمتلكون في مدنها قيمة المواطنة؟ أليس الإجماع الديمقراطي في تسيير الشأن العام هو المدخل الأساسي من أجل التمسك بمطلب السيادة على الأرض؟ فمتى يفهم العرب أن الدفاع عن الأرض العزيزة والمطالبة باستعادة ماهو مفتك منها يمر لامحالة عبر توفير شروط الحياة الحرة والكريمة فوقها؟
المرجع:
اسبينوزا ، كتاب السياسة، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب للنشر، تونس. 1999
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-04-01

yyy



"يحتاج العقل البشري لفكرة الكمال التام التي يستخدمها كسلم يرجع إليه من أجل أن يتمكن من تحديد نفسه" .
إن سياق الخوض في هذا المبحث هو الرد على من يربط التفكير الفلسفي الحر بالتشكيك في قدسية الدين ومن يتهم معظم الفلاسفة بالإلحاد وهم منه براء ويأتي أيضا لإبراز حضور المسألة الدينية كمنطلق نظري ومسطح محايثة أخلاقي لدي مفكري الحداثة والتنوير. ولكن السبب الأبرز هو البحث في خلفية اعتبار البعض من الكانطيين الجدد وخاصة جيل دولوز كانط هو أول القائلين بموت الله على الصعيد النظري قبل نيتشه خاصة لما فرق بين المعرفة العلمية الخاضعة للتجربة والتفكير الفلسفي المبحر في التجريد وبين المظهر الخارجي الموصوف والجوهر الباطني الملغز وأكد استحالة معرفة الأشياء في ذاتها وأن الغيبيات هي موضوع للاعتقاد والتسليم فحسب ولما جعل البرهنة على وجود الله في نقد العقل المحض واحد من ثلاثة نقائض antinomie يقع فيها العقل البشري.
ربما تكون مثل هذه الآراء واحدة من المبررات التي جعلت تيار الوضعية المنطقية مع حلقة فيانا والعلمويون المغالون ينتزعون تأويلا ابستيمولوجيا من المدونة الكانطية الثرية وينظرون اليه باعتباره واحدا من المنهجيين الملحدين ومن الناقدين الجذريين للميتافيزيقا والدين والمشيدين للحداثة بالمعنى العلمي محتجين بقولته الشهيرة:"ما من ثورة في مجال العلم وإلا وكانت ثورة في مجال المنهج".
لكن ألم يستعد كانط بالأخلاق والدين ما كان قد أضاعه بالمعرفة والعلم؟ ألم يكن يترك زمنا معينا للإيمان أثناء الوقت الذي يتفرغ فيه للتأمل الفلسفي العميق والبحث العلمي الشاق؟
ما يعزز رأينا أن الفيلسوف الألماني كانط قد كتب أهم مؤلفاته "الدين في حدود العقل" و"دروس في النظرية الفلسفية للدين" ليس في مرحلته الوثوقية بل في مرحلته النقدية والتي توجها بنقد ملكة الحكم بعد أن قام بنقد العقل المحض ونقد العقل العملي. علاوة على ذلك يصرح كانط علنا بتصديقه الفلسفي وتعلقه للأبعاد الروحانية وتعطشه للمطلق بقوله:" لقد بدا لي أنه من الضروري أن أضع حدودا للمعرفة...لكي أترك المجال للإيمان."فهل يتناقض هذا التشبث بالموروث الديني مع النزعة النقدية عند فيلسوف الأنوار؟
من المعلوم أن كانط فيلسوف مسيحي يتهمه البعض خاصة نيتشه بالمثال الزهدي والطهرية والأخلاقوية ويؤمن بوجود الله وببعض العقائد الدينية المتفق عليها حتى في الديانات الأخرى مثل خلود الروح والغيب والبعث والجزاء وهو واضع النظرة الأخلاقية الأخروية للعالم على الأقل في نسختها الحديثة بعد أن كان سقراط وأفلاطون قد شيدا نسختها القديمة وابن سينا وابن خلدون نسختها الوسيطة. فماهو التصور الكانطي لفكرة الألوهية؟ وكيف برهن على وجود الله؟ وماهو موقفه من المسيحي؟ وهل تحرر من النظرة المسيحية المزدرية للديانات الأخرى وخاصة اليهودية والإسلام؟
إن استحال على كانط أن يثبت وجود الله عن طريق العقل النظري فإن المرور بطريق العقل العملي وبملكة الذوق ييسران له ذلك وخاصة عند الحديث عن الخير الأسمى أخلاقيا وعن الجليل والعائل جماليا. ولقد قادت نظرية وحدة الوجود الأخلاقية كانط إلى استعمال جملة من الحجج بغية البرهنة على وجود الله نذكر منها الحجة الأنطولوجية الموروثة عن القديس أوغسطين وديكارت والحجة الكوسمولوجية الآتية من أرسطو والتي عدلها كل من أفلوطين وفلاسفة العرب والمسلمين والحجة اللاهوتية الفيزيائية التي نشأت بين أحضان العلم وبلورها نيوتن كأحسن ما يكون وفق تيولوجيا عقلانية حديثة.
لقد توج كانط هذه المناقشة المتعالية مع اللاهوت الحديث ببناء تيولوجيا ذات قواعد أنطولوجية وكوسمولوجية وفيزيائية واخلاقية وتسلم بوجود صفات أخلاقية لله وبأن الإنسان في كل مكان يدرك الطبيعة الإلهية ويحصل له اليقين في المعتقدات الدينية عن طريق الأخلاق والدين الطبيعي والحاجة المدنية إلى التدين من أجل تعزيز مشاعر المحبة وسبل التواصل بين الأفراد في المجتمع الواحد وبين المجتمعات المختلفة.
والغريب أن كانط يقترح طريقين لمعرفة الله : الأول هو طريق الإيمان بالاعتماد على ما يكشفه الوحي من حقائق ومعارف وقصص ومبادئ. الثاني هو طريق المعرفة بواسطة البراهين والعلل وهي تعتمد على العقل. يميز كانط بين الاحتمالي والضروري في مجال المعرفة ويرى أن الاحتمالي يرتبط بأشياء العالم وأن الضروري يدرك بواسطة المفهوم ولا يقبل الاحتمال وحول معرفة الله يصرح ما يلي:" لهذا السبب لا يمكننا أن نقول البتة أنه من المحتمل أن يكون الله موجودا" . ويبرر ذلك بأن الله موجود بالضرورة.
يكشف كانط على ثلاثة مسلمات بديهية حول الإيمان الأخلاقي بالألوهية والتناسق الغائي للكون والسببية الربانية ويعبر عنها كما يلي:
- في الله بوصفه سبب العالم
- في الله بوصفه خالق العالم
- في الله بوصفه سيد العالم
لو استنطقنا مثل هذه الصفات لتبين لنا أن الله فكرة أخلاقية لا تستقيم الحياة البشرية دونها وأن وظيفة السببية تعني المعقولية والنظام ، وأما وظيفة الخالقية فتعني المنبع والوجودية، في حين أن وظيفة السيادة تعني العناية والمحكومية. كما أن الأفكار التوجيهية الثلاثة: الله والروح والعالم هي مسلمات العقل التأملي التي يبني عليها نسق المعرفة وذلك بالتأليف بين انطباعات التجربة الحسية ومقولات الذهن عن طريق خطاطات المخيلة.
إذا كان مفهوم الدين عند كانط يعني:" شعورنا بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية"، فإن تصوره لله ينبني على اعتراف بالروح والملائكة والحرية الإنسانية وتحترم الشخص في إطار منظومة من الجزاء تعقلن الظاهرة الدينية وتقرا المسيحية من وجهة نظر أخلاق الواجب.
في هذا السياق يصرح كانط:"إن الوسيلة التي يطرحها الله لتعويض ما ينقصنا حتى نستحق أن نكون سعداء تظل عندئذ سرا غير نخترق من قبل العقل الذي يخصنا" . فكيف يساهم احترام الواجب عن إرادة طيبة ونية سليمة في تحقيق الفعل الأخلاقي على الرغم من انه يؤجل مطلب تحصيل السعادة إلى العالم الآخر؟ وهل تخطي كانط فكرة الإله الضامن الديكارتية وفكرة الإله الحافظ الابستيمولوجية؟ وهل كان اقرب إلى اسبينوزا في نظريته حول وحدة الوجود والطبيعة-الله منه إلى فكرة لايبنتز عن التوافق البدئي والعدل الإلهي؟ لكن الإشكال الذي يظل عند كانط دون حل وألهم المفكرين بعده هو: ما مصدر وجود الشر في هذا العالم إذا كان الله طيبا وقادرا ومعتنيا به ؟
المرجع:
Kant, leçons sur la théorie philosophique de la religion, traduction par William Fink, livre de poche, librairie Générale Française, 1993.
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-03-20

yyy


 
" لقد أخذت عودة الدين في السنوات الأخيرة طابعا استعراضيا وفي بعض الأحيان محيرا. نفكر أولا في الدول الإسلامية ولكن كل شيء يؤكد أن الغرب في أشكال مختلفة يقينا ليس بعيدا عن الظاهرة.. ."
استهلال:
تبدو ظاهرة التدين لصيقة بالوجود الاجتماعي للإنسان الواعي ولذلك تطرح على كل إنسان ينتمي الى جماعة يتصرف في شؤونها نظام سياسي معين، وهي ظاهرة يبحث فيها أيضا كل عاقل ومفكر وقد اهتم فيلسوف الرجة كارل ماركس بالدين بشكل مباشر صريح وبطريقة ضمنية منذ بداية مشواره الفكري وبشكل مبكر ولذلك شكل الدين وحده من بين كل المسائل النظرية والعملية المنطلق والمدخل إلى بقية المسائل الفكرية وهو ما جعل المسألة الدينية تبرز في هذا السياق بقوة وبكثافة وتحتل قيمة نظرية وعملية على صعيد منظومة ماركس المعرفية وعصره.
ان المعضلة الرئيسية التي يتصدى الفكر المعاصر لحلها هي المعضلة الدينية لأن صلابة الخطاب الديني وشموليته تصطدم بمرونة الواقع وحدثية صيرورة التاريخ وأن أهم الصعوبات التي تواجه العقول الحرة على صعيد التفكير الفلسفي في الديني هي النزول من عالم النص إلى عالم الواقع والتوفيق بين المحتوى المطلق والثابت للنص الديني وبين حركة الواقع النسبية، وعندما تجعل نخبة من الاكليروس من لغة النص ميدان عملها وتحرص على نقل عالم القداسة النصية وتفسيرها والتعبير عنها باستخدام اللغة العادية فان الدين يصبح الحقل الرئيسي لقلب العلاقات الحقيقية بين الإنسان والله وبين الذات والموضوع ويسقط الإنسان خارج الصفات التي تخص نوعه.
يمكن أن نقسم آراء النقاد والمؤرخين حول علاقة ماركس بالعامل الديني إلى فريقين: الأول يصنفه ضمن التيار الإلحادي اللاأدري الذي ينكر وجود الله والغيب والبعث ويحارب الدين بلا هوادة ويمثله مارسيل نوتش وواكنهايم وبولتزير وغيره كثير وفريق ثاني يعدل الموقف الأول ويلطف اللغة ويعتبر ماركس قد تعامل مع الدين تعاملاا فلسفي تاريخيا عقلانيا وأنه يبحث باستمرار عن القاع الإنساني في التجربة الدينية والإمكانيات الهائلة التي تتضمنها الأديان في أية مشروع انعتاقي تحرري ويمثله غرامشي وماوتسي تونغ وروزا لكسمبور وبدرجة أقل ألتوسير وبيير بيغو.
لكن السؤال الذي يطرح هنا هو: ماهو الطابع النوعي الخاص الذي اكتسبه العامل الديني ضمن الخطاب الفلسفي لماركس؟ هل باستطاعتنا أن نستنبط أصالة فكر ماركسي على الصعيد الديني؟ هل صحيح أن الماركسية مثلها مثل أي فلسفة ملحدة تعادي الدين وتعتبره أفيون الشعوب؟ هل تقوم الماركسية بمحاربة الدين ومعارضته في المطلق أم أنها تنزل الدين في إطاره التاريخي وسياقه الاجتماعي مثله مثل أي فكرة بشرية أخرى؟ ألا تعامل الدين من زاوية فلسفية وعقلية وتاريخية؟ هل هذا الموقف المناهض هو فريد ومبتكر وخاص بها أم أنه يمتد إلى أصول عميقة وبعيدة في التفكير البشري؟ ألا ينطلق من رؤية تضع الإنسان وليس الله مركز اهتمامها وتفكيرها وتضع الحياة الدنيا وليس الآخرة هدف لها؟ هل يصح وصف الماركسية بالفلسفة الملحدة إذا ما كانت متفقة مع الأديان في مناهضة استغلال الإنسان للإنسان؟ ما الفرق بين الإيمان والإلحاد إذا كانا ينطلقان من مشكلة واحدة ويقفان على الأرضية نفسها؟ ألا تكون في هذه الحالة الماركسية فلسفة لاهوتية تنطلق من مشكلة الله لتعلن رفضه؟
إن الإشكالية المركزية التي نسعى إلى إبرازها هي: هل أن الدين مشكلة تعترض البشرية في طريقها إلى الوعي بذاتها أم عامل مهم من عوامل التقدم والنهوض؟
عندئذ يمكن تقسيم هذه الإشكالية إلى مجموعة من الأسئلة الفرعية هي:
هل أن الماركسية هي التي تحارب الدين ام أن رجال الدين هم الذين يحاربون النزعات الفلسفية العقلية والتحررية التي تشهر بهم وتمثل خطرا يهدد مصالحهم واستمرارية السلطات التي يدعمونها؟ هل تأتي شدة هجوم رجال الفكر على المؤسسة الدينية من أن هذه الفلسفة هي من حيث الجوهر فلسفة مادية دنيوية أم أن ذلك كان نتيجة الموقف المحافظ الذي يتخذه رجال الدين من الصراع الاجتماعي والسياسي وتحالفهم مع الطبقات المسيطرة ضد الطبقات المحرومة؟ ألا توجد علاقة بين إنكار الماركسية لمبدأ الملكية الخاصة وإبداء العديد من التحفظات تجاه العامل الديني؟
من جهة مقابلة هل يحمي الدين الملكية الخاصة ويبرر تراكم الثروة على شكل الإنتاج الرأسمالي أن أنه يشرع للملكية العامة ويحرم الاحتكار والربا واستئثار طبقة اجتماعية بمعظم الثروات ويرفض كل أشكال التفاوت واللامساواة والظلم على الصعيد الاجتماعي؟ ماذا تعارض بالضبط الماركسية من العامل الديني؟ هل تقف ضد الدين مطلقا وتعتبره مجرد مرحلة تاريخية يمر بها الفكر البشري ونمط من العلاقات التي يقيمها الإنسان مع نفسه والآخر والعالم في ثوب معتقدات وطقوس أم أنها تعارض تدخل رجال الدين ومؤسساته في أمور الحياة اليومية والسياسية باسم فكرة متعالية يصبغون عليها القداسة والاطلاقية؟ لماذا يتحفظ الماركسيون على مشاركة رجال الدين في السياسة ولا يعاملونهم كبشر يعبرون عن مصالح مطموحات الطبقات الاجتماعية التي ينحدرون منها وليسوا مقدسين ولا مفوضين من طرف الله ولا يمثلون الدين؟ هل تقول الماركسية بأن الأديان هي سبب الحروب والنزاعات التي شهدها التاريخ البشري أم أنها تعترف بكونها ساهمت في ترسيخ ثقافة السلم والتسامح والتكافل بين الأفراد والمجموعات والدول؟ ألا يجب أن تدافع الماركسية عن نقاء الدين وعن إيمان ما بعد الدين وكاعتراف فردي بالحقيقة الوجودية ضد التشويه والتحريف الذي يتعرض له في الحياة العامة؟ أليس من الأجدر أن يتبنى الماركسيين فكرة لاهوت الثورة والأرض والتحرير حتى يفكوا العزلة عنهم ويتصالحوا مع واقعهم الحضاري وثقافتهم الوطني ويدافعون على إعطاء الشرعية لأحزاب مدنية تقدمية ذات مرجعية دينية؟ أليس من الأجدر أن يدور حوار جدي ومسؤول بين رجال الدين والإيمانيين من جهة والعلمانيين والناشطين الوضعيين حول فكرة المجتمع المدني وحقوق الإنسان والتنمية والديمقراطية دون ادعاء العصمة والقدسية ودون إنكار الدين وإلغاء مسائل الإيمان والعقيدة ؟
تتمثل خطة البحث في مشكل الدور الذي يعطيه ماركس إلى العامل الديني في تجاوز النظرة التبسيطية التي تعتبر الماركسية فلسفة ملحدة والتفطن إلى الدور الحساس الذي يلعبه الدين في تأخر المجتمعات وتقدمها ولذلك اخترنا مفصلة عملنا إلى ثلاث لحظات منطقية هي:
- الاغتراب الديني والنظر إليه كانعكاس إيديولوجي كاذب للعالم.
- نقد الدين هو الشرط الممهد لكل نقد سواء للمجتمع أو للاقتصاد أو للثقافة والفلسفة.
- الدين شيء حقيقي له قاع أنساني ويمكن أن يكون دعامة للرفض والاحتجاج والثورة.
ما نراهن عليه هو تفادي النظرة التبشيرية الدعوية لقضايا الإيمان ونقد كل توظيف نفعي واستعمال أداتي للدين والبحث عن الإدراك العلمي لهذه المسألة في واقعنا التاريخي وعلمنته بشكل انسي قصد التعويل عليه كعامل مساعد في كل دمقرطة ممكنة للفضاء العمومي.
1- حقيقة الاغتراب الديني:
" لم يتجاهل ماركس المسيحية تجاهلا تاما بما أنه اهتم بالناحية الاجتماعية . وقد جاء من مدارس مسيحية..."
من المعلوم أن ماركس لم يعش أزمة دينية في سنوات الشباب مثل عدة فلاسفة آخرين تجعله يثور على كل المعتقدات التي ورثها بحكم التنشئة التربوية ولكنه لم يبد ميلا شديدا تجاه اللاهوت مثل بقية عامة الناس ولم يكن حريصا على إقامة الشعائر الدينية أو متحمسا لها وإنما توجه منذ البداية نحو التفكر والاستبصار والبحث عن نظرة معتدلة إلى هذه المسائل الشائكة.اللافت للنظر أنه أنجز رسالة دكتوراه حول المادية القديمة انحاز فيها إلى التصور الطبيعي عند أبيقور على حساب النزعة المادية الميكانيكية الفجة التي نجدها عند ديموقريطس بل انه كان أميل إلى تبني الأفكار الفلسفية التي تنقد الاتجاه المثالي وتعترض على الأفكار الغيبية وترفض الأقوال الميتافيزيقية باعتبارها تتجاوز عالم التجربة وتبتعد عن الواقع الموضوعي وكان بالتالي أميل إلى الإيمان بديانة الطبيعة والتي جعلته يستمد أفكاره الدينية من الهيجليين اليساريين وخاصة فيورباخ الذي نادى بإحلال المعرفة الإنسانية مكان المعرفة الإلهية.
هذا الموقف ظهر جليا للعيان عندما مال ماركس إلى تبني الأفكار العلمية المبتكرة في عصره وخاصة نظرية داروين البيولوجية في التطور واقترب من المناهج الوضعية التي شيدها أوغست كونت والنقدية الكانطية وأعجب بالتحاليل الاجتماعية الاقتصادية لبعض الاشتراكيين رغم إغراقها في الطوباوية وهجومه الكبير على علم الاقتصاد الليبرالي.
إن الأساسي في نظرة ماركس للدين هو ربطه لهذه الظاهرة الثقافية المنتشرة في الوسط الشعبي بالعزاء الوهمي والسعادة المزيفة وقد فسر فيلسوف البرولوتاريا تشكل الظاهرة الدينية بعملية الانعكاس الكاذب للواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه الإنسان، وقد أدى ذلك إلى اعتبار الدين سبب ظهور الوعي الزائف ووقوع الناس في الاغتراب والبقاء في وضع مقلوب، في هذا السياق يقول أنجلز في مناهضة ديهرينغ:" كل دين لم يكن سوى انعكاس خيالي في أدمغة البشر لقوى خارجية تهيمن على الوجود اليومي..."
إن الدين يقيد أياد الإنسان بواسطة إكليل من الزهور وصورة المقدس عند المتدين هي صورة الأزهار موضوعة على القيد ولاسيما وأنه يمكن أن يكون مصدر شقاء الإنسان وبؤسه ويعطل البشر عن الانصراف نحو تغيير واقعهم ولذلك نجد ماركس يصرح في مقدمة لنقد فلسفة الحق عند هيجل:" إن الدين زفرة المخلوق المضطهد وضمير عالم ليس له ضمير، كما هو روح الأوضاع التي ليس لها روح...انه أفيون الشعب."
على هذا النحو يعرف الناطق الرسمي باسم الطبقة العاملة الدين بأنه تعويض خيالي وجزاء معنوي وعزاء عن الشقاء الواقعي في هذا العالم لأنه يمكن أن يقدم توفيقا وهميا خالصا للتعارضات الواقعية القائمة ويمتص التناقضات ويلغي التباينات بشكل التفافي، انه مجرد تعبير عن الإذعان والسلوى وعقيدة سلبية تلجأ إلى تبرير علوي وتحث على الخنوع والركون، انه انعكاس للشقاء الواقعي ويكون عزاء وتخدير ومواساة وهمية وتعبير عن العجز وتبرير للبؤس والتعاسة، كما أنه يمثل شكلا مغتربا لوعي الذات، وهو وعي الذات عند الإنسان الذي لم يجد نفسه.
غني عن البيان"أن الدين هو النظرية العامة لهذا العالم وخلاصته الموسوعية ومنطقه في شكل شعبي وروحانيته وحماسته وعقوبته المهنية وأساسه الكوني من أجل العزاء." والمقصود بذلك أن الدين اغتراب إيديولوجي يجعل الذوات تشعر بقدرتها على الاستغناء عن الواقع والإذعان لسلطته بالاستناد إلى انفصال التجربة اليومية لدى الإنسان المضطهد الممزق والذي يحتاج إلى العزاء والتعويض.
إن الدين هو في معظمه إيديولوجيا تخفي مصالح ورغبات القوى التي أنتجتها وهي انعكاس زائف مشوه تظهر فيه العلاقات بين البشر مقلوبة وتجعل من الأوهام الذاتية وكأنها أفكار صحيحة تحدد نمط حياتهم وان المبادئ والأحكام اللاهوتية يمكن أن تقوم بالتعويض عن المهانة وتبرر الشرور وتفسر ذلك بالابتلاء والمحن وتتستر عن الاضطهاد بتصور قيام جزاء عادل في الماوراء وتدعو إلى احتقار الذات والجبن والضعة والذل والخنوع".
يقول ماركس:"إن المبادئ الاجتماعية للمسيحية قد بررت نظام العبودية البالي ومجدت في العصور الوسطى نظام القنانة السائد وقادرة على الدفاع على قمع البروليتاريا ولو أظهرت أثناء ذلك بعض الأشياء."،لكن ما المقصود بالاغتراب الديني؟ وبعبارة أخرى كيف يوقع الدين الإنسان في الاغتراب؟
إن الحقيقة المؤلمة لحياة الناس على الأرض هي واقع اغترابهم اليومي عن ذواتهم بحيث تمثل شخصياتهم صورة عن الإنسان المغترب الفاقد تماما لهويته. والمفارق أن الذي يقود إلى الاغتراب ليس الأفكار المجردة والغيبيات بعيدة المنال بل الأسس المادية للإنتاج الاجتماعي والشروط التقنية التي تتطور في المجتمع الحديث.والاغتراب لم يعد يقتصر على العامل بل تعدى ذلك إلى قيمة العمل ذاتها ووصل إلى حد اغتراب الثقافة بأسرها لأن هناك تضامن عميق بين الاغتراب الاجتماعي والاغتراب الثقافي والاغتراب الديني .
في هذا السياق يقول أنجلز عن الانحراف الذي حصل في المسيحية الأولى:" هذا التعويض السماوي هو الذي أصبح ذات يوم أفيونا مدهش الأثر كانت السلطة تستخدمه لجعل الناس يقبلون تعاسة الدنيا بانتظار وعود الآخرة..." غير أن الاغتراب لما كان هو الفعل الذي تطرح بها الذات الموضوع وتتخارج معه فان الدين يمثل لحظة الاغتراب الذاتي والخضوع لقوانين الدولة الشمولية يمثل لحظة الاغتراب الجزئي أما نمط الملكية الخاصة وتراكم الثروة بشكل غير مشروع والاحتكار والتفاوت في تقسيم العمل وفي التوزيع واللاتكافىء في التبادل فهو يمثل لحظة الاغتراب الكلي.
على هذا النحو فان الاغتراب الديني هو اللحظة التي يحقق فيها الانعكاس المقلوب احتلاله الكلي للوعي وبالتالي لا تعود صلة الإنسان مع ذاته ومع الأشياء في صورة مطابقة وصحيحة بل في وضع مشبوه ومقلوب بحيث يقدم الوهم على الحقيقة والتعويض الخيالي بدل الإشباع الواقعي وعالم السماء على عالم الأرض وتنتصر لغة العجز والتمني والانتظار على المبادرة والفعل والانخراط.
إن الدين عند ماركس هو شمس وهمية تدور حول الإنسان بما أن هذا الأخير ظل منذ زمان لا يدور حول نفسه والحل هو أن يدور الإنسان حول نفسه لأن ذاته هي الشمس الحقيقية التي ينبغي أن يدور حولها وليس الأشياء الخارجية التي يضفي عليها طابع القداسة. عندئذ" لا يحدث الاغتراب الديني في حد ذاته إلا في الوعي، في الضمير الباطني للإنسان، لكن الاغتراب الاقتصادي يحدث في الحياة الواقعية". لذلك يعرف ماركس الدين على أنه الوعي الذاتي للإنسان الذي أضاع ذاته، والغريب أنه كلما وضع أشياء أكثر في قوة مطلقة موجودة خارج العالم كلما حفظ أشياء أقل في نفسه وهو كذلك شمس وهمية تترك الناس يدورون حول أنفسهم عوض الدوران حول العالم.
إن ضياع الفلسفة في الدين هو انعكاس لضياع أعمق هو الاغتراب الديني الحقيقي الذي يتجلى في مفهوم الإيديولوجيا. لهذا فإن "ما يهم ماركس ليس الفرد المجرد ولا الوعي والنفس الزكية التي تتحدث عنها الأديان والفلسفات بل الإنسان الذي يعمل ويكابد والنفس التي تموت بسرعة وهي تبتعد عن الدين لأنه يعمل على تهميشها أو على الأقل سلب هذا الفرد هنا..."
يربط ماركس بين الاغتراب الديني والاغتراب الاجتماعي ويحاول العثور على أسباب الاغتراب الاجتماعي في العامل الاقتصادي وضمن ظروف العمل وعلاقات الإنتاج ويربط بين مفهوم الاغتراب والاستغلال ضمن نظام الأجرة ، و"إذا كان الاغتراب وقع التطرق إليه كمفهوم نظري فان توسيعه المتزايد ينبغي أن يلزمنا بالقول أن كل عمل مغترب هو مستغل... إن هيمنة القبلية من طرف نموذج الاغتراب على كل النشاطات ليس له من نتيجة سوى الاستغلال" .لكن، كيف فعل ماركس آلبته النقدية في قضايا الإيمان والاعتقاد؟
2- نقد الايديولوجيا الدينية:
"هذه الفلسفة تمتلك مقصد نقدي مزدوج: تأخذ شكل النقد الحقوقي عندما تواجه السلطة السياسية وتأخذ شكل نقد الدين عندما تواجه السلطة الروحية..."
ظل ماركس مهتما بكيفية خلاص الإنسان ككائن منتج وعمل على تحريره من استعباده ومن اغترابه في نطاق علاقات الإنتاج الرأسمالية وتموضعه بواسطة شروط الإنتاج والبضائع ولذلك اقترح كحل نقد الدين وإلغاء الملكية والثورة الاجتماعية وإقامة دولة الطبقة العاملة حتى تحل النزعة الإنسانية والفكر العلمي محل الخرافة والوهم والميتافيزيقا والمثاليات.
" إذا كانت الطبيعة الإنسانية هي الأسمى بالنسبة للإنسان فإنه ينبغي حينئذ أن يكون أول قانون وأسماه هو حب الإنسان للإنسان، الإنسان هو اله الإنسان هذا هو المبدأ العملي العظيم..." وهو ما أكد عليه ذات مرة في بعض من مسوداته: "إن الفلسفة النقدية في كفاحها ضد العالم لا تقف فقط ضد هذا العالم وإنما أيضا ضد الفلسفة التي كانت تسوده إلى ذلك الحين" . "ماركس مثل بقية الهيجليين الشباب الآخرين يتصور النقد في علاقة مرجعية مع الفلسفة وبالتحديد كتحقيق للفلسفة".
إن الإنسان لا يغترب في العالم الديني وفي دنيا الماوراء دون أسباب واقعية في المجتمع والدولة والثقافة ويكفي أن يسترد هذا الإنسان مادته التي خلصها عن ذاته وجسدها في الله حتى تظهر النزعة الإنسانية بجلاء، في هذا الإطار يقول ماركس:" إن إلغاء الحياة المثلى في السماء يستلزم حياة مثلى على الأرض تجعل من حلول مستقبل أحسن على الأرض لا موضوعا لإيمان أجوف بل إلزاما وواجبا على الإنسان تحقيقهما..." وبالتالي فان نفي الماوراء يكون نتيجته الحتمية إقامة حقيقة العالم الدنيوي وبالتالي ينبغي أن نحذف الأساس الدنيوي الذي يرتكز عليه الاغتراب الديني ولن يكون ذلك ممكنا إلا بنقد الدين ، انه وادي الدموع الذي يمثل الدين هالته المقدسة ونقده يعني الهبوط من السماء إلى الأرض.
في هذا السياق يقول ماركس:" إننا نريد أن نحي جانبا كل ما يتلبس مظهر ما فوق الطبيعي وما فوق الإنساني لأن مثل هذا الادعاء هو مصدر كل زيف وكذب..."إن نفي الماوراء هو السبيل الوحيد لعودة الإنسان إلى حياة النوع لكينونته الحقيقية وتحقق الإنسانية مصالحة مع ذاتها لاسيما وأن الدين هو علاقة الإنسان بذاته أي طبيعته الذاتية.ألم يقل ماركس:" الدين حلم العقل البشري بيد أننا حتى في الأحلام قد لا نجد أنفسنا في الفراغ أو في السماء بل على الأرض وفي عالم الواقع..."؟
النقد هو موضوع الفلسفة وغايتها عند ماركس وهو امتحان موضوع ما بغية تحديد قيمته ونقد الدين يعني البحث عن مشروعيته اجتماعية والسياسية من دونها وتحرير لقيم الأرض من مطلقات السماء ولاسيما وأن مسار الفلسفة النقدية عوض أن يصعد من الأرض إلى السماء يهبط من السماء إلى الأرض. إن نقد الأوهام الذاتية يسبق حتما نقد الأوضاع الواقعية ولذلك فإن نقد الدين هو شرط انتقال أي جماعة من اللاعقل إلى العقل ومن الأسطورة إلى التاريخ وتحقيق المنعطف السياسي الذي يسمح بتعاصر اللامتعاصر وإتاحة الفرصة إلى الإنسان بأن يحتل مكانا يليق به في هذا العالم.
إن نقد الدين يسير جنبا إلى جنب مع نقد كل أشكال الوعي الزائفة الأخرى لاسيما وأن الظاهرة الدينية هي ظاهرة تاريخية إنسانية لا يمكن عزلها عن بقية الظواهر الأخرى، من هذا المنطلق لا يخرج الدين عن كونه نتاجا تاريخيا للبشر في ظروف حياتهم اليومية وفي وضعهم التاريخي خاصة وأنه شكل اجتماعي للوعي وثيق الصلة بالحياة الإنسانية التي انبثق منها ويستمد تصوراته ومكوناته النظرية المقدسة والدنيوية من حاجات البشرية الواقعية وتطلعاتهم.يلبي الدين حاجتين ، الأولى نظرية وتتمثل في فهم الصلات التي تربط الناس ببعضهم البعض وبالعالم والثانية عملية وتتمثل في تأكيد سيادة البشر على حياتهم الفردية. ألم تنتزع كلمة الدين أفيون الشعب من سياقها الثقافي واللغوي والتاريخي ليبالغ في استعمالها في غير المعنى الذي جعلت له؟ ألم يشر ماركس هو نفسه إلى القاع الإنساني العميق في الدين وما تتضمنه لغته من رغبات إنسانية وتطلعات دنيوية؟

تبعا لذلك"إن نقد الدين يخلع السحر عن الإنسان من أجل أن يفكر ويفعل ويبدع حقيقته وهو يصبح عاقلا عندما يكون إنسانا مخلوعا من القداسة"\ز وبالتالي "لا يمكن أن يختفي الانعكاس الديني للعالم الواقعي عند الإنسان إلا عندما تظهر له ظروف العمل والحياة العملية علاقات شفافة وعقلانية مع أمثاله ومع الطبيعة".
لقد غادر النقد مع ماركس أرض الفلسفة المثالية والتمظهرات المجردة واصطف على يسار هيجل ليدخل أرض اللاهوت والتصورات الأخلاقية وينجز نفسه فعليا عندما ثار على ماهو قائم ويصبح في خدمة التاريخ والفعل السياسي والاجتماعي، إن النقد يتخطى مبادئ المعرفة وقوانين المنطق وأسس الأنطولوجيا ليشمل الشروط الاجتماعية والتاريخية من أجل القضاء على الأوهام اللاعقلانية والايديولوجيا المثالية ولكي يثبت أن المجتمع الأرضي هو مصدر الخير وأن الإنسان حامل قيم وأن الذات يمكن أن تكون مسؤولة عن وجودها في العالم.
"إن لفظ الإيديولوجيا في القاموس الفلسفي الفرنسي يمتلك دلالة سلبية. انه يفترض نوعا من التجريد من درجة ثانية بإشارته إلى خطاب حول الأفكار. لكنه سيعاد له الاعتبار في الفكر الماركسي رغم بقاء دلالته غامضة, انه يشير إلى الأفكار بوصفها وسائل في الفعل والسجال السياسي. هكذا نتحدث كثيرا عن الإيديولوجيا البرجوازية وعن الإيديولوجيا الاشتراكية ( أو البروليتارية) وعن الصراع الإيديولوجي عندما يتعارض هذان الخصمان."
لا يمكن تحقيق نقد الدين تماما دون الانتهاء من نقد الإيديولوجيا البرجوازية ومن نقد الفلسفة المثالية لكن ماركس يذهب إلى أبعد من ذلك بضمه نقده الجزئي للدين إلى نظريته الكلية في البراكسيس لاسيما وأن أوهام الاستلاب الديني لا يمكن تبديدها بمجرد نقد الدين وإنما عن طريق الثورة والتغيير الشامل للحالة الاجتماعية التي ولدت من تلك الأوهام، وهذا ما نعثر عليه عند ماركس في الإيديولوجيا الألمانية في قوله:"إن الثورة لا النقد هي القوة المحركة للتاريخ وكذلك للدين والفلسفة وكل الأشكال النظرية."
لكن إلى أي مدى يمكن أن نعتبر ماركس صاحب ديانة جديدة؟ أو بعبارة أخرى هل ترك للدين وظيفة ثوريو ممكنة في إطار الحراك السياسي الذي يعرفه أي مجتمع؟
3- الدين دعامة رئيسية للثورة:
" إن الصراع ضد الدين هو بصورة غير مباشرة صراع ضد ذلك العالم الذي يمثل الدين أريجه الروحي، إن الشقاء الديني هو في الوقت نفسه تعبير عن الشقاء الواقعي واحتجاج ضده"
لعل فرادة الماركسية في كونها فلسفة ثورة خصوصا عند تبنيها لأطروحة 11 عند فيورباخ التي تعلن الأمر القطعي بالتوجه نحو البراكسيس:" ما فتئ الفلاسفة يؤولون العالم في حين أنه يجب تغييره" وتتوضح ضرورة الثورة في رغبة ماركس العارمة في قلب الأوضاع رأسا على عقب والشروع في صناعة الإنسان وفتح الآفاق أمام الكائن البشري من أجل انجاز ذاته وإعادة تأصيل علاقته بنفسه وبالطبيعة على نحو إنتاجي، في هذا السياق يقول جورج لابيكا:"لا يمكن للعالم في حالته الحالية أن يستمر. إن العالم الحالي وأشكال وجوده وتفكيره وإحساسه أو فعله هو العالم الآخر، عالم الدين والفلسفة وما شابههما الذي احتل مكان العالم الأرضي. إن فعل التغيير هو العودة إليه ومحاولة العثور عليه..."
إن ماركس ينقد الدين كإيديولوجيا وكأداة محافظة تبرر سيطرة طبقة على أخرى وليس الدين في حد ذاته كتجربة روحية يقيم من خلالها الإنسان صلة بالمطلق وفي نقده هذا يشير إلى الطابع المزدوج العملي والنظري للدين وعلاقة الوعي الديني بالصراع الاجتماعي والسياسي ويقر بأن الأديان تلعب دورا تاريخا حاسما في الانتقال من حقبة معينة إلى أخرى.إن الدين عند ماركس ليس مركب غيبي مثالي وخرافة تقيد الناس بنمط طفولي من التفكير والسلوك ويعبر عن علاقات بدائية بين الإنسان ونفسه والأخر والطبيعة بل هو احتجاج وتعبير عن اللحظة الفاعلة والرغبة الحثيثة في تخطي النظام القائم بصورة واقعية وفعلية ، وهو محفز تاريخي وواقعي يتحول إلى نهج للسلوك الفاعل والايجابي ودعامة أساسية للاحتجاج والرفض وقد قامت العديد من الثورات والانتفاضات تحت راية الدين مثل التمردات الفلاحية في العصور الوسطى وحركات التحرر الوطني في الأزمنة الحديثة.
لقد بين أنجلز أن المسيحية الأولى كإيمان ديني صافي قبل أن تأخذ شكل عقيدة ومؤسسة محافظة في يد السلطة منذ عهد قسطنتين وقبل أن تنقلب إلى حلم وهروب من الواقع التعيس وانتظار للوفاء بالوعد كانت احتجاجا وعنصرا ثوريا تعكس التوق العارم من قبل الطبقة الناشئة إلى التغيير وتأثيث عالم أفضل ولعل الثائر الألماني توماس مونزر هو خير مثال على ذلك الالتقاء بين الإيمان والثورة حيث لبس الدين ثوب النضال ضد الإقطاع والنبلاء .
" تحتل المسألة الدينية مكانة متصاعدة في كتابات أنجلز وأشكال المرور بالدين هي بالأحرى توصيفات وملاحظات. وقد كان أنجلز حساس بالتأثيرات الاجتماعية والسياسية للدين. لقد كان الدين بالنسبة إليه قبل كل شيء واقع اجتماعي وليس مسألة دينية. وقد بدأ باكرا تعاونه مع ماركس وأخرجا من عملهما المشترك ليس نقدا للدين بل علما بالتاريخ يأخذ بعين الاعتبار الظاهرة الدينية كانعكاس خيالي للعالم الخارجي أي كإيديولوجيا..." .
في هذا السياق يصفه أنجلز في كتابه حرب الفلاحين في ألمانيا:"كانت تعاليم مونزر السياسية وثيقة الصلة بتصوراته الدينية الثورية ومثلما كان لاهوته يتخطى التصورات الرئيسية في عصره كذلك كانت تعاليمه السياسية تمضي إلى أبعد من الشروط السياسية والاجتماعية السائدة مباشرة وكانت فلسفته الدينية تتاخم الإلحاد مثلما كان برنامجه السياسي يقارب الشيوعية...كان هذا البرنامج يطالب بإقامة مملكة الرب مباشرة على هذه الأرض...لقد رأى مونزر في مملكة الرب مجتمعا بلا فوارق طبقية ولا ملكية خاصة ولا سلطة دولة مستقلة أجنبية تفرض نفسها على أعضائها..."
لقد كان الفلاحون يطالبون بالعدالة والاعتراف بظروف المساواة التي شهدتها المسيحية الأولى فتصبح قواعد سائدة في المجتمع الذي يوجدون فيه وقد اعتمدوا على تساوي البشر أمام الله كحجة مقنعة في مطالبتهم بالمساواة على الأرض في الثروات وأمام القانون.، خاصة وأن شعار ثورتهم كان:" يا رب أيد عدالتك السماوية..."إن ازدهار الأديان مرتبط على نحو وثيق بتحول في المجتمعات ذات الامتيازات والمؤسسات الناظمة إلى مجتمعات طبقية وان الوعي الديني لتلك الطبقة الناشئة المتجهة نحو التمرد والثورة ينطوي في ظروف تاريخية واجتماعية معينة على معارف ومطالب مستمدة من قوانين الحياة اليومية." وفق هذا المنظور لم تتشكل الأديان من أجل أن تلغى بل من أجل أن تأخذ بعين الاعتبار الجهد الأرضي" .
من المعلوم أن ماركس ينقد الدين كإيديولوجيا وهمية مقيدة لسلوك الناس ولكنه مقابل ذلك يعترف بالبعد الإنساني المكنوز في العامل الديني بقوله:" كلما عمد الأفراد الفاعلون إلى الاحتجاج على ظروف وواقعهم قلت حاجتهم إلى الدين كوهم بديل عن الواقع يبرر تعاستهم وعجزهم وشرعوا باستدعاء القاع الإنساني العميق في الدين وتمثيله نظريا".إن العامل الديني هو منعطف قوي يمكن أن تتحول إلى طاقة رئيسية للايديولوجيا وتعمل على مخاطبة وحث الذوات الفاعلة تاريخيا من أجل حفز هممهم ودفعهم إلى البراكسيس وتلبي لديهم مستلزمات رغبتهم في الصراع والمقاومة وحاجتهم إلى الحماسة والإرادة.
على هذا النحو يقترح ماركس إخراج رجال الدين من دائرة الإيمان الخالص إلى دائرة الإيمان الفاعل وتحويلهم إلى قوة محركة للتاريخ. ومن هذا المنطلق اعتبر ميشيل هنري:" ماركس واحد من المفكرين المسيحيين الأوائل","إن الإيديولوجيا نفسها في حد ذاتها تفرض قوة جذب نوعية ويمكن أن تكون ناجعة بشكل فوري،إنها نصف دين ويمكن أن ترضي الحاجيات الدينية وأن تحدث تحولات في الإيمان وتحديدا من خلال المسيحية وفي كل الأحوال نقلل من عدم القدرة على تجاوز اللاانطباق بين الإلحاد والإيمان ( ربما هذا الأخير يصلح أيضا في الدول الإسلامية). يمكننا أن نعثر بمعنى ما في الإيديولوجيا والتطبيق الحسن للماركسيين بالكاد في غير موضعها على الإيمان والأمل والمحبة وحتى أبعاد الرؤية والأخروية والإنتظارية." " كتب بيير بيجو حول ماركس: إن تعبيره يقترب في بعض الأحيان وبشكل غريب من التعبيرات الدينية. وعندما يهب إلى البروليتاري "عيب في ذاته" عندما يرى فيه " الفقدان التام للإنسان" وينتظر من خلاصه "الاسترجاع الكامل للإنسان" ألا يجعل منه بطريقة ما إنسان الهي يكون في الآن نفسه ضحية ومخلص؟
خاتمة:
" لما نتحدث عن الأفكار التي تثور مجتمع ما برمته فإننا نعبر فقط عن أن عناصر المجتمع الجديد تتشكل في حضن المجتمع الهرم نفسه وأن انحلال الأفكار الهرمة ترافق انحلال ظروف الوجود القديمة... عندما كان العالم القديم في لحظة خسوفه فإن الديانات الهرمة قد اندحرت أمام الدين المسيحي. وعندما تركت الأفكار المسيحية في القرن18 مكانها لأفكار التقدم وخسر المجتمع الإقطاعي معركته الأخيرة مع البرجوازية الثورية حينذاك فإن أفكار الحرية الدينية لم تتوانى عن الإعلان عن مملكة التنافس الحر في مجال المعرفة..."
هكذا يعمل ماركس على الاستناد على المقولات الدينية من أجل بناء نظرية ثورية وينطلق من أفكار المسيحية الاشتراكية من أجل تأسيس اشتراكية علمية وربما عوض المبدأ الديني: كل الناس أخوة بالشعار السياسي : يا عمال العالم اتحدوا." لقد أنجز الجوهري من نقد الدين في ألمانيا كما يقول ماركس نفسه وكأن سيادته السياسية نزعت لمصلحة الدول القومية وسيادته العقلية لمصلحة العلوم الطبيعية والإنسانية أما عندنا فبعيدا من أن تكون المشكلة الدينية قد حلت يتراءى لبعضنا بالعكس أن الدين هو الحل لمشكلاتنا الوفيرة، الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها..."
ماركس لم يخشى المقارنة بشكل علني بين البروليتاري والمسيح أين المعاناة هي أيضا في عيون المسيحيين معاناة كونية." في الواقع يوجد تيار فكري يحاول اختزال النظرية الماركسية في فكر ديني ويحاول أن يعتبر الماركسية كدين مضاد وشيوعية ماركس وانجلز هي استكمال علماني أي جسم صوفي للمسيح في حالة اكتماله أي وروحنة تامة لإنسانية شبه متألهة. يؤول الأستاذ من جامعة برنستون الماركسية بألفاظ تكاد تكون دينية حيث يدرج ماركس ضمن مقولات المؤسسين للدين. وقد تمثل مشروعه في إماطة اللثام السميك عن المظاهر من اكتشاف ما يتضمنه أثر ماركس الديني من جوهري. فماهي نتائج بحثه؟
يثبت ر. توكير أن " الماركسية هي ديانة الثورة" وأن مذهب ماركس تشكل على غرار المذهب الديني ويذكر من جهة البنية بالتصورات الدينية الكبرى للغرب. تظهر الاشتراكية العلمية حسب الكاتب خصائص أساسية مشابهة لتلك التي نجدها في مسحية القديس أوغسطين في العصر الوسيط. انه لا ينبغي أن تغالطنا التصريحات بالإلحاد من ماركس لأن إلحاده كما يقول ر. توكير يترجم في نهاية المطاف بواسطة قضية دينية توكيدية. إن ديانة ماركس هو ديانة خلاص ولا نستطيع أن نفهم ماركس إذا لم ندرك فكرة الخلاص هذه التي توجد كأساس لنسقه"
إن نقد الدين يؤدي إلى اكتشاف وإبراز الطابع الحقيقي لتعاسة الإنسان ولآلامه الواقعية الحسية ولكن نقد ماركس للدين مختلف عن نقد فيورباخ ونيتشه والماديين الموسوعيين لأن ماركس مع إبطال المعتقدات الغيبية والأفكار الماورائية ولكننا ينبغي أن نبتعد عن الرأي الذي يعتبره مجرد ملحد مناهض للدين فهو ينادي بتطهير الوعي من الأوهام والشوائب وإحلال الوعي العلمي والنزعة الدنيوية وترسيخها في الثقافة الإنسانية والحياة اليومية.
انه من التجني أن نعتبر ماركس مجرد منكر للدين أو صاحب دين وضعي جديد لأنه يتحرك فلسفيا ضمن أقطاب الظنة وكاشفي الأقنعة وهو ما يعني تجاوز الفرضيتين معا الإلحاد والإيمان،" ينزل ماركس في مخطوطات 44 في وجهة النظر الذي يصبح بمقتضاها الإلحاد فاقدا للمعنى. إن معنى مقترح ماركس يكون هنا القول بأن الإلحاد قد أصبح من هذه الزاوية شيئا ثانويا وأنه أصبح نهائيا من غير النافع أن نصدح به. ويفسر ماركس بأن الإلحاد هو نفي لله وهذا النفي يطرح وجود الإنسان...إن الله يستمر إذن بالنسبة إلى الإلحاد كوسيط وحد أوسط ضروري بما أنه من خلال المرور به يعود الإنسان إلى ذاته كشيء ضروري..."
إن اعتراض ماركس على الدين ليس إنكار له وان نقده للتوظيف السيئ له لم يتخذ شكل مذهب عدمي للإلحاد بل كان ذلك من أجل تأكيد الإنسان المكتفي بإنسانيته الذي لا يدين في وجوده لأحد سوى لعالمه الإنساني ويعتبر نفسه المرجع والمصدر لقيمه الخاصة. ان ماركس قد نظر الى الدين نظر علمانية عقلانية متحررة من كل المعتقدات والبواعث ولم يأخذ هذه المسألة بجدية وكشيء يستحق المقاومة الضارية كما فعل لينين وستالين بل تبنى موقفا فلسفيا عقليا."ربما تقدر الماركسية أن تنفتح على الفكرة التي ترى بوجود مكان للقوى الروحانية التي تغير الإنسان نفسه وتقدم حلا نهائيا لمشكله إلى جانب القوى الزمنية التي تغير البنى المجتمعية. ربما يمكن انجاز المتطلبات المشروعة التي تطرحها هذه القوى الروحانية باسم الإنسان عوض الخضوع لهذا التحول في البنى نفسها..." ألا تعد الماركسية كما أكد برديائيف إيمانا علمانيا ودينا وضعيا جديدا؟ أليس دينها نفسه هو الذي جعلها ضد كل دين؟ وهل بالفعل أدى الإلغاء السياسي للعامل الديني عن طريق العلمنة الجذرية إلى إلغاء اجتماعي وثقافي له ؟ ألم يستمر العامل الديني في التأثير على سلوكيات الناس من حيث طاقته التربوية والأخلاقية والتواصلية على الرغم من حملة التشكيك والإنكار التي تعرض لها خلال زمن الحداثة؟ لكن إذا كان العامل الديني لازمة من لوازم أية ثورة فألا يتحول إلى عائق يمنع تشكل دولة مدنية؟ ماهي وظيفة المعتقدات الدينية في تنظيم العلاقات بين البشر؟ كيف نفسر حكم ماركس على أن الدولة دنيوية من حيث الأصل والمبدأ وأن الدولة التي تجعل الدين وسيلة لإكمال ذاتها هي دولة مارقة وأسوأ دولة تتغلف بالطهرانية لإخفاء التناقضات وتجعل كل رغيف خبز رهنا بالإيمان؟ وإذا كانت سيطرة الدين لا تزيد عن تكون دين السيطرة فهل المطلوب هو موقف ديني راشد تجاه السياسة أو موقف سياسي حازم تجاه الدين؟ وبأي معنى تتصور الفلسفة الماركسية الدين السياسي؟ ألا تتجه نحو محاربة اليمين الديني السياسي والى الدفاع عن حق الوجود للسياسة الدينية من وجهة نظر يسارية؟ أليست الدولة الديمقراطية في حاجة إلى الجانب العقلاني الاجتماعي التقدمي من الدين من أجل تحقيق كمالها السياسي بما هي دولة الطبيعة البشرية وحرية العقل؟

المراجع:
André Comte-Sponville, l’esprit de l’athéisme, introduction à une spiritualité sans Dieu,Editions, Albin Michel,2006
Armand Guillaume, la séduction marxiste, un prêtre médite Marx, EMI, Bologna 1987
Emmanuel Renault, Marx et l’idée de critique, Ed PUF, 1995
Franck Fischbach, la production des hommes , Marx avec Spinoza, Ed PUF,2005
Georges labica, Karl Marx, les Thèses sur Feuerbach, Ed PUF, 1987
Henri lefebvre, problèmes actuels du marxisme, Ed PUF,1958
J .f. Lyotard ,dérive à partir de Marx et Freud, collection 10-18,UGE ,1973
Marcel neusch , aux sources de l’athéisme contemporain, chretien malgré lui,Ed centurion, 1977
Nguyen Ngoc Vu, ideologie et religion, d’après Marx et Engels , edition Aubier Montaigne,1975
Pierre Bigo, Marxisme et humanisme, Paris, PUF, 3 éditions, 1961

René de lacharrière , la divagation de la pensée politique, Marx et la

socialisation de dieu, PUF 1972,

Wackenheim, Ch , la faillite de la religion d’après Karl Marx, Paris, PUF,1963

كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-03-18

yyy



"لقد اضطر الفكر العلمي الى فصل هذا التلاحم بين حكم القيمةوالتحليل،لأنه كان قد بدأ يتبين أكثر فأكثر أن القيم الفلسفية لا تسمح بتنظيم المجتمع ولا بتحويل الطبيعة.فلقد كانت هذه القيم عديمة النجع وكانت تفتقر الى الواقعية."1

يا لصدمة الفيلسوف زمن العولمة! ويا لوضعيته الصعبة! فهو على ظاهر وصوله الى المعرفة المطلقة وتشييده للنسق الذي أكمل خدمات الواقع وصار لغته مازال بعد أخف من الملائكة مثقفا هائما وإنسانا جهولا "علمنا شيئا وغيب عنا عدة أشياء"،لا يعرف"كيف يقول؟ولا ماذا يقول؟". ألا ترى كيف أنه يؤثر الهدم على البناء والتفكيك على التأسيس والافتقاد على الامتلاء ويحاول جاهدا الكشف عن العدم ونقد النظريات دون أن يقتفي آثار المعنى ودون أن يأخذ بعين الاعتبار المشاكل الواقعية الملحة ثم ألا ترى كيف أنه يلقي بنفسه إلى الأمام وفي المجهول عن طريق العودة إلى الأصول والوقوف عند الأسس ويزعم تحقيق الصعود والنهوض من خلال القيام بخطوات إلى الوراء والتواري عن الأنظار كما يفعل الجهلة من الخلق؟هل هناك شيء أسوأ من أن يتحقق الإكتمال النظري للفلسفة عن طريق تحويل الجدال الفكري بين العلماء إلى صراع فعلي بين البشر وحروب بين الدول وصدام بين الحضارات؟ بأي معنى تنجز الفلسفة نفسها ذاتيا وتسمى عناقا للعالم لما تتجاوزه فعليا وتتعالى عليه ولم يعد بينها وبينه أي علاقة سوى التأمل النظري؟ لكن لو كان ما يدعيه هذا الفيلسوف صحيحا فيا ترى كيف بالتأمل الذي ينغمس فيه الفيلسوف عروجا إلى الحق يفضي به إلى مستنقع الأوهام؟ألا يجدر به هنا "أن يتخلى عن وضع يكون في حاجة إلى الأوهام عوض أن يحاول التخلص من الأوهام المتعلقة بوضعه"؟ ألم يكن يريد إقامة حقيقة العالم بإزالة عالم ماوراء الحقيقة؟ فلماذا هو يهتم الآن بالأفكار كما لو كانت كيانات مستقلة لا تخضع إلا لقوانينها الخاصة ويدعي أنها قادرة على الفعل في الأشياء والتأثير على الأشخاص ويضع العدم إلها مطلقا ليغتاب به الوجود الحقيقي ويدجن براءة الصيرورة؟وهل بعد هذا نستغرب أن هذا الفيلسوف في مأزق ومن أن وجود الفلسفة في حد ذاتها في وضع متناقض؟ إذ كيف نفهم هذا اللبس: كلما استحدث الفيلسوف شيئا سابغا عليه أوصاف الكمال والأبدية ما لبث أن تأذى منه بوجه من الوجوه وحجب ظهور هذا الشيء أبعاد أخرى وكلما أرادت الفلسفة أن تفضح الأوهام وتقضي على التشويهات التي يتعرض لها الإنسان في وجوده والقيمة التي يمنحها لنفسه وللأشياء التي تحيط به كلما وجدت نفسها هي أيضا كنوع من التشويه الذي يحول الأوهام إلى حقائق والإستعارات الميتة إلى قيم ومبادئ؟
ما أشد غربة هذا الفيلسوف وما أعظم غفلته يمضي إلى تدبر أمر الوجود متفقها في الأدوار التي تنهض بها اللغة محولا الوقائع إلى تأويلات دون أن يبالي بالمنعرج الذي حدث للغة وللتغير الذي طرأ على نظام الخطاب.

فاللغة لم تعد إطار تحقق الذاتية ومسكن الوجود ولا الكلام الذي نعبر به عن صوت الوجود الأخرس بل أصبحت حافلة بالسلطة والرغبة تقول صمتا أكثر مما تقول كلاما وكأنها جعلت لتخفي فيها ما نريد قوله- فكيف يمكن تدبر الأمر وتفادي الوقوع في الفخ الهيجلي الذي جعل من كل تفكير مضاد له تفكيرا معه ومن أجله؟ هل يعني هذا صعوبة الإفلات من قبضة النسق الهيجلي أم أن أفق التفكير الفلسفي هو أفق مسدود نظرا لأننا نتحرك داخل دائرة مغلقة ودور منطقي وإزاء طريق لا يؤدي إلى أي مكان؟ ألا يمكن للمرء أن يخوض التفلسف خارج التربة التي هيئها هيجل إن "كان التفلسف هو تساؤل خارق للعادة خارج النظام عما هو خارج النظام" كما يقول هيدجر وطالما أن جهل الفيلسوف اليوم يعود إلى انهمامه بالبحث عن سبيل للخروج من هذه الكماشة دون أن يتفطن إلى أن الحل ليس في الفرار من النسق الشمولي والهروب من اللغوسLogos الاغريقي أو الحكمة العربية أو الراسيوRatio اللاتيني بل يتمثل في اختراقه واقتحامه ومعاودة الدخول اليه عبر انتزاع حق المواطنة والضيافة معا وعبر أسلوب مخل للحياء لا يتحرج من وقاحته وجهله الحكيم؟
إن ما ينبغي الإنتباه إليه هو أن الفكر الغربي بعد أن أعلن أفول الآلهة وموت الإنسان ونهاية التاريخ عبر كأحسن ما يكون عن تمركزه اللوغوسي حول نفسه وتماهي إرادة المعرفة مع إرادة القوة وارتباط السيطرة على الطبيعة بتسيد العالم والسيطرة على الإنسان. بيد أن هذا المصير الذي قدر له أن يكونه شق في جسده جرحا لا يندمل أبدا وقسم روحه إلى شطرين قد لا يقبلان الإلتئام مجددا:"أحدهما يفكر والآخر ينظر إليه وهو يفكر":الذات والموضوع،الروح والجسد،العقل والتجربة،المثالية المفرطة والواقعية المفرطة. وإن حاول المرء اليوم استئناف تجربة التفلسف تحريرا للحقيقة من براثن التطابق والتمثل وانقاذا للقيمة من رقابة مبدأ المردود والنجاعة وانتشالا للمعنى من اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول وبين الكلمات والأشياء ليس له من بد إلا الإنخراط في الفكر الجدي المختلف الطامح إلى تجاوز الميتافيزيقا سواء كان هذا الفكر ملتحما بالنظرية التأويلية التي عوضت مطلب الحقيقة بمطلب المعنى وانفتحت على وجود الإنسان كما هو في العالم وكما هو مع الآخر إنقاذا له من التيه والاغتراب أو كان هذا الفكر مشدودا إلى النظرية النقدية التي توخت استراتيجية تحطيم الأوثان واختراق الأنساق وتفكيك الأسس والمراكز بالانفتاح على التخوم والهوامش. لكن إن كان العقل التأويلي قد تقمص رداء الهرمينوطيقا التي ظلت وفية لإستراتجية اللغوس التأسيسية فإن العقل النقدي قد بلغ ذروته القصوى مع الإختلاف الذي وجد في الغراماتولوجيا والتفكيك بيانه الإفتتاحي. هنا تجدر الملاحظة أن هذه النهاية للفكر الغربي لم تكن سعيدة وليست البتة تتويجا للدرجات التي انتهى إليها الوعي البشري بل إيذانا بتشتت جهود هذا الفكر ودخوله في مضيق تجلت في هذه الحيرة المقضة وهذا التراوح بين التأسيس والنقد وبين التأويل والتفكيك وبين المعنى واللامعنى،فما مطلوب الفلسفة اليوم حتي توقظه من سباته:الحقيقة أم المعنى؟ الفهم عن طريق الذوق أم الموضوعية العلمية عن طريق قواعد في المنهج؟ وما هي خطتها للظفر بهذا المطلوب؟ هل هو التأويل أم التفكيك؟ اللغوس أم البوليموس؟ التأسيس أم النقد؟ القراءة أم الكتابة؟ التاريخ أم البنية؟
إن هذه الرجة لم تحدث قط نتيجة ما آل إليه الفكر الغربي بل تنبعث كلما حاولنا التقريب بين الممارستين:الهرمينوطيقا والغراماتولوجيا, وهذا ليس لإلتباس العلاقة بينهما بل للغربة والتباعد الذين يفصل الواحد منهما عن الآخر،فقد أعلنت البنيوية والحركات الجذرية التفكيكية نهاية حياة التأويلية غير أن هذه الأخيرة ما انفكت تقاوم مذكرة "حفاري قبرها" بأنهم لا يستطيعون الإستغناء عنها وأنهم يستقون منها استراتجياتهم دون أن يعلموا وعلى غير دراية منهم،فهل التأويلية وهي نظام في الفهم مسلح بالأدلة والحجج تبدو ضرورية لنمو العلوم الإنسانية وللتملك الواعي للذات أم أن التحفظات حيال بعض أشكالها كانت محقة وأنه لابد من قبرها الى الأبد؟

غلاف الكتاب لمؤلفه زهير الخويلدي

إن كان فن التأويل يقول ما يجب أن يقال بغير أن يسعى لجعلنا نقاسمه الرأي أيعقل أن نعتبره أمرا غير معقولا ونسعى الى استبداله بضرب من المعرفة المتميزة البعيدة كل البعد عن المعنى العام والسياق الكلي والبنية المشتركة؟ لماذا تعلن التفكيكية في اطار حذرها الممنهج من الأفكار العامة ومن المعرفة الحقة أنها ليست من المعنى العام المشترك في شيء وأن التأويلية هي نظريات مشبوهة وأقاويل مغشوشة؟ هل لكونها تصبو الى فهم بلا امتياز وترنو الى الحصول على موافقة عقلانية صريحة من القراء على ما قاله الكتاب؟هل يمكن الحديث عن النقد والتفكيك والتعدد والحرية التأويلية واللعب التفسيري داخل الهرمينوطيقا وفن التأويل؟ والى أي مدى يكون مشروع تأويلية نقدية تساؤل النصوص عن مدى قابليتها للتعرية والتفسير وتستنطقها في مواطن ضعفها ونقاط قوتها مشروعا ممكنا وقابلا للتحقق؟ فهل يحشر جهد فلاسفة الاختلاف وحرصهم علي هدم المعنى ومحاصرة الحقيقة وتذرية القيمة والحديث بلغة النهايات ضمن الرؤية الاسكاتولوجية التهويلية والقطيعة الكارثية دون تجنب السقوط في الغنوصية الجديدة والعدمية اللاأدرية؟ ما مدى مشروعية القول بأن الغراماتولوجيا قد ظلت وفية لمشروع الهرمينوطيقا القاضي بضرورة انتشال وتلقط المعاني من وراء فتات هذه الشظايا والشذرات المتنافرة وبين حطام الخطابات المفككة والمتخلخلة؟
ان ما يستحق الاهتمام اليوم في كل الممارسات الفكرية المتنافرة والمقاربات التعقلية المتباينة والمعقوليات الجهوية الجديدة وما يمثل قطب الرحى أو مركز الثقل هو التوقف عن هذا "السبات الأنثربولوجي" على عبارة ميشيل فوكووالتوجه على التو نحو الظفر بمسألة المعنى والتحصن بمطلب القيم خصوصا وأن الهرمينوطيقا التي نحت منحى أنطولوجيا فلسفيا وجعلت العلوم الانسانية سندا لها عبر طريق طويل تشرع امكانية ذلك,وكذلك الغراماتولوجيا التي ارتكزت على تشابك الروابط بين المعرفة والسلطة والرغبة واللاشعور والكتابة والقراءة قد تلتقي معها على نفس مسطح المحايثة وتشترك معها في كون قضية المعنى والقيمة مازالت المطلب الأول والأخير للتفلسف حتي في ظل تلاشي المعنى ووصول القيم الى الحافة وحضور اللامعنى والفارغ من كل معنى والمضاد للمعنى.
إذا كان الأمر كذلك وبهذه الغرابة والهول ماذا يمكن أن نفعل اليوم وغدا في ساحة الفكر الذي يخصنا في زمن هذه العولمة الضاغطة؟

غلاف الكتاب لمؤلفه زهير الخويلدي

تنتاب الفكر في حضارة إقرأ حالة من الحيرة المقضة والريبة الشمولية نتيجة العولمة الضاغطة وضياع البوصلة بالنسبة للعرب ولكن نقطة أرخميدس والأرض الصلبة التي ينبغي أن نقف على مسطح محايثتها بثبات ونبدأ منها انطلاقتنا الثانية نحو المدينة العالمية هي فلسفة المقاومة بماهي طريقة تعبر من خلالها الشبيبة الأبية عن الوعي بذاتها كطبقة صاعدة تحاول أن تفهم الماضي وتنقد الحاضر وتصنع المستقبل. وتجسيما لهذا الوعي المنزعج من ذاته وتفعيلا لفلسفة المقاومة ارتأينا أن نقسم هذا العمل الافتتاحي الى جملة من الحركات الفكرية كانت كلها تعبيرا بلغة المفهوم عن ما ينتاب الذات من خلجات وحسرات ناتجة لما تتعرض له الملة من نكبة كينونية سببتها العولمة والحرب والتي أدت الى صدمة الفكر في حضارة اقرأ نذكر منها الاستراتيجيات التالية:
1- ان الحديث عن الكتابة في البدايات هو اعتراف بمعايشة الفكر للحظة البداية وما يحمله هذا الاعتراف من توجه نحو الفكر وعزم على الانخراط في التفكير المحض مع محاولة التخلص من كل الأحكام المسبقة والفرضيات القبلية بتحطيم بعض الأوثان التي انتقشت في الذاكرة الفلسفية مثل الحداثة والتقدم وسلطة الخطاب وتبجيل الصمت والامتناع واللامعنى باعتبارها تجسيد لقيمة حرية التفكير وانعتاقه من كل تبعية.
2- علاوة على أن الميتافيزيقا عقبة تنتصب أمام كل فكر حر وتمنعه من التجديد والنمو وأي ارادة للنهوض وللانخراط في التجربة الكونية للتحضر تتطلب السعي للخروج من براثن هذه الميتافيزيقا المعششة في الكتابة والقراءة ولذلك انصب جهدنا هنا حول انشاء كتابة مقطعية غير نسقية وقراءة معلقة يلعب فيها الخيال دورا بارزا حتى نجد الى الفكر الخلاق سبيلا.
3- لما كان الزمن الأخير هو زمن التماثل والتطابق وغياب التميز والتنوع وكان مفهوم الحشد هو خير دليل على ذلك فإن الشعوبية قد غزت الفكر واقتحم الابتذال الفن وأصبح الذوق يصنع على القياس وأصبح المبدع في تناغم مع انتظارات الجمهور، فاقتضى الأمر تدخل الفكر الراشد من أجل تحرير الحياة حيث هي أسيرة.
4- على هذا النحو تحتل اللغة العربية في حضارة اقرأ مركز الثقل وحجر الزاوية فهي بيت كل عربي ونافذة كل مسلم يريد أن يطلع على الوجود يلزم أن ينقلها من لغة هوية ورمز لملة منغلقة على ذاتها الى لغة تفكير وابداع ورمز لأممية جديدة عادلة .
5- زد على ذلك أن أحد ركائز حضارة إقرأ هو قدرتها على استيعاب الوافد والتشريع لحق الاختلاف واحترام المغاير وقد تجسد ذلك في حركة الترجمة الى اللغة العربية من الفارسية والاغريقية والسريانية والهندية ومن هذا المنطلق تبلورت العلاقة بين الهوية السردية والغيرية وتحقق مبدأ حسن الضيافة اللغوية.
6- ان التطرق الى التأويل في مقام سادس لا يعني بالضرورة الارتماء بين أحضان الحضارة الغربية وترديد ما قاله فلاسفتها حول التأويل بل ابراز للجميع أن حضارتنا هي أيضا حضارة تأويل وأن السجال لم ينفك يدور حول من يستحوذ على فهم أعمق لنص الوجود ولعل الخصومة بين الغزالي وابن رشد حول هذه المسألة هي واحدة من الفصول العديدة التي عبر من خلالها العقل العربي الاسلامي في عصور الازدهار عن حيويته وقدرته على التكلم بلغة الأقاصي.
7- ان الدرس الكبير الذي يمكن أن نخرج به من تعرض وطن الكينونة الى عاصفة الصحراء وتفكك اقليم الدولة الكبرى الى شذرات في لمح البصر هو ضرورة بناء عقلانية نقدية معاصرة تفضح كل الأوهام التي أدت بالذات الى مثل هذا الترهل والضعف وتنقد التمركز اللوغوسي للغرب الذي شرع لمثل هذا التوسع الكلياني، وهذه النقدية الجديدة تراوح بين التفكيك والتأويل وبين الغراماتولوجيا والهرمينوطيقا.
8- أما الاشتغال على التفلسف بالنسبة لنا نحن اليوم فإن الغرض منه اثبات أن علاقتنا بالفلسفة ليس من جهة البداهة والتقليد بتكرار ما قاله كبار الفلاسفة الغربيين والاقتصار على عرض نظرياتهم وكأننا مجرد وكلاء تجاريين أو مندوبين لشركات عابرة للقرات بل هي علاقة ابداع وخلق ودخول حقيقي الى الطريق المؤدي الى ممارسة فعل التفكير الفلسفي ذاته.
9- يبدو الدفاع عن الفلسفة بعد الانحسار الكبير الذي تعرض له الفكر النقدي الحر نتيجة تصحير التقنية للوجود وتصاعد أسهم الأصوليات هو بكل تأكيد استجابة لواجب الاعتبار الذي حث عليه الحكماء وانفتاحا على الاتجاه الانسي الكوني الذي يحرص على تطبيق منظومة حقوق الانسان على أرض الواقع وليس مجرد التبجح بها كشعار وواجهة لممارسة الهيمنة.
10- اذا شخصنا في نهاية المطاف حال العرب في عصر العولمة من خلال فينومينولوجيا سارتر وعدته المفاهيمية انطبق عليها مفهوم سوء النيةmauvaise foi نظرا لما يتيحه هذا المفهوم من مساحات فهم وطبقات تأويل متعددة تكفي لتحديد أمراض هذه الحضارة والسعي الى مداواتها من خلال بعض الوصفات التأملية وذلك لإحراز النقلة النوعية المنتظرة.
ماهو في ميزان الفكر في هذا النص الافتتاحي وما نراهن عليه عبر هذه الحركات الفكرية التي تعد بمثابة استراتيجيات فلسفية بعد ما لاحظنا حدوث تغير للعالم بصورة متصاعدة نتيجة العولمة بخلاف ما يريده له أصحاب المشاريع والنماذج وبمساهمة أناس لم ينخرطوا في مشاريع تنموية ليس تفسير العالم بعد فشل محاولات تغييره بل الحرص على ابراز أهمية التدخل النظري في سير الأحداث حتى يكون المرء في حضرة الوجود وهو يتفكك وحتى يكون قادرا على الإضطلاع بمشروع اضفاء المعنى على العالم من أجل تغيير فهمنا له والاسهام في تجديده خاصة وأن التغيير عملية تشمل الذهنيات والأنفس مثلما تضم الأطر الاجتماعية والعلاقات بين البشر يشارك فيها كل فرد دون علمه وتتم على المستوى المجهري وتنتج تحولات كبرى وقفزات نوعية على صعيد الثقافة والسياسة والاقتصاد.

المراجع:
1-هربارت ماركوز الإنسان ذو البعد الواحد ترجمة جورج طرابيشي دار الآداب بيروت الطبعة الثالثة 1988

* المقال مأخوذ من كتاب لزومية العود على بدء أو استراتيجيات فلسفية لصاحبه زهير الخويلدي ، ويعتبر هذا الكتاب الشذرة الاولى من سلسلة حالة الفكر في حضارة اقرأ زمن العولمة. انظر الغلاف اعلاه .





أيها الضمير الإنساني...
أيها ألمرمي كالنفاية عبر شوارع العالم
تدوسك المركبات المسعورة
وأحذية المومسات في ليل أوروبا وهونغ كونغ ونيويورك
أيها المتشرد...
أيها الجائع لكسرة خبز الحقيقة..
استيقظ...
استيقظ...
إني أصرخ فيك عبر المطر والريح
أستيقظ وضع يدك في يدي
لندفع معا من عالمنا رياح الظلام التي تهب عليه الآن ؟

(سيد أحمد حردلو-شاعر سوداني)

 

(0) تعليقات
2010-03-09

yyy



" من لا تدافع عن نفسها تنتهي إلى القعود أمام الموقد"
استهلال:
ما يلفت الانتباه ويمكن ملاحظته في عصر العولمة هو إعادة تعريف الإنسان كرجل ومعاملته كرقم رياضي ومادة معدة للاستعمال وما يحدث هو سحب النساء بقوة إلى أماكن عمل ليست مؤهلة لها وإجبارهن على إتباع أساليب معيشية تغير قيم حياتهن وتقلبها رأسا على عقب. إن العولمة مارست قوة تأثير كبيرة على عوالم الحياة والعمل بالنسبة إلى النساء، وان اتجاهات التصنيع وزحف الثورة الرقمية ومتطلبات العيش المشطة كثيرا ما كانت متعارضة مع آمال المرأة وتطلعاتها.
الإشكال الذي يطرح هاهنا هو التالي: هل أن خروج المرأة إلى العمل في زمن العولمة هو دفعة قوية نحو التحرير أم أنه عمل قسري أوقعها في الاغتراب والعبودية الجديدة؟ هل تطالب المرأة بالمساواة والحرية أم بالكرامة والحقوق؟ وما الحل للخروج من هذه المفارقة : "تحترم النساء من جهة ككاسبات للنقود ومن جهة أخرى يحتقرن لأنهن خرقن القواعد والأخلاق"؟ ألا ينبغي أن نميز بين المرأة العاملة والمرأة المائعة؟ ألا يحمي العمل المستقر واللائق المرأة أبد الدهر؟ هل أسندت العولمة الراحة للرجال والعمل للنساء؟ كيف نقضي على الفوارق بين الجنسين في التشغيل؟ وهل يمكن أن تساعدنا الأديان وخصوصا الإسلام على رسم صورة جميلة للمرأة؟ من هو أفضل صديق للمرأة؟ هل هو المجتمع أم الدولة؟ هل هو القانون أم الدين؟ كيف ارتبط تحرير المرأة في الإسلام بتجديد النظر الفقهي إلى الإنسان وتحريك مسألة الاجتهاد والتأويل العلمي؟ وما السبيل إلى إنهاء كافة أشكال التمييز ضد النساء وتتحقق المساواة الكاملة التي لا تتجزأ؟ هل النسوية حركة حقوقية أم حركة سياسية؟ وهل هي معطى طبيعي أم مسألة ثقافية؟ وما سر تعرض الحركات النسوية للهجوم من قبل الحركات اليسارية والجماعات الدينية على السواء؟
ما نراهن عليه هو تفادي التفاوت والتمييز والتوظيف بالنسبة لقضية المرأة والعمل على تغيير الذهنيات وتحقيق الثورة الثقافية بتحقيق الاعتراف التام بالمساواة والكرامة للجنسين.
1- وضعية المرأة في زمن العولمة:
"ليست العولمة بالنسبة للنساء في كل أنحاء العالم عملية تجريدية على مسرح مرتفع، انها حاضرة وملموسة" .
لقد تبين بالكاشف أن العولمة زادت من أشكال اللامساواة والتفاوت بين الرجل والمرأة، فالسوق المالية العالمية هي رجالية وبيضاء ولم يقتحمها سوى ثلة من النساء، كما أن الأعمال الشاقة والقذرة مثل النسيج والتنظيف والطبخ والفلاحة والصناعة والرعاية والإدارة تقوم بها في معظمها المرأة وبأجور منخفضة وظروف عمل غير إنسانية.
تلخص الكاتبة الألمانية كريستا فيشتريش مأساة المرأة زمن العولمة كما يلي:
- زيادة التشغيل الهش ضمن علاقات إنتاج منخفضة الأجر وتحولها إلى أداة للخدمة في جميع أنحاء العالم.
- معايشة عالم استهلاك مفرط وعدم القدرة على تلبية الحاجيات.
- تنامي الواجبات الاجتماعية والبحث عن هوية جديدة ضمن إطار اجتماعي تزداد فيه الفوارق
- التعرض إلى أشكال من العنف المرتبط بالجنس وتزايد المنافسة والطلب عليهن من طرف الشركات.
- استعمال جسد المرأة وصورتها في الدعاية والإشهار في ترويج وتسويق المنتجات الرأسمالية.
- تشغيل المرأة يتم بشكل نمطي وفي أوقات الحاجة وحسب المزاج وتحرم من إجازات الحمل والولادة والأمومة.
- عودة محافظة إلى الوراء بإسنادها الأدوار التقليدية والمطالبة بتكثيف الرقابة الأبوية.
ما تدفعه المرأة من ثمن هو ظروف عمل بائسة ورتيبة تفقدها الطاقة والصحة مع غياب الرعاية الاجتماعية وتتمتع بحقوق ضئيلة وأجر لا يضمن عيش كريم وتدخلها في تبعية جديدة وابتزاز المؤجر.
إن ما يطلبه السوق العالمية من المرأة هو فقط أن تكون "رخيصة ونشطة ومرنة" لكي تحصل على مركز عمل في قطاع الخدمات ولكن الغرض الحقيقي هو انجاز خطة تكاملية نيوليبرالية تكسب النساء ككتلة سوق لا غير وتسطو على مكانتها القديمة وتقوم بتحويلها السريع نحو عالم الإنتاج والتبادل والاستهلاك.
إن العولمة تقذف بالمرأة إلى الخارج وبسرعة دون ضمانات وبلا رحمة ولا شفقة والمهم هو الاستفادة منها وتوظيفها في جعل الاقتصاد يزدهر والاستمتاع بمحاسنها في أروقة عروض الأزياء بدل الاكتفاء بدورها التقليدي وتحميلها مسؤولية اجتماعية والمحافظة على قيمتها ضمن ملامحها التربوية القديمة.
إن "المرأة المعولمة" تبحث عن هوية جديدة لها ضمن عالم ذكوري أشد ضراوة وتستخدم كاحتياطي متحفز بالنسبة إلى منطق رأسمال وتتجاذبها آليات الإنتاج والاستعراض والترويج والاستهلاك. لقد عاد التقسيم القديم في العمل بين مهن للرجال ومهن للنساء ولكن ضمن منظور معولم جديد حيث تقوم المرأة بكل شيء ويجلس الرجل في مقعد الإشراف واتخاذ القرار بالطرد التعسفي وحصاد المحصول وجني الأرباح والمتع. لقد ارتفعت نسب تشغيل النساء في المصانع ومراكز التركيب والتوظيف إلى معدلات ضخمة ووجدت مهن نموذجية للنساء ونظر إليهن كجهاز تسخين نمو الاقتصاد إلى درجة أن البعض بدأ يتحدث عن تأنيث التشغيل لكونهن يمتلكن أصابع حاذقة.
الغريب أن دخول المرأة إلى العمل في المصنع جعل رأس المال خفيف الحركة أكثر من ذي قبل لأن قوى الإنتاج هن شابات مرنات نشيطات ومطيعات صبورات مستعدات لقبول أي أجر والقيام بساعات عمل إضافية ولا يكترثن بالإنهاك والتعب وينتظرن حصة الاستقلال وزمن الراحة بعيدا عن العائلة والذي أحدث لديهن "تحولا ثقافيا كبيرا". كل ذلك يحدث والمرأة لا تقدر أن تتحول إلى معيلة للعائلة بل تكتفي فقط بجلب دخلا إضافيا لا يسد الرمق وذلك لأن الأجر الذي تتقاضاه لم يبارح الحد الأدنى.
تعاني المرأة من الحط من الكرامة وذلك عن طريق الاستقطاع من الأجر والشتم عند الخطأ المهني والطرد التعسفي والإجراءات التأديبية في حالة تعرض موقع عملها إلى أزمة أو الإفلاس وغالب ما تجد نفسها كائنا غير مرغوب فيها وعبئا ثقيلا على المشغل أو المصنع. لقد وقع تفقير المرأة من الكرامة في سبيل إخراج المجتمع من حالة الفقر ولكن الرابح هو دوما شركات وهمية بارعة في الاحتيال والمتاجرة بآلام النساء. "هكذا تتحول النساء إلى عاملات مؤقتات أو ثانويات لأسواق بعيدة دون حقوق" .
فهل ترضى الشرائع والأديان بهذا الجرم الذي اقترفته العولمة بحق النساء؟
2- المرأة والمساواة في الإسلام:
" يا فاطمة أحسني سلوكك لأن مكرماتك هي التي تشفع لك عند الله وأن أبك لا يغني عنك من الله شيئا"
يعتقد البعض خطآ ،ذكورا وإناثا، أن القول بالمساواة بين الجنسين يؤدي إلى الإخلال بقواعد الإيمان وأن الانتماء إلى الإسلام على أي جهة كانت لا يؤدي بالضرورة إلى تبني خيار المساواة وينطلق أصحاب هذا الرأي من فكرة خاطئة عن نظرة الأديان إلى المرأة ويستندون إلى تصورات تقليدية من الإسلام تقلل من دور الأنثى وتجعله في مكانة منقوصة بالمقارنة مع الذكر. وهذا كله جهل في جهل لأن التعامل المستنير مع الإسلام والنظر إليه بتبصر وعقلانية يؤدي إلى استنتاج معاكس ويفضى إلى القول بأن مكانة المرأة مرموقة في حضارة اقرأ ودورها طليعي وحيوي وعلاقتها بالرجل هي علاقة ندية سوية وتشاركية تفاعلية. إن النساء شقائق الرجال في الإسلام وتركيز البعض على نصيب الضعف في الميراث ومسألة القوامة يحتاج إلى تدبر وتأويل. لاسيما وأن حقوق النساء بما في ذلك المساواة جزء من حقوق الإنسان في الإسلام. ماهي المسلمات الذهنية عن الناس في حضارة اقرأ التي دفعتهم إلى تبني نظرة نفعية أداتية للمرأة؟ ما سبب تشكل الصورة الزائفة للإسلام عن المرأة؟ هل أن السبب هو التقاليد الفلسفية الماورائية الموروثة عن الإغريق والشرقيين أم أن الفتاوي الفقهية الظنية والتآويل الحرفية هي التي تقف وراء ذلك؟ كيف السبيل إلى نحت صورة ايجابية مساواتية في الإسلام؟
إن العودة إلى كتاب الثعالبي روح التحرر في القرآن تمكننا من الرد على هذه الإشكاليات والإقرار بأن استبعاد النساء وتحريم الظهور بين العموم على النساء واشتراط وضع ستار على الجسد باسم تجنب ارتكاب الفواحش وهتك الأخلاق قد كانت له أسوأ العواقب وأشد النتائج العكسية مثل التبديد وسوء التدبير عند الرجال والحرمان من الجمال والحصول على نماذج من النساء قاصرات غير قادرات على التصرف في بعض المكاسب الذاتية مثل ما ترثه من ثروات ، يقول الثعالبي:" فهذه المرأة التي لم تعرف لأي شيء قط من الحياة، هل يمكنها أن تحسن التصرف؟ وهل يمكنها أن تعرف أي شيء عن العالم الخارجي؟ وهل يمكنها أن تدرك قيمة أو أهمية شيء ما؟"
هكذا يدعو الثعالبي إلى تحرير "المرأة المسلمة" ويرفض الانزواء وشرط انفرادها بصحبة أحد المحارم ويحمل على منطق الوكالة والوصاية القانونية التي يمارسها عليها الرجل ويتناقض مع وجوب الستر والإخفاء والحجب تفاديا للفتنة والشذوذ وسوء الآداب ويربط ذلك بالكشف عن الوجه وحسن تربيتها وإعدادها إذ يصرح حول هذا الموضوع:"لو كان التعليم الإجباري واقعا مكتسبا لتمتعت المرأة بكامل حقوقها ولأدركت أنه لا وجود لأي نص يفرض عليها ستر وجهها ولا لأي نص يحكم عليها بالانزواء في بيتها كأنها في سجن ولعلمت أن من واجبها رعاية مصالحها ومصالح أبنائها والتفكير في مستقبلهم ومراقبة تعليمهم وتربيتهم وأنه من الضروري أن تتمتع بحقها في احتلال مكانتها في البيت وأن تأخذ نصيبها من حقها في الحياة ونور الشمس على قدم المساواة مع الرجل" .
يستدل الثعالبي على ذلك بأمور خمسة:
- آيات الحجاب تنطبق على نساء النبي وتفيد الاحتجاب عن الأنظار وليس ستر الوجه وبالنسبة إلى سائر النساء لا توجد أية آية تفرض عليهن الخروج محجبات.
- عادة ذم المرأة وستر الوجه عند النساء دخيلة على العرب والمسلمين وقد جاءتهم من الفرس واليونان والروايات الشرقية المنقولة إليهم عن الأمم الغابرة.
- الحالة البيولوجية والنفسية تعرف بعض التوتر عند الحمل والمحيض والنفاس وتستوجب الانزواء المؤقت والعناية بالذات تصديقا لقول الحبيب الكريم:"يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا" أي الوجه والكفين.
- لا وجود لأي حكم شرعي يحرم على المرأة المسلمة إظهار وجهها بل انه يحل لها أن تظهر بين العموم وتشتغل شرط التزام العفة وحسن الهيئة وإظهار الزينة للزوج .
- إجبار المرأة على التربية والتعليم وسيلة حاسمة لتثقيفها وتوعيتها وشرط كاف لتمكينها من سلاح تدافع به عن حقوقها وتنهض بواجباتها،لاسيما وأن "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة".
النتائج التي انتهى إليها الشيخ الثعالبي تتمثل في ما يلي:" إن خلع ذلك الحجاب معناه تحرير المرأة المسلمة وإشهار الحرب على التعصب والجهالة ونشر أفكار التقدم والحضارة وصيانة المصالح العليا للأسرة والتراث العائلي." ثم بعد ذلك يجوز أن تكون المرأة إمامة على المسلمين وآيته في ذلك قول الرسول عليه السلام:" أيها المؤمنون خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء".
كما تطرق هذا المصلح الزيتوني إلى حرية المعتقد عند المرأة وإمكانية زواج الرجل بغير المسلمة وذلك بقوله:" آية قرآنية تبيح أيضا الزواج باليهوديات أو المسيحيات دون أن ينجر عن ذلك الزواج إرغامهن لا فحسب على الارتداد عن دينهن واعتناق دين أزواجهن بل أيضا على عدم ممارسة واجباتهن الدينية. أضف إلى ذلك أن الرسول صلعم قد أمر المسلم في أحاديثه الشريفة باحترام ديانة زوجته ومساعدتها على إقامة شعائرها الدينية بكل حرية ومصاحبتها" إلى أماكن العبادة إن اقتضى الأمر ذلك.
فهل يجوز لنا القول بأن الحجاب بالنسبة إلى المرأة هو مسألة شخصية وهو رمز ثقافي يرتبط بالهوية وليست له أية إيحاءات دينية؟ وألا ينبغي أن نرفض نزعه بالقوة وفرضه بالقوة كما يحدث اليوم؟ وهل من المشروع التأويل بأن الإسلام ينتصر إلى فكرة المساواة الاجتماعية والقانونية بين الذكر والأنثى في إطار التكامل والتساكن القائم بينهما؟ إلى أي مدى يكون مشروع قيام حركة نسوية إسلامية أمرا ممكنا؟
يؤكد خليل عبد الكريم هذه الفكرة بقوله:"إن المرأة مخلوق سوى كالرجل لها كافة الجوانب مثله تماما: العاطفية الوجدانية والعقلية والنفسية والروحية..الخ، ومن حقها أن تعيش حياتها كالرجل مع مراعاة الفروق البيولوجية بينهما ولا يتصور أن مجتمعا يخالف ذلك يكون مجتمعا صحيحا" .
ينتصر شيخ الأزهر الأحمر إلى الرأي التجديدي في الإسلام الذي يمكن المرأة من أن تتمتع بكامل حقوقها ويركز على الزواج والعبادة والتفقه في الدين ويبحث في تجويد النظرة إليها وإعطائها مكانة تليق بها في المجتمع مما يساعدها على أداء وظيفتها على أحسن وجه بخلاف التفسير التقليدي الذي يحط من شأنها. يرفع الإسلام عن المرأة كل أشكال الضغوطات والتحرشات ويخفف عنها التكاليف وييسر لها أركان الدين ويمنحها حقوق وحريات في إطار آداب العشرة مع زوجها تبدأ بأخذ رأيها في الزوج بحرية تامة وحقها في رؤية خطيبها قبل عقد القران وتعرج على شرعية مقابلتها و ضيافتها للرجل في غياب زوجها وتنتهي بحقها في الاعتراض على طريقة مباشرة زوجها لها وطلب الطلاق وفصم عروة الزوجية إن كرهت الارتباط به ووجدت عنده عنة.
إن المرأة في الإسلام موضع تبجيل واحترام يصل إلى حد تمتعها بحق الدلال وإظهار الحسن والجمال ولكنها في الآن نفسه تقف جنبا إلى جنب مع الرجل في طلب العلم وفي ممارسة العمل وفي زمن الحرب والدفاع عن الأوطان ووقت السلم وتنمية المجتمعات وترافقه في السراء والضراء.
إن الأخطاء التي وقع فيها المفسرون والتي جعلتهم يشكلون صورة دونية عن المرأة في الإسلام هي:
- المماثلة بين وضع المرأة بالنسبة للرجل ووضع العبد المملوك بالنسبة إلى سيده.
- المشاكلة بين نساء الدنيا ونساء الجنة كما يرسمهن القرآن والأحاديث في صورة حسية ودنيوية.
- الحكم عليها من منظور المجتمع البطريوركي ومكانتها من جهة منظومة القرابة بمركز السلطة .
فمتى نتوقف عن اعتبار وظيفة المرأة هو مجرد إرضاء رغبات الزوج وخدمة أولي الأمر في المجتمع ؟ وألا ينبغي أن نؤهلها لكي تكون قادرة على الرفض والمقاومة وزعزعة أركان التصورات التقليدية والمجتمع البطريوركي؟
هناك فرق شاسع بين تكريم المرأة في النصوص الأصلية ومنزلتها في عهد التأسيس وفي التجربة النبوية وبين تحقير المرأة من طرف بعض الفقهاء والتقليديين ووضعها القانوني والاجتماعي المتدني في عصور الانحطاط وينتهي خليل عبد الكريم إلى القول:"إن الإسلام ليس مسؤولا عن تلك غير الصحيحة التي تشكلت عبر مصادر لم تستمد منه مباشرة، حتى الكتب التي يؤلفها مسلمون يوصفون بالحماس لدينهم فإن ما تحفل به لا يكون بالضرورة ملزما للإسلام أو حجة عليه، لأننا نعتقد أن مشكلة المرأة في الوطن العربي هي جزء من مشكلة هذا الوطن كله والذي يتناول مشكلة المرأة بالحديث أو حتى بالبحث والتمحيص لا يكون في تناوله بعيدا عن الأزمات التي تحيط بهذا الوطن حتى وان حاول أن يبدو موضوعيا أو محايدا" .
خاتمة:
"القرآن يحرر المرأة فيتحدث عن الوضع المتدني للمرأة في الجاهلية وكيف نهض بها القرآن فاعترف بإنسانيتها. وأنها ليست مجرد أنثى، ولكن إنسان لها كالرجل- حقوق وعليها واجبات فهي بهذا تتساوى معه في التكاليف والثواب والعقاب، كما أن الآية الفريدة [والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله] تفتح آفاق المجتمع، والعمل فيه أمام المرأة كالرجل سواء بسواء" .
مجمل القول أن الإسلام يدعو إلى احترام خلقة الطبيعة وسنن الكون ويدعو الى الاحتشام والعفة وينفي وجود صراع وجودي في التكوين بين الذكر والأنثى لأنهما ينتميان إلى النوع البشري ولكنه يلعن الفجور و تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال ويجعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تكاملية تعادلية لاسيما وأنه سكن لها وهي سكن له ويعطي للمرأة كامل حقوقها بشكل متساو مع الرجل وخاصة الحياة والحرية والملكية والمسؤولية القانونية وإدارة الأعمال. لكن العولمة وما حملته من مآسي أثرت على وضعية المرأة تأثيرا كبيرا وجعلتها تتساوى أو تفوق الرجل في المعاناة ومعايشة أوضاع بائسة على مستوى الأجر والحقوق المدنية مثل الرعاية والسكن والتنقل. ألم يقل الرسول عليه السلام:"الجنة تحت أقدام الأمهات" وذكر في المأثور أن المرأة نصف المجتمع إن أعددتها إعدادا حسنا فكأنك أعددت جيلا كاملا.
اللافت للنظر أن خروج المرأة للعمل ضاعف العبء الذي ينبغي أن تتحمله وزادها مشقة جديدة إلى جانب مشقة تدبير شؤون المنزل والعناية بتربية الأطفال وهو ما عقد وضعية العائلة ودفع الرجل إلى تقاسم هذا الانشغال معها دون أن يوفق هو في الداخل وأن تحقق هي انجازات كبيرة في الخارج. وما نلاحظه أن وجه المرأة العربية يوحي بالتحديث ولكن ساقها مازالت غاطسة في وحل التقليد وأن هموم الوطن والأمة ومشاكل الاستبداد والاستعمار والفقر والمرض والبطالة تؤثر بشكل كبير في وضعيات النساء العربيات وتجعلهن يكابدن العديد من الصعوبات التي تمنعهن من الحلم بنيل ابسط الحقوق.
إن مصادرة حقوق النساء يحدث عند العرب باسم الأولويات: أولوية التحرير والتنمية والديمقراطية وحتى عندما يقع تبني مطالب المجموعات النسوية فإن ذلك من أجل التوظيف السياسي والاستثمار كقوة بشرية في العملية الانتخابية ومن أجل تجميل المشاريع الإيديولوجية الفاشلة يمينا ويسارا.
إن نضال المرأة في سبيل تمتعها بكامل حقوقها لا ينبغي أن يكون على حساب استضعاف الرجل والمس من حقوقه أيضا وإنما يقتضي احترام كرامته والتعامل معه كحبيب وشقيق وابن وزوج وأب وصديق.
إن الإنسان هو الذي يحدد ماهيته ومصيره وذلك بسبل اختياراته ونوعية أعماله وان المرأة هي ما تصنعه بنفسها ،فإن أرادت لنفسها الضرر والدونية تكون سببا للفساد وان سعت إلى الصلاح والنماء كانت مهجة الحياة وفردوس الوجود المشرق على الدوام وأم الإنسان معمر الكون والمستخلف في الأرض. فهل ينبغي تأهيل النساء من أجل الاندماج مع المحيط الخارجي أم يجب تأهيل الرجال من أجل الاعتراف بالمساواة والمشاركة الوجودية مع النساء؟ ألا ينبغي أن تتأسس حركة نسوية إسلامية من أجل عولمة بديلة تعمل على إنهاء كل أشكال التمييز والعنف والاستغلال؟ كيف يتحول خروج المرأة إلى قوة تغيير للمجتمع؟
فلنعمل معا في سبيل تخليص الذهنيات من النظرة الدونية إلى المرأة ولنفسح لها المجال حتى تساهم في التقدم والسمو بالوطن والإنسانية إلى أعلى مراتب المجد والتحضر.
المراجع:
خليل عبد الكريم، الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية، نحو فكر إسلامي جديد، دار مصر المحروسة، القاهرة 2004.
جمال البنا، المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء، عن موقع دعوة الإحياء الإسلامي في القرن 21.
كريستا فيشتريش، المرأة والعولمة، ترجمة سالمة صالح، منشورات الجمل، كولونيا- بيروت،2002.
عبد العزيز الثعالبي، روح التحرر في القرآن، ترجمة حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى 1985.
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-03-05

yyy


"من أهم أغراضي أن أقنع القارئ بأن كل المواضيع التي يتعلق بها هذا الكتاب إنما هي في آخر التحليل موضوع واحد، وأن تلك الموضوعات إنما هي سبل ووسائط مختلفة تؤدي إلى مركز مشترك وفي تقديري أنه على فلسفة الثقافة أن تكشف ذلك المركز وأن تحدده."
طُرِحت على أرنست كاسرر( 1874- 1945) أحد المنتسبين إلى مدرسة ماربورغ مسألة تبسيط الأفكار الواردة في كتابه الضخم والصعب "فلسفة الأشكال الرمزية" المنشور منذ سنة 1923 فكان رده أن ألف كتاب جديد صغير الحجم ولكنه مبهر من حيث المحتوى سماه مقال عن الإنسان. وهذا الكتاب يتضمن افتتاحية وخاتمة وينقسم إلى جزئين كبيرين ينقسمان بدورهما إلى اثني عشر فصلا ، يحتوى الجزء الأول على خمسة فصول وعنوانه ما الإنسان؟ والجزء الثاني على سبعة فصول وعنوانه الإنسان والثقافة. تتضمن الافتتاحية معلومات مهمة تتعلق بظروف تأليف الكتاب والسياق العلمي الجديد في الولايات المتحدة الذي حتم عليه الكتابة بالانجليزية والابتعاد عن الكتابة المختصة واعتماد كتابة مبسطة تسهل التقبل وترضي الانتظارات العمومية. فهل يعني ذلك أن كتاب "مقال عن الإنسان" هو مجرد تلخيص لكتاب فلسفة الأشكال الرمزية أم أن الأمر أكثر من ذلك بكثير ويتعلق بالبحث في كيفية تبسيط العلم مع اختزال واستبدال المفاهيم الفنية والمراجع التقنية الصرفة بأشكال وصور بلاغية تفوز بانتشار أوسع؟
جواب هذا الكانطي الجديد كان حاسما لأنه رأى "مهمته لا تتعلق بوضع كتاب شعبي يلقى الرواج على قدر ما تفقد منه الضوابط العلمية" وبالتالي يختار أن يطرح قضية أنثربولوجية خطيرة تتعلق بتحديد طبيعة الكائن الإنسي وهي قضية لا تهم المتفلسفين لوحدهم ولا الأكاديميين فقط بل تعود بالنظر إلى كل إنسان أينما كان بصرف النظر عن مستواه الثقافي والمعرفي. فكيف استطاع كاسرر أن يجمع في هذا الكتاب بين صرامة العلم وضرورات الانتشار؟ وعلى ماذا يدور الكلام في هذا المتن الصغير؟ وماهي نكتة الإشكال فيه؟ وماذا استعمل من عدة مفهومية من أجل معالجة هذا الإشكال؟وهل هناك حضور كثيف للمرجعيات العلمية والمقاربات الابستيمولوجية والمنهجية؟ والى أي مدى تضمن رهانات إتيقية؟ وبأي طريقة تمكن كاسرر من تعريف الإنسان؟ وهل أرضى التعريف الحديد الذي قدمه الدوائر العلمية في أمريكا آنذاك؟ وماذا حدث بينه وبين هايدغر في دافوس سنة 1929؟ وهل خلافهما يعود إلى عدم رضا كاسرر بمفهوم الدازاين الذي وشح به فيلسوف برلين هوية الإنسان؟
يستخدم كاسرر الذي هرب إلى الولايات المتحدة عام 1933 من اضطهاد الحكم النازي ما توفر له من علوم عصره من أجل معالجة اشكاليته الأنثربولوجية وخاصة علم النفس بكل فروعه من علم النفس الحيواني والسلوكية وعلم نفس الهيئة وعلم النفس السريري المرضي وعلم النفس التجريبي ويستعمل علوم الأنثربولوجيا بكل فروعها من أثنولوجيا ومورفولوجيا واحاثة وتطورية وكذلك السجل اللساني في أبعاده التقنية الصرفة ويركز الفيزياء والرياضيات ونسبية آينشتاين.
لقد كان في كل هذا الجهد التأليفي يسعى إلى توظيف كل المعارف الإنسانية من أجل الارتقاء بالتساؤل الفلسفي حول الطبيعة البشرية التي تتطلب الإلمام المعمق بعلوم العصر. إن تعدد المراجع العلمية وجدة النظريات هي التي يضع كاسرر على مسطحها اشكاليته هو ما يميز راهنية الكتابة الفلسفية حول الإنسان. ولكن كيف يمكن الانطلاق من هذه الكثرة المرجعية لصياغة إشكال فلسفي؟ وأنى لنا أن ننتقل من الكثرة والاختلاف المعرفي إلى الوحدة الفلسفية وبالتالي نجعل من تلك الأطراف تتلاقى في بؤرة موحدة تصوغ وحدة ذات معنى هي: طرح سؤال ما الإنسان؟ وهل من معنى لدراسة الملكات الإنسانية المتعددة دون أن تكون لنا فكرة قبلية موحدة عن الإنسان هي بمثابة المشروع البشري الذي في إطاره تمتلك تلك الملكات معنى؟ أليس ما يجعل التأليف نفسه أمر قبلي هو العنصر الذي يعطي معنى لتلك السجلات؟ فماهو هذا العنصر الذي يجمع الشتات المعرفي ويعطي للمرء فكرة قبلية عن نفسه؟وكيف تفاعل هذا الفيلسوف القاري المنحدر من مرجعية جرمانية مثالية مع براغماتية وتحليلية الفلسفة الأنجلوساكسونية؟
غاية المراد أن الإشكال هاهنا ليس في توظيف علوم العصر لفهم الإنسان بل فيما يكون به ذلك الاستخدام فلسفيا، بمعنى كيف لعلوم أن تمكن من صياغة سؤال فلسفي في الإنسان؟
ما راهن عليه كاسرر ليس تجميع شامل لأشياء أنطولوجية ومعرفية تبدو متباعدة ومختلفة وغير متجانسة حول الإنسان تتوزع بين فلسفة التاريخ وفلسفة العلوم ونظرية المعرفة بل الاهتداء إلى فلسفة الثقافة التي تمثل مركز الثقل الرمزي الذي يضم إليه كل الروافد الصغرى من أسطورة وفن ودين ولغة وعلم وتاريخ.
1- أزمة معرفة الإنسان لذاته:
"إن معرفتنا الحديثة بالإنسان قد فقدت مركزها الفكري أو قل مركزها الذهني" .
من المتعارف عليه أن معرفة الذات هي الهدف الأكثر سموا وقيمة في البحث الفلسفي وأن هذا الغرض كان حاضرا بشدة عند كل المدارس الفلسفية مهما كانت الاختلافات والصراعات بينها. بيد أن كاسرر في هذا الكتاب يكشف عن بروز أزمة في مستوى رؤية الإنسان إلى نفسه . إن وعي الإنسان بالأزمة يدل على وجود مفارقة تخص المعرفة البشرية والطبيعة البشرية في نفس الوقت، إذ على قدر ما تطورت علوم الإنسان فإنها كشفت لنا عن جهلنا له وبقدر ما تحاول التحوط به من مختلف الجهات يزداد بعدنا عنه وبقدر ما تزداد معرفتنا به يزداد التباسه علينا. إن الإشكال يتعمق أكثر عندما يتعدى كاسرر علوم عصره ويستنطق ظواهر غائرة الجذور في التاريخ مثل الانتاجات الثقافية الأولى للإنسان مثل السحر والأسطورة والفن. لكن كيف لهذا الشتات المتنوع من الأشكال الثقافية والعلمية التي تمتد من السحر إلى التقنية وتجمع بين القديم والحديث أن يؤلف بحثا فلسفيا في مشكل فلسفي واحد وهو تحديد الطبيعة البشرية؟
فرضية البحث في هذا المقال الأنثربولوجي تتمثل في أن الوحدة المفترضة هي مركز مشترك يكون بمثابة بؤرة دلالية ونقطة أرخميديسية تنتج السجلات باعتبارها ظواهر تتجلى من خلالها الماهية. إن الثقافي هو ما يقابل الطبيعي ولكن لا ينبغي أن نحصره في الدلالة على الإنتاج اللساني بل يشمل كل تغيير يحدثه الإنسان على الطبيعة حتى ولو كان طفيفا. منذ النظرة الأولى للوعي البشري نعثر على إدراك ذاتي داخلي للإنسان للحياة يرافق ويكمل الإدراك الخارجي وبقدر ما توغل الثقافة الإنسانية في التطور تترك وجهة النظر الخارجية مكانها لوجهة النظر الداخلية، فالموهبة الطبيعية قد غيرت ببطء وجهة نظر الإنسان.
إن فلسفة الثقافة هي فلسفة المنشآت الإنسانية أبسطها وأقدمها بما في ذلك العناصر اللامعقولة كالأسطورة والسحر والدين وكذلك الأشكال الراقية والعقلانية كالفن والعلم والتقنية. إذ نجد أن الأنثربولوجيا تسير جنبا إلى جنب مع الكوسمولوجيا ومشكل أصل العالم يتداخل مع مشكل أصل الإنسان. من هذا المنطلق لا يمكن تصور معرفة على أنها مجرد مصلحة نظرية، كما أن الإنسان لا يمثل مجرد ذات تأملية ولا تحكمه ضرورة معرفية جوهرية بل يوجد أمر أخلاقي أو التزام عملي في داخله كشفت عنه الأديان. مع سقراط لا نجد نظرية أخلاقية منسجمة ومنظمة وإنما سؤال واحد يظل على حاله دون جواب هو ما الإنسان؟
لقد حافظ سقراط دائما ودافع على نموذج الحقيقة الموضوعية المطلقة والكونية لكن الكون الوحيد الذي عرفه هو الكون الانساني والموجود البشري يتميز بمواهب وفضائل مثل العفة والعدل والشجاعة والحكمة تميزه عن بقية الموجودات الطبيعية الأخرى. المثير للانتباه أن السخرية تمنع سقراط من تقديم تعريفا واحدا عن الإنسان ، فكيف نفسر هذا الإخفاق الواضح للعيان؟ وهل اختار سقراط منهجا مترويا يسمح له بالتخلص من المشكل دون بلوغ عمقه والكشف عن ماهيته؟
إن طبيعة الإنسان لا يتم اكتشافها مثلما نعالج طبائع الأشياء عن طريق الملاحظة التجريبية والتحليل المنطقي لأن ماهو فيزيائي يوصف من خلال تحديد الخصائص الموضوعية بينما الإنسان يفهم عن طريق أفعال الوعي ولا يمكن النفاذ إلى داخله إلا ببناء علاقات مباشرة معه. ما يميز سقراط ليس وجود مضمون فلسفي جديد حمله إلينا فكره المتوهج بل نلاحظ ميلاد نشاط فلسفي جديد ووظيفة مختلفة للفكر نقلت من معرفة تأملية بالطبيعة إلى جدل فكري وحوار عقلي نقلنا من monologos إلىDialogos .
في السابق كان على الإنسان أن يدرك الحقيقة مثلما يدرك شيئا جاهزا ولكن سقراط رأى أن الحقيقة من حيث ماهيتها هي فعل اجتماعي ومنتوج للفكر الديالكتيكي ولا يمكن الحصول عليها إلا عن طريق خوض الأفراد للعبة الأسئلة والأجوبة، ومثلما هو مستحيل أن نعيد النظر إلى إنسان ولد أعمى فإنه يصعب علينا أن نحصر الحقيقة داخل الذات الإنسانية. أهم خاصية ينفرد بها الإنسان هي الامتحان المتأني والموقف الناقد تجاه التجارب التي يعيشها لاسيما وان حياة إنسانية لا يمتحن فيها المرء هي غير جديرة بأن تعاش.
غير أن هذا الجواب الإغريقي يلقي بثقله على التطور المستقبلي للحضارة الإنسانية ويؤثر في تصورات الإنسان لنفسه وللعالم وللآخر وقد ظهر ذلك بشكل واضح عند الرواقية وخاصة مارك أورال الذي أكد على أن الإنسان ينبغي أن يتخلص من القيود التي تربطه بالعالم الخارجي حتى يستطيع العثور على طبيعته الحقيقية وماهيته الإنسانية الثابتة. وآيته في ذلك أن ماهية الإنسان تتوقف فقط بالقيمة التي يمنحها إلى نفسه عن طريق التساؤل وبالبحث عن الذات وما يهم عند كل كلئن بشري هو التمسك بالحرية والقرار الداخلي للنفس والقدرة على الفعل. وان من يحيا في تناغم مع أناه الخاص ومع عنصره يحيا في تناغم مع الكون بآسره لأن نظام الكون ونظام الإنسان هما تعبيران مختلفان لنفس المبدأ. إن الانثناء على الذات هو الطريق الملكي نحو المحافظة على الكمال الذاتي وان الحكم هو القدرة الرئيسية للإنسان والمصدر المشترك للحقيقة والأخلاق.
إن فلسفة الثقافة هي المؤتمنة على تلك البؤرة الدلالية وهي كذلك التي تساؤل مختلف الانتاجات الفكرية عن ذلك المركز المفترض. في هذا السياق ينتمي مجهود كاسرر إلى كانط ولكنه يتجاوز الكانطية بالجمع بين الفكرة الموسوعية عند لايبنتز والتصور النسقي الهيجلي من أجل بلوغ الأحكام التأليفية القبلية الميسرة لوحدة التجربة البشرية الثرية والمتنوعة.
يمكن أن يصاغ سؤال فلسفة الثقافة بماهي فلسفة البشرية التي عهد إليها كاسرر بمهمة الكشف عن المركز المشترك كما يلي: كيف يكون التأليف الشامل لمختلف أبعاد التجربة الإنسانية ممكنا؟، في هذا السؤال هناك اعتراف بأن التأليف قائم والبحث يجري عن الكيفية التي وقع إنتاجها بها، والجواب هو أن القوة المصورة هي نقطة الارتكاز التي تقف وراء هذا التشكل. فماهي القوة المصورة التي تحول الشتات إلى وحدة؟ ويمكن صياغة هذا السؤال بطريقة احراجية كما يلي: هل يوجب ذلك وضع المركز وضعا قبليا بحيث تتداعى إليه التخوم والأشكال الرمزية أم أن ذلك المركز نركبه تركيبا بعديا ننتهي إليه باعتباره نتيجة البحث؟ بمعنى آخر هل هو منطلق قبلي للبحث أم هدف بعدي؟ فماذا يمكن أن يكون هذا المركز الذي إليه تتداعى جميع التخوم أو تشير مختلف الانتاجات البشرية والذي يسمي بالمركز الثابت ونقطة الارتكاز التي عليها العمدة في حل التأمل الفلسفي في الطبيعة البشرية عبر التاريخ الثقافي؟
يتحدث كاسرر في الفصل الأول عن أزمة معرفة الإنسان لنفسه ويرى أن سبب هذه الأزمة هو تجفيف منابع الرمزية وسيطرة التيار العلموي الوضعي، إذ يصرح هاهنا:"أزمة معرفة الإنسان لم تختفي مع بروز المعارف الوضعية وإنما تعمقت أكثر مع تطور هذه المعارف".
الحل عند كاسرر هو إعادة تشغيل الوظيفة الرمزية والنظر إلى أن القدرة على إنتاج الرموز هو أخص ما يخص الكائن البشري ويرى أن جميع الفلسفات قد اتفقت على أن المركز الثابت واللامتحرك لكل عملية تفكير هو القوة المصورة وهي بؤرة دلالية ترجع إليها كل الانتاجات والأشكال وتتوحد وتخرج من حالة الشتات والفوضى إلى وضع التنظم والانصهار.
إن المركز الذي يلعب دورا ابستيمولوجيا وتاريخيا مهما هو معرفة الإنسان نفسه ولكنه يعيش حالة من التأزم وسقط في وضع فارقي جعل من مطلب معرفة الذات مطلبا كونيا لم ينازع شرعيته حتى الريبيون أنفسهم. إذ يقول هاهنا:" أن تكون معرفة الذات أسمى مطالب البحث الفلسفي فذلك مما يبدو متفق عليه كونيا ، إذ في كل الخصومات بين مختلف المدارس الفلسفية فإن ذلك المطلب يبقى ثابتا ولا يمس وهو ما يدل على أن ذلك الاهتمام يشكل النقطة الأرخميديسية أو قل المركز الثابت اللامتحرك لكل تفكير.
لقد اعتبر كاسرر معرفة الذات النواة الصلبة لكل تفكير والأرض الراسخة كل معرفة بحيث لم يتم التشكيك فيها حتى من طرف التيار الريبي نفسه بما أنه لم ينف إمكانية وضرورة معرفة الذات، إذ عندما شكوا في مبادئ المتعلقة بطبيعة الأشياء فأنهم لم يقصدوا بذلك معاداة النزعة الانسانية الصميمة وإنما بلوروا نمط آخر من البحث الحر وتحطيمهم للحكم الموضوعي على العالم الخارجي قابله توق للعودة بأفكار الإنسان نحو وجوده الخاص.إن الشك الريبي لئن تمحور حول مبادئ المعرفة فإنه جعل الفكر يرتد نحو ذاته ويعبر عن قدرة العقل البشري على اليقظة واختراق الحدود الدغمائية والمسلمات الضمنية وبالتالي فإن أهمية التفكير ومعرفة الذات لم يوضعا موضع شك رغم النتيجة التي ينتهي إليها وهو انحلال عملية التفكير الانساني ذاتها.
عندئذ تكون المفارقة الأولى هي انحلال مطلب معرفة الذات بواسطة الذات رغم أنه انعقدت حول كل ضروب التفكير في الأول وضياع هذا المطلب الكوني لم ينجو منه التيار الريبي ويفسر أزمة الإنسان. المفارقة الثانية هي أن هذا الانحلال بعد الانعقاد جاء نتيجة الثراء المعرفي وتقدم العلوم ولم يكن البتة بسبب الفقر المعرفي وانحطاط العلم وكأنما تزايد المعرفة بوجه عام نتج عنه ضياع فكرة الإنسان بوجه خاص. وننتبه أمام هذه المضامين الكثيرة المعروضة في الفصل الأول بدءا بسقراط وانتهاء بماكس شيلر مرورا بأفلاطون وأرسطو والرواقية والربيين ومفكري العصور الوسطى وأهم المحدثين مثل ديكارت وكبار المعاصرين مثل فرويد وماركس ونيتشه أن تزايد المعرفة وتراكم الوعي بالخبرات الإنسانية حتمت ضياع فكرة الإنسان وذلك بحجب البؤرة الدلالية التي تمثل المركز الفكري لإشكالية الإنسان.
إن تنامي المعرفة الإنسانية قد لأفضى إلى ما سماه كاسرر فوضى لا يمكن ضبطها وذلك لفقدان المركز الذهني الانساني وغياب النظام واختلال التوازن بين المادي والمعنوي وبين مكونات الطبيعة البشرية ومختلف رؤى العالم. وفي هذا التناقض ين وحدة البداية وفوضى المنتهي تبرز أزمة الإنسان نفسه.
عندما تولى كاسرر تقييم المسار قديمه وحديثه قصد تجاوز تلك الفوضى فإنه سينقلنا من تحلي اللبس إلى واقع الاحتجاب والاختفاء بلغة ماكس شيلر، وقد عبر ذلك بقوله:" لم يكن الإنسان في أية مرحلة من مراحل تاريخ المعرفة البشرية مشكلا بذاته أو ملغزا قدر ما أضحى مشكلا لنفسه اليوم". ويفسر ذلك بأن معارفنا العلمية والفلسفية واللاهوتية والأنثربولوجية تتجاهل بعضها البعض وحتى نمو المعارف وتكوثرها فقد راكم طبقات رمادية من الغيوم على جوهر الإنسان عوض إجلاء فكرته وحل غموضه. وهذا التشخيص هو الذي يبرر للفكر الفلسفي الطمع في إعادة بناء فلسفة في الثقافة.
فكيف يمكن مساءلة تاريخ معرفة الإنسان لنفسه بالانطلاق من نفس المشروع والبحث عن شروط إمكان معرفة الإنسان لنفسه؟
2- أولوية الذات في تاريخ الفكر:
"إن أهم شيء في العالم هو أن نعرف كيف نكون بالنسبة إلى ذواتنا" – مونتاني-
عند معالجته لإشكالية أولوية معرفة الذات يذكر كاسرر مدرستين متناقضتين من تاريخ الفكر الفلسفي وهما الريبية والديكارتية. ويرى أن ما قامت به الريبية هو أنها سارعت بتمييع الوجود الخارجي وافتقاده لصلابته ورده إلى مجرد إحساسات ومشاعر وذلك عندما جعلتنا لا ندرك من العالم الخارجي سوى ما نحس به رغم علمها بأن احساستنا متغيرة وداثرة وأن الوجود المادي لا يملك من الصلابة والموضوعية التي تدعيها له الوثوقية. وقد بين هيجل في فنومنولوجيا الروح أن الريبية هي الفلسفة بإطلاق لأنها تشك بالفعل لا بالقول وتفتت الوجود الخارجي وذلك برده إلى جملة من التصورات، ولكن على قدر ما تشتت الوجود وتبدده في تصوراتنا تكتسب الذات المفكرة ثقتها في نفسها وتشعر بتفوقها على الأشياء الخارجية. إن الريبية هي فلسفة الذات المنتصرة على الأشياء بقدر ما تزيد من درجة شكها في الأشياء تكتسب اليقين من وجودها الذاتي، وهذا الأمر ذكره كانط عندما اعتبر الريبية فلسفة الذاتية المنتصرة على الوثوقية لأنها انعطاف الفكر إلى ذاته وهو موقف انسانوي يدعو الفكر إلى العودة للذات والإقامة في موضعه وذلك برفض اليقين الموضوعي .
إن أهم ما في العالم الحديث الذي دشنته الثورة العلمية مع ديكارت هو أن يكون المرء نفسه ويكتشف الفكر لنفسه عوض أن يتيه ويلف ويدور في الخارج وبالتالي وضع ديكارت إشكال الإنسان في صدارة فلسفة الذات التي بدأت من بداهة وجودنا الذاتي التي سمتها النقطة الأرخميدية وجعلها تتحرك ضمن عقلانية العصر الحديث مركز ثابت لكل فكر منهجي يتقصى الطبيعة البشرية.
تشير فكرة عودة الفكر إلى ذاته إلى أن المنهج الملائم لهذا الالتفات إلى الذات إنما هو الاستبطان Introspection باعتباره منهجا فلسفيا ، والمقصود هنا أن الكوجيتو الديكارتي لم يستيقظ لذاته ولم يدرك ذاته إلا من خلال الشك بماهو عملية وضع الوجود في العالم كله بين قوسين. إن الكوجيتو هنا ينبجس من ظلمات الشك في غياب تام عن العالم وبالتالي فإن فكرة الاستبطان تشهد على تغير في المجرى الروحي من الخارج إلى الداخل ومن النظر البراني إلى النظر الجواني.
على هذا النحو تكون مقاربة مشكل معرفة الذات من زاوية منهج الاستبطان غير بعيدة عن الشك الريبي. إذ بدأت الفلسفة الحديثة مع المبدأ الذي يجعل بداهة وجودنا الخاص أمرا لا يمكن المساس به أو الشك فيه. لكن تطور المعرفة النفسية لم يؤيد في أي شيء المبدأ الديكارتي بل إن الميل العام في فكرنا توجه نحو القطب المضاد، إذ يعتقد أغلبية علماء النفس أن الاستبطان منهج غير يقيني ويستبدلونه بالمنهج السلوكي. لكن كاسرر يستدرك آمره ويصرح :"انه في وسعنا نقد وجهة النظر الاستبطانية أو الحذر منها ولكن ليس في وسعنا الاستغناء عنها. إذ دون الاستبطان ودون وعي مباشر بالأحاسيس والعواطف والإدراكات والأفكار لا نقدر حتى على تحديد وتعريف الحقل النفسي الانساني. كما أنه إذا اقتصرنا على هذا المسلك فقط لا نقدر إطلاقا على بلوغ الطبيعة البشرية في مجموعها."
لكن كاسرر يعي المصاعب التي يفع فيها منهج الاستبطان ويعود إلى علم النفس التجريبي وبالتحديد إلى السلوكية التي تقوم على ملاحظة السلوكات البشرية على النمط التي تشاهد بها بقية الظواهر الطبيعية، وكأن علم النفس البشري لا يختلف عن علم النفس الحيواني وقانون الإثارة والاستجابة هو الإطار العام لبناء علم نفس إنساني. غير أن كاسرر يعترف بأن الاستبطان يقبل النقد والمراجعة على فعل برجسن ولكن لا يمكن التخلي عنه نظرا لأنه منهجا ضروريا للنفاذ إلى جوهر الإنسان وباطنه.
إذا كانت الفلسفة قد عرفت منزعين الأول يدفع بالفكر إلى خارج الفكر والثاني يدعو الفكر إلى أن يعود إلى ذاته فإن كاسرر يقلب التاريخ لفائدة البناء المنطقي ويضع أرسطو ممثل المنهج الثاني في مقام أول بالمقارنة مع أفلاطون ممثل المنهج الأول. لقد أعلن المعلم الأول منذ العصر الإغريقي التراجيدي للفلسفة بعبارة نيتشه أن كل معرفة إنسانية تجد أصلها في ميل جوهري للطبيعة يتجلى في الأفعال وردود الأفعال الأكثر خصوصية عند الإنسان وهذا الميل يخترق كل امتداد وحياة الإنسان.
في السياق نفسه يقول أرسطو في افتتاحية كتاب الميتافيزيقا:"كل إنسان يرغب بالطبع في المعرفة وعلامة ذلك ما نجده من متعة في حواسنا، وبصرف النظر عن استعمال الحواس للعمل بطريقة ناجعة فإننا نحبها لذاتها وأكبر الحواس وأشدها متعة عندنا هي النظر."
هذا المقطع يظهر الخصومة الأفلاطونية الأرسطية حول علاقة الكلي بالجزئي معرفة ووجود، إذ لا يمكننا أن نعثر عند أفلاطون على أي نوع من أنواع البناء الفلسفي على قاعدة الحواس لأن المعرفة والحقيقة ينتميان إلى مجال مفارق للعالم المنظور وهو مجال الأفكار والرغبة في المعرفة لا سبيل إلى مقارنتها باللذة المتأتية من الأحاسيس. في المقابل يعتمد أرسطو البيولوجيا كنموذج علمي يثبت أن فعل الإدراك وحده لا يكفي للحصول على المعرفة بل يجب أن يقترن ذلك بنوع من البهجة الحسية التي نعبر عنها باستخدام ألفاظ الحياة خصوصا وأن هناك تواصل واستمرارية في الطبيعة وفي المعرفة بحيث تتطور الأشكال العليا بالانطلاق من الأشكال الدنيا. حسب أرسطو إن الحواس والخيال والذاكرة والفاهمة والمتوهمة والعقل هي مستويات مختلفة وتعبيرات متعددة لنفس النشاط الجوهري الذي يحقق أعلى درجات كماله في الإنسان، وهي كلها أمور موحدة ومشدودة إلى بعضها البعض برباط وثيق.
يؤول كاسرر هذا التصور البيولوجي بإقراره أن الدرجات الأولى للمعرفة الإنسانية تقيم علاقة صارمة ومتينة مع العالم الخارجي بحيث يرتبط الإنسان في كل حاجياته العضوية ومصالحه العملية بمحيطه الفيزيائي، فهو لا يستطيع أن يحيا ويواصل حياته إلا إذا تكيف تدريجيا مع شروط العالم الذي يحيط به.
وبالتالي يجب أن نصف الخطوات الأولى نحو الحياة العقلية والثقافية للإنسان على أنها أفعال تتضمن نوع من التكيف الذهني مع المحيط المباشر. ألا انه بالقياس إلى تطور الثقافة فإننا نكتشف ميل مضاد للطبيعة البشرية وهو ما عبر عنه روسو بقوله:" إن الإنسان حيوان قد فسد".
حجية هذا القول أنها تجعل أرسطو ينخرط في فلسفة الطبيعة وآيتنا في ذلك أن فكرة الرغبة مستقلة عن فكرة الجدوى والنجاعة وهي لذة مطلوبة لذاتها لا الغاية المنشودة منها. لكن قبل ذلك كيف تم استدعاء الفلسفة مع سقراط إلى أن تكون معرفة الذات لذاتها وتحلت بعد ذلك إلى حركة التفاف للفكر على ذاته؟
إن الأطوار الأولى للمعرفة الإنسانية تتعلق بالعالم الخارجي وحده، فالإنسان يرتبط في أولى حركاته بالعالم المحيط به ووسطه ساعيا إلى تحقيق حاجياته المباشرة واهتماماته العملية والى التأقلم مع الوسط الذي يعيش فيه. ولكن إلى جانب ذلك نجد اتجاه آخر مرتبط بظهور الوعي الانساني ويرسم ظهور الثقافة الإنسانية ويتمثل في بروز نزعة باطنية تبحث من خلالها الذاتي عن معرفة ذاتها وتنتج بعض التفسيرات الأسطورية والأشكال الثقافية. وهنا تسير التفسيرات الأنثربولوجية جنبا إلى جنب مع التفسيرات الكوسمولوجية ويكون السؤال عن أصل الكون هو مرتبط أشد الارتباط بالسؤال عن أصل الإنسان. وحتى ظهور الأديان فإنه لم يؤدي إلى إلغاء هذه الأشكال الأنثربولوجية والكوسمولوجية بل عمقها وخلق عليها شكلا جديدا.
على هذا النحو فإن معرفة الذات ليست مجرد اهتمام نظري ولم تكن موضوع فضول من طرف بعض أشخاص دون غيرهم وإنما هي واجب أساسي من الواجبات التي ينبغي أن يؤديها كل إنسان، والمفكرون الكبار هم أول من غرس تلك القناعة بضرورة أن يعمل الإنسان على الاعتناء بنفسه على صعيد الإحساس والمشاهدة والمعرفة والتقدير الذاتي. كما أن جميع الأشكال الكبرى للحياة الثقافية والدينية والاجتماعية تنطلق من احترام المبدأ التأسيسي الأول: اعرف نفسك بنفسك، وهو مبدأ يأخذ شكل الأمر القطعي والقانون الأخلاقي والسياسي والحكم الديني.
ان ظهور هذا المبدأ يمثل انقلابا قيما في مستوى اهتمامات البشر من التطلع إلى العالم الخارجي إلى العناية بالذات والاهتمام بالعالم الباطني. لكن ثمة مفارقة تطرح بخصوص الاستبطان فهو من جهة يعاني من عدة نقائص ويقسم الذات إلى شطرين ومن جهة ثانية يبدو لأمرا ضروريا من أجل معرفة الإنسان لنفسه، فكيف سيبقي كاسرر على وجهة النظر الخارجية ممثلة في البرغماتية الطبيعية وعلى وجهة النظر الباطنية ممثلة في برجسن في الآن نفسه؟
سؤال ما الإنسان يتخذ شكل الواجب الأخلاقي والديني لا بالنظر إلى الطبيعة بل بالنظر إلى منطلق الحياة الإنسانية والاجتماعية وهو معنى الحوار الذي دار بين سقراط وفادر حينما أطل سقراط على سور المدينة فرأى المناظر الجميلة فسأله فادر كأنك لم تتجاوز سور المدينة فأجابه سقراط بأن محب الحكمة إذا ما أراد أن يتعلم شيئا فأنه يطلب ذلك من سكان المدينة لا من أشجار الغابة. فالسؤال الفلسفي والحقيقة تستنبط من حياة الناس لا من وضع الطبيعة كما قال هيجل:"ما يعلمني شيئا هو التاريخ وليس الطبيعة". هكذا حدث التحول من الطبيعة إلى الإنسان ومن علاقة الإنسان بالطبيعة إلى علاقة الإنسان بالتاريخ حيث يوجد الآخر الانساني. لكن لماذا تحاشى سقراط إعطاء تعريف للإنسان واسترسل في الحديث عن الفضائل الفردية مثل الخير والعدل والاعتدال والتوسط والشجاعة؟ هل هذا العزوف السقراطي عن تعريف الإنسان هو الذي أدى به إلى أن يكون مركز الاهتمام في التفكير الفلسفي من ألفه إلى يائه؟
إن المسألة لا تتعلق بتحاشي تعريف الإنسان بقدر ما تعني الكف عن مقاربته من زاوية مقاربة الطبيعة. والمطلوب هو أن نواجه الإنسان وأن تلتقي به بدقة لغرض فهمه. إن حقيقة الإنسان بماهو موضوع التأمل الفلسفي إنما هو مسألة إنسانية والمرور بالفكر بماهو حديث النفس إلى المحاورة ومجادلة الآخر يجعل من الفعل المعرفي فعلا اجتماعيا وبالتالي يجعل من الإشكال الأنثربولوجي إشكالا سياسيا ويطرح مسالة التواصل. فأن تسأل ما الإنسان؟ هو أن تسأل ماهي الطرق الضرورية لتدبير المدينة؟ وماهي منزلة الإنسان في المدينة بعدما تبينت منزلته في الكون؟ وكيف انطرحت الحكمة السقراطية في التأمل الأفلاطوني والتعقل الأرسطي؟ وهل أعادت الرواقية الانشغال ما قبل السقراطي عندما فكرت في الإنسان والطبيعة معا؟وكيف سيعيد ديكارت تشغيل التفكير في الذات بمعزل عن الطبيعة والمجتمع والسياسة؟
3- الرمز طريق الإنسان إلى فهم نفسه:
"إن الإنسان لا يحيا في كون مادي بشكل صرف بل في كون رمزي" .
طرح كاسرر سؤالا حول إمكانية توظيفه للنتائج التي توصل إليها عالم البيولوجيا يوهانس في فهم الطبيعة البشرية وخاصة مصطلح الدائرة الوظيفية الذي اكتشفه لدى الحيوان ، فهل يمكن أن يستعمل الفيلسوف هذه الصورة التي يقترحها يوهانس لوصف وتخصيص العالم الانساني؟ لكن قبل ذلك ما حقيقة الكشوفات التي طورها يوهانس في البيولوجيا؟ وماذا سيأخذ منها كاسرر؟
لقد وجه يوهانس بحوثه نحو دراسة العضويات الصغرى الجزئية ثم وسعها بشكل تدريجي لتشمل أشكال الحياة العضوية وكانت الخلفية الابستيمولوجية التي تحركه هو رفضه للتقسيم الأرسطي بين أشكال دنيا للحياة وأشكال عليا لها لاسيما وأنه ظل يؤمن دائما بأن الحياة هي دائما وأبدا تامة ومتشابهة سواء في الوسط الضيق أو في الوسط الشاسع وأن كل عضوية ليست فقط متأقلمة مع وسطها بل تحتوي في بنيتها التشريحية على جهاز بثeffecteur وجهاز استقبالrécepteur يمكنها من التواصل مع هذا الوسط. ولا تستطيع العضوية دون تعاون هذين الجهازين ودون تحقيق التوازن في الوظيفة بينهما أن تستمر في البقاء وتتشبث بالحياة لاسيما وأن جهاز الاستقبال الذي تتقبل به العضوية المنعكسات الخارجية وجهاز البث الذي ترسل به ردود أفعالها تفاعلا مع هذه المنعكسات هما متلازمان ومتحدان ويشكلان عنصران من سلسلة واحدة هي الدائرة الوظيفية Cercle fonctionnel للكائن الحي . فكيف سيستفيد كاسرر من هذه البحوث ويعيد بناء نظرته إلى عالم الإنسان.
في هذا السياق يصرح كاسرر:" إن الدائرة الوظيفية للإنسان ليس فقط قد توسعت بل إنها قد شهدت تغييرا نوعيا . إن الإنسان قد اكتشف طريقة جديدة للتكيف مع الوسط . علاوة على نظامي البث والاستقبال التابعين لكل كائن حي يوجد عند الإنسان حلقة ثالثة يمكن أن نسميها النظام الرمزي وهذا المكسب الجيد يحول مجموع الحياة الانسانية."
من الواضح للعيان أن هذا العالم البشري لا يمثل استثناء بالنسبة إلى القوانين البيولوجية التي تخضع لها حياة كل العضويات الأخرى ، لكن هناك عنصر جديد يتدخل وهو يمثل علامة مهمة مميزة للحياة الإنسانية ويتمثل في أن الدائرة الوظيفية للإنسان ليست فقط موسعة بل أخضعت إلى تغيير نوعي وأضيف إليها عنصر الرمز. إن الإنسان قد اكتشف منهجا جديدا للتكيف مع الوسط، إذ علاوة على نظام البث ونظام الاستقبال الموجودين عند كل نوع حيواني توجد عند الإنسان حلقة ثالثة تسمى النظام الرمزيsystème symbolique . هذا البعد الجديد الذي وقع اكتشافه أحدث تغييرا جذريا في نظرة الإنسان إلى نفسه وفي مجموع الحياة الإنسانية، إذ بالمقارنة مع أنماط الحياة الأخرى لدى الكائنات فإن الإنسان لا يحيا في واقع أكثر اتساعا بل انه يعيش في بعد جديد من الواقع هو البعد الرمزي. هناك فرق أصلي حسب كاسرر بين التفاعلات العضوية والاستجابات الإنسانية، إذ في الحالة الأولى هناك استجابة مباشرة وفورية للمثير الخارجي وفي الحالة الثانية فإن الجواب يختلف بل يستوجب توفر وسيط زمني أو رمزي وبالتالي قد يتأخر الرد أو يضيع عبر مسار طويل ومعقد للفكر.
إن الإنسان لا يستطيع أن يوجد في حضور مباشر أمام الواقع فهو لا يستطيع أن يكون وجها لوجه معه بل إن الواقع المادي يظهر أنه متأخر بالقياس مع تطور النشاط الرمزي للإنسان ولذلك يساعد الرمز الإنسان من رؤية العالم المحيط به بوضوح وجلاء ومن الفعل والتأثير في الطبيعة تأثيرا ناجعا ونافعا. من اليبن إذن أن الكون العملي للإنسان ليس كون مليء بالوقائع الخام أين تحيا الرغبات الحسية والحاجات المباشرة بل هو كون مليء بالتأثيرات والأوهام والأحلام والأمنيات وتلعب الرمزية دورا بارزا في الربط بينها.
انه يقيم علاقة مع الأشياء ذاتها وبعد ذلك يدخل في علاقة ذاتية مع نفسه وهوة محاط بأشكال لغوية وصور فنية ورموز أسطورية وطقوس دينية ونظريات علمية ومفاهيم فلسفية ومنتوجات تقنية، كما أنه لا يستطيع أن ينظر أو يعرف دون تدخل هذا العنصر الثالث التوسطي والصناعي.
"إن الذي يحيك الشبكة الرمزية هو هذه الخيوط المختلفة وهي نسيج متشابك من التجربة الإنسانية وأي تقدم في الفكر والتجربة الانسانيتين يزيد من تعقد هذه الشبكة ويقويها."
إن اللغة والأسطورة والدين والفن كلها عناصر يتكون منها هذا الكون وجملة من الخيوط المتنوعة التي حيكت منها الشبكة الرمزية العاكسة للتجربة الإنسانية وكل تقدم في الفكر والتجربة الإنسانيتين يعقد هذه الشبكة ويعطيها دفعا قويا. هنا يعلن كاسرر أنه يستطيع الآن أن يستأنف مشروع البحث عن الذات ويصلح التعريف الكلاسيكي للإنسان بتوسيعه بالاعتماد على توصل إليه الفكر من اكتشاف لأهمية البعد الرمزي. إن القول بأن الإنسان حيوان رامز لا يعني التخلي عن التعريف القديم القائل بأنه حيوان عاقل بل هو توسيع له بما أن العاقلية هي أهم تجلي من تجليات الوظيفة الرمزية للإنسان. إذ رغم كل المحاولات اللاعقلانية فإن تعريف الإنسان على أنه حيوان عاقل لم يفقد شيئا من قوته بل إنها عززت الرأي الذاهب إلى اعتبار العقلانية والعاقلية والتعقل هي خاصية متجذرة في كل النشاطات الإنسانية الثقافية.
ان الثقافة في مجملها يمكن ان تكون مسار التحرر التدريجي لذات الانسان واللغة والفن والدين والعلم هي اللحظات المتتالية لهذا المسار. اذ في كل مرحلة من هذه المراحل ينكشف الانسان ويختبر قدرة جديدة هي بناء عالم جديد والبحث عن وحدة جوهرية في هذا العالم المثالي المبني.
إن الأساطير ليست جملة من الخرافات الفارغة من المعنى ولا أخطاء فادحة تشير إلى الفوضى بل تمتلك صورة نسقية ومفهومية ولها منطق داخلي وليس هناك تنافر أصلي بينها وبين العقل . كما أن العلاقة بين العقل واللغة ليست علاقة أداتية يكون فيها هو المركز والغة هي الوسيلة بل إن اللغة هي منبع العقل نفسه والعقل هو المحرك الذي يغذي اللغة ويجدد لها شبابها. غير هذا التعريف لا يغطي الحقل اللغوي لأنه إلى جانب اللغة العقلانية المنطقية المفهومية توجد لغة عاطفية مجازية رمزية هي لغة المخيلة الإبداعية Imagination poétique .
ما يراه كاسرر هو أن اللغة لا تعبر فقط عن المثل والتصورات والأفكار فحسب وإنما أيضا عن الأحاسيس والمشاعر والانطباعات وخلجات القلب وانقباضات الوجدان، وحتى عندما يكون الدين في حدود العقل فإنه يبقى تجريد بسيط ولا يمثل سوى شكل مثالي وظل باهت عن حياة دينية ثرية ومتعينة بشكل شخصي ولذل ينبغي إعادة تعريف الدين من خلال الرمز والقول بوجود رمزية دينية.
إن كل أشكال الحياة الثقافية للإنسان في ثرائها وتنوعها بما في ذلك اللغة والدين والأسطورة هي أشكال رمزية وبالتالي عوض أن نعرف الإنسان على أنه حيوان عاقل ينبغي أن نعرفه على أنه حيوان رامز وبالتالي نستطيع أن نشير غالى فرقه النوعي ونفهم الطريق الذي انفتح أمامه انه طريق الحضارة والمطلوب هو عدم التردد في المضي قدما فوقه. إن الرمز هو ركن أساسي من أركان فلسفة الثقافة وان الفكر البشري ما انفك ينتج رموزا هي بدورها تخلق عالما له دلالة وخاص بالإنسان. لكن عندما لا يأخذ الفكر مسافة نقدية من الرمز فإن هذا الأخير يتحول إلى أسطورة تعمل هي بدورها على فقدانه لاحداثياته.
في نهاية المطاف ليس الإنسان كائنا جامعا بين العضوية والروحانية بل هو كائن ينشد وينتج المعنى والسؤال المركزي الذي لا يمله أبدا هو كيف نحقق المصالحة بين النفس والجسد بحيث يسهمان جنبا إلى جنب في عملية صناعة المعنى؟
خاتمة:
"العقل أو النطق اصطلاح ناقص لا نستطيع عن طريقه وحده فهم أشكال الحضارة الإنسانية في ثرائها وتنوعها وكل هذه الأشكال رمزية وعلى هذا الأساس بدلا من أن نعرف الإنسان باعتباره حيوانا عاقلا فإن علينا أن نعرفه باعتباره حيوانا رامزا."
"مقال عن الإنسان" هو كتيب ألفه كاسرر بعد حلوله بالعالم الحر سنة 1941 حيث طلب منه بعض الأصدقاء الأمريكيين تلخيص كتابه الكبير فلسفة الأشكال الرمزية الذي ترجم من الألمانية إلى الأنجليزية ولكنه ضم نظرية عامة في الأسطورة واللغة والفن والتاريخ والعلم تتأسس على نظرية مركزية في الوظيفة الرمزية. وقد حاول الفيلسوف الألماني أن يوضح المكتسبات النظرية والنتائج العملية التي وصل إليها في مؤلفاته اللغة (1923) والفكر الأسطوري ( 1925) وفنومنولوجيا المعرفة (1929) ولكن ينبغي أن نشير إلى كتابات الشباب عند كاسرر حول تاريخ الفلسفة والتي تمحورت حول "الفرد والكون في عصر النهضة" و"مشكل جان جاك روسو" والأنوار وهيجل وتطورت إلى "مفاهيم الجوهر والوظيفة".
وقد ضم هذا المقال حول الإنسان فصولا حول أزمة معرفة الذات واعتمد على الرمز بماهو مسار نحو طبيعة الذات وقارن بين ردود الأفعال الحيوانية والاستجابات الانساني وحول وصف العالم الانساني للزمان والمكان وميز بين الوقائع والمثل. ولكن القسم الثاني من المقال اهتم فيه بعلاقة الإنسان بالثقافة وحاول تعريف الإنسان من وجهة نظر الثقافة وتوصل إلى كونه حيوان رامز . وقد تعرض بعد ذلك إلى بعض الأشكال الثقافية مثل الأسطورة والدين واللغة والفن والتاريخ والعلم دون أن يهمل الاهتمام بالعلاقة بين النظرية الرمزية والألسنية البنيوية وذلك بأن أخرجها إخراجا فلسفيا يليق بها.
إذا كانت الميتافيزيقا التأملية قد فقدت طموحاتها النظرية مع النقد الكانطي فإن الإيمان بوجود غائية للحياة الإنسانية قد قوضه كل من نيتشه ودارون وفرويد وان كاسرر يؤمن بأن طرح المسألة الأنثربولوجية مازال يمتلك وجاهة وراهنية وأن الفلسفة الأنثربولوجية ينبغي أن تستثمر وتفكر في عالم الثقافة من أجل تستكمل معرفة الداخل الذي تهتم به فلسفة الروح. عندئذ يحافظ كاسرر على فكرة التقدم والفرد والجسم الاجتماعي ويرى أن الثقافة هي مسار تاريخي للبناء ولتحرير الذات.
إن معرفة الذات هي أسمى غاية للبحث الفلسفي وهذه الحقيقة يبدو أن جميع الناس يقروها بتفاوت طفيف، إذ رغم كل الخصومات التي قامت بين المدارس الفلسفية المختلفة فإن هذه الغاية بقيت ثابتة لا تزعزع وظلت مطمح كل الاتجاهات. علاوة على أن معرفة الذات هي الشرط الأول والأساسي لتحقيق الذات وانجازها ، إنه لكي نبلغ الحرية الحقيقية ينبغي أن نحطم السلسلة التي تربطنا بالعالم الخارجي.
لقد واجه كاسرر تصورين متناقضين هما التصور الديني والتصور العلمي وذلك بأن أوجد تطورا فكريا بطيئا ارتقت بمقتضاه مسألة ما الإنسان؟ إلى مرتبة جديدة. إن الشيء المهم هنا لا يتمثل في اكتشاف معطيات جديدة بقدر ما يدور حول اكتشاف وسيلة جديدة للتفكير حيث لا يكون الجديد في رؤية وقائع كنا نجهلها وإنما بالتعرف على نمط جديد من التفكير. إن العلاقة بين القديم والجديد لا تنحصر في ازدياد كمي في المعرفة بقدر ما تطرق التغير النوعي لها، بعبارة أخرى إن المحدثين ليسوا بالضرورة أولئك الذين يعرفون أكثر من القدماء وإنما أولئك الذين يفكرون بأسلوب مغاير للقدماء.
هذا التغير هو الروح العلمية بالمعنى المعاصر للكلمة والتي أعطت لإشكال ما الإنسان؟ بعدا جديدا. تقوم هذه الروح العلمية على أساس خبري يتمثل في البحث عن نظرية عامة في الإنسان بالاعتماد على ملاحظات تجريبية واستنتاجات منطقية. لقد عبر كاسرر عن هذا الانقلاب الابستيمولوجي في طرائق التفكير عبر خلخلة وكسر كل الحواجز الاصطناعية التي قامت حتى القرن 19 بين عالم الإنسان وعالم الطبيعة. لكي نفهم نظام الأشياء الإنسانية يجب أن نبدأ بفهم نظام العالم . إن نظرية الإنسان تتنزل ضمن نظام الكون وان الكوسمولوجيا هي شرط إمكان الأنثربولوجيا. على هذا النحو يرفض كاسرر تعريف الإنسان على أنه حيوان اجتماعي ويسند إليه تعريفا آخر يقوم بالأساس على الثقافة التي تميز الطبيعة البشرية ويتمثل في أن الإنسان هو قبل كل شيء منتجا للرموز.
يضيف حول هذا الموضوع:" ما دام الإنسان قد تجاوز العالم المادي فإنه قد أصبح يعيش في عالم رمزي وما اللغة والأسطورة والفن والدين إلا أجزاء من هذا العالم، فهذه هي الخيوط المتنوعة التي تنسج منها الشبكة الرمزية، إنها النسيج المعقد للتجربة الإنسانية وكل التقدم الانساني يرهف من هذه الشبكة ويقويها".
يقوم كاسرر في كتاب فلسفة الأشكال الرمزية بتحليل اللغة والأسطورة والدين أو العلم بوصفها مقولات كبرى للثقافة والتي ساعدته على توسيع الفلسفة الترنسندنتالية عند كانط على حياة الروح. ماهو مشهور من حياة كاسرر هو مشاركته عام 1929 في دافوس في سويسرا ودخوله في نقاش مع هايدغر الذي يعيب على كانط إهماله للسؤال الأنطولوجي. و رغم الاختلاف فإن العلاقة بين الفيلسوفين تواصلت إلى حد صعود النازيين سنة 1933 وفرار كاسرر إلى السويد وبعد ذلك السفر إلى الولايات المتحدة.
يستدعي كاسرر التراث الكانطي من أجل فهم كيفية بناء الذات للتمثلات وكيف تكون هذه التمثلات صالحة بشكل كوني ويكشف عن قدرة الذات على الانتصار على التناهي عن طريق إمكانية حصولها على حقائق ثابتة وموضوعية وضرورية من خلال التجربة الأخلاقية والتفكير الرياضي. يهتم كاسرر بانتاجات العقل بإدماج الاكتشافات العلمية المعاصرة في الفيزياء النووية والألسنية وتحليل الأساطير. لكن هذا التركيز على البعد المعرفي والأنثربولوجي هل يعني عدم اكتراث من طرف كاسرر بالمسالة السياسية؟
في الواقع كان طموح كاسرر عند تأليف كتيب "أسطورة الدولة" هو تفسير الظاهرة النازية من خلال التعرف على البناء الميثولوجي الذي يمثل الدولة في أوروبا حيث تحدد الأشكال الثقافية والسياسية عن طريق الفروق بين الأعراق. يعالج كاسرر العلاقة بين السياسة والأخلاق وصعود القومية ويبدي إعجابه مكيافالي ومسألة حسن استعمال السلطة ويعتبر كل من شبلنجر وهايدغر مسؤولين عن تشكل رؤية قدرية لعالم الثقافة تؤمن بالنهاية والكارثة حيث يكون الإنسان غير قادر أن يهتدي بأنوار العقل وإنما ملقى به في عالم يجهل فيه مستقبله المظلم. من هذا المنطلق حاول كاسرر دراسة الأصل والبنية والوظيفة التي تخص الأساطير التي ترتكز عليها الدول من أجل تفكيكها والعمل على مواجهتها.
إن التوجه الذي ينخرط فيه كاسرر هو وعي نقدي بالزمن يمارس نوعا من التمرين النشط للحرية. بقي الإشكال الذي يثيره بعض المؤرخين حول مساهمة كاسرر في تهيئة الظروف لبروز النزعة البنائية في الإبستيمولوجيا المعاصرة، فإلى أي مدى كان كاسرر فيلسوفا أنثربولوجيا ينتمي إلى الكانطية الجديدة وفي نفس الوقت أحد المفكرين البنائيين قبل الآوان؟
المراجع:
Aristote, Métaphysique, livreA1, 980a 21, traduction Tricot. Edition Vrin.
CASSIRER, Ernst, Essai sur l'homme, trad. de l'anglais par Norbert Massa, Paris, Editions de Minuit, 1975, collection le sens commun.

كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-03-01

yyy


" لو غابت صورة "الشرق" المسبقة لجاء من الباحثين والنقاد والمفكرين والبشر من لا يولون لضروب التمييز العنصري والعرقي والقومي الأهمية التي يولونها للجهد المشترك في سبيل تعزيز التواصل والترابط البشري" .
توطئة:
لقد فرض مشكل الهوية نفسه في السنوات الأخيرة على الجميع وبقوة وأصبح يتدخل حتى في الطرق البسيطة للناس في التفكير والفعل والشعور. وازداد الأمر حدة بعد تفجر العولمة واحتدام الحروب بين الأديان والصراع بين الثقافات. وقد تنزل على المقياس الاجتماعي في صورة الهوية الثقافية وعلى الصعيد الفردي في شكل الهوية الشخصية. ومن هذا المنظور أصبح لفظ الهوية مصطلحا باهتا ومفخخا ويتطلب اتخاذ مسافة نقدية معه. إذ يقود التناول الثقافي إلى اعتبار الهوية اعتبارا ماهويا ويسبب مواجهات ونزاعات تبدو البشرية في غنى عنها من أجل تجاوز حالة العنف وتوطيد أركان السلم. كما يسند التناول الفردي فكرة الجوهر إلى موجود شخصي حيث ينظر إلى الأنا على أنه اسطوانة تدور حولها كل معطيات الوجود الذاتي في حركة دائمة. في هذا الإطار تعالت الأصوات من أجل الشروع الجدي في تحقيق الذات واكتشاف الوجود الشخصي الباطني أو الأصيل وقد رسم التصور البنائي بشكل جدي الرهانات ووضع الحدود بالنسبة لقضية الهوية سواء الجماعية أو الفردية .
إن التفكير النظري يلعب هنا دورا أساسيا من أجل التحرر من التصورات المشتركة والأحكام االمسبقة الجوهرانية والقطع مع أسطورة الحميمي والكيفيات الخاصة التي غذت صدام الثقافات ووقفت وراء تصنيفات محور الشر ومحور الخير. إن الاستغراق في التفكير في شرطنا الانساني واتخاذ الوقت الكافي لذلك يكشف عن زيف الحركة العائدة إلى الأصل الأول ووهم القول بوجود كائنات منعزلة وأشياء خالصة وأعراق نقية. يزداد الرهان قيمة عندما يكون رفض الآخر هو الشرط الذي ينبغي توفيره من أجل إثبات الهوية والمحافظة على تماسك الثقافة الخصوصية وصيانتها من كل اختراق أو تهديد خارجي. لكن المفارقة التي ينبغي الإشارة إليها هي أن الآخر في زمن الأنترنت والعولمة وبعدما وقع اعتباره يشكل تهديدا افتراضيا ظل دائما غير مفهوم ووقع رسمه في شكل كاريكاتوري من أجل المسارعة بتحديد هويته.
إن حصول الأنا على كم هائل من المعلومات هو أمر ضروري من أجل فهم الغيرية الثقافية والاجتماعية للآخر. وان إثبات الهوية ليس بالأمر الهين بل مسألة دقيقة ومطلب شائك لاسيما وأن الهوية ليست لأمرا قابلا للتحديدات بشكل نهائي بل تظل محل بناء سواء على المستوى الجماعي أو الفردي. وربما الرهان النظري يتمثل في معرفة الآليات والخلفيات المنطقية التي تسمح ببناء الهويات الثقافية والشخصية. إن قضية الهوية تثار داخل الفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والأنثربولوجيا وعلم النفس التحليلي وتجرى النقاشات الحادة بين المختصين ولكن هدف الجميع هو وضع حد التمثلات التي تسلم بوجود طبيعة هوياتية وهوية واحدة لحياة الأشخاص والمجموعات. فهل الإصرار على امتلاك هوية شخصية بالنسبة للأفراد والاعتراف بواقع تعدد الثقافات بالنسبة للجماعات يمثلان عائقا يحول دون بناء الحضارة الكونية؟
ماهي المسلمات والفرضيات الضمنية التي ترتكز عليها الخطابات والقرارات بشأن قضية الهوية؟ ما الفرق بين الثقافات القومية والحضارة الكونية؟ ألا توجد مفارقة في حرص البعض على الأصالة والمحافظة على الخصوصية والبحث عن طرق التحديث ومواكبة العصرنة وتبني وجهة نظر العقلانية العلمية والتقنية؟ ألا يجب التخلي عن الماضي الثقافي القديم من أجل القيام بالتحديث؟ أم أن الأمر يتعلق بايقاظ ثقافة قديمة نائمة من أجل المساهمة في صناعة الكونية؟ ماذا يحدث عندما تلتقي ثقافات متنوعة ومختلفة؟ هل يؤدي ذلك إلى صراع الهويات وتصادم الخصوصيات والتقاتل بين الجميع أم أن اللقاء يكون تفاعليا توليديا؟ لكن كيف يكون التقاء ثقافات متنوعة ممكنا؟ وما مصير قيم بعض الهويات عندما تصطدم بقيم ثقافات أخرى غازية ومتطورة؟ هل تموت بعض الخصوصيات من جراء العولمة أم أن عدة ثقافات تحافظ على نواتها الخلاقة؟ فما الذي يمثل الجوهر الإبداعي في أية ثقافة؟ وضمن أية شروط يمكن لهذه الإبداعية أن تستمر؟ وهل انفتاحها على الآخر يهددها أم يثريها؟ وهل من حل بالنسبة للهويات لمشكلات التواجد مع الآخر في العولمي؟ وماذا يعني أن تكون لك هوية عالمية وأن تفكر وتتصرف كمواطن عالمي أي باعتبارك كسموبوليتيا؟
ما نراهن عليه هو تفادي المقاربة الانعزالية الانفرادية للهوية التي ترى الكائنات البشرية أعضاء في جماعة واحدة وتقوم بتمييزهم على أساس لغوي أو ديني أو عرقي وثقافي، والتوجه نحو بناء فهم أوضح لتعددية الهوية الإنسانية من أجل أن يسود الانسجام والوئام والتفاعل بين مختلف الخصوصيات.
1- الهوية الشخصية:
" هنا مفهوم الشخص بوصفه غاية في حد ذاتها يأتي ليقيم التوازن مع مفهوم الإنسانية لأنه يدخل في صياغة الأمر المطلق نفسه التمييز بين شخصك وشخص كل بشري آخر. مع الشخص فقط تأتي التعددية" .
لا تقتصر الهوية على ما يدركه الإنسان من ذاته بل تفيد بقاء الشخص هو عينه على الرغم من تغير الأحداث التي تطرأ عليه بناء على شعوره وتذكره للماضي ، إن الإنسان يملك هوية خاصة به على امتداد حياته حتى في ظل مروره بمراحل متعددة وخوضه لتجارب مختلفة. وتتمثل الهوية الشخصية للإنسان في وعيه بذاته وعند لوك في "اعتبار نفسه بمثابة الهوهو بوصفه شيئا واحدا في أزمنة وأماكن مختلفة وما يفعله بدافع الإحساس فقط بأفعاله الخاصة لا ينفصل عن الفكر بل يبدو ملازما له تماما."
إن المقصود هو أن الهوية ليست جوهرانية ماهوية كما هو الأمر عند أرسطو ولا تقوم على تعالي الأنا أفكر عن العالم وعن الجسم المادي كما هو الشأن عند ديكارت بل متعينة في المادة وتقوم على تمايز الأفراد عن بعضهم البعض وتلازم بين الإحساس والفكر، ويضيف في السياق نفسه:"بما أن الإحساس يصحب دائما الفكر وأن كل امرئ يكون هاهنا هو عينه ما يسميه الذات عينها كما أنه يتميز عن أي شيء آخر يفكر فمن هذا الناحية فقط تكون الهوية الشخصية."
يترتب عن هذا أن الإنسان يتميز عن الشخص، فالإنسان يمثل عضوية لا تختلف هويته عن هوية أي إنسان آخر، بينما الشخص هو محمول على ماهو مادي ونفسي معا بما يمكنه من أن يعتبر نفسه هو هو. هنا يرفض لوك التصور الميتافيزيقي الذي يختزل الهوية الشخصية في النفس ويعتبرها جوهرا لاماديا ويرفض كذلك التصور الفيزيولوجي الذي يماثل بين الأنا والعضوية. من أجل توضيح فكرته يفترض لوك أمير تنقل ذاكرته وتزرع في جسد اسكافي مما يثير الإشكال التالي: هل نكون أمام أمير يجد نفسه سجين جسد اسكافي أم نحن أمام اسكافي يعتبر نفسه أميرا؟
لقد كان الجواب على النحو التالي: إن الموجود المتشكل من جسد الاسكافي وذاكرة الأمير هو في نفس الوقت الإنسان عينه الذي يمثله الأمير والاسكافي لكونهما يمتلكان نفس الجسد ومادمت الذاكرة مستمرة الحضور بينهما. إن التذكر هو أساس استمرارية شعور الأنا باستمراريته لأنه يستلزم بقاء الأنا المتذكر هو عينه. نستخلص من ذلك أن الهوية الشخصية تحيل على ما تختص به الذات من تفرد ووحدة وتشمل الوعي بالذات وتمثل الفرد لها وبالتالي تعني حقيقة الشيء أو ما يكون به الشيء نفسه ، فهي حقيقة الشخص المشتملة على صفاته الجوهرية العينية وتشير إلى الخصوصية والوجود الفردي الذي لا يقع فيه اشتراك. ما يجدر ملاحظته هنا هو "أن نفهم الوجود الخاص هو أن نتموقع سلفا في ما وراء الخاص- وأن نرتبط بماهو خاص هو أن نعرف دوما بواسطة ماهو كوني".
هكذا تقترب الهوية الشخصية من الهوية الذاتية والعينية وترتبط بالوحدة والتماثل والتطابق والمساواة وقد عبر معجم روبارت عن ذلك بتأكيده على أن الهوية تدل على الميزة الثابتة في الذات وركز على ماهو متماثل سواء تعلق الأمر باستمرارية الفرد مع نفسه أو مع الأشياء الخارجية.
إذا أردنا التوضيح أكثر فإننا نسمى هوية كل ما يتعلق بالتصورات الماهوية سواء تعلق الأمر بالمقاربات الذاتوية التي تفهم الهوية على أنها أنا ماهوي موحد وباطني أو بالمقاربات الموضوعية التي تفهم الهوية على أنها ماهية جماعية أو ثقافية مطروحة على الأفراد.
ينبغي أن نتخلى عن ايديولوجيا التمركز على الذات ونعترف بوهمية الأنا المحض أو المجرد ونشرع في مواكبة التطورات الفكرية التي قادت إلى تفادي التعامل مع الهوية الشخصية على أنها جوهر موحد منفصل عن العالم. إن الخطأ الذي وقعت فيه التصورات الفلسفية الحديثة هو أنها فصلت الفرد عن العالم المادي والاجتماعي واعتقدت في وجود نواة ثابتة وأولية وجوهرانية تحدد طبيعة الكائن البشري. في هذا الإطار ظهرت أفكار داخل الفلسفة وعلم النفس التحليلي وعلم الاجتماع تحاول تفنيد الذاتوية الفلسفية وترفض تعالي الأنا المطروح بكونه مقولة متعالية وتتحرك ضمن باراديغمتين أساسيتين:
- الباراديغم الأول ناضل ضد التصورات التي تنظر إلى الهوية الشخصية على أنها جوهر باطني ويمثله كل من ماركس ودوركايهم ويفكر في الهوية ليس باعتبارها حائزة على طبيعة باطنية وأصلية لكائن بل على العكس من ذلك بوصفها حصيلة اندراج هذا الكائن البشري ضمن مجتمع معين وتمثل بطريقة ذاتية أساليبه في الشعور والفعل والتفكير.
- الباراديغم الثاني يتجه نحو توخي مسارات بنائية للهوية من خلال منظورية تفاعلية وبعيدة كل البعد عن الماهوية ولكنه لا يغالي في طلب اندماج الكائن البشري بالحياة الاجتماعية بل يتخذ مسافة منها ويضعها موضع حوار وجدل ويكتفي بإعادة وضع الإنسان في العالم وإعادة نمذجة البعد الاجتماعي. هنا يظهر الكائن البشري بوصفه فاعلا قادرا على تشييد فضاء بينه وبين السندات الهوياتية التي يعتمد عليها من أجل إبداع هويته.
إن الهوية المتناولة في معناها الفردية تبدو اليوم مجرد مقولة فضفاضة لأنها متمفصلة بالنسبة إلى المعرفة العالمة والفكر اليومي إلى ثلاثة أفكار قوية هي: الوحدة والجوهر والباطنية. إن جهدنا سينصب على إظهار أن هذه الأفكار الثلاثة ليست معطيات طبيعية لوجودنا بل قوتها مستمدة من تخمين بعض النظريات ومن تمثلات فلسفية قديمة. إن المنظورات الماهوية بعيدة كل البعد عن الحقيقة وغير قادرة على الصمود أمام التطورات الملاحظة في مجال العلوم الاجتماعية خاصة والإنسانيات عامة. على هذا النحو "إن معنى الحياة والهوية لا يصدران إذن بأي شكل من جوهر ما قبل هوياتي" .
إن الهوية الشخصية هي مشابهة لنوع من البناء الموجود سلفا والذي يقطنه الأنا ويفصله عن الهويات الفردية المنغلقة على ماهية معينة. إن العمل على إدراج الإنسان في العالم الذي يحيط به يعني المرور من وضع التعالي إلى حالة المحايثة والقول بأن الأنا المتعالي الذي ينظر إلى نفسه على أنها جوهر مفكر لم يعد يعني شيئا كبيرا. لقد فقد الهوية الشخصية مع هيوم ولوك وفرويد قداستها وأوليتها واندمجت بطريقة أو بأخرى مع الحركة اللامتناهية للعالم. إن إفراغ الهوية الشخصية من كل حمولة يعود إلى استحالة تحولها إلى فراغ وان مسار العلمنة هذا تقوم به الفنومنولوجيا الاجتماعية والوجودية وينتهي بمنح دور للغير في انبثاق الوعي بالذات. يمكن إضافة معاني الوحدة والباطنية إلى فكرة العلاقة بالعالم خاصة عندما يعرف الشخص الانساني بأنه بنية تتصف ببعض التساوق المفتوح وفي نفس الوقت باطنية لا تقبل النفاذ بشكل جزئي. إن الكائن البشري بشكل أو بآخر هو انفتاح على العالم.
"إن الهوية ليست مسألة شخصية فقط. إذ يجب أن تعاش في العالم عبر حوار مع الآخرين وطبقا لوجهة نظر الشارحين البنائيين فأنه من خلال هذا الحوار تولد الهوية. لكنها ليست الوسيلة التي تخبر بها الهوية. فمن وجهة نظر ذاتية تكتشف الهوية داخل الشخص نفسه وهي تعبر عن الهوية في وجود الآخرين. وتعثر الذات الداخلية على موطنها في العالم من خلال المشاركة في الهوية الجماعية.وغالبا ما يعبر عن هذا التوحد بعبارات رفيعة وغامضة وتنضم نفسي الحقيقية إلى الحياة الروحية للمجتمع" . لكن كيف تتحقق الهوية الاجتماعية من خلال التعرف على الذات عن طريق الخارج وربطها بجملة من الأنظمة المشتركة مع الآخرين؟ وما دور الثقافة في شد أعضاء المجتمع الواحد وفي تمييزه عن المجتمعات الأخرى؟ ما السر في أن الهوية يمكن أن تكون مصدرا للعنف والاستبعاد من جهة ومصدر للثراء والثقة من جهة أخرى؟ فماذا يجني الناس من وراء إصرارهم على الانتماء إلى هويات؟ وهل الهوية شر أم خير؟
2- التعددية الثقافية:
"الهوية تدرك من خلال المشاركة في الثقافة... وان المفاهيم المتعلقة ببناء الهوية وتلك الخاصة بالثقافة ولدتا معا."
يصعب تدقيق مفهوم الثقافة وذلك للاتجانسه وتعقيده وتضخم دلالاته وتنوع رسومه إلى حد حديث البعض عن عولمة الثقافة والصناعة الثقافية وثقافة إضاعة الوقت. لكن يسهل علينا ربط الثقافة بالإنسان لأن الثقافة مفهوم أناسي تجعل الإنسان ذاتا متناهية قبلة للتشكيل إلى ملا نهاية لها ومنفتحة على العالم ومجبرة صنع ذاتها والعالم في كل مرة ولأن "الإنسان كائن ثقافي بالطبع وهو لا يصبح إنسانا إلا بفضل الثقافة " ، و"بذلك تتوسع الثقافة لتشمل الشروط المادية والروحية والاجتماعي والسياسي من المنتجات ومن ذلك أشكال مختلفة من الحياة ومن مجالات المخاييل. فالثقافة تشكل جسد الإنسان وهي في نفس الوقت ثمرة من ثمرات هذا التشكيل وهي تنتج في الأعراف والتجديدات تغيرا وتواصلا بين الماضي والحاضر والمستقبل...إن الثقافة حركية وهي ممارسة وعملية. والثقافة ليست واحدة بل كل واحدة منها تشمل العديد من الثقافات."
إلى وقت قريب ثمة إجماع بشأن موضوع الثقافة وأصبح هذا المفهوم هو العملة الرائجة وتم الاتفاق على أن الثقافة ليست مسألة عرق بل مكتسبة وغير متوارثة جينيا وتتقدم بشكل مطرد وبمعدل متسارع وتتعلق بالأفكار والقيم والرموز التي تعبر عن رؤية للكون وعن الفضيلة والجمال ضمن تنظيم جمعي للفكر. لكن على الرغم من أن الجميع يتحدثون اليوم عن الثقافة فأنهم لا يتطلعون إلى تبعات القول بالهوية الثقافية ويتجاهلون الإحراجات المتعلقة بالتعددية الثقافية. وقد انعكس عن ذلك اتجاه النقاش بشأن الهوية الثقافية نحو السياسة وبدأ الكلام عن الثقافة بماهي شأن سياسي وأكد البعض من أن الثقافة هي الأقدر على معالجة المسألة السياسية الكبيرة وذكروا بأن الاعتراف بالتعددية الثقافية هو حركة تدعو إلى التغيير.
تتضمن الهوية الثقافية كل ماهو مشترك بين جميع أفراد المجتمع مثل القواعد والمثل والقيم. ولكن إذا بنيت على أساس الوحدة والتطابق والتماثل تصبح الهوية الثقافية هوية ثابتة تلغي إمكانية التغير في الزمان وتتشكل نواة صلبة تحدد تاريخها وملامحها الخاصة وتسعى إلى المحافظة عليها والوفاء إليها. لكن الهوية الثقافية لا تفهم دائما في إطار المطابقة التامة مع الذات الجماعية بل يمكن أن تتحقق في سياق التفاعل مع المباين والمختلف والمغاير من الهويات الثقافية الأخرى ويمكن أن نتحدث هنا عن التثاقف وعن الهوية بينثقافية في وضعية التلاقح والتخاصب بين خصوصيات متنوعة وثقافات متعددة.
في هذا السياق يقول أودمند هوسرل:"أكون مع ثقافتي دائرة أولية لثقافة أجنبية يمكنني أن أبلغها، مع أولئك الذين يشاركونني مشاركة مباشرة، بنوع من تجربة الآخر" .
ظهر مصطلح التعددية الثقافية للتمييز أولا بين الثقافة الرسمية التي تدعي الرفعة والسمو وترتبط بالنخبة وتتشكل في الدوائر الضيقة للأرستقراطية وفي صالونات البرجوازية وبين الثقافية الشعبية الجماهيرية التي تمتد من الفلكلور إلى الفن البروليتاري وتعامل بتعاطف من قبل الناس الذين يحرصون على المحافظة عليها وتوريثها وتتوجه نحو مقاومة الهيمنة المسلطة عليها من طرف ثقافة الاستهلاك والقوة القمعية للطبقة الحاكمة وتدحض شرعيتها وتطعن في الريادة الأكاديمية للثقافة الرسمية وتحس بأن عليها واجب مدني لفضح العولمة الامبريالية والتغريب الثقافي لدول الأطراف والسلطة البطرياركية.
لقد مثلت التعددية الثقافية فرصة سانحة من أجل كشف مخاطر العولمة على النسيج المجتمعي والبيئة واستقرار الشعوب واستمرارية الخصوصيات وعبرت عن مشكلات مقلقة وتحديات أكثر تدميرا تجاه الثقافات المحلية والسعي المتزايد نحو اعتماد نموذج ثقافي واحد للتعرف علة نمط الحياة الحضاري في أي بقعة من المعمورة. بيد أن حركة التعددية الثقافية عرفت اتجاهين: الأول هو تعددية ثقافية الاختلاف multiculturalisme de la différence يتجه نحو الداخل ويأخذ مصلحة الخصوصية الذاتية بعين الاعتبار ويتبنى الخطاب المدحي الافتخاري من أجل تعزيز شعور ثقافة معينة بالعظمة والتفوق ويجعل من ذلك سبيلا للمحافظة على بقائها واستمرارها.
الاتجاه الثاني هو تعددية ثقافية النقد multiculturalisme critique يتجه نحو الخارج متأثرة بالدراسات الثقافية ويناضل ضد التماثل والهوية ويسعى إلى إعطاء حقوق للأقليات ويكشف عن ضعف الخطاب الأغلبية السائد وصمته وتهميشه لبعض الفئات ويحاول تفكيك التحيز الثقافي للطبقة الاجتماعية السائدة ولذلك لا يرى في وجود تنوع وفوارق في الخصوصيات داخل نفس المجتمع أي خطر يهدده بالتقويض بل ينظر إلى ذلك أنه عامل عادي ومصدر اغتناء وقوة. من هذا المنطلق تنبنى التعددية الثقافية على خطاب يدعو إلى التكافؤ بين الخصوصيات والمساواة في اعتبار الرموز والقيم الخاصة بالهويات الصغيرة في تكوينية الهوية الكبرى للمجتمع ويؤكد الاختلاف ويدعو إلى إجماع ثقافي والمشاركة في نشر الحضارة الكونية. في السياق نفسه يقول آدم كوبر:"تترجم التعددية الثقافية هذه الافتراضات في صورة برنامج سياسي يؤكد الاختلاف وقيمته ويبحث عن منح كل مجموعة ثقافية قدرا مناسبا من حق تقرير المصير وصوتا مساويا في الشؤون الجمعية" .
إن التعددية الثقافية هي قيمة لا يمكن إنكارها لأن محافظات الجماعات على نفسها لا يكون بتعزيز القواسم المشتركة التي تربط بينها بل بقدرتها على إحداث اختلاف حقيقي وإبراز التنوع الداخلي.
غير أن التعددية الثقافية تؤثر على سياسات الهوية والاختلاف وتتبنى التمييز الايجابي وتصبح سياسات البلدان مملاة من قبل الهويات الثقافية ولا يجد الفرد احتراما لقيمه وخصوصيته إلا في السياق الثقافي الملائم له ويطالب بالتضحية بذاتيته ومحليته من أجل إرساء دعائم هوية مجتمعية مستقلة. إن ماهو مطلوب في مجتمع متعدد الثقافات هو التوقف عن إسناد الهوية إلى بيولوجيا بدائية وتركيزها على احترام الاختلاف وانصهار الآفاق واغناء التنوع وبالتالي يجب احترام الاختلاف الثقافي وتعزيزه."إن التنوع هو عامل أقل تأثيرا في عزل المجتمعات عن العلاقات التي توحدها"
إن التطرق إلى الهوية الجمعية هو أمر مهم من أجل التضحية بالمصالح الفئوية لمصلحة التماسك الثقافي ومن أجل التعالي على منطق الهوية الشخصية وتركيزها على الحقوق الفردية وتسببها في الاضطرابات العرقية والتوتر الاثني نتيجة الشعور بالحرمان وسوء المعاملة والتمييز. كما أن الثقافة هي دوما الجسر الذي يربط الأفراد بهوياتهم وينبغي ألا نبنيها على العرق حتى لا ننحدر إلى الجوهرانية.
إن الثقافة هي التي تمنح الشخص هويته ولكن كل من الهوية والثقافة يتشكلان بحرية. إن الهوية تبدو مسألة اختيار ثقافي شخصي وحتي إن كان للشخص هوية أصلية جوهرانية تنبع من الشخصية الجمعية التي ينتمي إليها فأنه يستطيع أن يندمج في هوية ثقافية جديدة بفضل قدرته على التأقلم والتكيف.
ننتهي إلى أن كل ثقافة هي متعددة الثقافات وأن القيم متغيرة من ثقافة إلى أخرى ولذلك لا يجوز قياس المجتمعات بقياس واحد وأن غالبية الناس ينظرون إلى الآخرين على أنهم أقل منهم شأنا ويصرون على اختلافهم عنهم ورفعتهم وتفوقهم ويشتركون في القدرة على التعلم والاستيعاب والاقتباس وما يتقاسمونه هو الذي ينتج الخلافات بينهم وما يختلفون فيه هو الذي يساعد في نهاية المطاف على توحيدهم. فكيف تتحول الثقافة إلى سلسلة من العمليات التي تقوم بهدم منطق الملة الجماعية وإزالة الهوية الشخصية وتعمل على بناء الكونية الإنسانية ؟ وكيف يمكن أن يلعب الإحساس بالهوية دورا حاسما في جعل العلاقة مع الآخرين قوية ودافئة ويجعلنا نفكر في بعضنا البعض ويساعدنا على تجاوز حياتنا المتمركزة حول أنفسنا؟
3- الحضارة الكونية:
"إن هوية مشتركة مع الآخرين في الجماعة الاجتماعية نفسها يمكن أن تجعل حياة الجميع تسير بشكل أفضل بكثير...ولذلك ينظر إلى الشعور بالانتماء إلى جماعة إنسانية ما باعتباره أحد مصادر الثروة."
لا يتوقف انتماء الإنسان إلى هوية على مسألة إدراك الذات ولا على اختياره لهذا النمط من الحياة أو تلك الوظيفة وليس الأمر مسألة تقليد أو محاكاة أو وفاء للأصل بقدر ماهو إبداع وانجاز للذات ، إذ بمجرد أن يحصل المرء على قسط قليل من الوعي حتى يكتشف أنه ينتمي إلى عدة دوائر مثل الوطن والطبقة والايديولوجيا والمهنة والدين ونمط الحياة والهواية وهذه كلها تمنحه هويات متعددة ومتناقضة وتجعله موجود مع العديد من الأغيار في عالم مشترك ويندفع معهم دون أن يدري في تيار كوني هو الحضارة.
لكن ما الفرق بين الكونية والخصوصية؟ وماهي نوعية العلاقة القائمة بينهما؟
إن الخصوصية هي الميل الذي تبديه جماعة معينة نحو المحافظة على مميزاتها عن المجموعات الأخرى وهي أيضا موقف تتخذه مجموعة أو اثنية معينة بحرية من أجل التحرر والاستقلال والانفصال عن البقية وغالبا ما تقع النزعات الخصوصية في القومية والمحلية والجهوية والفئوية.
أما الكونية هي مذهب يعتبر الواقع هو الكل وهو الوحدة الشاملة التي تضم جميع الأفراد بشكل كوني وهناك العديد من النظريات الكونية في الفلسفة والدين والسياسة. في الدين هي النزعة التي ترى أن مبادئها عالمية وأن الله يريد خلاص جميع الناس وبالنسبة إلى السياسة فهي المبدأ الكوني الذي يقر بأن الشكل الوحيد من أشكال السلطة الشرعية تكمن في موافقة الجميع.وأما الشمولية المؤسساتية فترى أن جميع الشعوب يجب أن تكون ممثلة في إدارة شؤون العالم بطريقة عادلة (العولمة الديمقراطية). أما الكونية الجمهورياتية فهي التي تطالب بالجمهورية غير قابلة للتجزئة باعتبارها النموذج المثالي للجميع حيث كل المواطنين متساوون في الحقوق.
إن الكونية هي المبدأ القائل بأن المعتقد والرأي والفكرة يكون لها مدلولا عالميا، وهي أيضا النهج الفلسفي للإنسانية الذي يوجب احترام جميع المواطنين والثقافات في العالم عن قناعة واختيار وهي توجه يختلف عن الكونية الدينية والسياسية التي تحاول أن تكون مفروضة بطريقة فوقية. من هذا المنطلق فإن الكونية تحافظ على الخصوصية والاثنان يتكاملان ويعززان بعضهما البعض. فما الذي يميز الحضارة العالمية؟
يشير بول ريكور إلى ستة مميزات للحضارة العالمية وهي:
- الإيمان البشرية برسالة العلم والنظر إلى العقلانية العلمية على أنها ذات قيمة موضوعية ومعيار بقية المعارف ويبرهن على ذلك بقوله:"إن العلم يظهر ضربا من الوحدة من جهة الحق تحكم كل الخصائص الأخرى لهذه الحضارة".
- الإجماع على صلاحية النموذج التقني على المستوى التطبيقي والنظر إلى عملية التحديث على أنها امتلاك للأدوات والآلات بالأساس لاسيما وأن "الإنسان عبارة عن حيلة كونية" وأننا أمام كونية فعلية للإنسانية. فكلما ظهر اختراع في أي نقطة من العالم إلا وكان موعودا بانتشار كوني".
- القول بوجود سياسة عقلانية وتقنية واحدة قادرة على إنهاء النزاع في العالم وامتصاص العنف وكل أشكال اللامعقول وتوطين السلم والتسامح وذلك بنشر ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان والموطنة، إذ يقول ريكور:"إن أحد وجوه عقلانية الإنسان وفي ذات الوقت أحد وجوه كونيته هو تطور دولة تراهن على الحق وتنمي وسائل التنفيذ على شكل إدارة".
- التأكيد على أهمية التنظيم الإداري في تقدم الشعوب وتجاوز وضعية التعثر نحو وضع التحضر وذلك بتفعيل دور المؤسسات ووضع قيم النزاهة والحياد واللاتحيز في خدمة الأفراد والجماعات، ويبرهن على ذلك بقوله:" حينما نرى السلطة قادرة على إرساء وظيفة عمومية وجسم من الموظفين يعدون القرارات وينفذونها ...نكون باختصار أمام دولة حديثة وهاهنا مظهر معقول للسياسة التي تخص الآن بإطلاق كل شعوب العالم".
- وجود اقتصاد عقلاني كوني يقوم على تقسيم عالمي للعمل وعلى تشجيع الاستثمار وفتح الأسواق وتوحيد عملات التداول ويرجع بالأساس إلى البورصات وتلعب فيه الشركات متعددة الجنسيات دورا بارزا حيث تزال الحواجز الجمركية وتخفف الضرائب ولا يكون فيه رأسمال مقيد بوطن، إذ يقول هنا:"يمكن أن نتحدث عن علم وعن تقنية اقتصادية ذات طابع دولي، مندمجة في غائيات اقتصادية مختلفة والتي تخلق في الآن نفسه طوعا أو كرها ظواهر تقارب تبدو آثارها حتمية".
- المظهر الأخير من الحضارة العالمية هو نمط الحياة وأسلوب الوجود المتغلغل في الثقافة والأكل والمسكن واللباس والترفيه والإعلام والذي يقع نشره وفرضه بالقوة الدعائية والإشهار على كافة أرجاء المعمورة وهو نمط حياة غربي أمريكي بالأساس يقوم على الاستهلاك والرفاه وحب الذات وذلك لأنه:" توجد ثقافة استهلاك ذات طابع عالمي تطور نوع من الحياة ذي طابع كوني".
هذا التمييز الأخير بين العالمي والكوني يلفت النظر إلى قيمة الحضارة وتأثيرها على الإنسان والطبيعة لاسيما وأن"إنسانيتنا المشتركة تتعرض لاعتراض وحشي شرس عندما تضيق الاختلافات بيننا لتصبح نظاما تقسيميا واحدا من تصنيف قوي مفرد" . فهل هذا يعني أن التوجه نحو العالمية هو أمر قسري مفروض يقود الثقافات القومية إلى حتفها الطبيعي والانقراض التاريخي وأن البقاء سيكون للأصلح؟
إن الحضارة الكونية التي بنيت على أساس التراكم الكمي في الوسائل والتحول في الأدوات التقنية والتقدم العلمي في السيطرة على الطبيعة والإنتاج المادي قد ضاعفت العلاقات الإنسانية وطورت إنسانية واحدة ودفعت الإنسان إلى الاعتراف بالإنسان عن وعي وحرية وبالتالي مثلت خيرا كليا من جهة بعدها الانساني أثبته ريكور بقوله:"الكونية هي بحد ذاتها خيرا والوعي بإنسانية واحدة بذاتها يمثل شيئا ايجابيا." ويبرهن ريكور على هذه الخيرية والقيمة الايجابية للكونية من خلال حجتين:
- الأولى هي حالة حصول الجموع على خيرات أولية وبلوغهم إلى الرخاء والرفاه وتحرر الحاجة التي يعيشها عدد كبير من سكان العالم موزعين على مختلف القارات والبلدان والطبقات والتي حدثت لأول مرة في التاريخ .
- الثانية هي بلوغ عدد كبير من الناس حالة الرشد وتجاوزهم حالة الحرمان واللامبالاة وشعور جموع من البشرية بقيم الكرامة والاستقلالية وقدرتهم على التصرف في مصيرهم وتحكمهم في صنع تاريخهم الخاص بهم. "انه من اليقيني أن عددا متزايدا من الناس يبلغون اليوم هذه الثقافة الأولية التي تمثل مقاومة الأمية وتطوير أدوات الاستهلاك والثقافة الأساسية وجهها اللافت".
لكن كيف مثل هذا التطور طابعا متناقضا؟
ينقد ريكور توجه الحضارة الغربية نحو فرض نموذجها على المعمورة ويعتبر أن العولمة أضرت بالجانب الانساني للكونية وحولته إلى عالمية تسلطية ويبرر بذلك بكشفه عما تعانيه الخصوصيات من تهديد بالاختراق والتفكك الداخلي والذوبان ويرى أن"ظاهرة العالمية تمثل بالتزامن مع رقي البشرية ضربا من التدمير البارع لا للثقافات التقليدية فحسب...بل للنواة الخلاقة للحضارات العظيمة وللثقافات الكبيرة". والسبب هو وقوع الغرب في نوع من التمركز العرقي والثقافي قاده إلى الاعتقاد أنه الأفضل ، هنا يبرز ريكور وهم المركزية الثقافية الأوروبية بقوله:" إن كون الحضارة الكونية قد انبثقت منذ القديم عن بيت أوروبي غذى وهم أن الثقافة الأوروبية كانت من جهة الحق والأمر الواقع ثقافة كونية".
من الأسباب الأخرى التي جعلت ريكور ينبه من مخاطر الحضارة العالمية هي الإفراط في التصنيع وتخريب الطبيعة واعتماد المعالجة التقنية في كل شيء وإبداع وسائل التدمير الذاتي وتزايد أدوات الفتك بالنوع البشري وفي ذلك يقول:"إن الخطر النووي يزيد من وعينا بوحدة النوع البشري هذه بما أننا لأول مرة يمكن أن نشعر بأننا مهددون في أجسامنا وبصورة شاملة".
لقد ارتكبت الحضارة العالمية العديد من الأخطاء في تعاملها مع الثقافات القومية ومارست نوع من التنظيم العنيف للعالم وتعاملت مع البشر كأدوات تجارب ولم تحترم ما تحتويه خصوصياتهم من رمزية وانتهت إلى إخفاق سياسي وهيمنة اقتصادية وأججت النزاعات بين الثقافات والاحتقان بين الجماعات عبر عنه ريكور كما يلي:" إننا نشعر بصورة جيدة أن هذه الحضارة العالمية الواحدة تمارس في الآن فعل التلف أو التآكل على حساب الإرث الثقافي الذي صنع حضارات الماضي العظيمة".
من هذا المنطلق يتمثل الوجه السلبي للحضارة العالمية في تعميمها لحالة التصحر الثقافي ونشرها لنموذج الاستهلاك وحضارة البضاعة المجانية وما أدى ذلك من تهديد بعرقلة محاولات التحديث وتعطيل مشاريع الخروج من التخلف وطمس معالم الشخصية الوطنية والرفع من نسب الاستغلال الاقتصادي والاحتكار إذ ما يوجد" في كل مكان وعبر العالم هو الفيلم الرديء نفسه وآلات صرف النقود نفسها والأخطار ذاتها من مادة البلاستيك والألمنيوم. التواء اللغة الحاصل بالدعاية نفسه، الخ... كل شيء يحدث كما لو أن الإنسانية ببلوغها الجماعي ثقافة الاستهلاك تكون قد توقفت عند درجة من التخلف الثقافي".
يحذر ريكور من هذا المطب الكبير الذي قد تقع فيه الإنسانية عندما تتبنى خيار العولمة الاقتصادية دون احتراز أو نقد والذي يؤدي إلى الاحتكار الثقافي وإقصاء الغيرية وتبني نظرة متحفية خيالية للخصوصيات المباينة بقوله:" يمثل انتصار ثقافة الاستهلاك المتماثلة كونيا والمجهولة بالكامل الدرجة الصفر لثقافة الإبداع وستكون الريبية على صعيد كوني والعدمية المطلقة في انتصار الرفاه". إن العولمة لم تتمكن من التخفيف من معاناة البشر بل حاولت إقحام الأدوات بالقوة في المجموعات ومارست التحديث القسري والتعنيف الرمزية للدوائر الإتيقية وأحدثت تصادما بين الوقائع والمثل وبين القيم والوسائل.
إن الموقف الذي يتخذه ريكور حول هذه القضية واضح وصريح ويعبر عنه كما يلي:"ما برحنا وعلى نحو أكثر جدية منذ أن أعاد أدرنو وهوركيايمر تأويل فلسفة التنوير نشكك في كون هذه الحقبة فجرا في التقدم في الوجود الذي حظي بالاحتفال والتغني. وبداية حكم العقل الأداتي والقوة التي أعطيت لعقلنة إحكام القبضة على الدول باسم العالمية وقمع الاختلافات باسم الدعاوي البروميثوسية كل ذلك علامات ووصمات يراها الجميع على تلك الأزمنة الواعدة بالتحرير بطرق كثيرة."
إن اكتشاف التعدد الثقافي قد يوقع في الغربة ويسبب الضياع في العالم ويحيل الخصوصية إلى عالم الغيرية ويقترن اكتشاف الذات بفقدان الخصوصية مادامت هي نفسها إفراز من إفرازات التفاعلات بين عناصر غريبة عن بعضها البعض، وفي هذا يقول ريكور:"قد يصبح فجأة من الممكن أن يوجد أكثر من الآخرين وأن نكون نحن أنفسنا آخر من بين الآخرين".
" هناك قضيتان متميزتان أمامنا في هذا الشأن. الأولى هي الاعتراف بأن الهويات ذات بنية تعددية متينة وأن أهمية هوية واحدة لا تتطلب بالضرورة محو أهمية الهويات الأخرى" .
فماهي الاستتباعات المترتبة عن القول بالتنوع بين الثقافات القومية؟ هل يعني ذلك التخلي عن الطموح نحو بلورة قيم مشتركة وصناعة كونية إنسانية؟ كيف نتجنب اقتران الدخول في العقلانية العلمية والتقنية السياسية بالتنكر للقيم التقليدية والموروث الثقافي؟
4- خاتمة:
"الأمر الغريب حقا أنه توجد ثقافات ولا توجد إنسانية واحدة قط."
إن اللقاء الثقافات الأخرى يكون امتحانا خطيرا بالنسبة إلى أي ثقافة ومغامرة مخيفة ولكنه يكون مثمرا إذا ما وقع التحضير له وتهيئة الظروف لنجاحه وخاصة إذا ما كان ذلك نتيجة حب الاطلاع والتحمس لمعرفة القديم والحنين إلى الماضي وكان أيضا ثمرة من ثمرات العلم ذاته وممارستنا للتسامح تجاه الأغيار.
إن الفكرة المركزية التي تنشد إليها الرقاب المترددة بين الانتماء إلى الخصوصية والتطلع إلى العالمية هي أن تحالف الثقافات يكون الطريق الملكي نحو بلوغ الأفق الكوسموبوليتيCosmopolitique .
يعرف ريكور الثقافة بأنها مركب قيم وجملة تقييمات ويرى أننا إزاء عدة ثقافات وليس إزاء ثقافة واحدة وبالتالي نحن أمام تبدل للقيم والمعايير من ثقافة إلى أخرى وهو ما اصطلح عليه بالنسبية الثقافية، فهل يعني ذلك الدخول في العدمية واستحالة وجود معايير توافقية وأسس مشتركة بين الثقافات؟
إن خصوصية معينة يمكنها أن تتحمل ملاقاة الثقافات الأخرى وان اللقاء بين الثقافات يمكن أن يكون خلاقا وتوليديا ولا تلفيقيا غائما إذا ما توفرت مجموعة من الشروط وهي:
- محافظة كل ثقافة على قدرتها التجديدية من خلال احترام قانون التراكم الهادئ للأدوات والوفاء لنواتها الإبداعية وعدم الاكتفاء بتأويل الأشكال الرمزية الخارجية والطبقة السميكة من الصور.
- دور المثقفين في التجديد والإبداع وفي الانفتاح على الثقافات الأخرى والاستفادة من الوافد هو دور حيوي ومصيري إذ" يجب أن ينهض كاتب ومفكر وحكيم وروحاني لدفع ثقافة والمجازفة بها من جديد في مغامرة وفي خطر كلي."
- التشجيع على الإبداع الفني وتوفير الحرية اللازمة لتنمية روح معارضة المألوف والثورة على السائد والتخلص من الوعي الزائف وإحداث الصدمة والتضليل وصناعة الفضيحة، لاسيما وأن "الإبداعات الفنية الكبيرة تبدأ داوما ببعض الفضائح".
- تمكن ثقافة من امتلاك القدرة على استيعاب المعقولية العلمية والسيطرة التقنية على الطبيعة والتخلص من كل أشكال الخرافة والسحر وتحقيق الانسجام مع مظاهر التحضر وذلك بنزع القداسة عن الطبيعة واحترام الوقت وقيمة الحياة ووضع الإنسان في العالم وإدخاله في التاريخ. "وحدها الثقافة التي تكون قادرة على استيعاب المعقولية العلمية يمكنها أن تحافظ على بقائها وتولد من جديد ووحده الإيمان الذي يدعو إلى فهم الذكاء يمكن أن يقترن بعصره."
- الوفاء للأصول والإيمان بقدرات الذات على الاستمرار لا يعني الوقوع في استنساخ ثقاة الماضي وإنما الانطلاق منها واستثمارها من أجل التأصيل وإعادة البناء على أسس جديدة وممارسة إبداعية متفتحة ومرنة.
- التواصل بين الهويات البشرية ممكن لأن الذي يجمع بين الإنسان والإنسان هو أكثر مما يفرق خاصة إذا ما تشبث الجميع بالانتماء إلى النوع البشري كعروة وثقي وكان رهان الجميع هو إثبات إرادي لهوية الإنسان، لاسيما و"أن غرابة الإنسان عن الإنسان ليست غرابة مطلقة".
- أهم وسيط بين الثقافات هو الترجمة لأنها الكفيلة بتحقيق حسن الضيافة اللغوية بين الإنية والغيرية وتأويل العلامات اللغوية والتراثية لخصوصية معينة إلى كل لغات العالم وكما يقول بول ريكور هاهنا:"الاعتقاد في إمكانية الترجمة هو الاعتقاد في إمكانية التواصل".
- الوسيط الثاني بين الثقافات هو القدرة على التأويل والفهم بالتعاطف والتخيل للثقافات الأخرى وذلك بالانفتاح على الغيرية واعتمادها كشرط وجودي لمعرفة الذات،وذلك بأن" أكون آخر في نفس الوقت الذي أبقى فيه أنا نفسي".
- اعتماد اتيقا النقاش بين الكائنات العاقلة وخوض تجربة حوار عميقة بين الخصوصيات من تحمل اللقاء وإضفاء معنى عليه من أجل تحقيق التقارب الإبداعي والتفاهم السلمي بين كل الفرقاء الذين يوجد بينهم تناغم أصلي إذا ما كان غائب عنهم أي اتفاق.
- يجب ألا يتحول الوفاء للخصوصية إلى حالة من الاغتراب في الجذور وتقوقع على الذات ودوران فارغ حول المنابع الأصلية والإيمان بان اللقاء المثمر مع الآخر هو من قبيل الإمكان التاريخي وليس مجرد حلم طوباوي .
- بناء الذات هو المقام الأول ونقط الارتكاز الأصلية في كل حوار بين الذوات وتحالف بين الخصوصيات والتقاء للثقافات لاسيما وأنه"لكي يكون لنا آخر غير ذاتنا يجب أن يكون لنا ذات".
خلاصة القول أن الثقافة الحية الوفية لجذورها التي تعيش حراكا إبداعيا أدبيا وفلسفيا هي القادرة على تحمل اللقاء بالثقافات الأخرى وتتجنب التصادم والمجابهة وإحداث بواعث خلاقة وتخاصب دلالي منتج.
كما أن راهنية التقاء الثقافات اليوم لا ترتبط بالتلفيقية الغائمة أو تقع في ممارسة الإسقاط التاريخي بل التغلب على النزعة الريبية التي تفضي إليها النسبية الثقافية وعلى دغمائية الحقيقة الواحدة التي يقودنا إليها منطق الملة والتفكير في تخطي عتبة الحوارات الجدية والحقيقية بين الجميع من أجل مقاومة صدمة الغزو والهيمنة وحل مشكلات التواجد ضمن رؤية فلسفية تكون بمثابة خلاصة تجارب الشعوب.
عندئذ "يجب أن أقابل التلفيقات الغائمة بالتواصل أي بعلاقة درامية أثبت فيها ذاتي في منبتها بالتناوب واستسلم لخيال الآخر وفق حضارته المغايرة". لكن لماذا اشترط ريكور العودة إلى الأصول الإغريقية والعبرية المسيحية حتى يكون المفكر الأوروبي الغربي مخاطبا كفئا في الحوار الكبير للثقافات؟ ألا يعيدنا هذا الشرط إلى الانغماس في التراث والتشبث بالهوية التطابقية أم أن الأمر يقتضي تفقد الذات وإعداد الهوية التنوعية الاختلافية المغرمة بالتواصل مع العالم الخارجي؟ وكيف يفضي هذا التواصل إلى تشييد المشترك العمومي القادر وحده على ضمان الحق الكوسموبوليتي؟
المراجع:
Emmanuel Levinas, in Anthologie, les grandes questions de la philosophie, Textes réunis et présentés par Marie-Reine Morville, Delagrave Edition, 2001
Edmund Husserl, méditations cartésiennes, traduction Emmanuel Levinas, Vrin poche, réédition en 2000.
John Locke, Identité et Différence, Coll-point 1988.
Hervé Marchal, l’identité en question, Ellipses Edition Marketing S.A.2006
Paul Ricœur, Histoire et vérité, Editions, Le Seuil, Paris, 1955.
إدوارد سعيد، الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عنائي، دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة 2006
أمارتيا صن، الهوية والعنف، وهم المصير الحتمي، ترجمة سحر توفيق، عالم المعرفة 352 يونيو 2008.
آدم كوبر، الثقافة، التفسير الأنثربولوجي، ترجمة تراجي فتحي، سلسلة عالم المعرفة عدد349 مارس 2008.
بول ريكور: الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى بيروت.2005.
بول ريكور، الزمان والسرد، الزمان المروي، ترجمة سعيد االغانمي ، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت، طبعة 2006.
كريستوف فولف، علم الاناسة، التاريخ والثقافة والفلسفة، نقل أبو يعرب المرزوقي، الدار المتوسطية للنشر. الطبعة الأولى2009 .
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-02-23

yyy


فن التأويل أهو القادم على غير أهله أم إحسان النص الصنع بنفسه؟
زهير الخويلدي
"لقد مات التأويل ونشأت التأويلات"
"إن الإقرار بأن كل فهم يتضمن حكما مسبقا هو إقرار يمنح المشكلة الهرمينوطيقية قوتها الحقيقية"
ما من شك في أن قضية التأويل هي من أعقد المسائل وأكثرها إثارة للجدل عند القدماء والمحدثين على السواء وذلك لارتباطها بمحاور على غاية من الأهمية وتأثيرها في مواضيع حساسة يتداخل فيها الدنيوي بالمقدس والفقه بالسياسة والأخلاق بالعلم والتنظير بالتطبيق وأزمات السلطة بطموحات الرغبة.
ومن البين أن الحديث عن فكرة التأويل وتطور المفهوم والتطرق إلى مناهج البحث فيه من طرف مختلف الاتجاهات الفكرية مهما تفرقت مشاربها لم يعد أمرا مخفيا ومتعذرا أو مؤجلا بل صار حديث الساعة ومطلبا حيويا وحاجة أكيدة وذلك للأخذ بالأيادي المنتجة وإضاءة عقول الناس حتى يتمكنوا من فهم أمور دنياهم ويتدبروا شؤون عالمهم ولمساعدتهم في سعيهم للكشف عن مواطن الخلل في نظرتهم إلى أنفسهم والى من حولهم وتفادي الوقوع في الأخطاء التفسيرية لنصوصهم وأيضا من أجل شد أزرهم في عملية البحث عن حلول مناسبة لمشاكلهم الصعبة وتحدياتهم المستعصية.
ولا تحاول الهرمينوطيقا بماهي فن في التأويل الوصول إلى الفهم الصحيح للنصوص المقدسة كما يتبادر للأذهان فحسب بل هي تجعل من كل التجارب التي يخوضها الإنسان في حياته نصا وتعمل على تحويل هذه النصوص إلى أفعال وحركات ثورية في التاريخ ومقامات وجود وتتيح فرصة التأمل الناضج والعقلاني لكل دين وتقترح إصلاحا مناسبا للطرق التربوية والمناهج التفسيرية . كما أن هذه الصناعة الشريعة والفكرة اللطيفة تسعى إلى مواكبة التطور الثقافي وتتكيف مع التغير الذي يطرأ على نظرة الإنسان إلى الكون وتدعو إلى ضرورة الانفتاح على المستجدات وتشارك في كل توجه يقصد بناء الحضارة ويرتقي بالفكر نحو معايشة الواقع والتعبير عن جوهر التغيير المادي والنفسي والأخلاقي. والجدير بالملاحظة أن التأويل شهد تطورا كبيرا في العصر الحديث في جهازه المفاهيمي وأسانيده المرجعية وعرف اجتهادات كبيرة تمكنت من عرض المقاصد والمعاني على محك التثبت التجريبي وتنزيل النصوص في السياق الملائم لها والاهتمام بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية وفك رموز الجوانب الأسطورية والقصصية والتخييلية والاعتبار من وجوه التصوير والإعجاز وأسرار التكليف واستيضاح المراد من الاستخلاف.
لكن لو أمعنا النظر مليا واستنطقنا الأمر وقلبناه على جميع وجوهه نجد حقيقتين ساطعتين:
- أن علماء التفسير يمارسون التأويل بصورة مذهبية ودون أن يعتمدوا على نظرية علمية ويقدمون على الفتوى الفقهية والحكم القضائي دون فلسفة تأويلية ويقعون في الخلط بين فن التأويل وعلم الإعجاز وعلم البيان.
- نظرية التأويل الحالية تعاني من عدة مشاكل ووقعت في جملة من المآزق التي جعلتها تدور في فلك المدونة التقليدية وتخلع صبغة عقل جديد على منهج قديم وترتكز على تعديلات طفيفة تخص النواحي الأسلوبية اللغوية ولا تمس الأسس والمبادئ والمنطلقات.
على هذا النحو أثير حول قضية التأويل عدة شبهات وبعض الإحراجات وشاع ذكر عن أزمات سلطوية تخص التأويل وسجال التفاسير ومتاهات القراءة وحدود التأويل واتفق الجميع على أمر حاسم هو التالي: ليس هناك وقائع أولية بل تأويلات أولية، وهو ما يعني لانهائية التأويل ووجاهة كل تفسير.
لهذا السبب نرى اليوم التأويل يتراكم إلى حد أننا نشعر بالدوار وأصبحنا نعاني تخمة التفاسير وهو مرض ولد أشكال من الفهم المسبق ونقص في الفهم أنتجت بدورها مشاحنات اجتماعية وسوء تفاهمات بين الثقافات وكل ذلك يرجع إلى واقع هرمينوطيقي صريح وهو موت التأويل وقيام التأويلات. فهل هذا الواقع يعكس اعتلال فكري أم ظاهرة صحية؟ هل يجوز أن نبحث اليوم عن تأويل صحيح للحدث وعن معنى حقيقي للكلام؟ إلى أي مدى يكون البحث عن أرغانون للتأويل ممكنا ومشروعا؟ وما الفرق بين التفسير والتأويل وبين والتطبيق؟ وكيف تحول التأويل إلى فن يبحث في فهم النص بشكل عام من جهة طبيعته وعلاقاته بمحيطه الثقافي وبمنشئه الاجتماعي والقارئ المتلقي؟هل الحكام المسبقة عائقا أمام التأويل وسببا في الوقوع في الدائرة الهرمينوطيقية أم أنها شرط للفهم وأحد العوامل المؤدية إلى إعادة الاعتبار للتراث؟ وهل يوجد سبيل يمكن أن ينير لنا الطريق نحو حل إشكالية الفهم بإطلاق المعنى والاعتماد على فن قائم الذات يعمل على منهجتها وتنظيمها؟ و لما كان الفهم تاريخيا أليس من التناقض أن نرفعه إلى مرتبة المبدأ الهرمينوطيقي الأول ؟ وإذا كنا أمام تعدد التأويلات فهل يعني ذلك استحالة بلوغ بعد كلي للهرمينوطيقا؟ هل يمكن أن تكون اللغة بماهي تجربة رمزية لوجود الإنسان في العالم أن تكون الأفق الذي تدور حوله الهرمينوطيقا الأنطولوجية؟
إن ماهو في ميزان الفكر الهرمينوطيقي هو الابتعاد قدر الإمكان عن التأويل الباطني المذهبي والتخلي عن كل ضروب الزيغ في القلب والمرض في النفس والعمل على رسم بأحرف من ذهب لمنحى جديدا في الفهم أكثر انفتاحا وتجددا وذلك بالتيقن من قدرة العقل البشري على التوفيق بين مصالحه وما يحتاجه من ينابيع شرعية يحقق فيها الخير والصلاح للكائن الآدمي. وكما يقول غادامير:"إن المسألة ليست مسالة إحكام أو صيانة أنفسنا بمقابل التراث الذي يعبر عن نفسه من خلال النصوص بل هي على العكس مسألة استبعاد أي شيء يمكن أن يمنعنا من فهم التراث بمقتضى موضوعه" .
إن الهرمينوطيقا تشكلت من التفكير في فن تأويل النصوص وبحث العلوم الإنسانية عن تفهمها لذاتها وشروط عقلانيتها وقد أصبحت عن طريق كل من ديلتاي وغادامير وريكور فلسفة كونية في التأويل.
غير أن الإشكاليات التي تظل قائمة في قلب القضية الهرمينوطيقية نفسها هي: ما الفرق بين التأويلية والهرمينوطيقا؟ وهل يجوز الحديث عن علوم هرمينوطيقية أم عن فلسفة تأويل؟ وكيف انتقل شلايرماخر من هرمينوطيقيات خاصة إلى هرمينوطيقا عامة؟ ولماذا ارتبطت الهرمينوطيقا مع ديلتاي بالحياة ونقد العقل التاريخي وتطبيق منهج علم نفس الاستبطان؟ وما دلالة المنعطف الوجوداني للهرمينوطيقا الذي أحدثه هيدغر؟ وكيف تمكن عن طريق هرمينوطيقا جديدة للفهم من تخطي هرمينوطيقا الحدثية لسنوات الشباب والوقوع في قبضة الدائرة التفهمية؟ ثم ما سر الهجوم الكبير الذي شنه غادامير على المنهجانية العلموية؟ وهل يحق له أن يجعل من الفن نموذجا لحدث الفهم؟ وكيف استطاع أن يستثمر شغل التاريخ في الوعي وانصهار الآفاق من أجل جعل اللغة هي ثيمة وعماد اكتمال الهرمينوطيقا؟ وهل يخول له إعادة الاعتبار للتراث جعل الحكام المسبقة هي شروط إمكان الفهم؟ لكن ما قيمة هرمينوطيقا غادامير في ظل نقد الإيديولوجيات التي أخضعه لها هابرماس الوريث البعيد للنقد الاجتماعي عند مدرسة فرانكفورت؟ وما علاقة الهرمينوطيقا بالغراماتولوجيا عند دريدا؟ وها يمكن أن نخضع فن التأويل إلى عملية تفكيك؟ وضمن أي إطار يمكن تنزيل محاولة الايطالي بيتي الطامحة إلى العثور عن قانون للتأويل؟ وكيف روض رورتي الهرمينوطيقا بواسطة تقنية براغماتية جديدة ترتاب من وضع الحقيقة وتسخر من عصمة العقل؟ وألا يوجد تناقض في ادعاء جيانو فاتيمو حول إمكانية قيام عدمية هرمينوطيقية؟ لكن ما سر الاقتران العجيب الذي حدث مع بول ريكور بين الفنومينولوجيا والهرمينوطيقا؟ وكيف انقدحت له في ذهنه واقعة سجال التآويل؟ وهل يجوز الحديث عن فنومنولوجيا هرمينوطيقية للإنسان القادر؟ وهل هي هرمينوطيقا الارتياب كما هو الشأن مع أقطاب الظنة نيتشه وماركس وفرويد أم أنها هرمينوطيقا الثقة والوعي التاريخي؟ ألم يرتبط مصير الهرمينوطيقا بقدرة ريكور العجيبة على وضع مهارات التفسير والتأويل والفهم في دائرة توليدية تنتج المعنى عن طريق الاشتغال على نص بفعل القراءة؟
بيد أن المعضلة الكبرى التي استعصت على المؤولين وأشد الإشكاليات التباسا بالنسبة للمفسرين هي أوجه الكونية في القضية الهرمينوطيقية في ظل رسم حدود للتأويل والإقرار بأن الفهم هو مجرد فهم مسبق. فمن أين يستمد القول الهرمينوطيقي طموحه نحو بلوغ الكونية؟
المرجع:
Jean Grondin, L’Herméneutique, éditions PUF, 2006.
هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للطباعة والنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، طرابلس، ليبيا، طبعة أولى 2007.

كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-02-15

yyy

 



"إن السوسيولوجيا تزداد قوة كلما ازداد النقد الفلسفي صرامة وان الفلسفة لا يمكنها أن تقوم قومة حقيقية إلا إذا امتنعت السوسيولوجيا عن إضفاء المشروعية على كل أشكال التحريض ضدها".
يعتقد البعض في وجود تنافس على الشرعية بين العلوم الإنسانية والفلسفة وخاصة بعد تحطم الشجرة الديكارتية واستقلال العلوم عن الفلسفة ويعزز مثل هذا الرأي منطقه بأن التفكير الفلسفي المعاصر صار تساؤليا مضاد للنسقية وأن الفلسفة لم يعد لها أي موضوع تهتم به غير اللانهائي والكليات والمطلق، بينما انقسمت العلوم الإنسانية أبعاده المتبقية ولكن مثل هذا الرأي متسرع ويفتقد إلى الدقة الضرورية لاسيما وأن الفلسفة حافظت على علاقة معينة مع الواقع الاجتماعي وخاصة في قسمها التطبيقي وظهر ذلك جليا مع مدرسة فرنكفورت النقدية وفكر 68 ، كما السوسيولوجيا لم تغيب كليا المفاهيم والمناهج الفلسفية من دائرتها واستخدمتها كآليات معالجة لمواضيعها.
من هذا المنطلق ليس كل تحليل اجتماعي للنظريات الفلسفية هو إعلان لإفلاسها وحفر لقبرها وليس كل بحث سوسيولوجي عن الممارسات والمؤسسات الفلسفية هو هجوم على الفلسفة والفلاسفة بل إن الاعتراف بالمنزلة الاجتماعية للفلسفة ينطوي على فلسفة بكاملها وان تبني الفلاسفة لاستراتجيات السوسيولوجيا هو تأكيد على لزوميتها كعدة منهجية لفهم ما يحدث للإنسان في العالم المعاصر .
إن الفلسفة الاجتماعية لا تكون أشد وضوحا إلا في العلاقة التي يؤسسها الفلاسفة مع التاريخ الاجتماعي وان فلسفة تاريخ الفلسفة هي بحد ذاتها سوسيولوجيا فلسفية وفلسفة خالدة والخلود الذي تزعمه القراءة التي تبعث الحياة في الأعمال الفلسفية هو نفسه ثمرة التزام تاريخي يتكرر دائما وفي هذا الصدد ذكر هيجل في دروسه عن تاريخ الفلسفة:"بما أن هؤلاء المؤرخين يفتقرون إلى الفكر الفلسفي فكيف يمكنهم أن يدركوا التفكير المعقول ويستحضروه؟'.
إن الفلاسفة إذا لم يتمكنوا من إيجاد قاعدة اجتماعية لأفكارهم فإنهم يتحولون إلى كائنات اخف من الملائكة وفئة مثقفة لا تجمع بينها روابط ولا تنشد إلى جذور. كما أن علماء الاجتماع غير معنيين بمعالجة المشاكل الفلسفية الميتافيزيقية مثل الوجود والذات والواحد والمطلق ولكنهم قد يفقدون صفة العلمية إذا ما عجزوا عن تحويل مثل هذه المعضلات إلى مشاكل قابلة لأن تعالج معالجة سياسية. لكن لماذا لم يجعل دعاة الفلسفة أفكارهم والتوظيفات الاجتماعية لهاته الأفكار موضوعا لسوسيولوجيا المعرفة؟ وماهو السبب الذي منع علماء الاجتماع من أن يجعلوا من تحاليلهم عن السلطة والرغبة والصراع والقرابة منزهة عن كل رغبة ومنفلتة من كل سلطة ومتعالية عن كل صراع وغير متحيزة لأية قرابة؟
إن الفلسفة ليست من أهم الوسائل المعرفية للتخلص من العمق الاجتماعي والتبري من حراك التاريخ بل هي عراك ميداني مع الوهم ونهوض اجتماعي نحو سياسة الحقيقة وإن الفيلسوف المنحدر من عامة الناس والمرتقي إلى النخبة الفكرية بفضل مجهوده النظري لن يبلغ درجة الوعي النقدي إلا إذا فضح كل أشكال الاغتراب النخبوي والتزم أشد التزاما بقضايا الناس الذين ينحدر منهم ويكرس حياته من أجل خدمتهم. كما أن السوسيولوجيا ليست تناول الظواهر الاجتماعية بالتشريح الطبي المحايد والأيادي النظيفة بل هي إمساك بأشياء الناس بالأيادي الحقيقية ورؤية مباشرة للأحداث الملموسة وان علماء الاجتماع هم حملة حرية وصناع أمل وعمال حقيقة وليسوا خدمة مؤسسات ولا أصحاب ولاءات أو وحراس سلطات.
إذا أرادت الفلسفة أن تتخلى عن الأوهام فينبغي عيها أن تبادر بدراسة أشكال الصراع الاجتماعي وان تحشر نفسها في ذلك الصراع من أجل الوقوف إلى جانب الفئات الأقل حظا والانتصار إلى قيمها الكونية. إن الفيلسوف الذي يترقب التسميات وينتظر الوظائف له كائن غير فلسفي وإنسان بائس وما أشد بؤس الإنسان إن ظل دون مهمة ودون سند اجتماعي وان غاب عن علمه أن" الوظائف الاجتماعية هي أوهام اجتماعية" مثلما ذكر بيير بورديو في كتابه "الرمز والسلطة" خاصة وأن طقوس المؤسسة هي التي تجعل من يعترف بها ويدخلها أستاذا أو مديرا أو خبيرا.
كما أن وجود السوسيولوجي لا يخلو من تناقض فهو يصدر قولا نافذا يحدد ماهية القول النافذ ويلقي درسا حول الحرية يصلح نموذجا لكل الدروس ولكنه يفعل ذلك باستغلال مركز النفوذ الذي تقلده في المؤسسة ولن يكون أبدا منطقيا مع نفسه ومنسجما مع قوله ودرسه بل مع نظام المؤسسة ومنطقها.
ما نلاحظه أن الفلسفة ما انفكت ترد الوقائع الاجتماعية إلى كائنات نظرية وأن السوسيولوجيا لم تنقطع عن رد الكائنات النظرية والأفكار المجردة إلى أشياء مادية ووقائع اجتماعية ورغم ذلك حققت السوسيولوجيا قطيعة مع الفلسفة التلقائية للتاريخ ومع الرؤية الشائعة للميدان الاجتماعي واقتدرت على تحليل الظواهر التاريخية طويلة الأمد وطبقت المنهج الفلسفي على الأنظمة الرمزية والمنظومات الدقيقة.
من البين إذن"أن السوسيولوجيا هي فن التفكير في أشياء تظهر مختلفة فيما بينها من حيث أنها متشابهة في بنيتها وطريقة عملها". وواضح أن العلاقة بين الفيلسوف والسوسيولوجي هي علاقة انعكاسية بحيث يعرض السيوسيولوجي أبحاثه على محك النقد الفلسفي ويخضع الفيلسوف ذاته لحكم المقاربة الاجتماعية والانعكاسية عند بيير بورديو تتمثل في كونها "تجعل الباحث يستعمل الاكتشافات المترتبة على ممارسته العلمية ليغربل دوره وليكشف العوامل الناتجة عن تاريخه الشخصي التي تشرط حاله كذات مفكرة والتي تؤثر على ممارسته العلمية وتشوش رؤيته للمجتمع بدون وعي في غالب الأحيان. ولذا يعد التحليل الانعكاسي شرطًا لا غنى عنه لكل ممارسة علمية حقيقية"..
هكذا تزداد الفلسفة تركيزا وتطورا كلما ازدادت السوسيولوجيا سعة وعمقا وهكذا تتولد القيم الفلسفية من الوقائع الاجتماعية كلما نجحت الفعالية التاريخية في ترجمة الأفكار الفلسفية إلى قوى إنتاج محركة للميدان الاجتماعي. فإذا كان المجتمع يخدع نفسه على الدوام وإذا كانت الفلسفة مجرد محاولة سياسية للتصرف في شؤون الحقيقة فإن الواقع التاريخي لا يرحم ذوي النزعة الإرادية الطوباوية ويحكم بالفشل على كل القلوب الطيبة ويبقي على المطمح السحري للكائنات التراجيدية بالرغم من تعرضها لأكثر أشكال الابتلاء التاريخي قسوة.
بقي أن نشير إلى أنه إذا كانت هناك حقيقة فلسفية فهذه الحقيقة هي مدار صراعات اجتماعية وهذا الصراع هو وحده الشاهد على تقدم الحقيقة الفلسفية. لكن كيف نصنع السوسيولوجيا ضد سلطة الفلسفة ونصنع الفلسفة بتمكين السوسيولوجيا من سلطة المعرفة؟ وهل من سبيل إلى قيام سوسيولوجيا فلسفية؟
المرجع:
بيير بورديو ، درس في الدرس، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الدار البيضاء 1986.
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-02-10

yyy


 
"لا خير في أمة عارية تكتم فقرها ولا خير في شعب جائع يظهر الشبع وشر من كل ذلك أمة تقتني أثوابها من مغاور الموت ثم تخرج في نور النهار متبجحة بما تلبس من أكفان الموتى وأكسية القبور."
كثر الحديث هذه الأيام عن الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي في ذكرى مرور قرن على ولادته وتجادل الناس حول منزلته وآثاره ومخلفاته وما أحدثه من تأثير في الثقافة العربية. وقد ألف في الغرض عدة كتب ونظمت عدة مسابقات وتوج بالمناسبة عدة نقاد وباحثين. ودار الكلام حول الشعر والنثر والعقل العربي والهوية والأمة والملة من جهة التكوين والبنية والطباع والمقومات والمؤثرات والمنتجات. وقد تعددت المقاربات والمشاريع والدراسات التي تشرح أنظمة خلايا الدماغ العربي من جهة المعرفة إلى برهان وبيان وعرفان ومن جهة الوجود إلى أعيان وأذهان وأسماء ومن جهة السياسة إلى عقيدة وغنيمة وقبيلة ومن جهة الأخلاق إلى طاعة وسعادة ومروءة. ولقد نادي بعض المفكرين بإحداث قطيعة معرفية وتحول أنطولوجي من أجل الشروع في التحديث والعصرنة ونادي كتاب آخرون بالحداثة الشعرية والعولمة الثقافية واكتفى قلة من الساسة بالمطالبة بالإصلاح السياسي والدخول في المنعطف الديمقراطي.
غير أن الحيرة المقضة تداهم الفكر والاستغراب يخامره ويتيه في فوضى المفاهيم ونقد النقد ويغطس الفهم في طبقات التفاسير وسجال التآويل وتغيب عنه استراتيجية التسمية ويغفل عن دروب التعقل والحكمة. لكنه ينتبه إلى أن البحث عن الإصلاح بالشعر والتلويح بالثورة بالكلمة والتحريض على الحياة بالقصيدة لم يكن وليد اللحظة الراهنة فحسب وشغل كتاب هذا الزمان المعولم بل تضرب جذوره في الماضي القريب وكان من اهتمام الشعراء والأدباء الذين ارتبطت تجاربهم وملحماتهم بمقاومة الاستعمار ومحاربة الجهل.
لعل أبو القاسم الشابي ( 1909-1934) هو واحد من هؤلاء المبدعين الذين شاؤوا ألا ينصرفوا من الحياة دون أن يخلدوا بأعمالهم البطولية ودون أن يذكرهم التاريخ. لقد أصبح شاعر الجريد والخضراء أحد القمم الشعرية العربية التي بحثت في الروح العربية من جهة طبيعتها الخاصة ومؤثراتها ومنتجاتها ودرس الذهن العربي والمزاج العربي والعقل العربي والنفسية العربية.
إن الأمر لم يقتصر على تضمين ذلك في قصائده وأشعاره وخاصة أغاني الحياة بل في مؤلفه البديع : "الخيال الشعري عند العرب" الذي ألقي في شكل محاضرة بقاعة الخلدونية عام 1929 والذي مازال في حاجة أكيدة إلى المزيد من التمحيص والتنقيب والبحث قصد استخراج درره اللماعة وكنوزه المخفية.
إن رهان الشابي الأول في هذا النص ليس مجرد الجمع بين الانتماء للوطن والدفاع عن الأمة وذلك بضبط العلاقة بين الشعر والسياسة ولا التنظير لفلسفة الثعبان المقدس بل الوصول بالشعرية إلى أعلى درجات التنظير بالشرح والبيان والتعليل حتى تترسخ القيم البطولية في النفوس وتدخل إلى قلوب الشباب الناهضة وتحقق الاستنارة في العقول وتخاطب فيهم روح الفتوة والحماسة ويسلك بهم سبيل إرادة الحياة.
لقد عبر الشابي عن هذا الإصرار على النهوض في نشيد الجبار أو هكذا غنى بروميثيوس بقوله:
سأعيش رغم الداء والأعداء كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة...، هازئا بالسحب والأمصار والأنواء...
وأقول للجمع الذين تجشموا هدمي وودوا لو يخر بنائي...
إن المعاول لا تهد مناكبي والنار لا تأتي على أعضائي
فارمو إلى النار الحشائش والعبوا يا معشر الأطفال تحت سمائي.
تضطرم نار الثورة في قلب الشاعر الشاب وتنبثق فصول الملحمة الوطنية بقوله في هذا الإطار:"لقد أصبحنا نتطلب حياة قوية مشرقة ملؤها العزم والشباب، ومن يتطلب الحياة فليعبد غده الذي في قلب الحياة...أما من يعبد أمسه وينسى غده فهو من أبناء الموت وأنضاء القبور الساخرة."
وواضح هنا أن الشابي يحسم أمره بشأن الصراع بين أنصار التقليد واستنساخ الماضي وتقديس الميراث من جهة وأنصار التجديد واستشراف المستقبل وينتصر إلى المعسكر الثاني على حساب المعسكر الأول. ويفسر الشابي وقوع العرب بين براثن التقليد بعوامل الوراثة وهيمنة الفكرة الدينية في فهم الأدب وعدم اطلاع العرب في العصور الماضية على آداب الأمم الأخرى ولتجاوز هذه الحالة من الانحطاط يعترف بأن العرب قد خاضوا غمار الخلق والإبداع وبلغوا الآفاق في المجالات الثلاثة التالية وهي الشعر القصصي والشعر السياسي والشعر الطبيعي ويذكر الأسلوب الأندلسي على سبيل المثال.
لئن اهتم الشابي بالخيال من جهة النشأة والمعنى وبحث في ظروف انقسامه وأنواعه وربط بين الخيال الفني والصناعي من ناحية والخيال الشعري والرمز من ناحية أخرى فإنه اهتدى ببراعة إلى الأيقونات الأربعة وهي الأسطورة والطبيعة والمرأة والقصص وعدها المكونات المضمونية للخيال الشعري عند العرب وحدد الروح العربية بثلاثة خصائص مميزة وهي: الخطابة من جهة الطابع وشيوع النزعة المادية من جهة العوامل والإكثار من الترحال من جهة المؤثرات ، وأكد أن الأدب العربي ينفرد بأسلوبه وروحه ومعناه عن آداب الأمم الأخرى.
اللافت للنظر أن الشابي يؤرخ لأربعة أدوار للأدب العربي وهي الدور الجاهلي والدور الأموي والدور العباسي والدور الأندلسي ويميز الدورين الأخيرين ببروز الشعر الطبيعي ولكنه يحرص على تحديد مفهوم الأدب على النحو التالي:
1- الأدب هو صوت الحياة الذي يهب الإنسانية العزاء والأمل ويرافقها في رحلتها المضنية المتعسفة في صحراء الزمن.
2- الأدب هو المعزف الحساس الذي توقع عليه البشرية مراثيها الباكية في ظلمة الليل وأناشيدها الفرحة في نور النهار.
من هذا المنطلق نراه يستشهد بديك ونسي القائل:"ان الأدب الذي لا يعب من غيره لابد أن يدركه الهلك ويفنى". كما أنه يعتبر شعراء العربية" لهم روح قوية مضطرمة شاعرة تنظر إلى الطبيعة كلها ككائن حي يترنم بوحي السماء فيثير في حنايا النفوس ما تثيره آنات القيثارة في يد الفنان الماهر من هواجع الفكر وسواجي الشعور، هذه الروح اليقظة التي تحس بما في فلب الطبيعة من نبض خافق وحياة زاخرة تفيض على مظاهر الكون هذا الجمال الإلهي المضيء فإذا الحياة بأسرها صورة من صور الحق وإذا العالم كله معبد لهذه الحياة."
هكذا يكون الشاعر عند الشابي ذلك الثائر على الأوضاع المتردية الباحث عن الخلق والإبداع والذي يريد الحياة ويحمل على الظلم وليس مجرد خطيب أو متقول كلام وفي ذلك يصفه بأنه:"رسول الحياة لأبنائها الضائعين بين مسالك الدهر وليس خطيبا ينظم ما يقول."
لكن الإشكال الذي يظل قائما هو كيف نستعيد روح الشابي وفكره دون السقوط في التصور الموميائي المحنط للشخصيات ودون البقاء حيث بارح موضعه فتيا؟ وكيف نجمع بين الولاء للوطن دون افراط والوفاء للأمة دون تفريط؟
المرجع:
أبو القاسم الشابي ، الأعمال الكاملة، الدار التونسية للنشر، الطبعة الأولى 1984
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-02-02

yyy

محاورة أيون الأفلاطونية
أو الينبوع الفلسفي الأول للهرمينوطيقا 

"فما زال التأويل هو أصعب جوانب فني بكل تأكيد. وإنني لأرى في نفسي القدرة على أن أتحدث عن هوميروس أفضل من أي شخص آخر."
ارتبط اسم الهرمينوطيقا بهرمس رسول الآلهة أولمب في الميثولوجيا الإغريقية الذي ذكر أنه ينقل الرسائل من زيوس كبير الآلهة وينزل بها من العالم السماء إلى مستوى البشر في الأرض فكان بالتالي خير وسيط بين عالم السر الغيبي وعالم العلن المرئي ولكنها ارتبطت أيضا بالتفسيرات الهيمورية (نسبة إلى الشاعر هوميروس) وكتابي العبارة وفن الشعر لأرسطو ، ولكن محاورة أيون لأفلاطون هي أيضا من الينابيع الصافية التي نهل منها مؤسسي هذا الاختصاص النبيل الذي سمي منهج تفسير النصوص الدينية أو نظرية في التأويل أو فن في الفهم.
ربما من فضائل محاورة أيون الأفلاطونية- المشكوك في صحة نسبتها إليه- أنها أرست التقاليد الأولى السؤال الهرمينوطيقي حول الجدارة والصناعة بالنسبة إلى الراوي وطرحت الأدوار التي يلعبها المؤلف والقارئ وسلطة النص والسياق الاجتماعي الذي تشكل فيه وبحثت في قضايا المعنى والحقيقة والطبيعة والقيمة والإنسان وما يضطلع به من مسؤولية في الحياة. ولعل أهم إشكال مطروح منذ البداية في هذه المحاورة هو: ما علاقة تصور أفلاطون للهرمينوطيقا في محاورة أيون بتصوره للغة ولطبيعة العلاقة بين الكلمات والأشياء في محاورة الكراتيل؟ وهل أن الخطاب الهرمينوتيقي يقتصر على مجال اختصاص معين دون آخر أم أنه خطاب كوني يتناول جميع التجارب الحياتية وكل الحقول المعرفية دون استثناء؟ بأي معنى نتحدث عن كونية الخطاب الهرمينوطيقي؟ وهل يمكن للهرمينوطيقي أن يرتقي إلى مرتبة الفيلسوف؟ بأي معنى نسند حرفة الفهم والتأويل إلى الشعراء في حين أن أفلاطون أطردهم من المدينة في محاورة الجمهورية لابتعادهم عن الحقيقة واتقانهم فن الكذب والخداع؟
لم ترتبط الهرمينوطيقا عند أفلاطون بالتلاوة الشفوية وبشرح النصوص ولا بالترجمة من لغة أجنبية إلى لغة متداولة ولكنها تنطلق منذ البدء من التجربة اللغوية بماهي علامة على وجود الإنسان في العالم وتستشكل المسألة في فضاء المهرجانات والتباري بالقصائد حيث العلاقة متوترة بين الباث- الراوي والمتقبل- الجمهور وحيث الرسالة تخفي المطلوب وتطلب من المتفرج قدرة على فك الرموز من أجل تحصيل الفهم. يؤكد أفلاطون على أن الهرمينوطيقا فن وأن الماهر فيها هو الذي يظهر في أحسن صورة ويجعل من المعنى هو مقصده الأسنى بقوله على لسان سقراط:" إن فهم هوميروس ليس مجرد حفظ كلماته عن ظهر قلب، ولن يتسنى لإنسان أن يكون راوية قصائد ملحمية ما لم يفهم المعنى الذي يرمي إليه الشاعر لأن الراوية ينبغي عليه أن يؤول عقل الشاعر لمستمعيه. وما كان له أن يؤوله حق تأويله ما لم يعرف ما يعنيه."
إن الهرمينوطيقا ترتبط بالشعر والرواية وتتطلب الإتقان في الحديث عن الآخرين وحسن التقديم والقدرة على بلوغ درجة الاتحافات الهومرية والمهارة في تأويل نقاط الاتفاق بين سائر الشعراء. منذ اللحظة أولى يظهر الهرمينوطيقي كرجل اختصاص ومتبحر في قطاع معين وهو ما يختلف عن الفيلسوف كباحث عن الكلي ومدعى المعرفة المطلقة التي تشمل المؤتلف والمختلف بين المجالات جميعها.
إن الفن الحقيقي هو الذي يكون أبعد عن التمويه والخيال قريبا من الحق والجمال والخير وبالتالي ينبغي أن يكون الشعر متجها نحو حث الإنسان على فعل الخير ويصور المرء بشكل ملائما ويجعله قدوة لغيره، كما أن الحب هو القوة الفنية الإبداعية والخالقة التي يشترك فيها الفن مع الفلسفة.
الإشكال الذي يعالجه أفلاطون بعد ذلك هي قواعد هذا الفن الذي يسمى هرمينوطيقا ويطرح على النحو التالي: هل الهرمينوطيقا فن يتقنه المؤول عن حرية أم أن ذلك يتم وفق قواعد؟ هل هذه القواعد خاصة بقطاع معين أم أنها كلية؟ هل هي ثابتة أم متغيرة؟
يحل أفلاطون هذا الإحراج بقوله: "لو كنت قادرا على أن تتحدث عنه وفقا لقواعد الفن لكان تسنى لك أن تتحدث عن بقية الشعراء، فالشعر كل (لا يتجزأ)...انه عندما يكتسب إنسان معرفة فن بكليته فإن بحثه في الجيد والرديء يكون أمرا واحدا بعينه" .
هنا يعلن أفلاطون على خلاف القراءات السائدة بأن المؤول له درجة الفيلسوف وأنه يرتقي إلى مرتبة الحكيم شريطة أن يقلع عن التعامل مع اختصاصه على أنه علم ويمارسه كفن وينبغي كذلك ألا يكون هذا الفن مقتصرا على موضوع دون أخر ومقيدا بقواعد وإنما يجب أن يكون كليا وعن موهبة ومهارة عالية يتجلى فيها الذوق والحس المرهف المعبران عن الحرية الإنسانية في أعلى درجاتها، في عين المسألة يقول:" إنما أنتم الحكماء معشر الرواة والممثلين، وكذلك الشعراء الذين تتغنون بأشعارهم. أما أنا فواحد من سواد الناس يتكلم الحقيقة فقط."
الفرق بين الفيلسوف والهرمينوطيقي هو أن الأول ينشد الحقيقة ويسلك في سبيل ذلك منهجا يسير فيه وفق خطوطا مستقيمة بينما يطلب الثاني المعنى وقلما يظفر به لصعوبة الفن الكلي الذي يؤدي إليه. إن الهرمينوطيقا ليست التأويل وعلاقتها به هي مثل علاقة النوع بالجنس وذلك لعدم التقيد بقوانين صارمة وقوالب ضيقة تمنع الراوي من ترسل الكلام والاستطراد المتكرر والتأويل اللامتناهي ومن الإفادة والإضافة والتوسع والتبحر في الموضوع الذي يتحدث عنه خاصة وهو يوظف اللغة والخيال والسرد ويستلهم روح الخلق من عالم السماء المليء بالآلهة وقد جاء على لسان سقراط:"كثيرة هي الأقوال البليغة التي يتحدث بها الشعراء عن أفعال البشر، غير أنهم...لا يفرغون قولهم بواسطة أي قواعد فنية. انهم ببساطة مدفوعون الى نطق ما تمليه عليهم آلهة الشعر دون غيره."
هذا الدرس الأفلاطوني الافتتاحي انتبه إليه هانس جورج غادامير ولذلك جعل من الهرمينوطيقا فلسفة وقدم مطلب المعنى على الحقيقة وأعطى أولوية لقيمة الفهم على التأويل. لكن ماذا يقصد أفلاطون بقوله:"إن الشعراء ماهم الا مترجمو الآلهة الذين يتلبسونهم مرارا. أليس هذا هو الدرس الذي أراد الله أن يلقنه عندما غنى بلسان أسوأ الشعراء أجمل الأغنيات؟" ولماذا اتفق سقراط وأيون على أن:" الشعراء المجيدين بواسطة الهام الهي يترجمون لنا أقوال الآلهة"؟
إن اعتبار العلاقة بين الكلمات والأشياء نتيجة الاصطلاح والمواضعة وليست نتيجة الضرورة والقانون الوجودي في محاورة الكراتيل قد يعطي للشاعر فسحة من الحرية لكي يؤثث بالكلام ويبني عالما يتجاوز به العالم المرئي الذي لا يرضى عنه نحو دنيا التصور والخيال والإمكان. ألم يقل هو نفسه في محاورة الطيماوس:" إن العلم يأتي عن طريق التعليم أما التصور الصحيح فيأتي عن طريق الإقناع."؟
ما تبقى من المحاورة هو تساؤل عن دليل التأويل وعن التأثير على المستمعين وأفق الانتظار وجماليات التلقي واهتداء إلى ملكة الذوق التي تساعدنا على الحكم الأفضل وتمييز الجيد من الرديء وتمجيد الإلهام في التجربة الهرمينوطيقية وخاصة في فن الرواية. لكن ما معنى أن ينسب الهرمينوطيقي التضليل إلى الوعي وأن يفضل الإلهام مع البقاء في حالة اللاوعي بقول أيون في النهاية:" الإلهام هو الصفة الأنبل بما لا يحد"؟
المرجع:
أفلاطون، محاورة أيون، ترجمة عادل مصطفي، مأخوذة من كتابه فهم الفهم، مدخل إلى الهرمنيوطيقا، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 2007.
كاتب فلسفي

 

(0) تعليقات
2010-01-27

yyy



" لا يكون أي شيء داخل أي مجتمع ما لم يكن في آن معا حضورا غير مدرك لما لم يعد كائنا وحدوثا موشكا غير مدرك كذلك لما ليس بعد".
استهلال:
حلم الإنسان بعالم يسوده العدل والمساواة وتتركز فيه قيم الخير والحرية وتعطى فيه الحقوق لأصحابها وتنقشع عنه سحب الظلم وتزول منه بعض من أشكال الحيف والاستغلال هو حلم مشروع وتجربة يتوق إليها كل كائن بشري ومثال تطمح إليه كل طبقة ناشئة ،ولكنه قد يتحول إلى نوع من الخيال العلمي و يصطدم بواقع مرير وبوضع تاريخي صعب يكشف أن كل مشروع ثوري هو يوتوبيا وكل جهد تغييري ينتهي إلى التعثر والتراجع أمام ضربات القدر ومكر التاريخ وصلابة القيم التقليدية التي تتحكم في المجتمع. ولعل خير مثال هو انهيار إيديولوجيات الجنات الموعودة وفشل تجارب التحرر من ربقة الهيمنة والاستغلال العولمي.
ولكن لسائل أن يسأل: لماذا هذا التعثر في الارتقاء بالمجتمعات نحو الأحسن وفي تحريك أشكال الوعي التاريخي لدى الأفراد نحو التحفز؟ ومن أين يستمد الواقع التاريخي والاجتماعي قدرته على مقاومة كل ثورة وتجديد وتغيير؟ وهل ما تزال قائمة إمكانية التغيير الراديكالي للمجتمعات؟ وما السبيل إلى مثل ذلك؟ والى أي مدى تساعد اليوتوبيا الحالمة في تحقيق هذا الهدف؟ لكن ما طبيعة الحالة ما قبل الاجتماعية التي يكون عليها الناس؟ من أين ينبثق البعد الاجتماعي التاريخي؟ وكيف تؤسس المجتمعات نفسها؟ وماهي هوية مجتمع من المجتمعات؟ وكيف يحافظ على وحدته وتماسكه؟ وبأي معنى يوصف التاريخ بكونه خلق من لاشيء؟ وما الفرق بين المجتمع المؤسس والمجتمع المؤسس؟ وكيف تكون عملية تأسيس المجتمع هي من فعل هذا المجتمع نفسه؟ وأي دور يلعبه المتخيل الراديكالي في هذا التأسيس؟ وهل هو مقولة تحليلية نفسية أم مقولة تاريخية اجتماعية؟ وهل يمثل العنصر التاريخي الاجتماعي نقطة وصول أم نقطة انطلاق؟
هذه بعض من أسئلة طرحها كورنيليوس كاستورياديس (1922-1997) المفكر اليوناني والناقد البارز للرأسمالية والماركسية على السواء والطامح إلى تجاوزهما بعد الاستفادة مما تركاه من تأثير في اللغة والأفكار والواقع. وقد حتمت عليه الظروف الهجرة إلى فرنسا مع بولانتزانس وبابايونو وإصدار مجلة:"إما اشتراكية أو بربرية" واختيار النضال ضد البيروقراطية الحزبية وضد الحرب والقمع والتموقع ضمن المجموعات التروتسكية والانتليجنسيا اليسارية وذلك من أجل امتحان الطبيعة الثورية للطبقة العاملة ومدى قدرة النظرية الماركسية على تقديم رؤية تحليلية موضوعية عن المشهد التاريخي المعاصر ولكن مشاركته في ثورة الطلاب عام 1968 وما آلت إليه من نتائج وخيمة جعلته يبتعد نسبي