ادارة الموقع

المدير المسؤول




2010-09-02

yyy




"جومبا لاهيرى" الكاتبة الأمريكية
صدر حديثا عن مشروع كلمة للترجمة التابع لهيئة أبو ظبى للثقافة والتراث الترجمة العربية للمجموعة القصصية " ترجمان الأوجاع " للمترجمة مروة هاشم والتى أصدرت نسختها باللغة الإنجليزية الكاتبة جومبا لاهيرى عام 1999، ونالت عنها العديد من الجوائز؛ أهمها جائزة "بوليتزر" للأدب فى العام 2000.

"جومبا لاهيرى" كاتبة أمريكية هندية الأصل، وُلدت فى لندن فى الحادى عشر من شهر يوليو فيا لعام 1967، ونشأت فى ولاية "رود آيلند" الأمريكية، حيث انتقلت عائلتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية عندما كانت فى الثالثة من عمرها. وقد حصلت "جومبا" على عدد من درجات الماجستير فى جامعة "بوسطن": ماجستير فى اللغة الإنجليزية، وماجستير فى الكتابة الإبداعية، وماجستير فى الأدب المقارن، ثم حصلت على درجة الدكتوراه فى دراسات عصر النهضة الأوربية، وحالياً تعيش "جومبا" فى "نيويورك" مع زوجها وطفليها.

وقالت مروة هاشم إن هذه المجموعة القصصية تتألف من تسع قصص قصيرة، كتبتها المؤلفة أثناء دراستها فى جامعة "بوسطن"، لتصف تفاصيل حياة مجموعة من الهنود المغتربين فى الولايات المتحدة الأمريكية وبعضًا من ملامح الحياة فى الهند، وتتجاوز كلماتها حدود الروايات المقروءة؛ لتصبح مشاهد مرئية تصف أدق التفاصيل بعبارات هادئة ومتناغمة تفوح منها رائحة التوابل الهندية الحارة، تستخدمها المؤلفة ببراعة لتناول قضايا شديدة الخصوصية فى حياة مجموعة من الهنود المغتربين فى الولايات المتحدة الأمريكية؛ أشياء تبدو عادية وبسيطة، يستحضرها الأبطال فى مزج رائع بين الماضى والحاضر، فى الوقت الذى تعكس فيه تلك الأشياء عمق اختلافات الثقافات ومفاهيم الاغتراب والبحث عن الهوية.

وأضافت: يتميز أسلوب "لاهيرى" يتميز فى بالصدق والوضوح والكتابة، ويُبحر أبطالها ـ الذين ينتمون عادة إلى فئة البنغاليين المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية ـ فى صراع بين القيم الثقافية لموطنهم الأصلى، وما يجب أن يتكيفوا معه فى وطنهم الجديد. ولكونها ولدت فى لندن، ونشأت فى الولايات المتحدة الأمريكية؛ سمحت لها تجربتها الشخصية بالنظر إلى الهند والهنود بصورة مختلفة تمامًا عن الاتجاهات الحالية فى كتابات الجنوب آسيويين؛ فى هذه المجموعة القصصية تكتب "لاهيرى" بطريقة مختلفة عما كتبه أى أحد آخر من قبل.

فالقصص لا تتضمن العناصر المعتادة التى تعمد إلى الإبهار والمبالغة واللجوء إلى التشبيهات الغريبة التى تبدو دخيلة على النص، ولا التعمق فى وصف النساء ذوات البشرة السمراء والعيون السوداء وشعورهن الحريرية الطويلة، وما يرتدين من أزياء متعددة الألوان مصنوعة من أقمشة الشيفون والأورجانزا. وبدلاً من التورط فى عناصر الانفعال والمأساة والعواطف الجياشة التى تنخرط فى الكثير من كتابات الجنوب آسيويين، قدمت لنا "لاهيرى" صورة لتفاصيل الحياة اليومية الواقعية التى يمر بها أى مغترب عن وطنه، وكتبت قصصها كأنها شخص خارجى يلاحظ الأشياء ولا يشترك فيها، شخص موضوعى هادئ ينقل ما يراه فى عبارات ناقدة وساخرة أحيانًا.

وتابعت: أما شخصيات المجموعة القصصية؛ فهى هادئة، وتتحكم فى ردود أفعالها ومشاعرها بدرجة كبيرة حتى فى أقصى حالات غضبها، ولن يجد القارئ فى تصرفاتها مفاجآت ولا أحداثاً صاخبة فى القصص ذاتها، إنها أشبه بالتأملات لما يدور فى داخل تلك الشخصيات، والواقع من حولها بما يحتويه من ضغوط. إن كل شخصية فى المجموعة فى صراع لأن هناك أشياء تجذبها فى عدة اتجاهات فى الوقت نفسه؛ الآباء يجذبون الشخصيات إلى الماضي، وأبناؤهم يجذبونهم إلى المستقبل، ويجذبهم عالم أمريكا إلى الغرب، ويجذبهم عالم الهند إلى الشرق. وقد أشارت "لاهيرى" فى إحدى مقابلاتها الصحافية إلى ذلك الصراع والاختلاف بين هذين العالمين: "عندما بدأت الكتابة، لم أدرك أن قضيتى الرئيسة ستكون خبرات الأمريكيين ذوى الأصول الهندية. فما شجّعنى على الاشتغال بالكتابة هو رغبتى فى اقتحام العالمين اللذين عشتهما، فأمزج فوق الأوراق ما لم أتحلَّ بما يلزم من شجاعة أو نضج كى أسمح به فى الحياة الواقعية".

وتحدثت عن مكانة لاهيرى قائلة: احتلت "لاهيرى" مكانة متميزة بين الأدباء الأمريكيين بهذه المجموعة القصصية؛ التى تعد أول إصدارتها الأدبية، وعلى الرغم من ذلك حققت نسبة مبيعات هائلة تجاوزت ستمائة ألف نسخة، وكانت أفضل أول عمل أدبى للعام لمجلة "نيويوركر" الأمريكية فى العام 2000، وحصلت على جائزة "بن/هيمنجوى" فى العام 1999، كما تم إدراج اسم "لاهيرى" ضمن قائمة مجلة "نيويوركر" لأفضل عشرين مؤلف خلال القرن الحادى والعشرين. ونالت هذه المجموعة القصصية جائزة "بوليتزر" فى الأدب فى العام 2000، وتعد هذه الجائزة الرفيعة واحدة من مجموعة الجوائز والمنح التى تقدمها سنوياً جامعة "كولومبيا" فى الولايات المتحدة الأمريكية فى مجالات الخدمة العامة والصحافة والآداب والموسيقى، وهناك الكثيرون ممن حصلوا على جائزة "بوليتزر" نالوا جائزة "نوبل" ومنهم: "إرنست هيمنجواى" و"تونى موريسون" و"سنكلير لويس" و"ويليام فوكنر"، ومن المسرحيين "بوليتزر" و"أوجين أونيل" و"آرثر ميلر" و"إدوارد آلبى" و"نيل سايمون".

والجدير بالذكر أن المترجمة مروة هاشم التى قامت بنقل هذه المجموعة القصصية إلى العربية، قد صدر لها من قبل عدة كتب منها: كتاب عبودية الكراكيب وكتاب فن الحياة وكتاب تقنيات الأداء المسرحى، وكتاب كيف تصبح ممثلا موهوبا، إضافة إلى العديد من المقالات والحوارات الصحفية فى الصحف والمجلات العربية.
المصدر: اليوم السابع / هدى زكريا
http://adab.akhbarway.com/news.asp?c=2&id=65538

 

(0) تعليقات
2010-09-01

yyy


لقد اعتبرت مسألة الميتافيزيقا والشعر من أهم المسائل التي تناولها الفلاسفة بداية من أفلاطون وأرسطو وصولا إلى مارتن هيدغر و هانس جورج غادامير، حيث عرفت العلاقة بينهما لحظات صراع وعداء، ولحظات التقاء وحوار، إلا أننا قد نجد وراء الصراع الظاهري مؤشرات و معالم غير مرئية توحي بالارتباط و التكامل، وبذلك فإن الصراع بين الميتافيزيقا والشعر يبدوا أقرب إلى صراع طرفين متكاملين، فالتجربتان لا تنيان تتقطعان و تتوازيان، بل وأحياناً تختلطان، حيث أن الشعر والميتافيزيقا صورتان إنسانيتان للتعبير عن الوجود، كما أن منطلقهما هو الإنية المتفاعلة روحياً وعقلياً مع ذلك الوجود.
هكذا شغلت العلاقة بين الميتافيزيقا والشعر ، و مدى التأثير الذي يمكن أن تحدثه كل منهما في الأخرى ، خدمة لكل منهما خاصة، وللفكر الإنساني عامة، الباحثين في الماضي وفي الحاضر.
يضاف إلى ذلك الارتباط شبه العضوي الذي ظل يربط، و لمدة قرون ، كل من الشعر ومن الفلسفة عامة، و الشعر والميتافيزيقا خاصة..، وهو الارتباط الذي تؤكده الفلسفة اليونانية (هيرقليط الأفيزي" Héraclite، (ت:530 -475 ق.م تقريباً)، مثلما تؤكده الفلسفة الإسلامية في عصورها الذهبية (ابن سينا، (ت:1037))، فبين الشعر والميتافيزيقا تساوق وقرابة، فرغم اختلافهما شكلاً فَهُمَا يتحالفان كنهاً و جوهراً ووظيفة.
إن الفصل بين الشعر و الميتافيزيقا هو أمر مُفْتَعَل، ذلك أن جِنسيْ الخطاب الذي نطلق عليهما أسميْ الشعر و الميتافيزيقا هما جنسان مقترنان منذ كانت البداية الإغريقية للأشياء وكينونتها المقترنة هذه ترسم تاريخ الفكر الإنساني.
و إذا كان "أفلاطون" قد انتقد الشعر المحاكي في بعض كتاباته، فإنه عاد ليمجده ويوظفه في العديد من كتاباته تماماً مثلما فعل هيدغر الذي وجد بالرغم من نقده للميتافيزيقا والشعر فيهما وفي النهاية الترياق المضاد للتقنية و لنزعتها اللاإنسانية.

1.تحديد المفاهيم: الميتافيزيقا – الشعر
فإذا ما تساءلنا بعد هذا عن المقصود بالميتافيزيقا، وجدنا أن هذا المفهوم قد تغير على مر العصور: فهي تعني عند "أفلاطون " Platon(علم المثل)، وعند "أرسطو"Aristote(ت:322 ق.م) أصبحت تعني (علم العلل)،أما عند المدرسة الأفلاطونية الحديثة فهي (علم الوحدة) ،بينما اعتبرها ديكارت Descarte(R) (ت:1650) "( علم اللامادي)، وهي عند اسبينوزاSpinoza (ت:1677) (علم الجوهر) ، و قد جعل منها مالبرانش Malebranche (ت:1715)" (علم الصور)،وليبنتس Leibniz (ت:1716)" (علم القوى البسيطة أو الذرات الروحية) ثم أحالها" شيلنغSchelling (ت:1854)" إلى (علم المطلق)، بينما جعل منها "هيغل Hegel (ت:1831)" (علم الفكرة المحضة أو الحقيقة الروحية الخالصة)...(1) ؛ يتبين أن المفاهيم السابقة، تؤكد أن الميتافيزيقا بحث في المطلق، فهي تحاول الكشف عن ما هو متحجب، يتستر وراء مظاهر الموجود الحسية، فإذا كان العلم يساعد الإنسان على معرفة ظواهر الأشياء، ويستند إلى الوقائع المحسوسة، فإن الميتافيزيقا -على خلاف ذلك- يسعى من خلالها الإنسان، إلى معرفة بواطن الأشياء، أو ما هو متحجب، يتستر وراء مظاهره الحسية، إنها بحث في الوجود، أو بتعبير أدق بحث فيما يجعل الموجود موجودا بالفعل،إنها تعني البحث فيما يحمل الوجود الفيزيقي على الظهور.
الميتافيزيقا بحث عن معنى الوجود و تعبير عن محبة الحكمة و حوار مع الأسئلة الخالدة عن الموت والزمن و العدم و اللامتناهي ... و لن يكون مآل الشعر مختلفاً عن مآل الحقيقة الكلية التي قصدتها الفلسفة...
إن نفس التعدد في التعريف يصدق على الشعر، و في الحقيقة، إذا كان تعريف الميتافيزيقا صعب ، فإن تعريف الشعر ليس أقل صعوبة.
فالشعر، فيما يرى بودلير "تجاوز للواقع العيني، فهو ليس حقيقة كاملة، سوى ضمن عالم مغاير وأخروي(2)"، و الشعر يعرف كذلك بأنه "اختيار ثوري - بالمعنى الإبداعي - يهدف إلى تغيير العالم، تغييراً جوهرياً يكشف طاقات الوجود الكامنة(3)." وفي نفس هذا الاتجاه يقول الشاعر الفرنسي Jean Jouve ( ت: 1979) أنه "ليس هناك من شعر إلا حيث يكون ثمة خلق وإبداع مطلق(4)." وهناك من يرى بأن الشعر يمكن أن يكون في حد ذاته وسيلة للمعرفة، فهو إظهار لما هو متستر فيما وراء العالم، أو مقيم في الظل منزوٍٍ عن الضوء(5).
وبهذا يكون الشعر فعل إبداع يبعث في الإنسان الرغبة الدائمة في التساؤل ويكشف جوهره الفاعل..

2. أفلاطون والشعر: التباعد والالتقاء
أ. التباعد: الخيال المحاكاتي
يأخذ أفلاطون موقفه النقدي للفن بشكل عام، و للشعر بشكل خاص على أساس مفهوم المحاكاة Mimétisme، حيث اتخذت كلمة ((المحاكاة)) عنده معنى رديئاً، ذلك أن الفنان في رأيه هو الفنان الرديء الذي لا يتقصى الحقيقة، و إنما يُزيف إذ يصور بالرسم أو باللغة ما لا يعرف، ولا يعبر عما في نفسه من معارف أو حقائق، و لهذا فهو يصفه بالجهل و يستبعده من مدينته الفاضلة(6).
المحاكاة التي تكون نسخة من الدرجة الثانية لواقع هو نفسه نسخة للفكرة المطلقة؛ إن النسق الميتافيزيقي الأفلاطوني يقوم على تصور وجود عالمين، عالم محسوس يتضمن أشياءً هي في حقيقتها صورة لشيء آخر يحيل عليها، وعالم معقول يعد أصلاً في وجود عالم الحس المتغير.
و يعتقد أفلاطون أن الفن يبتعد عن "عالم الأيدوس " درجتين، لأنه يحاكي العالم الحسي الذي هو محاكاة أولى لعالم المثل، والفن –على هذا الأساس – محاكاة المحاكاة، إنه تصوير حسي لظاهر الطبيعة على نحو يشبه الرسام الذي يحاكي الشيء و لا يحاكي المعنى أو المثل، ولهذا فالفن الذي ينطوي على هذا النوع من المحاكاة قبيح لعدم احتوائه الفائدة المطلوبة منه.
يبين أفلاطون الأسباب التي دفعته إلى استبعاد هذا النوع من الفن القائم على المحاكاة، فيذهب إلى إعطاء أمثلة لتوضيح موقفه، فيقول إننا نفترض دائماً مثالاً واحدا لكل مجموعة من الأشياء المتشابهة، فللأسرة مثال واحد، و إذا كان النجار هو صانع الأسرة الخشبية التي يُحاكي فيها صورة المثال، فإن المصور هو أبعد ما يكون عن صورة المثال لأنه لا يُحاكي الحقائق المثالية وإنما يُحاكي المحسوسات كما تبدو له، فالمصور لا يصل بعمله إلى الحقائق بل هو يقف على المظاهر.
وحال المصور ينطبق على الشاعر التراجيدي لكونه محاك، يقول أفلاطون: "وإذن فهذا يصدق أيضاً على الشاعر التراجيدي، مادام مقلداً فهو إذن، ومعه كل المقلدين، يحتل المرتبة الثالثة بالقياس إلى عرش الحقيقة(7)."
و مما لا شك فيه أن إيمان أفلاطون بالعقل و بأنه المدخل إلى عالم المثل قد دفعه إلى الشك في عالم الحس وما يستتبعه من عواطف و أحاسيس يمكن أن تنال من قوة العقل وتحد من منطقه على الإنسان، وهكذا يكون موقف أفلاطون من الشعر جزءاً هاماً من ميتافيزيقاه(8).
وفي الشعر من الأوزان و المؤثرات النفسية ما يحجب عنا صورة الوجود في حقيقته، إن سماع قصيدة شعرية لا يجعلنا نقف عند الموضوع الذي تثيره القصيدة و تأمل معانيه بل على العكس من ذلك تماما نتوجه بمشاعرنا لتذوق العوامل اللغوية و البلاغية و الموسيقية المرتبطة بالقصيدة فننشغل عن كل رغبة أصيلة في المعرفة.
فالوجود و المحتوى الأنطولوجي لما يقوم به الفنان ، يقومان على انعدام أي حقيقة مستقلة عن الأصل، بل إن الفنان قد يشوه ، إلى أبعد حد ، شكل النموذج المثال وهو أمر يحط من قيمة عمله ووظيفته، وعلى هذا الأساس نرى أن الفنان أو الشاعر لا يستند في عمله إلى أي حقيقة، لأجل ذلك طرد أفلاطون الفنانين و الشعراء من جمهوريته الفاضلة، فالشاعر يحاكي عالم المحسوسات وهي نفسها، إذن، ليست سوى محاكيات للعالم العلوي عالم (( الأيدوس)) .(9)
يقول أفلاطون: "- و إذن فالفن القائم على المحاكاة بعيد كل البعد عن الحقيقة، وإذا كان يستطيع أن يتناول كل شيء ، فما ذلك، على ما يبدو، لا يمس إلا جزءا صغيرا من كل شيء، وهذا الجزء ليس إلا شبحاً .(10) "
إن نقد أفلاطون هذا يرتبط بالوضع الكلي لنسقه كمؤسس لدعائم ميتافيزيقا الوجود المتمثلة في التمييز بين ما هو كائن و ما يظهر من جهة و ما يكون من جهة أخرى، فقد قام أفلاطون بتشييد الميتافيزيقا على ثنائية العالم العلوي الخالد الثابت المدرك عقليا والعالم زمني المحسوس المتغير و الذي يمثل عالم الظلال والوهم .
لقد تصور أفلاطون أن الحقيقة لا توجد في عالم المحسوسات وإنما في عالم مفارق هو عالم (الإيدوس). و تبعاً لذلك فلم يكن في الإمكان أن يُحظى الشعر عنده بقيمة طالما كان مرتبطاً بعالم الموجودات الطبيعية لأنه عالم الظلال أو الأشباح أو عالم التغير والصيرورة. لقد سجل أفلاطون إذن رأيه بصراحة و أكد أنه لا يُمكن أن تُعد المعرفة بالمحسوسات علماً على الإطلاق.
إن ارتباط ((المحاكاة)) بما هو جسدي غريزي مدنس و منحرف سيبعد فيما يرى الذات عن الحكمة La Sagesse والفكر السليم فلا يعطي سوى خدع و أوهام وستكون المعارف القائمة على هذا الأساس غير صادقة، والدراسة السابقة لأسطورة الكهف تكشف عن ذلك إذ يؤكد أفلاطون على وجود فاصل يقطع بين العالم الذي تكشف عنه نور الشمس (مثال الخير) والعالم الشائع للصور التي تنيرها نور اصطناعية (النار)داخل الكهف(11) .
و يؤكد أفلاطون أن الشعر التمثيلي أو الدرامي من حيث أنه فن إنتاج صور الموجودات المحسوسة، فإن غرضه التوجه إلى ذلك الشطر من النفس الذي ينفعل بظاهر الأشياء وصورها، ولأن معيار نجاح العمل الفني هو مقدار استثارته بنفوس المتلقين يحول دون تدخل قدرات الذات العقلية، فيلزم أن يكون التركيز على كل ما يثير الانفعال بحيث يبقى الجزء الأدنى من النفس سلطان الاستجابة لما يعرض لناظريه سلطاناً لا منازع له، فإذا ما تدخل الشطر الأعلى المفكر وأمكنه إعمال ملكاته بعيداً عن الانفعالات والأهواء يتقلص سلطان الشطر الأدنى، ويفقد العمل الفني استثارته بقلوب الجماهير(12).
يتجلى لنا من خلال هذه النظرة الميتافيزيقية للحقيقة و للوجود أن الشعر يعد أكثر المجالات بعداً عن الحقيقة والأقل شأنا في تقديم المعرفة ( فهو تقليد للتقليد).
يرى أفلاطون أن التقليد الشعري لا يختص بالعنصر العقلي بل يختص بعنصر أدنى منه، وإذا كان دوره في جعل المستمع يماثله فإن ذلك يقف عائقاً لعمل الجهاز المعرفي عند المستمع (العقل)؛ لقد جعل أفلاطون الشعر في مستوى أدنى من المعرفة المنطقية والمعرفة العلمية حيث جعل التفاعل بين الشعر وروح المستمع في الجزء الغضبي من النفس ذات الأجزاء الثلاثة، واصفاً تأثير العمل الشعري بأنه إثارة للغضب والشفقة.
و هكذا يلتقي كل من أفلاطون و نيتشه في كون إنتاج الشعراء لا يرقى إلى المستوى الذي نطلق عليه الإبداع، فالتعابير تكاد تكون واحدة بهذا الصدد عند كاتب الجمهورية وكاتب هكذا تكلم زرادشته، و نلاحظ أن الالتقاء يرتكز أساسا في ربط الإنتاج الشعري بالمحاكاة، وعدم النفاذ إلى أعماق الأشياء، فلا يتم الإبداع Création، إذن، إلا إذا ارتبط بالنموذج العقلي فقط، وهذه هي مهمة الفلسفة كما تتجلى في النسق الميتافيزيقي الأفلاطوني، هذا النسق الذي يقوم على مجموعة من الأزواج: المعقول/ المحسوس ، الحقيقة/ الوهم ،الأصل/ الصورة ،حيث يكون المعقول هو العنصر الفاعل دائما، أما عالم الحس فهو يشكل العنصر الأدنى الذي يحاول أن يبلغ شأن الفكر دون أن تصله أو تكونه.
لقد وضع أفلاطون حدا فاصلا بين الفلسفة (العلم) و الفن (الشعر) ، فجعل قدرة الأولى على الكشف عن الحقيقة (حقيقة المثل) أكبر من قدرة الثانية أو لنقل أنه جعل من عمل الفن عملا وهميا يبعدنا عن كل حقيقة .
لقد مثلت الرياضيات الشرط العلمي لقيام البحث الفلسفي، و ذلك بصفتها أنموذج المعرفة وصورة الحقيقة، فلولا هذا الشرط لما كان للفلسفة أن تتشكل كخطاب تجريدي عقلاني(13).
و إذا كان النسق الميتافيزيقي الأفلاطوني لا يعترف إلا بنوع واحد من الحقيقة آلا وهي الحقيقة المنطقية الثابتة الخالدة التي تتطابق في أصلها مع عالم " الأيدوس "، فلا غرابة إذا كان أفلاطون يرفض الشعر لاعتبار أن المعرفة الشعرية معرفية وهمية لا تتطابق مع الأيدوس، وإذا كانت الحقيقة تعكس الصور كما هي في ذاتها، فإنه لا يجوز أن تتضمن المعرفة صورا غير لائقة، والمتصفح لمقاطع من شعر (هوميروس) و (هزيود) يتبن له أن مثل هذه الأشعار تصف الآلهة بصفات غير لائقة إذ تبدو الآلهة من خلالها ساخرة، ساحرة، لاهية، عابثة، بل خليعة أيضا، تتبدى على صور متعددة ، تكشف عن مظاهر وهمية، و هي صفات تعكس حالة عالم الفساد والتغير، إذن فالمعرفة الشعرية لا تعكس الحقيقة المنطقية الثابتة.
يقول أفلاطون:"-أعني تلك التي رواها هوميروس و هزيود و غيرهما من الشعراء وهم أعظم رواة القصص الكاذب الذي لا يزال شائعا بين الناس.
-و لكن أي قصص تعني ، و ما الذي تعيبه عليه ؟
-إن أول ما أعيبه عليه هو كذبه، بل كذبه الآثم الشرير.
-و أين يظهر ذلك الكذب.
-في تمثيل الآلهة و الأبطال بطريقة باطلة ، و كأن مصورا يرسم صورا مشبوهة لا يوجد بينها
وبين موضوعها ظل من الشبه(14)."
ب. حالة الالتقاء: الخيال السامي
و إذا رجعنا إلى موقف "أفلاطون" من الشعر، فإننا نجده في بعض المحاورات مثل محاورة((فايدروس)) و((إيون )) و((المأدبة)) يؤيد الشعر، وذلك بطرحه لمفهوم "الخيال السامي " الذي لا يعد نسخاً لمحسوس ما ،ففي ((إيون)) آراء مؤيدة للشعر ، وهناك حديث كذلك في ((فايدروس)) و في (( المأدبة)) عن الشاعر باعتباره كائناً لطيفاً مقدساً مجنحاً يتحرك بفعل الإلهام. فالصور المعطاة في هذا النوع من الشعر تبتعد عن كل ما هو حسي، إنها تأتي إلى الإنسان بدل أن تأتي منه، لأنها إبداعات أصيلة يتلقاها الإنسان في حالة إلهام سام وليس محاكاة، يقول أفلاطون في محاورة ((إيون Ion)):"تقوم إلهة الشعر بنفسها بادئ ذي بدء بإلهام بعض الأشخاص، ومن هؤلاء الملهمين، تتدلى سلسلة من الأشخاص الآخرين الذين مسهم الإلهام، ذلك أن جميع الشعراء المجيدين، الملحميين منهم و الغنائيين ،يؤلفون قصائدهم الجميلة لا بواسطة الفن، بل لأنهم ملهمون ممسوسون [...] لا يكون الشعراء الغنائيون بكامل رشدهم آن يؤلفون أناشيدهم الجميلة ، بل يقعون تحت سيطرة الموسيقى و الوزن فيمسهم الإلهام(15)."
و من أبرز مسلمات الخيال السامي، التسليم بمصدره المتعالي Transcendental والمقدس Sacré، وهذا على خلاف المحاكاة التي تعد نوع من المعرفة غير المباشرة التي تنتجها الحواس والتي تكون دائما غير قادرة على بلوغ الحقائق، فتجد نفسها مضطرة إلى إعادة إنتاج نظائر له، في حين يكون الخيال السامي على صلة مباشرة بعالم المثل، فهو ملكة متعالية، وبذلك يتجاوز الخيال السامي كل ما هو حسي وعقلي؛حقيقته متعالية ، تتجاوز الإنسي.(16)
ففي مثل هذا تصور يكون أفلاطون قد تحرًر من إطار الفلسفة السقراطية العقلية، وتكون حماسته الصوفية وإحساسه قد انطلقت وتفاعلت وعقلية الرياضي ومنطقه الدقيق، وهذا ما تؤكده أميرة حلمي مطر في قراءتها لمحاورة ((فايدروس))، فإذا كان الفن الجيد هو ما اعتمد على المعرفة الفلسفية، فإن المعرفة الفلسفية لم تعد بدورها مجرد نشاط عقلي جاف في متناول عامة الناس، بل تتطلب نوعاً من الكشف أو التذكر والتجربة الصوفية التي يتصل بها الفيلسوف بهذا العالم ذي الجمال الذي يفوق الوصف والذي لم يتغن به أحد من شعراء هذه الأرض حتى يوم أفلاطون كما يقول أفلاطون في هذه المحاورة، "ولم يتغن أحد من شعراء الأرض حتى الآن بجمال هذا المكان الذي يقع فوق السماء ، و لن يتغنى بجماله شاعر غناء يتناسب مع روعته(17)."
فبعد أن كان أفلاطون ينتقد الفن عامة و الشعر خاصة لأنه قائم على (المحاكاة)، لم يعد يذم ذلك النوع من الشعر الصادر عن إلهام و عن تلك القوة اللاًعقلانية، و أصبح أفلاطون يرى أن الفن الملهم كالفلسفة الملهمة بالحدس و بالرؤية المباشرة للحقيقة، كما لم يعد نقده للفن يقوم على أساس غيبة الفنان عن نفسه أو هوسه كما تجلى ذلك في محاورات (( الدفاع)) أو ((إيون)) وإنما أساسه قدرة هذا الفن على الكشف عن الحقيقة المثالية القائمة في (عالم الإيدوس) المثالي المفارق(18).
و قد كانت هذه النزعة اللاًعقلية وراء نظريته في المعرفة و في الفن على السواء ذلك لأنه يطالب الفنان و الفيلسوف بشرط أساسي و هو معاينة الجمال le beau.(19)
إن كلام أفلاطون عن الحدس في محاورته ((إيون)) استمر في محاورته (( مينون)) و((المأدبة)) و((فايدروس))؛ ففي محاورة ((مينون)) يشرح أفلاطون مفهوم الإلهام الإلهي على أنه ملكة الكلام على الأشياء العظيمة من دون معرفة ما يدور عليه الحديث، ومن هذا التعريف السلبي Négatif للحدس بوصفه جهلا ينتقل في "المأدبة" إلى تحليل عملية الإبداع التي تجري في النفس الإنسانية ، و هو يميز في هذه العملية بين عنصرين أساسين هما التماس مع الجمال أو الفضيلة و السعي إلى الخلود ، و يعود أفلاطون من خلال كلام سقراط في محاورة ((فايدروس)) مرة أخرى إلى مسألة المس الإلهيDivin مؤكدا على ضرورته من أجل الإبداع الشعري، يقول أفلاطون: "ولكن من يطرق أبوب الشعر دون أن يكون قد مسه الهوس الصادر عن ربات الشعر ظنا من أن مهارته (الإنسانية) كافية لأن تجعل منه في آخر الأمر شاعراً فلا شك في أن مصيره الفشل، ذلك لأن الشعر المهرة من الناس سرعان ما يخفت إزاء شعر الملهمين الذين مسهم الهوس(20)."
و يقول سقراط في محاورة ((إيون)): " فالشاعر شيء لطيف و مجنح و قديس، ولا يتأتى له الخلق Créationإلا بعد أن يمسه الإلهام و يغادر حواسه و لا يعود بعقله، فإذا لم يبلغ هذه الحالة فهو بلا حوله و لا قدرة على أن يتفوه بنبوءاته(21)."
لم يهاجم أفلاطون جميع أنواع الشعر ، بل خص الشعر التمثيلي بالنقد و استثنى الشعر الغنائي والملحمي والتعليمي، وإذا حاولنا أن نرتبط بطبيعة بناء نسق أفلاطون الميتافيزيقي، فإن فكرة المحاكاة في هذه الأنواع الثلاثة من الشعر لا تتجه إلى نقل المحسوسات المتعددة و المتغيرة، بل هي (محاكاة) للحقيقة المثالية و التي يكون مصدرها إلهام من ربات الشعر و الآلهة .
و لهذا نرى أفلاطون يمدح شعر ((بندار)) PINDARE الذي حفل شعره بالدعاء والتضرع للآلهة المنعمة على البشر بالموهبة و العبقرية في الفنون ، هذه الموهبة التي لا يمكن أن تكون ثمرة الاجتهاد و المهارة الإنسانية مهما بلغت.
إن أفلاطون ، و بطرحه فكرة "الإلهام الإلهي" أو ما يمكن أن نسميه بـ((الخيال السامي)) الخالي من أي محاكاة للمحسوسات المتغيرة وارتباطه بالعالم ما فوق الحسي (عالم الأشياء في ذاتها) يبتعد عن نسقه الميتافيزيقي القائم على مجموعة الثنائيات المحسوس / المعقول، الجسدي/الروحي..،
هذا يعني أن الخيال السامي يتجاوز لكل ما هو حسي و عقلي ، حقيقته متعالية، تجاوز الإنسي، ويعتبر أفلاطون أن هذه القدرة اللاًإنسانية سلاحاً وقائياً ضد التأثيرات السلبية للخيال المحاكاتي، لأنه ينحدر مباشرة من منابع الحقيقة السامية ويتصل بالأفكار الخالدة ومن ثم " يبدع صورة جديدة".
و هكذا فإذا كان الخيال المحاكاتي يُواسِطْ بين الكينونة و اللاًكينونة انطلاقا من اللاًكينونة فإن الخيال السامي يُواسِطْ بين الاثنين معاً انطلاقاً من الكينونة، و يبقى (الخيال السامي) مجرد تناول لجانب معين للنشاط الإنساني، فلم يجعل منها أفلاطون نظرية متكاملة وشاملة، ولهذا السبب يظل موقعها هامشي، ذلك لأن نظرية المحاكاة تبقى هي النظرية الرسمية لأفلاطون(22) .
لقد ظل الخيال يأخذ مكانه بين طرفي الحواس والعقل، كمحاكاة وكإبداع، وإن كانت نظرية المحاكاة هي الأكثر انتشاراً في التصور الكلاسيكي في الغرب، وبهذا أصبح الخيال مجرد أداة للتزيين، ولا يمكنه الخروج عن حدود الواقعي، فالسمة الغالبة على الميتافيزيقا الغربية إذن، هي تبخيس المتخيل دون تحديد مكانه المعرفي، إلاً بالرجوع إلى معيار العقل ذاته، ومتطلباته البرهانية والمنطقية(23)."
لقد ارتبط، إذن اسم أفلاطون بأول تشكيل فلسفي جعل من الممكن أن تُطرح ممارسات الإنسان و أنشطته في المدينة، على صعيد الفكر المحض، وأن تعقل بلغة برهانية ومن خلال ربطها بمسألة الحقيقة و الكينونة، و يتم بذلك استبعاد الإجراء الشعري من دائرة الحقيقة، ومن ثمة من نطاق المدينة، حيث تكون لغة الشعر لغة حسية مجازية لا تساعد الفكر على بلوغ درجة المعقولية، وبمعنى آخر فإن الشعر يقف كعائق أمام صعود الفكر نحو المثل ((الأيدوس)) لأنه يقوم على التقليد والمحاكاة، هذا الاستبعاد سيكون لصالح الإجراء الرياضي(24).
لكن في أي فضاء ينبغي على الإنسان أن يعيش اتصاله الروحي الأول مع الطبيعة، إذا كان فضاء الشعر غائباً؟
و ما الذي يمنعنا من الاعتراف بأن الوجود موجود بفضل قصائد الشعراء وتأملات الفلاسفة؟
هل أصبح مصير الشعر هو الرحيل من أجل البحث عن إمكانية الكشف عن الوجود فلسفياً؟
و هل سيكون ممكناً للفلسفة و الشعر أن يتحدا في لحظة من لحظات تاريخ الفكر الغربي من أجل تشييد مدينة فاضلة تجمع الفلاسفة و الشعراء في آن؟
و ما هو الإطار الميتافيزيقي الذي سيُمًكٍن من خلق علاقة جوار بين الفلسفة والشعر؟

3.هيدغر والشعر:

إذا كانت اللحظة الأفلاطونية قد دشنت لبداية الصراع بين الفلسفة و الشعر..، فإن هيدغر على خلاف ذلك يعتبر الشعر تأسيساً للوجود بواسطة اللغة..، لقد جعل هيدغر من الشعر أسمى تعبير عن ماهية Essence الوجود..، فالشعر و الوجود يشكلان علامة رؤيوية تدرك الوجودL'تtre بوصفها انفتاحاً للموجود L'étant. يقول هيدغر في محاضرته((هيلدرلن وماهية الشعر)) :"إذا كان (الشعر) في جوهره تأسيساً، فهذا معناه وضع أساس ثابت وراسخ[...] الشعر تأسيس للوجود بواسطة الكلمة La Parole.[...] و الوجود (Sein) لا يكون أبداً هو الموجود (Seiendes). و لكن و نظراً لكون الوجود و ماهية الأشياء لا يمكن أبداً أن ينتجا عن حساب و لا أن يشتقا من الموجود المعطى سلفاً ، فإنه من الواجب أن يخلقا و يوضعا و يعطيا بحرية. و هذا العطاء الحر هو التأسيس(Fondement)(25)."
إن ماهية الشعر تجعل منه تأسيساً للوجود..، وماهية الإنسان هي في أن يحيا شعرياً على هذه الأرض..، لقد ميّز هيدغر بين الوجود أو الكينونة وبين الموجود ، مُعْتَبِراً أن تاريخ الفلسفة وتاريخ العلوم هو تاريخ نسيان الوجود L'تtre L'oublie de.. هذا النّسيان يستدركه الشعر La Poésie (Dichtung) إن نسيان الوجود الذي يُلَخّص أزمة الفكر الغربي والفلسفة الغربيّة –كما يقول هيدغر- قد أزاحه الشعر باعتناقه لموضوعات الوجود الكُبرى، وذلك من خلال معركته ضد هفوات الفلسفة المتمثّلة في نسيان وإهمال الوجود. ومن ثمة صار الشعر "فَلْسَفَة"، باقتحامه مسألة الوجود LaQuestion de l'être؛
-فما هو مفهوم الشعرعند هيدغر ؟
-و كيف يمكن للوجود أن يكون شعرياً في جوهره؟
-و هل معنى ذلك أن مهمة الفلسفة أصبحت هي البحث عن إمكانية الإقامة الشعرية في الوجود؟
-و كيف يمكن للفلسفة و الشعر أن يتحدا من أجل تشييد مدينة فاضلة أي مدينة الفلاسفة و الشعراء؟
-و ما الذي يجعل إقامة الشعراء في مدينة هيدغر تختلف عن إقامتهم في مدينة أفلاطون؟

I)-جوهر الفن الشعري:
نلاحظ بادئ ذي بدء ،وجود فكرة جديدة للشعر عند هيدغر ، فإذا كان جوهر الشعر عند أفلاطون يقوم على فكرة الإلهام، فإن جوهر الشعر عند هيدغر لا يمكن أن يفهم بإنفراد، وإنما فقط انطلاقا من تشابكه و تلاؤمه مع ثلاثة ميادين تتفاعل فيما بينها ، ألا وهي: العمل الفني L'Oeuvre d'art ، واللغة Langage، والمقدس Sacré Le، وتكون القصيدة هي عمل فني ((مادته)) أو بالأحرى عنصره هو اللغة التي تعظم المقدس.(26)
أ)-العمل الفني:
يُصر هيدغر على أن العمل الفني ينبغي ألا يُفهم بوصفه تعبيراً عن مشاعر الفنان، بل هو يجلب الوجود نفسه إلى ضوء الحقيقة(27). العمل الفني هو قبل كل شيء ارتقاء للحقيقة، لكن لا تؤخذ ماهية الحقيقة بمعنى((التطابق)) مع الوجود الخارجي، فكل عمل فني ،إذن، يتخذ صورة ((تفتح)) أو ((انكشاف)) للموجود.
العمل الفني هو أكثر من مجرد شيء Chose ، لأنه ببساطة يكشف لنا عن شيئية الشيء، أي عن ماهيته، ومن ثمة فإذا كان العمل الفني يحدث في خبرتنا الأولية بوصفه شيئاً، إلا أن أسلوب وجود العمل الفني كشيء يختلف عن أسلوب وجود سائر الأشياء المحضة أو الخالصة، ويرى كارل يسبرس، بطريقة مشابهة إلى حد ما، ((أن المعنى الأساسي للفن هو وظيفته الكاشفة فهو يكشف الوجود بإضفاء شكل على ما نُدركه.))(27)
ب)-اللغة:
كل عمل فني في نظر هيدغر يُعد شعراً، والتفكير في الوجود طريقة أصلية للشعر أو هو الشعر الأصلي الذي يسبق الشعر وسائر أنواع الفنون، ما دامت كل الفنون تتحرك في إطار "لغة الوجود"؛ فالشعر هو الذي يُعيد الحياة إلى اللغة عندما تُستهلك و تُصبح مجرد لغة يومية مبتذلة ودارجة. الشعر هو الذي يُحي اللغة، و هو الذي يُطورها، و الذي يُعرف الإنسان بوجوده من خلالها. فاللغة هي التي تكشف عن الوجود، فحيث تكون اللغة يكون هناك تاريخ كما يقول هيدغر. هذا هو المعنى الواسع للشعر الذي يكون ماثلاً في كل فن وكل تفكير Pensée أصيل باعتباره عملية جلب و إظهار الموجود إلى مجال الانفتاح؛ غير أن هذه الكلمة لا ترتبط فقط بمعنى الشعر كنوع أدبي " فن نظم أو قرض الشعر" أي "فن القصيد" Poesie (Dichtung )، رغم أن هذا الأخير يحتل مرتبة أساسية في فكر هيدغر.
الشعر في معناه الخاص هو من عمل اللغة، و اللغة هي أداة الإنسان لتحقيق ((العلانية)): وإظهار المستخفي، أو هي تجلي الموجود البشري في العالم الخارجي. و إذا كان وجود الصخرة أو النبات لا يعرف تفتحاً فذلك لأن كل هذه الموجودات لا تمتلك ((لغة)) تتخذ منها سبيلاً إلى التجلي أو الإنتشار(28). والشعر هو الذي يجعل من اللغة أمراً ممكناً، فلا يُمكن فهم ماهية الشعر إلا من خلال فهم ماهية اللغة نفسها، اللغة في ذاتها تعد شعراً في معناه الأصيل "La Langue elle-même est poésie au sens profond"وحتى نرتبط بماهية اللغة كما هي يجب التخلص من مفهومها الشائع، بوصفها أداة تُفيد التواصل والتعبير(29).
يقول هيدغر في محاضرته ((الشعر مسكن الإنسان)): "والإنسان يتصرف كما لو انه خالق Créateure اللغة وسيدها Le Maitre، في حين أنها هي سيدته وستظل كذلك [...] وعندما تنقلب علاقة السيادة هذه فإن دسائس غريبة تخطر ببال الإنسان، وتتحول اللغة إلى وسيلة للتعبير، وبهذه الصفة قد تغدو مجرد وسيلة للضغط Préssion[...] اللغة في واقع الأمر هي التي تتحدث, أما الإنسان فانه يتكلم فقط كي يجيب اللغة فيما هو ينصت إلى ما تقول له. ومن بين كل النداءات التي نساهم- نحن معشر البشر- في إنطاقها يعتبر نداء اللغة أرقاها وأولاها [...] فاللغة تومئ لنا وهي أول وآخر من يزودنا بكينونة الشيء L'être d'une chose [...] والتوازن الذي يصغي به الإنسان صادقا إلى نداء اللغة إنما ينبع من القول الناطق في مادة الشعر. فكلما ازدادت أعمال الشاعر شاعرية Poétiqueازداد قوله تحرراً وانفتاحاً على ما ليس في الحسبان L'imprévu(30)."
إن قصر اللغة على الاستعمال النفعي و الوظيفي يستدعي مقاومة شديدة و هي التي يضطلع بها الشعر بهذا المعنى ، و قد أشار نيتشه إلى خطورة هذا الاختزال الذي يسود الاستخدام اللغوي بل و يسود الكلام العامي حيث تُختزل اللغة في كلمات معدودة و تُجرد من شذاها الشعري الذي تفوح به الكلمات، ذلك أن مهمة الشاعر هي شحذ الكلمات لإنتاج أكبر قدر ممكن من الدلالات، ومن ثم فالشعر لا يسعى إلى تجاهل هذه التعددية الصوتية أو استبعادها، إنما يسعى بالأحرى إلى الاحتفاء بها وإبراز دلالتها وشحذ طاقتها وذلك بغية أن يستعيد للغة كل قدرتها وطاقتها على الادلال".
من هذا المنظور، يعمل هيدغر على تصحيح التصور الشائع عن اللغة والذي يختزلها في كونها وسيلة للتواصل، مبيناً أن مثل هذا التحديد لا يبلغ الماهية الحقيقية والخاصة باللغة. إن اللغة يؤكد هيدغر، هي أولا وقبل كل شيء ما يضمن إمكانية أن يوجد الإنسان في انفتاح الموجود: "هناك حيث توجد اللغة، يوجد العالم"(31)، كما أن اللغة ليست فقط أداة للتفاهم والتعبير بل على العكس من ذلك تحضر قبل كل شيء كل موجود L'étant بوصفه موجوداً للإنفتاحDans L'ouvert(32).
لا يستعين الشاعر بالكلمات كمجرد أدوات، بل هو يُبرز كل ما في (( الكلمة)) من عمق وكثافة ودلالة، يقول بول ريكور : " الأمر الأول الذي أود التأكيد عليه هنا هو أن الشعر يناط به حيازة أبعاد اللغة والحفاظ على عمقها واتساعها ورحابتها ذلك أن الخطر الأول المحدق بثقافتنا الحالية يكمن في قصر اللغة على التواصل في أدنى مستوياته أو مجرد تعيين الأشياء والأشخاص. وهنا تصبح اللغة أداتيه فقط، هذه النظرة الأداتيه للغة هي أخطر ما يمكن أن يواجه ثقافتنا، ذلك أن النموذج الوحيد للغة الذي نملكه الآن هو لغة العلم والتكنولوجيا.(33) "
II)-علاقة الجوار بين الشعر و الفكر:
لقد تناول هيدغر مسألة العلاقة بين الشعر و الفكر في كتابات المرحلة المتطورة من فلسفته، ما بين عامي 1935 – 1960 ، ففي كتاب (( شروح على شعر هيلدرلن)) يُقدم هيدغر صورة عن علاقة الجوار بين الشعر و الفكر، و في عام 1943 و في كتابه ((مدخل للميتافيزيقا)) أظهر أيضاً العلاقة الوثيقة بين الشعر و الفكر و حقيقة الوجود، ليُضيف هيدغر مقدمة إلى هذا الكتاب سنة 1949 يُوضح فيها المنبع الأصلي لكل منهما، وفي عام 1946 كتب دراسة بعنوان ((عبارة انكسمندر)) و التي نشرت بعد ذلك في كتاب ((متاهات))، وفيها يُشير إلى مفكري ما قبل سقراط الذين يراهم قد عبروا عن الوجود من خلال الكلمة، وقد تم لهم هذا الإدراك في ضوء الفيزيس Physis والحقيقة Alétheia و اللوغوس Logos ، لقد كان تفكير فلاسفة هذه المرحلة ذو طبيعة شاعرية أساساً، لأنهم طلبوا الوجود بالكلمة.
قدم هيدغر في محاضرته ((رسالة في النزعة الإنسانية)) عام 1947 فكرة عن العلاقة بين الشعر و الفكر و الوجود، و بين أن التفكير سرعان ما ينهار عندما تتخذ لغته طابعاً علمياً وتتشكل في قوالب منطقية أو فيزيائية، فالتفكير الأصلي هو الذي يُعبر عن الوجود بواسطة اللغة، اللغة بيت الوجود كما يقول هيدغر، و الإنسان يقطن هذا البيت، و يكون الشاعر والمفكر حراس وحماة هذا البيت، " في الفكر على الوجود أن يأتي إلى اللغة. واللغة هي مـأوى الوجود، حيث يقيم الإنسان. المفكرون والشعراء هم أولئك الـذين يسهرون ويحرسون على هذا المأوى. حراستهم وعنايتهم هما الإنجاز التام لتجلي الوجود، إذ من خلال قولهم وبه يحملون إلى اللغة ذلك التجلـي ويحتفظون به هناك.(34) "
و في عام 1953، نشر هيدغر مؤلفه ((على الطريق إلى اللغة)) و هو يتضمن ثلاث محاضرات و فيها يتناول تحليلاً لعلاقة الشعر بالفكر، كما يتناول بالتحليل أيضاً ماهية اللغة، يقول هيدغر في محاضرته ((الكلام في عنصر القصيدة)) التي كتبها حول شعر جورج تراكلTrakl (G) (ت:1914) ما نصه: " و لكن يبقى ممكنا، و ضرورياً في بعض الأحيان، أن يقوم حوار بين الفكر و الشعر، ذلك لأن الفكر و الشعر، معاً، لا ينجوان من تلك العلاقة الواضحة، و إن كانت مختلفة بالكلام. الكلام الشعري كلام رمزي يشوبه نوع من الغموض الذي يمنح الكلام قوته الفاتنة التي تدعو إلى التأمل والتساؤل والتأويل، أي إلى فتح الطريق للتفكير. ومن ثمة يتعالق القول الشعري بالفكر من أجل كشف الغموض والسر(35).
يهدف الحوار بين الفكر و الشعر إلى استثارة وجود الكلام(36)." يقترح هيدغر أن نعيد تناول الفعل الشعري من أجل إقحامه في مجال الفكر بشرط الاحتراس من حالة التماهي بين ما يقوله الشاعر، وما يعبر عنه المفكر، فما يقوله هذان معاً ليس خاضعاً لمبدأ التطابق. ولكن يمكن أن يقولا نفس الشيء بكيفيات مختلفة، وهذا لا يتأتى إلا عندما تكون الهوة بين الفكر والشعر جلية واضحة وجد عميقة(37).
العلاقة بين الشعر و الفكر بالمنظور الهيدغري، إذن، ضرورة ينبغي أن تتم، فهي استثارة للغة رغم ما يمكن أن يظهر بينهما من اختلاف و تباين، إن طبيعة القول في الشعر والفكر ليست واحدة، لكن يبقى القول هو الأرضية التي تُجسد وجودهما، القول في بعده الأنطولوجي، بعيداً عن علاقته بالأشياء و بالواقع، يقول بول ريكور:" الشعر يعيد الكشف عن إمكانات اللغة حيث إن هذه اللغة قد تقلصت وظيفتها التي أصبحت نفعية في الأساس في علاقتها بالواقع الآني.(38) "
يرى هيدغر أن المجال الذي يتحرك من خلاله الشعر هو الكلام، ونفس الشيء مع الفكر، لكن هذا لا يعني أن الفكر هو نوع من الشعر، ولا يعني أيضاً أن الشعر هو نوع من الفكر، لكن ما هي الغاية من هذا الحوار بين الشعر والفكر؟
تتجلى الغاية من هذا الحوار بين الشعر و الفكر في بناء سكن للإنسان..، هذا ما يذهب إليه هيدغر ، فالحوار بينهما سيسمح بتشييد كينونة المسكن و ذلك يتم بواسطة اللغة، إذ تُعد "اللغة -كما يؤكد على ذلك هيدغر- بيت الوجود(39)".
يرى هيدغر أن الفكر إنصات إلى نداء الوجود..، نداء ليس في إمكان أي شخص أن يُنصت إليه..، إنه نداء يتوجه صوب المفكر و الشاعر باعتبارهما صاحبي رسالة تتجلى في حراسة حقيقة الوجود و رعايتها(40).
وجود غاية واحدة، و أرضية واحدة، تكشف عن علاقة الجوار Voisinage القائمة بين الشعر و الفكر(41). و تدل كلمة الجوار هنا على أنه ليس أمام الشاعر و المفكر سوى اللغة للكشف عن الوجود، اللغة هي أساس الفكر و التفكير الشعري، و من هنا وجب التأكيد مع هيدغر على الصلة الحميمة بأبعادها الثلاثة بين اللغة و الفكر و الشعر، فإذا كان كل من الفكر والشعر يقتفي سؤال الوجود، فإن اللغة التي تُعد القاسم المشترك بينهما ترتبط بالوجود، إذ أن الوجود ذاته يتكشف من خلال اللغة.
يقول هيدغر في محاضرته ((ماهية اللغة)) التي نشرت في كتابه ((على الطريق إلى اللغة)):"لكن إذا كان كل شيء يعود أولاً إلى تجربة تفكير مع اللغة، فلماذا هذا التأكيد على التجربة الشعرية؟ ذلك لأن الفكر بدوره يحدد مسالكه بجوار الشعر، لهذا السبب كان من المفيد التفكير في الجار الذي يسكن بالقرب. الشعر و الفكر كل منهما بحاجة إلى الآخر، لإتمام مسارهما إلى حده النهائي، في علاقة جوار لكن كل بطريقته الخاصة.(42) "
اعتبرت اللحظة الهيدغيرية لحظة حاسمة في تاريخ العلاقة بين الشعر و الفلسفة، حيث سقطت كل المعارضات التقليدية فيما بينهما و التي كانت نتيجة لسوء فهم كليهما، الشعر والفلسفة صورتان للتعبير عن الوجود، الشعر صورة للتعبير عن الإمكان، و الفلسفة صورة للتعبير عن الآنية. و الوجود إمكان و آنية معاً، ولهذا كان الشعر و الفلسفة متكاملين، و لا غنى للواحد عن الآخر(43).

الخاتمة:
هكذا يكون مشروع تأسيس مدينة فاضلة، بالمنظور الأفلاطوني يتطلب الدخول في صراع ومواجهة مع الشعراء..، حيث يكون الفيلسوف هو القادر على تدبير شؤون المدينة..، و بهذا تصبح المدينة الفاضلة ممكنة التحقيق لكن في ظل وجود الفيلسوف..، إلا أن (المدينة الفاضلة) بالمنظور الهيدغري تتطلب إجراء حوارات مع الشعراء .

المصادر والمراجع والهوامش:
. زكريا إبراهيم: مشكلة الفلسفة، مكتبة مصر ، ص: 224-225.
2 . بومسهولي عبد العزيز: الشعر الوجود و الزمان- رؤية فلسفية للشعر- أفريقيا للشرق، 2002، ص:5.
3 . المرجع السابق، ص:9-10.
4 . مفتاح عبد الهادي: الشعر وماهية الفلسفة، "فكر ونقد" العدد الثامن، أبريل 1998،ص: 60.
5 . JOUBERT Jean-Luis : la Poésie, Armand Colin Paris , 3e édition, 2004, p: 35.
6 .اميرة حلمي مطر: الفلسفة عند اليونان ، دار النهضة العربية، القاهرة، 1968.ص:237.
7. المرجع السابق، ص : 533.
8.راوية عبد المنعم عباس : فلسفة الفن و تاريخ الوعي الجمالي، دار المعرفة الجامعية ، 1996.ص: 41.
9 .العربي الذهبي : شعريات المتخيل اقتراب ظاهراتي، شركة النثر و التوزيع، ط1، 2000. ص، 85.
10 .أفلاطون: الجمهورية: دراسة و ترجمة: فؤاد زكريا ،الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985.ص: 534.
11 . العربي الذهبي: شعريات المتخيل اقتراب ظاهراتي ، المرجع السابق ص: 88.
12 .سمير يوسف : مفسدوا الديمقراطية – حكاية أفلاطون و الشعراء- مجلة نزوى ، العد:26 ، ص: 92.
13. المرجع السابق، ص:94.
14 . أفلاطون : الجمهورية، المرجع السابق ص: 240.
الذهبي العربي:شعريات المتخيل اقتراب ظاهراتي، المرجع السابق ،ص:89.. 15
16 . أفلاطون:فايدروس- أو عن الجمال-ترجمة و تقديم: أميرة حلمي مطر، دار المعارف بمصر ،الطبعة الأولى ، ص: 73.
17. المصدر السابق، ص: 15.
18 .أميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال –أعلامها و مذاهبها- الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003 ،ص: 41 .
19 .أفلاطون: فايدروس ، المصدر السابق، ص: 68.
20 .عادل مصطفى: مدخل إلى الهيرمنيوطيقا، المرجع السابق، ص، 356.
21 . العربي الذهبي : شعريات المتخيل اقتراب ظاهراتي، ص:90-91
22. . المرجع السابق : ص:91.
23. علي حرب : نقد الحقيقة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، 2000. ص: 96.
24 .Martin Heidegger: Aproche de Hِlderlin, tr: André Preau , éd: Gallimard, Paris ,1962. p:52.
25 .ميشيل هار: هيدغر و الشعر –الشاعر لا يأتي بالخلاص- مجلة ((فكر و فن)) العدد: 47 العام 1988 ، ص: 11.
26 .جون ماكوري: الوجودية، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام، مراجعة: فؤاد زكريا، مطابع الوطن، أكتوبر 1982 ، ص،289.
27. المرجع نفسه، ص: 289.
28.زكريا إبراهيم : فلسفة الفن في الفكر المعاصر، مكتبة مصر الفجالة، د:ت. ص: 229.
29 .Beda Allemann: Hِlderlin et heidegger traduit de l'allmand par: François Fédier, presses Universitaires de France, Paris, 1959..p: 129
30 . Martin Heidegger: Essais et Conférences, tel Gallimard, 1958, p:227-228.
31. Heidegger, Aproche de Hِlderlin, p: 48.
32 . Bedda Allemann : Hِlderlin et heidegger , p: 139.
33.حوار مع بول ريكور، الشعر والإمكان، ترجمة: سامح فكري، مجلة نزوى، العدد:15 ،جوان 1998، ص: 157
34 . مارتن هيدغر : قراءة في شعر هولدرلين و تراكل،تلخيص وترجمة:بسام حجار،المركز الثقافي العربي،الطبعة الأولى، 1994. ص: 117.
35 . محمد طواع : هيدغر و الشعر ، مجلة ((فكر و نقد))، العدد الثامن1998، ص:83.
36 .مارتن هيدغر: إنشاد المنادى، المرجع السابق، ص: 23.
37 . عبد العزيز بومسهولي : الشعر الوجود و الزمان- رؤية فلسفية للشعر- المرجع السابق ص: 21.
38 . حوار مع بول ريكور: الشعر و الإمكان، ترجمة : سامح فكري ، ص: 157.
39 . مارتن هيدغر : رسالة في النزعة الإنسانية، ص:129-130.
40 . Martin Heidegger : Acheminement vers la parole, tr: Jean Beaufret.. Gallimard,1976p: 126.
41 .Ibid, p: 163.
42 .Ibid: p:157.
43 .عبد الرحمن بدوي: الإنسانية و الوجودية في الفكر العربي، دار القلم بيروت،1982. ص: 11.


كرد محمد
أستاذ مساعد، قسم الفلسفة،
معهد العلوم الإجتماعية والإنسانية،
المركز الجامعي معسكر.
http://www.anfasse.org/portail/index.php?option=com_content&task=view&id=2397&Itemid=313

 

(0) تعليقات
2010-08-30

yyy



عام نجيب محفوظ يبدأ في ديسمبر

محمد شعير
?«?ولكن آفة حارتنا النسيان?» ?هكذا يقول نجيب محفوظ علي لسان أحد أبطال روايته? «?أولاد حارتنا?». ?ويبدو أنّ? ?هذا ينطبق علي صاحب نوبل نفسه هذه الأيام في مصر?.?
? ?ففي ذكري رحيله الرابعة? ?لم يحدث شيءٌ? ?مما أُعلن عنه إثر رحيله?: ?لا المتحف الذي اقترحت وزارة الثقافة المصرية إقامته،? ?ولا مشروع? «?المزارات المحفوظية?» ?الذي أعلنت عنه محافظة القاهرة?. ?ذكري محفوظ هذه المرة ستمر مرور الكرام هذه المرة ليس تجاهلا فقط ولكن أيضا لأن المؤسسات الثقافية المصرية تركز كل جهودها في الاحتفالية الكبري بمئوية صاحب? " ?الثلاثية?" ?والتي ستبدأ في ديسمبر القادم وتحديدا في الثاني عشر منه وتستمر عاما كاملا?. ?الاحتفالية التي ستشارك فيها كل جهات وزارة الثقافة ستبدأ بتسليم الجائزة التي تمنحها الجامعة الأمريكية?.?
? ?ويبدأ مؤتمر الرواية في اليوم التالي لبدء الاحتفالية? ?وسوف يحمل اسم محفوظ،? ?وسوف تقدم لجان المجلس الأعلي للثقافة جميعها ندوات خاصة بمحفوظ?. ?ويختتم المجلس احتفاليته?- ?كما يقول الدكتور عماد ابوغازي الأمين العام للمجلس الأعلي للثقافة بمؤتمر دولي كبير يحمل اسم محفوظ وسوف يدعي إليه عدد كبير من النقاد والمثقفين العرب والأجانب،? ?ويتناول دراسة كافة الجوانب الخاصة بالروائي الراحل?. ?
يقوم المجلس? - ?حسب تصريح الدكتور حسين حمودة مدير إدارة النشر بالمجلس الأعلي للثقافة? ?بإصدار عدد من الكتب الخاصة بنجيب محفوظ? ?،? ?بمعدل كتاب كل شهر من بين هذه الكتب كتبا جديدة ليوسف الشاروني،? ?السيد فضل،? ?عبد المنعم تليمة،? ?فيصل دراج،? ?يحي الرخاوي،? ?زكي سالم،? ?وسيعيد المجلس إصدار عدداً? ?آخر من الكتب من بينها? " ?تأملات في العالم الروائي لنجيب محفوظ?" ?لمحمود أمين العالم،? ?العالم الروائي للناقد إبراهيم فتحي،? ?الرؤية والأداة لعبد المحسن طه بدر،? ?نجيب محفوظ الرمز والقيمة للدكتور جابر عصفور?. ?
ومن المقرر أن يتم افتتاح متحف نجيب محفوظ? ?في ديسمبر? ?2011? ?ليكون ذروة الاحتفالية? ?،? ?حسب تصريح الدكتور جابر عصفور? ?،? ?إذ يتولي الإجراءات العملية لمواد المتحف والاتصال باسرته المخرج توفيق صالح،? ?ويتولي صندوق التنمية بعض التعديلات المعمارية مع الآثار ليكون المتحف جاهزا في نهاية عام محفوظ?. ?وإن كان البعض يري أن أفضل توقيت لافتتاح المتحف هو بداية عام محفوظ خاصة أن المتحف مخصص من قبل وزارة الثقافة منذ أربع سنوات ولكن الخطوات العملية له تسير ببطء شديد كما أن لجنة? ?المتحف اجتمعت أكثر من مرة? ?برئاسة الدكتور جابر عصفور وعضوية محمد سلماوي ويحيي الرخاوي وعماد أبو? ?غازي،? ?ويوسف القعيد?. ?بل تبرّع عددٌ? ?من محبي نجيب محفوظ ببعض مقتنياتهم الخاصة?: ?محمد سلماوي تبرّع بالعصا الخاصة بمحفوظ التي كان قد أهداها له،? ?ويحيي الرخاوي تبرع بصورة من? »?خمس?« ?كراسات كان محفوظ يتدرب فيها علي الكتابة كنوع من العلاج بعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها عام? ?1994?. ?كما وُضع تصوّرٌ? ?لشكل المتحف،? ?علي أن يتضمن مكتبةً? ?ضخمةً? ?تحوي كل مؤلفات عميد الرواية العربية والدراسات والأبحاث التي صدرت عنه بكلّ? ?اللغات لتصبح المكتبة بمثابة مرجع لمن يريد دراسته،? ?فضلاً? ?عن? »?سينماتيك?« ?خاص بكل أفلامه?.?
أما المشروع الآخر هو? »?مزارات محفوظ?« ?السياحية?. ?وهو مشروع تتبناه محافظة القاهرة بعد اقتراح تقدم به الروائي جمال الغيطاني?. ?هكذا،? ?أُلِّفَت لجنة ضمت محمد سلماوي،? ?ويوسف القعيد،? ?وسعيد الكفراوي?. ?واتُّفق علي أن يبدأ المشروع بتسجيل الأماكن المرتبطة بمحفوظ مثل المقاهي والمنازل والأماكن الأثيرة لديه،? ?وخصوصاً? ?في القاهرة القديمة،? ?علي أن يُعرَّف بهذه الأماكن ويُرَمّم بعضها?. ?أما المستوي الثاني فهو المتعلق بعالم محفوظ الروائي،? ?وخاصة في المرحلة الواقعية?. ?ويخص المشروع تحديث وترميم الأماكن التي دارت فيها أحداث رواياته وعاشت فيها الشخصيات التي دخلت الأدب الإنساني في العديد من اللغات مثل أحمد عبد الجواد في? »?لثلاثية?« ?وحميدة في? »?زقاق المدق?«. ?علي أن يُحَدَّد خط مسار للمزارات جميعها من خلال وضع أسهم ولافتات للأماكن وطبع كتيبات صغيرة بسعر زهيد يوضح خريطة المزارات بلغات متعددة ليقوم السياح بجولات تستعرض أماكن محفوظ?.?
لكن لماذا توقف المشروع؟ يجيب سعيد الكفراوي?: »?لا أعرف?. ?اجتمعنا مرتين وأُخذت خطوات إيجابية?. ?لكن كالعادة لم يحدث شيء?« ?ويضيف?: »?هذا وطن بلا ذاكرة،? ?نجيب محفوظ مثل يحيي حقي ويوسف إدريس،? ?يذهب إلي النسيان?. ?ويبدو أنّ? ?النسيان من خواصّ? ?مصر المعاصرة?«.?
لكن هل ما يزال محفوظ مقروءاً؟ فادي عوض مدير النشر بالشروق أكد أن الكثير من أعمال نجيب محفوظ صدرت في أربع طبعات? ?،? ?وكل كتاب وزع في المتوسط ما يقرب من? ?12? ?ألف نسخة،? ?الاستثناء كانت رواية? " ?أولاد حارتنا?" ?التي صدرت في ثماني طبعات في الثلاث سنوات الأخيرة?. ?وأضاف عوض? : " ?في إطار الاحتفال بمئوية محفوظ سنصدر طبعة فاخرة جديدة من أعماله الكاملة،? ?كما تقوم الدار? - ?بإعادة طبع بعض أعمال محفوظ بأشكال جديدة مثل الجرافك نوفل،? ?أو الرواية المصورة،? ?فضلا عن إصدار? " ?معجم شخصيات نجيب محفوظ?" ?الذي قام بإعداده مصطفي بيومي في? ?1300? ?صفحة ويتضمن كل شخصيات روايات الراحل،? ?كما ستعيد الدار طبع بعض الكتب التي نفدت منها كتاب الدكتور مصري حنورة? " ?نجيب محفوظ وفن? ?صناعة العبقرية?."?
http://www.akhbarelyom.org.eg/adab/detailze.asp?field=news&id=1169&num=الرئيسية

 

(0) تعليقات
2010-08-30

yyy



الدوحة – رشيد يلوح
في 28 من يناير الماضي سجل التاريخ مرور سبع سنوات على رحيل عميدة الاستشراق الألماني المعاصر الدكتورة آنا ماري شيمل (1922- 2003). عالمة غربية أحبت الحضارة الإسلامية فكرست عمرها لخدمتها والدفاع عن قضاياها، انسجاما مع إيمانها بالحقيقة والعدالة، قالت شيمل عن سر قصتها مع الشرق: "لقد جذبني عالم الشرق منذ كنت طفلة، وبدأت أتعلم اللغة العربية وعمري 15 عاما، وسأظل أحب العالم العربي والإسلامي حتى وفاتي".
هذا المنطلق الروحي والعقلي العميق عند شيمل كان أمرا جديدا في مدرسة الاستشراق عموما، فالمنهج الأكاديمي للدراسات الشرقية في الغرب ينحدر تاريخيا من منهج فرعي في اللاهوت المسيحي، وقد كرس منهج الدراسات الشرقية نفسه لدعم الدين من خلال توفير المعارف الضرورية لفهم الكتاب المقدس ونشر رسالته. إلا أن الدكتورة شيمل اختارت لنفسها طريقا وصفته بقولها: "إن طريقي ليس هو طريق التصريحات والبيانات، ولا هو طريق الإثارات والزوابع. إنني أؤمن أن الماء الصافي سوف ينتصر بحركته الدؤوبة على مر الزمن وعلى صم الحجر". وقد سجل بعض الباحثين على منهج هذه المستشرقة ملاحظات نذكر منها:
أولا-ربطت شيمل اهتماماتها العلمية بالتصوف، وبتحليل العلاقة بين الله والإنسان جوابا على ما تميزت به النازية من قسوة وعنف. ثانيا-نشوء الرغبة العميقة من الجامعات الألمانية المدمرة يومها في التصالح مع الآخر ومع الأعداء، وكانت شيمل يومها أصغر بكثير من طلابها الذين كانوا يرددون شعارات تنادي بالتخلص من الأجانب وطردهم.
ولدت آنا ماري شيمل في 7 إبريل 1922 في مدينة ايرفورت بألمانيا، كان والدها يعمل موظفا في البريد، نشأت وترعرعت في حقبة حرجة من تاريخ ألمانيا الحديثة، فقد تزامنت نشأتها مع بداية قدوم النازية إلى الحكم. بدأت أنا ماري شيمل بتلقي دروس خاصة في العربية في سن 15، حصلت على درجة الدكتوراه عام 1941 في برلين في 19 من عمرها عن رسالتها حول حضارة العصر المملوكي في مصر، وبعد ثلاث سنوات حصلت على درجة الأستاذية من جامعة ماربورغ، وتعتبر شيمل أصغر من حصل على مثل هذه الدرجة العلمية في ذلك الوقت، وفي عام 1951 حصلت على درجة دكتوراه ثانية في رسالتها عن تاريخ الأديان ومكانة الإسلام بين الأديان السماوية .
قامت الدكتورة شيمل بأول زيارة لها إلى العالم الإسلامي عام 1952 وبالتحديد إلى تركيا التي عادت إليها في عام 1956 بعد تلقيها دعوة من كلية الإلهيات في جامعة أنقرة حيث عملت كأستاذة في العلوم الإسلامية واللغة العربية، اغتنمت شيمل عملها في قسم تاريخ الأديان بجامعة أنقرة لتقوم بإجراء تحقيقات واسعة في الآداب التركية القديمة، لاسيما التراث الصوفي، كما وجهت جزءا من اهتماماتها حينئذ إلى قضايا الإسلام المعاصرة.
بعد عودتها إلى بلدها ألمانيا شغلت شيمل ابتداء من عام 1961 منصب مستشارة الشؤون العلمية في مجال الدراسات الإسلامية في جامعة بون، إلى جانب عملها كأستاذة للغة العربية والعلوم الإسلامية، وكذلك إشرافها وتحريرها في المجلة الدورية (فكر وفن) حتى عام 1973، وكانت تنشر مجلة (فكر وفن) باللغة العربية من لدن مؤسسة (غوته) الألمانية، وقد نَشَرَت شيمل عبرها الكثير من أبحاثها عن الحضارة والثقافة الإسلامية.
خلفت الدكتورة أنا ماري شيمل ما يزيد على مائة كتاب، وكما هائلا من المقالات المبثوثة في الدوريات الألمانية والعالمية والمحاضرات باللغات المختلفة، كما أتقنت هذه العالمة المنصفة لغات كثيرة منها: العربية والفارسية والتركية والأردية والسندية والباشتوية والبنجابية، ما أهلها إلى ترجمت الكثير من الشعر الصوفي، خصوصاً للعارف مولانا جلال الدين الرومي والعلامة محمد إقبال والحلاج وميرزا أسد الله وغالب الدهلوي وفريد الدين العطار وغيرهم.
تلقت شيمل في عام 1967 دعوة للتدريس في جامعة هارفارد العريقة بالولايات المتحدة، وفي عام 1970 خصص لها كرسي تاريخ أديان الشرق في تلك الجامعة، فضلا عن إلقائها دروسا في مؤسسة الأبحاث الإسلامية بلندن في صيف كل عام.
نالت الدكتورة شيمل العديد من شهادات الدكتوراه الفخرية من جامعات شرقية وغربية، وذلك تقديرا لجهودها المتميزة في مجال الحضارة الشرقية، ولدورها التاريخي في التقريب الثقافي والعلمي بين الشرق والغرب، كما استحقت المرأة الكثير من الجوائز وأوسمة التكريم، أهمها جائزة (فريدريش ركارت) الألمانية عام 1965، ووسام الاستحقاق الألماني من الدرجة الأولى عام 1982. كما منحت في العام 1995 جائزة السلام كأحسن كاتب بالألمانية ساهم بفكرة في دعم السلام بين الشعوب.
نذرت الدكتورة شيمل حياتها العلمية والعملية على امتداد ما يزيد على نصف قرن في خدمة الإسلام، ديناً وحضارة وثقافة، لقد كتبت في التعريف بالإسلام، وعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعن تاريخ الحضارة العربية والإسلامية، وعن الصوفية والفكر الصوفي، وعن الشعر العربي والفارسي والتركي، وعن الخط العربي، وعن الحياة المعاصرة للمسلمين وغيرها.
وفي مقدمة كتابها الشهير (وأن محمدا رسول الله) بيتا شعر باللغة الأوردية يقولان:
قـد لا أكـون مؤمنة، وقد أكـون
أمـا حقيقتي، فالله وحده هو العالم بهـا
ولكنني أرغب في أن أضع نفسي خادما
للأمير الأعظـم في المدينـة
ذهب الكثيرون إلى أن أنا ماري شيمل قد اعتنقت الإسلام، لكن حتى الآن ليس هناك مايثبت ذلك رسميا، لكنها عاشت حياتها مع المسلمين وتاريخهم وأفكارهم بشكل يجعل المهتم يتساءل إذا ما كانت قد أصبحت واحدة منهم، حتى أصبح الظن بإسلامها انطباعا قابلا للتصديق عند الكثيرين.
بعد إعلان وفاتها في 28 يناير عام 2003 نعى المجلس الأعلى للمسلمين بألمانيا شيمل في بيان جاء فيه: "كانت السفيرة الرفيعة بين الإسلام والغرب، وكانت شخصية نادرة كرست حياتها في دأب وحب لإزالة الشكوك لدى الغربيين حول الدين الحنيف"، وعتبر المجلس رحيلها فجوة يصعب سدها في جدار حوار الحضارات. وفي شهادة التكريم التي صاحبت جائزة السلام التي حصلت عليها عام 1995 -وهي أهم جائزة من نوعها بعد جائزة نوبل للسلام- عللت اللجنة المانحة للجائرة قرار إسنادها للمستشرقة الألمانية أنا ماري شيمل بما يلي: "تمنح رابطة الكتاب الألمان الجائزة لأنا ماري شيمل التي كرست جهدها طيلة حياتها من أجل التعريف بالإسلام، وإيجاد روح القبول له ولمظاهر الحياة في إطاره، ومن أجل التقاء أبعاده التجديدية حضاريا مع الغرب".
لكن للأسف لم تنل أنا ماري شيمل حتى اليوم ماتستحقه في العالم العربي من تقدير واهتمام، سواء من المؤسسات الأكاديمية الرسمية أو من الهيئات الثقافية والعلمية الأهلية، لماذا إذن لانحتضن جهود هذه العالمة المنصفة والمخلصة ؟


http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=118023&issueNo=987&secId=18

 

(0) تعليقات
2010-08-28

yyy

المفكر السعودي محمد محفوظ لـمجلة "اقرأ": ،
أجرى الحوار : حسن آل حمادة
دعا المفكر السعودي المتخصص في الفكر الإسلامي الأستاذ محمد محفوظ إلى ضرورة الاعتماد على الحجة والبرهان، باعتباره المنهج العلمي والموضوعي الذي ينبغي الاستناد إليه في عملية التجديد. وأشار إلى أن المسلم المعاصر أحوج ما يكون اليوم، إلى تطوير نمط علاقته بالنصوص، حتى تصبح علاقة حيوية وفاعلة وبعيدة عن كل أشكال الحرفية والجمود. وقال إن حضور قيم النهضة في المجتمع الإسلامي، هو الذي يفتح أبواباً جديدة لرؤية المستقبل وبلورة آفاقه، كما أن الإمكانات والقدرات التي يتضمنها أي مجتمع لا يمكن توظيفها في عملية التقدم الإنساني إذ لم تكن هناك نهضة في المجتمع. وحول سر استخدامه لمصطلح (التقدم) إلى الإسلام، بدلاً من (العودة)، أجابنا بأن المصطلح الأجدى بالاستخدام، هو التقدم إلى الإسلام باختياراته الكبرى ومثله العليا، التي لا زال الإنسان يكدح من أجل التوصل إليها وتمثلها في واقعه المعاش، لا العودة إليه باعتباره حبيس حقبة تاريخية معينة. وهذا نص الحوار:

*الدعوة للتجديد في الفكر الإسلامي مسألة مثارة، لكن ممن يفترض أن يكون هذا التجديد؟ وهل للتجديد ضوابط وأدوات معينة؟

**في إطار الضوابط والأدوات، من المهم التأكيد على هذه المسألة المحورية، وهي: ضرورة الاعتماد على الحجة والبرهان. فهو المنهج العلمي والموضوعي الذي ينبغي الاستناد إليه في عملية التجديد. ولقد استفاضت آيات من القرآن الحكيم في مقام الاعتماد على مقتضى العقول وحجيته.. قال تعال: {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [الرعد: 4].

وذم قوماً لم يعملوا بمقتضى عقولهم فقال عز ذكره {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون}[آل عمران: 65].

فما ثبتت حجيته بدليل قطعي من شرع أو عقل أخذ به، وما لم تثبت حجيته أي لم يقم على اعتباره دليل لا يؤخذ بالاعتبار في عملية الاجتهاد والتجديد.

والمسلم المعاصر أحوج ما يكون اليوم، إلى تطوير نمط علاقته بالنصوص، حتى تصبح علاقة حيوية وفاعلة وبعيدة عن كل أشكال الحرفية والجمود. فالعلاقة الواعية من النصوص، هي وسيلتنا لإزالة كل أشكال الغبش الذي حجب الرؤية السليمة، وأدخلنا في متاهات ودهاليز، عمقت الفهم القشري لتعاليم الدين، وأخرجتنا من صميم الحركة التاريخية.

فلا مناص لنا اليوم إلا تجديد وعينا بالإسلام، فهو وسيلتنا لنتمكن في الأرض.. والتجديد ليس خضوعاً لضغوطات الواقع، وليس توفيقاً تعسفياً مع حاجات العصر، وإنما هو استنطاق أصيل لثوابت النص لاستيعاب المتغيرات وتقديم الحلول والإجابات وفق القواعد العامة والأصيلة.

*ما هي أبرز المتطلبات الذاتية لبلورة أفق المشاركة للخطاب الإسلامي المعاصر؟

**بإمكاننا أن نحدد هذه المتطلبات في الآتي:

أولاً: حضور النهضة: بمعنى أن الشرط الأول الذي ينبغي أن يتوفر في الفضاء المعرفي والحركي الإسلامي، للمساهمة الجادة في مسيرة الأمة والحضارة، هو أن يكون الواقع الإسلامي المعاصر، يعيش النهوض في مختلف مجالاته وأبعاده. لأن غياب هذا الحضور، سيعني استمرار الجمود والاستلاب والتبعية والانسلاخ، وكلها عوامل أو حقائق لا تؤدي إلى قيمة المشاركة والمساهمة، بل تؤدي إلى اعتماد متعاظم على الآخرين في كل شيء، ويواكب هذا الاعتماد تدميراً مستمراً للقوى الذاتية أو منابع القوة الحقيقية في الجسم الإسلامي.. بينما حضور النهضة في الفكر والممارسة، يعني استحداث الجهود الذاتية، وعوامل النمو الطبيعية في المحيط الاجتماعي، حتى تتولد حركية دائمة وصيرورة متجهة نحو التطوير والبناء لتجاوز الحال إلى المؤمل، والواقع إلى الطموح.

وإن حضور قيم النهضة في المجتمع الإسلامي، هو الذي يفتح أبواباً جديدة لرؤية المستقبل وبلورة آفاقه، كما أن الإمكانات والقدرات التي يتضمنها أي مجتمع لا يمكن توظيفها في عملية التقدم الإنساني، إذ لم تكن هناك نهضة في المجتمع، يتحرك بحوافزها، ويسعى (بفعل الروح والقيم التي توفرها) نحو الاستفادة القصوى من كل الإمكانات المتوفرة في الإنسان والطبيعة.

لهذا فإننا نجد أن مصير المشروعات التي تستعير الحوافز ومظاهر النمو الفشل. لأنها لا تؤسس في البناء الاجتماعي، الأسباب الذاتية لصناعة الكفاءة الإنسانية القادرة على توظيف الإمكانات واستمرارها بما يخدم مشروع البناء والعمران الحضاري.

ثانياً: التعامل الإيجابي مع الراهن:

وهذا لا يعني بطبيعة الحال القناعة التامة به، أو اعتباره إقنوماً مقدساً لا يمكن تغييره أو تطويره بل هو:

1- قدرة نفسية تتجسد في إرادة جمعية وتصميم وتخطيط مشترك، يتجه إلى تحقيق الانسجام المطلوب بين الإنسان وراهنه، حتى يتسنى له معرفة وملامسة مكامن القوة التي ينطلق منها في مشروعه الإنساني والحضاري.

2- النفاذ إلى القوانين التي تتحكم بسيرورات تطور المجتمعات الإنسانية، تمهيداً للوصول إلى معرفة الواقع الاجتماعي وسياقه التاريخي، وإمكانات الفعل والتطوير التي يزخر بها.

3- تهيئة النفوس والعقول للاستفادة القصوى من التطورات وعمليات التقدم السريعة التي يزخر بها راهننا. وهذه التهيئة عبارة عن حد وسط بين الذوبان المطلق في الجديد، وبين التيبس والتخشب عن ممارسة الدور الفاعل. فهي قدرة إنسانية تسعى إلى مواكبة الجديد دون الذوبان فيه، واستلهام حسناته وهضم نقاط قوته، والتحصن الذاتي من سيئاته ومساوئه. كما أنها لا تجعل الوجود الحركي الإسلامي ينهزم أمام مشاكله، ويرضخ لتحدياته، بل تغرس في نفوس أبنائه العزة بالذات والإيمان بقدرتها، وتجعلهم يتحملون شظف العيش وضنك الحياة من أجل تجاوز تلك المشاكل والتحديات باقتدار.

*ولكن، هل باستطاعة الوجود الإسلامي أن يتجنب المعارك الجانبية أو الوهمية؟

**إننا نرى أن المتطلبات الذاتية، التي ينبغي توفرها في الفضاء الحركي الإسلامي المعاصر للمشاركة الجادة في مسيرة الأمة والوطن، هو حضور قيم النهضة في مناحي الحياة المتعددة، ومقاومة كل أسباب الجمود والترهل والكسل والتخلف، والتعامل الإيجابي والحكيم مع الراهن، حتى لا يدخل الوجود الإسلامي المعاصر في معارك وهمية أو جانبية، وحتى يستفيد من كل الفرص التي يوفرها الراهن في سبيل البناء، وحتى نحدد لأنفسنا خريطة أولويات نلتزم بمتطلباتها، ونوفر مستلزماتها.

وهذه دعوة مفتوحة من أجل القراءة الدائمة والواعية للراهن، حتى يكون تعاملنا معه حكيماً. ومن أجل توفير المتطلبات الذاتية في المشروع الإسلامي المعاصر للمشاركة النوعية والمستديمة في مسيرة الأمة والوطن.

*يلاحظ في كتاباتكم المختلفة استخدامكم لعبارة: (التقدم إلى الإسلام)، بدلاً من عبارة: (العودة إلى الإسلام).. ما السر في هذا الاستخدام؟

**إن التقدم والتطور ناموس كوني وحقيقة إنسانية ثابتة. إذ أن جميع الكائنات الحية الموجودة على هذه البسيطة، لا تتوقف عن التطور والانتقال من حالة إلى أخرى. ومجموع القيم والمنظومات العقدية والفكرية، هي التي تحدد تجاه سير التطور والتقدم.

لهذا فإن المصطلح الأجدى بالاستخدام، هو التقدم إلى الإسلام باختياراته الكبرى ومثله العليا، التي لا زال الإنسان يكدح من أجل التوصل إليها وتمثلها في واقعه المعاش، لا العودة إليه باعتباره حبيس حقبة تاريخية معينة.

وإن الإنسان على وجه هذه البسيطة سيبقى أبداً في حاجة إلى الإسلام بقيمه ومبادئه ونظمه، لكي يفقه وجوده ويكون له معنى. وعلى هذه فإن الإسلام كقيم ومبادئ، هي متقدمة على واقع الإنسان وحركة حياته. لهذا فإن مهمة الإنسان في هذا الوجود، هي السعي والكدح للوصول إلى ذلك المثال، وتجسيد تلك القيم في الواقع. قال تعالى: {إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه}.. وعلى هذا فالإنسان (الفرد والجماعة)، هو الذي يتقدم إلى الإسلام، وهو دائماً يعيش متقدماً على الواقع. بمعنى أن الوحي وهو المعطى الأساسي في الدين الإسلامي، يبقى خارج الزمن وداخل فيه في آن. أي أن الوحي يشكل مجموعة من القيم والمبادئ المطلقة والخالدة، والتي لا تتأطر بزمان أو مكان محدد. وفي المقابل فإن العودة إلى الإسلام، تحمل في طياتها بعداً زمنياً غير مقصود. لهذا فإن التقدم في رحاب المستقبل واختيارات الإسلام الكبرى، يُعد هو الشعار والمضمون المناسب لمعطى الوحي وحركة الإسلام الخالدة.

*عن المركز الثقافي العربي في المغرب، صدر لكم كتاباً بعنوان: (الإسلام ورهانات الديمقراطية).. ماذا تناولتم في هذا الكتاب؟

**هذا الكتاب ينطلق ويتناول مسألة الإسلام والديمقراطية وعلاقتهما ببعض المفردات الحيوية كالتنمية والوحدة والاختلاف وحرية التعبير والشورى.. وينطلق هذا الكتاب من حقيقة أساسية مفادها: أن منطق الاستبداد، لا يأبد الأنظمة، ولا يفضي إلى الاستقرار، وإنما يفاقم العيوب، ويعمق التوترات، ويفجر الخصوصيات. وإننا بحاجة إلى تحول نوعي وتطور استراتيجي في فكرنا السياسي والاستراتيجي، يعمق خيار الديمقراطية في واقعنا، ويسعى نحو صناعة حقائقه ووقائعه، ويحارب كل موجبات الاستبداد وحالات التهميش والتمييز، ومواقع النبذ والإقصاء.

وعلى هدى قيم الإسلام العزيز، والتواصل مع مكتسبات الإنسان والحضارة، نخلق فضائنا الحر، ونمارس حريتنا وتعدديتنا، ونجسد حضورنا وشهودنا، ووقائع وحقائق الدفاع عن حريتنا وحرية غيرنا.

والحرية لا تعني بأي حال التفلت من القيم ومحاسن العادات والأعراف الاجتماعية، وإنما تعني استخدام إرادتنا والتعامل مع راهننا بما ينسجم والمثل العليا والضمير والوجدان..

والحرية هي التي تعيد صياغة علاقتنا بمفاهيمنا وأفكارنا. فبدل أن تكون علاقة جامدة، اجترارية، سكونية، تتحول بالحرية إلى علاقة تفاعلية، تواصلية، ابتكارية.

مقتطفات من كتاب: (الحوار الوطني وآفاق الوحدة الوطنية)؛ لضيف الحوار:

*الحوار بكل مستوياته، هو ضرورة لنا جميعا، وذلك من أجل تعميق وتوسيع المساحات المشتركة، وبلورة أطر وأوعية للفهم والتفاهم المتبادل، ولكي تتراكم أعراف وتقاليد حوارية تسود في كل دوائرنا الاجتماعية والوطنية.

*إننا مطالبون، أن نمارس فعاليتنا الفكرية وحيويتنا الثقافية، لتوطيد أركان وعوامل المنهج الحواري، حتى نكون جميعا بمستوى المشاركة النوعية في صنع حقائقنا وصياغة راهننا وإنضاج خيارات غدنا ومستقبلنا. والحوار قبل أن يكون أطرا وهياكل، هو روحية واستعداد نفسي، يرتبط بوجداننا وقيمنا الإسلامية، التي أسست لهذا الخيار في كل جوانب وشؤون حياتنا.

*الوحدة الوطنية ليست مقولة تقال أو خطابا يلقى، وإنما هي ممارسة متواصلة ومشروع مفتوح على كل المناقبيات والمبادرات التي تزيد من رص الصفوف وتوحيد الكلمة وتمتين مستوى التلاحم الوطني.

*الأجواء المشحونة بالشك والريبة، لا يمكن تجاوزها إلا بالحوار المتواصل والتخاطب عن قرب والإنصات الواعي إلى الحجج والبراهين.

*التحديات الداخلية والخارجية، تلزمنا جميعا إلى تعميق خيار الحوار والتواصل في أجواءنا الداخلية، باعتباره هو الطريق الحضاري لتعزيز مفهوم الوحدة الوطنية، وتجاوز كل المخاطر التي تواجهنا في مختلف المجالات. من هنا فإن الحوار الوطني، لا يستهدف فقط التعارف بين مدارس المجتمع وتوجهاته المتعددة، بل يستهدف أيضا صوغ برنامج وطني متكامل، يتبنى العيش المشترك والسلم الأهلي واحترام حقوق الإنسان وتطوير الحياة الاجتماعية والاقتصادية.


إضاءة:
- الأستاذ محمد محفوظ.. مواليد سيهات، شرق المملكة العربية السعودية.
- مدير تحرير مجلة (الكلمة) الصادرة في بيروت، وهي مجلة تعنى بشؤون الفكر الإسلامي وقضايا العصر والتجدد الحضاري.
- يكتب مقالة أسبوعية في جريدة الرياض.
- أصدر عدداً من المؤلفات القيمة، ومنها: (الأهل والدولة: بيان من أجل السلم المجتمعي)، (الإسلام، الغرب وحوار المستقبل)، (الفكر الإسلامي المعاصر ورهانات المستقبل)، (الحضور والمثاقفة: المثقف العربي وتحدّيات العولمة)، (الأمة والدولة: من القطيعة إلى المصالحة لبناء المستقبل)، (الإسلام ورهانات الديمقراطية)، (العولمة وتحولات العالم)، (في ذكرى الإمام الشيرازي)، (الحوار الوطني وأفاق الوحدة الوطنية).


* عن مجلة (اقرأ) السعودية، الخميس: 30/11/1424هـ/22/1/2004م.

المصدر: مجلة (اقرأ) السعودية، 22-01-2004 (نقلا عن موقع قطي


http://www.alwihdah.com/news/interviews/2010-04-26-260.htm

 

(0) تعليقات
2010-08-10

yyy





ترجمة عبد العالي باجو
عن مجلة مدارات عدد13

عندما ناقش هيغل (Hegel) أنساق كانط (kant) وجاكوبي (Jacobi) وفيخته (Fichte) سنة1902، وعندما أدرك الأنساق انطلاقا من التعارض بين الإيمان والمعرفة بقصد تفجير فلسفة الذاتية من الداخل. لم تكن طريقته في العمل مع ذلك محايثة (immanente) بكيفية دقيقة. ولذلك لجأ ضمنيا إلى التشخيص الذي أجراه على قرن الأنوار، وبهذا التشخيص وحده توسل في العمق ليفترض المطلق ـ وفيما وراء ذلك ليفترض العقل (بمفهوم مختلف، إذن، عن المفهوم الذي تقترحه فلسفة التأمل) بأنه قدرة على التوحيد:
أقامت الثقافة عصرنا على التنافر القديم بين الفلسفة والدين الوضعي حتى [...] ليوجد التعارض بين الإيمان والمعرفة، منذئذ، في الفلسفة ذاتها [...] يبقى أنه يمكن التساؤل ألم يسلك المنتصر الذي هو العقل الطريق الذي تسلكه، عادة، قوة الأمم المتوحشة لقهر ما لدى الأمم الأكثر تقدماً من ضعف مستسلم، وهو: أن تحافظ على سيادتها بهيمنتها الخارجية، وأن تستسلم في ميدان الروح لمن هزمتهم. إذا أمعنا النظر في الأمر، فإن النصر المشهود الذي أحرزه عقل الأنوار "المنير" على ما كان يعتبره معارضا له ـ بحكم تصوره الضيق للديني بصفته إيمانا ـ ليس سوى ذلك؛ وإذا لم يبق الدين الوضعي ـ الذي التزم بمحاربته ـ ديناً، فإن العقل أيضا لم يبق عقلا (1).
واعتقاد هيغل الراسخ هو أن قرن الأنوار ـ الذي بلغ أوجه عند كانط وفيخته ـ قد جعل العقل صنماً؛ فقد أحل هذا القرن الفهم (entendement) أو التأمل (réflexion) محل العقل بطريقة خاطئة، فرقى بذلك شيئا متناهيا إلى مطلق. والحقيقة أن اللامتناهي الذي تقترحه فلسفة التأمل (philosophie de la réflexion) ـ إذا كان يصدر عن العقل ـ إنما يفترضه الفهم وهو محكوم عليه بالنفاد في نفي (négation) المتناهي (fini):
إذ يحدث الفهم [هذا اللامتناهي(infini)]، يعارضه بالمتناهي بطريقة مطلقة؛ وبموازاة ذلك، فإن التأمل الذي تجاوز المتناهي فارتفع إلى مرتبة العقل يعاود السقوط من جديد إلى درك الفهم وهو يحدد تصرف العقل بالتضاد؛ والمشكلة هي أنه يدعي البقاء عقلانيا (rationnelle)، حتى في هذه الانتكاسة(2).
ومع ذلك، وكما يثبت الاستعمال غير المشروط للفظة "الانتكاسة"، فإن هيغل يتمسك هنا، خفية، بما يرمي إلى البرهنة عليه: فلعله بدأ ب إثبات، وليس فقط افتراض، أن عقلا يتجاوز الفهم المستطلق (absolutisé) يمكنه، هو أيضاً، أن يوحد بطريقة مقنعة كذلك التعارضات التي يجب على العقل أن يبين عنها بواسطة الخطاب على أي حال. والواقع أن ما بحث هيغل على افتراض قدرة على التوحيد، ليس هو الحجج بقدر ما هو تجارب سيرة حياته ـ ولا سيما تجارب الأزمة المرتبطة بتاريخ عصره، وهي تجارب كان قد راكمها وتأملها في توبنكن (Tübingen) وبرن (Bern) وفرانكفورت (Frankfurt) وكانت تشغل باله عندما وصل إلى يينا (Iena).
وقد دافع هيغل الشاب وزملاؤه في مدرسة توبنكن الإكليريكية ـ كما هو معلوم ـ عن حركات عصرهم التي كانت تؤيد الحريْة. وكانوا متأثرين مباشرة بما ينمو من توترات حول الأنوار الدينية، وعارضوا ـ على الخصوص ـ الأرتذكسيّة البروتستانية التي كان يجاهر بها اللاهوتي كوتليب كريستيان شتورّ (Gottlieb Christian Storr). فاتجهوا على الصعيد الفلسفي نحو الفلسفة الكانطيّة للدين والأخلاق، واتجهوا على الصعيد السياسيّ نحو الأفكار المنبثقة من الثورة الفرنسية؛ ولاشك في أن التنظيم الصارم الذي كان يسم حياة المدرسة الإكليريكية قد أدى، في هذا، دوراً حاسما: يفكّر بها الناس ويقرّرون؛ وبما أنه ينقاد لأوامر العقل العمليّ. فإنه لابدّ من أن ينفذ إلى الروح والقلب. وعلى شرط أن يكون الدين العنصر الذي تنمو فيه الحياة العامّة، فإنّ الدين يمكنه أن يضفي على العقل فعليّة (effectivité) عمليّة. وروسو هو الذي يستلهمه هيغل بجلاء في افتراضه المتطلبات الثلاثة التي على الدين الحقيقي للشعب أن يلبيها:
بالرغم من أن العقل الكونيّ هو الذي يجب أن يؤسس عليه الدين عقائده، فإن الخيال والقلب والإحساس (sensibilité) لا ينبغي أن تظل فارغة حتى في هذه الحالة. ويجب تشكيل هذا الدين بحيث تستطيع أن ترتبط به كل حاجات الحياة، كل الأنشطة السياسية العامة(7).
ولاشك في أن هذا ينسجم مع عبادة العقل، كما كانت تمارس خلال الثورة الفرنسية. انطلاقاً من ذلك إذن يفسر التحفظ المزدوج ـ الذي يشفّ في كتابات الشباب اللاّهوتية ـ من الأرتذكسيّة ومن الدين العقلاني في الوقت نفسه. وكان هذا وذاك يبدوان منتوجين متكاملين ومتنافيين، آتيين من دينامية للأنوار كانت تتجاوز، مع ذلك، حدود الأنوار.
إن ما يشكل توقيع العصر، عند هيغل الشاب، هو وضعانية للأخلاق (positivisme de la morale). وهو يطلق صفة "الوضعيّة" (positives) على الأديان التي لا تستند إلاّ على السلطة ولا تجعل قيمة الإنسان في أخلاقه(8). فالوضعيّ هو التعاليم التي يفترض فيها أن تمكّن المؤمنين من نيل عطف الله بعملهم وليس بالنشاط الأخلاقيّ؛ والوضعيّ هو الأمل في جزاء في الآخرة، كما أن الوضعي هو الانفصال عن العقيدة (المتروكة، من جهة، في أيدي البعض) وعن الحياة والمِلكية (الممنوحين للجميع)؛ والوضعيُّ هو أن يمكن لعلم الكاهن أن ينفصل عن إيمان الجماهير الصنمي (fétichiste)، كما أن الوضعيّ هو أيضا اللّفّ الذي يجبر من يجب عليه أن يصل إلى الأخلاق على المرور بالسلطة والمعجزات؛ والوضعيّ كذلك هو التطمينات والتهديدات التي تنشد المساواة في النشاط فقط؛ وأخيراً ـ وعلى الخصوص ـ الوضعيُّ هو التمييز بين الدين الخاص والحياة العامة.
إذا كان هذا هو ما يميّز الإيمان الوضعيّ الذي يدافع عنه فريق الأرتذكسية، فربّما واتى الحظ فريق الفلاسفة. فهو، في الواقع، يصرّ فعلاً على المبدإ الذي يذهب إلى أن الدين ليس وضعيّاً في ذاته البتّة؛ فإذا"كان كلّ واحد يسمع ويحسُّ قوته الإلزامية عندما يوليها انتباهه"(9)، فإنها تدين بذلك للعقل البشريّ الكونيّ. غير أنّ هيغل يؤكد ـ ضدّ أنصار الأنوار ـ أن الدين العقلاني المحض على قدر عجزه عن التأثير في القلب والأحاسيس والحاجات، يمثل تجريداً ـ مثله في ذلك كمثل الإيمان الصنمي. وأخيراً، فبما أنه مقطوع عن مؤسسات الحياة العامّة ولا يولِّد أيّ حماس، فإنه لا يؤدي إلاّ إلى نمط من الدّين الخاصّ. وبالمقابل، فإذا أخرج الدين العقلانيّ إخراجاً عموميّاً ـ من خلال الأعياد والعبادات ـ، وإذا اختلط بالأساطير وإذا خاطب القلب والخيال، فإن الأخلاق، التي يتوسط لها الدين، يمكنها عندئذ أن "تتسلل إلى نسيج الدولة كلّه"(10). فالشرط اللاّزم لأن يجد العقل الملازم للدين شكلاً موضوعيّاً هو شرط الحريّة السياسيّة ـ "على دين الشعب، لكي يبرز مبادئ كبرى ويغذّيها، أن يسير يداً في يد مع الحريّة"(11).
لذلك ليست الأنوار إلاّ قفا الأرتذكسيّ. فهذه تدافع عن وضعيّة (positivité) العقائد، ولكن تلك تسلم بموضوعية (objectivité) أوامر العقل؛ وتلجآن معاً إلى الوسائل نفسها ـ التي يوفرها التأويل الكتابيّ؛ وهما تعزّزان الانشقاق وتبدوان كذلك عاجزتين سواء عن جعل الدين قادراً على الكليّة الأخلاقيّ لشعب بأكمله، أو عن الإيحاء بتفتح حياة في الحريّة السياسيّة. إن الدين العقلانيّ، كالدين الوضعيّ(religion positive)،"ينطلق من شيء معارضٍ، من واقع لسنا عليه ويجب علينا أن نكون عليه" (12). إنه أيضاً نمط الانشقاقِ نفسِه الذي سينتقده هيغل في أوضاع عصره ومؤسساته السياسيّة في الوقت نفسه ـ هذا ما سيفعله أساسا مع الوصاية التي مارسها جيش مدينة بيرن على فود (Vaud) ومع تشكيل فوغتمبغك (Wurtemberg) الأوليغارشيّ ومع دستور ألمانيا(13). فكما أن الدين غادرته الروح الحيّة للمسيحية الأصلية، فصار ديناً وضعيّاً تجاهر به الأرتذكسية المعاصرة؛ كذلك فإن السياسة فقدت فيها" القوانين حياتها الأولى، ولم تستطع حياة الوقت الحاضر النفاذ إلى القوانين"(14). وقد تحولت الأشكال القانونية والسياسية التي تجمدت في الوضعية (positivité) إلى قوة الأشكال تجعلها غريبة علينا. وفي هذه السنوات، أي حوالي 1800، يحتفظ هيغل بالحكم نفسه للدين والدولة؛ فهو يأخذ عليهما انحطاطهما إلى مجرد إواليّة بسيطة، مجموعة تروس، آلة (15).
تلك إذن هي الحوافز، المتأتية من تاريخ عصره، والتي حثت هيغل على تصور العقل قبليّاً بأنه قوّة لا تميّز النسق وتفصله عن الأوضاع المعيشة فحسب، بل تجمعها أيضاً. إن مبدأ الذاتية يولّد، في الصراع الذي يعارض بين الأرتذكسية والأنوار، وضعيّة تتطلّب تذليلاً موضوعيّاً لها على كل حال. غير أن على هيغل قبل أن يمكنه إنجاح جدليّة العقل هذه، أن يبيّن كيف يمكن تفسير تجاوز الوضعيّة انطلاقا من المبدإ ذاته الذي انحدر منه بالذات.
يلجأ هيغل، في كتابات شبابه، إلى القدرة التوفيقيّة لعقل يستحيل استنباطه من الذاتيّة دون فصل.
وكلما تناول الانشقاق الذي يولّده التأمّل، ركّز على المظهر الاستبداديّ للوعي بالضبط. وتُظهر ظواهر الـ "وضعيّ" الحديثة مبدأ الذاتية على أنه مبدأ هيمنة. ذلك ما تشهد عليه وضعية الدين في عصره، الذي رفضته الأنوار ودعمته في الوقت نفسه؛ هكذا تترجم الوضعانية الأخلاقية، بكيفية إجمالية، "شدة الزمن"؛ إذ في "الشّدّة، إمّا أن يحوّل الإنسان إلى موضوع فيُستعبد، وإما أن يُضطر إلى جعل الطبيعة موضوعاً فيستعبدها"(16). ويستند هذا الطابع القمعيّ للعقل عموماً على بنية الإرجاع الذاتيّ، وبعبارة أخرى على بنية العلاقة التي تقيمها مع نفسها ذات تعتبر نفسها موضوعا. صحيح أن المسيحية، وهي تتبلور، كانت قد أقصت قسطاً من الوضعية الملازمة للإيمان اليهوديّ كما كانت البروتستانتية قد أقصت الكاثوليكية؛ لكن وضعية جديدة كانت تعاود الظهور حتّى في الفلسفة الكانطية للأخلاق والدين؛ وهذه المرة بصفتها عنصراً سافراً للعقل ذاته. هذا ما يمكن هيغل من تمييز "المتوحشين المغول". الذين يخضعون للهيمنة، من وريث الحداثة الراشد الذي لا يصغي إلاّ لواجبه. إن ما يميّزهم ليس هو ما يفرق بين العبودية والحرية، وإنما واقعة.
إن الأوّلين سيّدهم خارج عنهم، بينما الثاني يحمل سيده في ذاته وهو بذلك يشكل عبد نفسه؛ وعند الخاصّ ـ النزعات، الأهواء، الحبّ العاطفيّ، الإحساس، أو سمّه ما شئت ـ، أن الكوني شيء أجنبيّ، موضوعيّ بالضرورة وإلى الأبد؛ تبقى وضعيّة غير قابلة للتدمير، غير مقبولة تماماً من جهة أن المضمون الذي تتلقاه القيادة الكونيّة، وأعني واجباً محدّداً، يحتوي التناقض بين كونه محدوداً وكونه كونيّاً في الوقت نفسه، ويُظهر ـ باسم الكونيّة ـ المتطلبات الأكثر صرامة لصالح أحاديّتها(17).
وتوصل هيغل، في البحث نفسه عن "روح المسيحية وقدرها" إلى تصوُّر عقل توفيقيّ يبطل الوضعيّة، وليس ظاهريّاً فقط. فهو يرتكز، مثلاً، على نموذج العقاب المبتلى به بصفته قدراً(18)، فيوضح الطريقة التي يظهر بها العقل للذوات على أنه سلطة توحيد. ومنذئذ صار هيغل يميّز ما ينتمي إلى الأخلاق (éthique) مما ينتمي إلى "الأخلاق المجتمعيّة"، معيّناً بذلك حالة من حالات المجتمع يمكن أن يُبرز فيها كلّ الأعضاء حقّهم ويلبّوا حاجاتهم دون الإضرار بمصالح الغير. إلاّ أن المجرم الذي يجور على حياة أجنبية أو يتعدى عليها، فيشوش حالة أخلاقية واقعية، يحسّ بالقوة التي تنبعث من هذه الحياة ـ والتي استلبها بفعله ـ كأنها قدر عدوانيُّ. فلعله يشعر بما ليس، في الحقيقة، سوى قدرة ارتكاسية للحياة التي أفناها وانتزعها كأنها الضرورة التاريخية لقدر ما. وهذا ما سيؤلم الجاني طالما لم يقِرَّ بأنه في نفي هذه الحياة الأجنبية يكمن التقصير الذي يجعل حياته الخاصة تخفق، وأنه إذ يرفض هذه الحياة الأخرى يُستلب هو نفسُه. ومن ثمّ فبهذا البعد العلّيّ للقدر يُستدرج المجرم إلى ا لوعي لأنّ الصلة التي تحافظ على الكليّة الأخلاقيّة قد قطعت. حينئذ لا يمكن للكليّة المنقسمة أن تستعيد وحدتها إلاّ انطلاقا من اللحظة التي يشتد فيها، من تجربة السلبيّة ـ الناشئة من الانشقاق ـ، الحنينُ إلى الحياة التي تمّ فقدانها ـ وانطلاقاً من اللحظة التي يجبر فيها هذا الحنين الأشخاص المعنيّين على أن يتعرَّفوا، في واقعة رفض وجود الغير، إنكاراً لطبيعتهم الخاصة. وحينئذ يمكن للفُرُق الحاضرة أن تبدأ في إدراك أن تصلب موقفهم المتبادل كان نتيجة الانقسام وصرف النظر عما كان يمكّنهم من التعايش ـ وهو ما يتعرّفوان فيه منذئذ مبرّر وجودهم.
ومن ثم يعارض هيغل القوانين المجرَّدة للأخلاق بشرعيّة مختلفة تماماً تقوم، فعلاّ، على سياق ملموس للإجرام، يحدثه انقسام كليّة أخلاقية مفترضة. يبقى أن سيرورة القدر العادل. على خلاف قوانين العقل العمليّ، لا يمكن أن يُستنبط من مبدأ الذاتيّة بواسطة مفهوم استقلال الإرادة. وتنجم دينامية القدر عن تشوش الشرطين - شرطي التناظر والتعرف المتبادل - اللذين يتحكمان في الذاتية البينية (intersubjective) لجماعة حياتيّة، جماعة ينفصل عنها أحد الأطراف الذي يفقد بذلك كل الأطراف الأخرى ويحيد بالتالي عن حياتهم المشتركة. مثل هذا الفعل ـ الذي يبعد به من عالم معيش مقتسم اقتساماً ذاتيا متبادلاً ـ يخلق، أولا وقبل كل شيء، علاقة الذات ـ الموضوع. والحال أنه في الأوضاع التي يصفها هيغل والتي تلّبي، منذ البداية، بنية تفاهم بين الذوات ـ وليس منطق توضيع (objectivation)، تستخدمه ذات ـ فإنّ هذه العلاقة تتدخل بصفتها عنصراً غريباً، أو لا تدخل إلا بعد فوات الأوان على كلّ حال ـ حتى أن "الوضعيّ" يتخذ عندئذ دلالة أخرى. فليست الذاتية المفرطة المبالغة في ادعاءاتها هي التي يحيل إليها استطلاق واقع مشروط إلى واقع غير مشروط، بل إلى الذاتية المستلتبة التي تنفصل عن الحياة المشتركة. أما القمع الناتج عن ذلك، فلا يرجع إلى استعباد ذات قد تصير موضوعاً، بقدر ما يرجع إلى اختلال توازن ذاتي متبادل.
ولا يستطيع هيغل الحصول على بعد التوفيق، أي ترميم كليّة مفككة، انطلاقاً من الوعي بالذات أو انطلاقا من العلاقة التأملية التي تقيمها الذات العارفة مع نفسها. وحتى من أجل هذا، فبمجرد ما يلجأ هيغل إلى الذاتية المتبادلة (intersubjectivité) الخاصة بعلاقات التفاهم، على قدر ما لا يفكر في الوضعيّ بحيث يمكن تذليله انطلاقا من المبدأ نفسه الذي انبثق منه ـ وأعني، بالضبط، انطلاقاً من الذاتية ـ فإنه يخطئ ما يشكل الهدف الأساسي للتأسيس الذاتي (autofondation) للحداثة.
ولا غرو في ذلك إذا ما فكّرنا أن هيغل الشاب عرض، انطلاقاً من توافق يعقده بين عصره وانحطاط الفترة الهلينية، واقعة أن شروط الحياة تغرق في الوضعيّة. إنه يعكس عصره في فترة تشهد انهيار النماذج الكلاسيّة. ومن ثم فهو يفترض مسبَّقاً، فيما يخص التوفيق الذي قد يخبئه القدر للحداثة المنحطة، كليّة أخلاقيّة ليست لها جذورها في تربة الحداثة، ولكنها مستعارة من رؤية مؤمثلة عن الماضي المحيل في الوقت نفسه إلى الـ POLIS الإغريقية وإلى الممارسة الدينيّة للطوائف المسيحيّة الأولى.
وفي مقابل التجليات الاستبدادية للعقل المركز على الذات، يلجأ هيغل إلى السلط الموحدة لذاتية متبادلة تتبدى من خلال مفهومي"الحب" و"الحياة". ومحل العلاقة التأملية بين الذات والموضوع. يُحِلُّ علاقة ـ تواصليّة، بمعناها الأوسع ـ بين الذوات. وتشكل الروح الحية الوسيط الذي تقوم من خلاله الطائفة؛ طائفة هي كذلك بحيث يمكن للذات أن تعرف نفسها في علاقتها بذات أخرى، فيما تظل ـ مع ذلك ـ هي نفسها. فانعزال الذات هو الذي يطلق عندئذ دينامية تواصل مشوَّش، ديناميّ، تشكّل غايته (telos)، طبعا، إصلاح العلاقة الأخلاقية، ويوجد هنا، في الفكر الهيغلي، تغيير للاتجاه كان من الممكن أن يكون الخطوة الأولى لإعادة تملك وتحويل للمفهوم التأمليّ للعقل الذي تطوره فلسفة الذات. لم يستمر هيغل في هذه الطريق(19). ولابدّ من القول بأنه لم يكن قد طور فكرة الكلية الأخلاقية إلاّ وهو يتبع خط توجيه فكرة ـ هي فكرة دين الشعب ـ كان العقل التواصليّ يتخذ فيها الشكل المؤمثل (idéalisée) للطوائف التاريخيّة التي هي الـ polis الإغريقية والطوائف المسيحية الأولى. ولا تشكل فكرة الكليّة الأخلاقية هذه بما هي دين الشعب توضيحاً تمثلياً للسمات المثالية التي تشكّل كلاسيّة هذا العصر فحسب، بل هي مرتبطة بها ارتباطا لا تنفصم عراه.
والحال أن العصر الحديث كان قد بلغ الوعي بالذات (soi)، وذلك بواسطة تأمل كان يمنع من اللجوء لجواءاً منظّماً إلى نموذجية الاقتباسات من الماضي. وكان التعارض بين الإيمان والمعرفة، كما كان ينمّ عنه الجدل بين جاكوبي وكانط، ورد فعل فيخته، قد انتقل إلى رحاب الفلسفة ذاتها. أضف إلى ذلك أن هيغل قد أقرّ بهذا التعارض، منذ بداية البحث الذي خصصه لهن، وأجبره ذلك على التخلي عن الفكرة القائلة بأن إعادة تحيين لروح المسيحية الأصلية قد تمكّن من تصالح الدين الوضعيّ والعقل، ولو أجريت بروح إصلاحيّة. وفي الفترة نفسها، يلمّ بالاقتصاد السياسيّ؛ ولعله لاحظ، هنا أيضاً، أن المبادلات الرأسمالية قد ولدت مجتمعا حديثا يمثل، تحت تسمية "المجتمع البرجوازي" التقليدية، واقعاً جديداً تماماً، يختلف عن الواقع الخاص بالأشكال الكلاسية للـ Societas civilis. أو الـ polis• لاشك في أن تقاليد القانون الروماني أجازت وجود بعض الاستمرارات، ولكن هذه الاستمرارات لا تكفي لكي يواصل هيغل إقامة توازن بين الوضع المجتمعي المنحط الذي كان يسم الإمبراطورية البيزنطية وعلاقات القانون الخاص اللصيقة بالمجتمع البرجوازيّ الحديث. وبذلك بالذات، فإن المقياس الذي لا يمكن أن تُدرك به الإمبراطورية البيزنطية إلا بصفتها منحطّة ـ وبعبارة أخرى، الحريّة السياسية الشهيرة المسندة إلى الحاضرة اللاتينية ـ يكفّ عن كونه نموذجاً للعصر الحديث. وهذا يعني، في نهاية المطاف، أن تأويلا للأخلاق المجتمعية لا يزال يرتكز بمثل هذا الحزم على الـ polis والمسيحية الأصلية لا يمكنه بعد أن يزود هذه الحداثة، المنشطرة في ذاتها، بمقياس تستطيع أن تستثمره لنفسها.
ومن الممكن جداً أن يكون ذلك هو السبب الذي جعل هيغل الذي لم يعد يدفع قدماً بالمقدمات المنطقية لعقل تواصليّ ـ البارزة بوضوح مع ذلك في كتابات شبابه ـ، يطور آنذاك، عندما كان يدّرس في يينا، مفهوماً عن المطلق استطاع، في حدود فلسفة للذات، أن يُحِلَّه محل نماذج العصر القديم الإغريقي والروماني ـ ولكن ذلك كان، والحق يقال، مقابل معضلة (dilemme- جديدة.
قد يكون من المفيد، قبل تقديم الخطوط العريضة للحلّ الفلسفي للتأسيس الذاتيّ للحداثة الذي يقترحه هيغل، أن نعود إلى ما نقل إلينا ـ على يد هيغل ـ بصفته أقدم برنامج نسقيّ، ولكنه برنامج يصوب فكراً مشتركاً بين هولدرلن (Holderlin) وسيلنج (Schelling) وهيغل، عندما كانوا أصدقاء يجتمعون في فرانكفورت(20). وبالفعل، يبدأ هنا عنصر إضافيّ، ألا وهو: الفن بصفته سلطة مصالحة ملتفتة نحو المستقبل. ولايمكن للدين العقلاني أن يصير دين الشعب إلاّ وهو يفوِّض أمره إلى الفن. إن وحدانيّة العقل والقلب يجب أن تتحالف مع شِرْك الخيال وتخلق أسطورة في خدمة الأفكار. "قبل أن نعطي الأفكار مدى جماليّاً، أي أسطورياً، لم يكن لهذه الأفكار أيّ فائدة للشعب؛ وبالعكس، فقبل أن تكون الميتولوجيا عقلانية، لايمكنها إلاّ أن تخجل الفيلسوف"(21). إن الدين الذي يقيمه الشعر هو الذي سيلهم كليّة أخلاقيّة تتيح تطويراً واحداً لكل القوى دون اضطهاد أيّ من هذه القوى. وحينئذ سيمكن لحساسيّة هذا "الشعر الأسطوريّ" (mythopoésie)، بإيماءة واحدة، الشعب والفلاسفة(22).
ولعلّ مثل هذا البرنامج يذكّر بالأفكار التي طوَّرها شيلر عن التربية الجمالية للإنسان، عام 1795(23)؛ ويوحي لسيلنج ببلورة نسق المثالية المتعالية الذي قال به عام 1800؛ وأخيراً، إنه يحدّد فكر هولدرلن حتّى النهاية(24). غير أن هيغل ما لبث أن بدأ يشك في هذه الطوبى الجمالية. ففي نصه عن اختلاف النسقين الفلسفيين لـ فيخته وسيلنج، والذي كتبه عام 1801، ولم يعد يمنحه أيَّحظ، وذلك ما دام لايمكن للـ "رجوع الحميم إلى الفن بالطريقة الأكثر جدّية" أن يسترعي الانتباه بعد في ثقافة استُلبت فيها الروح(25). وفي يينا، شهد هيغل ميلاد شعر الرومانسية الأولى تحت ناظريه إن صحّ التعبير. وما عتم أن تعرّف، في الفنّ الرومنسيّ، فنّاً تتطابق عبقريته مع روح العصر ـ إنها روح الحداثة التي تتجسد في ذاتيتها. يبقى أنها، بما هي شعريّة الانشقاق، قلّما تميل إلى أن "تربّي البشريّة" وأنها بعيدة عن الطريق التي قد تؤدي إلى دين الفنّ هذا الذي كان هيغل، مع هولدرلن وسيلنج، قد دعيا إليه في فرانكفورت. فمن المستحيل على الفلسفة أن تخضع له. ومن ثم لابدّ للفلسفة من أن تفهم نفسها بنفسها بصفتها الموضع الذي يمكن فيه للعقل أن يتجلى بصفته سلطة مطلقة للتوحيد. وبما أنها اتخذت، عند كانط وفيخته، شكل فلسفة التأمل، فإن هيغل يرى أنه من الضروريّ، وهو يقتفي بعد آثار سيلنج، أولاً، أن يطور انطلاقاً من ا لمقاربة التي تقترحها فلسفة التأمل ـ أي انطلاقا من إرجاع الذات إلى نفسها ـ، مفهوماً للعقل يستطيع بواسطته أن يتأمل تجاربه المتعلقة بالأزمة وأن ينجز نقده لحداثة هي ضحيّة للانشقاق في آن واحد.
ويقصد هيغل أن يعطي شكلاً مفهومياً لحدسه الذي يعود إلى فترة الشباب، والذي يذهب إلى أن التحرر لا يسعه إلاّ أن يتحوّل إلى عبوديّ، وذلك كلّما اكتسبت القوّة المحرّرة للتأمل استقلالها، في العالم الحديث، وكلّما ظلّت هذه القوّة عاجزة عن الحصول على التوحيد إلاّ بقوة ذاتيّة مهيمنة. وبما أن العالم الحديث يرفع، في كلّ ظرف ـ في الفلسفة كما في الحياة اليوميّةـ، واقعاً مشروطاً إلى مطلق، فإنه يعاني من هوّيات مغلوطة. ونجد لوضعيات الإيمان والمؤسسات السياسية، وللأخلاق المجتمعية المنقسمة بطريقة عامة، معادلاً فلسفياً في الدغماتية الكانطية. وهذه الأخيرة تستطلق (absolutise)، في الإنسان المتحلّي بالفهم (entendement)، وعياً بالذات يدرك، في تعدديّة عالم يتفتت في ذاته، "مجموعا موضوعيا متماسكاً، يتحلّى بالاستقرار والجوهرية والتعددية بل الفعالية والإمكان ـ وباختصار، تحددية (déterminité) موضوعية يتأملها الإنسان ويسقطها خارج نفسه" (26). وما يسري، في مجال المعرفة، على الذاتي والموضوعي، يسري، في مجالات الدينيّ والفلسفيّ والأخلاقيّ، على المتناهي واللامتناهي، الخاصّ والكونيّ، الحرّيّة والضرورة؛ وليست هذه سوى هويات مغلوطةـ "إن التوحيد يتم الحصول عليه بالقوة، أحدهما يخضع الآخر [...] الهوّية، التي يجب أن تكون مطلقة، ناقصة" (27).
إن البحث عن هوّية محصَّل عليها بلا قيد، والحاجة إلى توحيد آخر غير التوحيد، الوضعيّ ببساطة، الذي تقيمه علاقات قوّة فرضا نفسهما عند هيغل، كما رأينا على إيمان تجارب الأزمة المعيشة بحدّة. إلاّ أنه لابدّ من التفكير في العقل، بلاشكّ، من خلال قدرة الذات على الإرجاع إلى نفسها، وذلك لكي يمكن تطوير الهوّية الحقيقية انطلاقاً من ا لمقاربة التي تقترحها فلسفة التأمل. ولكنّ لابدّ مرّة أخرى من ألاّ يفكر فيه بصفته مجرد مقام تأملي يفرض نفسه بنفسه على الغير بصفته القدرة (pouvoir) المطلقة للذاتية؛ ويجب على وجوده وديناميّته، في الوقت نفسه، أن يرتبطا حصراً بواقعة التصدّي لكلّ الاستطلاقات (absolutisation)، وبعبارة أخرى، بواقعة أنه لم يتوان إلا في أن يقصي، بعمله، كل شكل من أشكال الوضعية القابلة للتجلي. لذلك يستبدل هيغل بالتعارض المجرَّد بين المتناهي واللامتناهي الإرجاع المطلق إلى الذات من ذات تصل، انطلاقا من ماهيتها المطلقة، إلى الوعي بالذات فتحمل في نفسها ما يوحّد ويعارض بين المتناهي واللامتناهي في الوقت نفسه. ولا ينبغي لهذه الذات المطلقة، على خلاف الذات الشلنجية أو الهولدرلنية، أن تسبق سيرورة العالم بما هي كينونة أو بما هي حدس، بل عليه فقط أن ينحصر في السيرورة التي يولّدها النشاط المتبادل للمتناهي واللامتناهي، وبالتالي في الوجود في النشاط المضني لإكمال الذات• إن المطلق لا يُتصوَّر بصفته ماهية ولا بصفته ذاتاً، وإنما بصفته سيرورة وساطة يحدث بواسطته الإرجاع الذاتي بمعزل عن كل شرط (28).
يستثمر هيغل، بهذه الصورة الفكرية، الخاصة به، الوسائل التي تمنحها فلسفة الذات للانتصار على العقل المركّز على الذات؛ وهذه الصورة الفكرية هي التي ستتيح لهيغل، فيما بعد، نضج إقناع الحداثة بأخطائها، دون أن يكون عليها اللجوء إلى مبدإ آخر للذاتية غير المبدإ الملازم، بالضبط، للحداثة، وذلك ما تنم عنه، بطريقة تنويرية من جهة أخرى، جمالياته.
ولم يكن أصدقاء فرانكفورت قد أسسوا آمالهم على قدرة (puissance) الفن التوفيقية وحدها، ففي الخصومة التي أحدثها السؤال عن كون الفنّ الكلاسي يملك قيمة نموذج، تم الوعي بالضبط، في فرنسا أولاً، ثم في ألمانيا، بالمشكل، الذي كان يمثله التأسيس الذاتي للحداثة. وقد أثبت هـ. ر. ياوس (H.R. Jauss) فعلاً(29) كيف كان فريدريك شليكل وفريدريك شيلر قد حققا، في أعمال كل منهما (في "دراسة الشعر الإغريقي"،1797؛ "في الشعر الساذج والعاطفي"،1796)، الأسئلة التي أثارتها الخصومة الفرنسية، وأبرزا خصوصية الشعر الحديث واتخذا موقفا من الأحروجة التي برزت ـ بالتأكيد ـ لو كان يجب التوفيق بين الملاءمة التي كانت تقرها الكلاسيات لنموذج مقتبس من الفن القديم، وسمو الحداثة• وكلاهما جعلا، بطريقة مماثلة، من اختلاف الأسلوب تعارضاً، سواء تعلق الأمر بتعارض بين ما يميل إلى الموضوعية وما يثير الاهتمام أو بين ثقافة منشغلة بالطبيعة وثقافة معنية بالصنعة أو بين شعرية السذاجة الأصلية وشعرية للإحساس• وهما يعارضان مع تقليد الطبيعة كما تمارسها الكلاسيات، الفن الحديث الذي يجعلان منه فعل حريّة وتأمل بل يدفع شليكل حدود الجميل حتَّى أنه يصوّر، في بعض الملاحظات، جماليات للقبيح تخلي مكاناً لما هو إباحيُّ وجريء ولما هو مدهش وجديد بل لما هو جارح ومنفَّر في الوقت نفسه• غير أن شيلر إذا تردد في الانقطاع بوضوح عن المثل الأعلى الكلاسي للفنّ، فإنه ينتج، من جهته، فلسفة للتاريخ تقيم تفوُّق الحداثة على العصر القديم. حقيقة إنه يستحيل على الشاعر الحديث ـ شاعر التأمل ـ من الآن فصاعداً أن يبلغ إتقان الشعر الساذج؛ لكن الأمر سواء، مادام الفنّ الحديث يطمح إلى مثل أعلى للوحدة الموسَّطة (médiatisé) مع الطبيعة، الأمر الذي هو "مفصل للغاية" على الهدف الذي بلغه الفنُّ القديم وهو يبلغ الجمال عن طريق تقليد الطبيعة.
ومن ثمّ فقد مفهوم شيلر الفن التأملي للرومانسية حتى قبل أن يكون قد رأى النور. أما هيغل، فقد كان هذا الفن موجوداً سلفاً تحت ناظريه، وخاصة عندما استأنف، في مفهومه للروح المطلقة، التأويل الشيلري للفن الحديث، القائم على فلسفة التاريخ(30). ففي الفن عموماً، يجب على الروح أن تنكشف بصفتها تجلياً للتخلي عن الذات ولنقدها في الوقت نفسه، وإذا كان الدين والفلسفة شكلين أكثر سمواً يفتل فيهما المطلق ويتصور، فإن الفن هو الشكل الحساس الذي يدرك فيه المطلق حدسيا، ومن ثم فإن البعد الحسّاس لوسيط فن من الفنون يشكل لهذا الأخير حدوداً داخلية يميل إلى تجاوزها في النهاية وهو يتجاوز طريقته الخاصة في تمثيل المطلق. فهناك "بعد للفن" (31). ومن هذا المنظور، يمكن لهيغل إذن أن يستشرف المثل الأعلى ـ الذي كان شيلر يقول إنه لايسع الفن الحديث إلاّ أن يطمح إليه دون أن يدركه ـ في دائرةِ تجاوز الفن ويمكنه أن يجد فيها فعليته بصفته فكرة. ولابد حينئذ من أن يدرج فن عصره في هذا المنظور؛ ومن ثم سيؤوَّل الفن الرومنسي بأنه مرحلة نحو انحلال الفن بما هو كذلك.
هكذا تجد الخصومة الجمالية بين ا لقدامى والمحدثين حلاً لبقاً؛ فسواء أفهم بأن الرومنسية هي الانحلال الذاتي للفن في التأمل، أو بأنها قطيعة، بالتأمل، لشكل تمثيلي للمطلق لايزال مقيداً بالرمزيّ، فإن الرومنسية هي "كمال" الفن. هكذا يمكن الإجابة، منذ عهد هيغل، بازدواجية متعمدة على السؤال "هل لا يزال من الضروري تسمية إنتاجات من هذا النوع عملاً فنياً؟"(32) ـ وهو سؤال لا يني يُطرح بالسخرية نفسها، والواقع أن الفن الحديث منحط، ولكنه في ذلك بالضبط يتقدم نحو المعرفة المطلقة؛ وبذلك بالذات، يستمر الفن الكلاسي في أن تكون له قيمة نموذج، ولكنه ـ ربما في الوقت نفسه ـ نموذج متجاوز بحق:"لقد بلغ الفن الكلاسي ذروة ما يمكن للفن أن يأمل إنتاجه في مجال التمثيل الحساس"(33)؛ وحتى من أجل هذا، ينقص سذاجته التأمل في الحدود الملازمة للدائرة الفنية بما هي كذلك، وهي حدود تبرزها الميول الرومنسية إلى الانحلال بطريقة جلية. وسيتبنى هيغل النموذج نفسه ليبتعد أيضاً عن الدين المسيحي. والتوازنات بين الميول إلى الانحلال الملحوظة في المجال الفني والميول الملحوظة في المجال الديني توازيات دالة. لقد بلغ الدين باطنيته (interiorité) المطلقة في البروتستانتية، لتنقطع أخيراً عن العالم المدنَّس، في عصر الأنوار:"لم يعد قرننا يهتم بمعرفة أي شيء كان عن الله؛ بل على العكس من ذلك تعتبر الفكرة التي مفادها أن مثل هذه المعرفة قد تكون مستحيلة بالذات حدساً أسمى"(34). وكما في الفن، دخل التأمل الدين فجأة؛ فأخلى الإيمان الجوهري المكان إما للامبالاة وإما للحساسية التقية الزائفة. أما الفلسفة، فتنقذ مضمون الإيمان من هذا الإلحاد، فيما تدمّر الشكل الدينيّ. ذلك بأن الفلسفة ليس لها من مضمون آخر غير الدين؛ وبحصول ذلك، منذ أن حولت الفلسفة هذا المضمون إلى معرفة مفهوميةٍ، "فإنه لم [يعد] يجد مببره في الإيمان"(35).
وإذا توقفنا ولاحظنا ترقي الفكرة، فقد يبدو، للوهلة الأولى، أن هيغل قد بلغ هدفه. فبما أن هيغل قد توصل إلى مفهوم للمطلق تغلب على كل الاستطلاقات لكيلا يستبقي إلا سيرورة الإرجاع الذاتي اللامتناهية ـ التي تدمج كل ما هو متناه في نفسها ـ بصفتها غير مشروطة، فإنه يستطيع تصور الحداثة انطلاقاً من المبدإ الذي يشكلها. وبذلك، تصير الفلسفة إذن قدرة على التوحيد التي تتغلب على كل الوضعيات القابلة للانبثاق من التأمل نفسه ـ وبالتالي التي تشفي الحداثة من أعراض انحطاطها. ومع ذلك، فإن هذا الإحساس الجميل بالنجاح إحساسٌ خدّاعٌ.
ولابد من تبين أنه قارنّا ما كان هيغل يفكر فيه، في الأصل، عندما كان يؤكد فكرة دين الشعب، وما يتبقى بعد أن يتجاوز الدين الفن وتتجاوز الفلسفة الإيمان، فهمنا الاستسلام الذي يغرق فيه هيغل في نهاية فلسفته عن الدين.
فالعقل الفلسفيّ، فعلاً، لايمكنه أن يرجو شيئاً أفضل من مصالحة جزئية ـ مجردة من تلك الكونيّة الظاهرة التي يفترض أن تعطي العقل للشعب وتعطي جسداً للفلاسفة. ومنذئذ يتبدى الشعب، أكثر من أي وقت مضى، وقد تخلّى عنه قساوسته الذين صاروا فلاسفة؛ ومن ثم يمكن القول إن "الفلسفة، من هذا المنظور، معبد بعيد عن الناس" وإن "خدامها يؤلفون إكليروساً منقطعاً، لا ينبغي له أن يختلط بالناس [...]. والعصر ـ الدنيويّ والاختباريّ ـ يستسلم لنفسه: فالطريقة التي يتخلص بها من تناقضاته، والطريقة التي يتطور بها، كل ذلك صار يخصه هو ولم يعد، على الصعيد العمليّ، من اختصاص الفلسفة مباشرة(36).
وبما أن جدليّة العقل قد بلغت منتهاها، فقد استنفدت هذا ا لاندفاع الذي كانت، مع ذلك، قد نشَّطته في بادئ الأمر وكانت تنوي أن تمارس به نقداً لعصرها. وتلك نتيجة سلبية مازالت تشف بطريقة أوضح مع "تجاوز" المجتمع البرجوازيّ في الدولة.
ظل الفكر الأوربيّ متمسكاً ـ عبر التقاليد الأرسطيّة، من العصر القديم حتى القرن التاسع عشر ـ بتصور للسياسة على أنها دائرة تشمل الدولة والمجتمع. وكان اقتصاد "الخلية اليتيّة الكبرى" (أي الاقتصاد المعيشيّ القائم على الإنتاج الفلاحيّ والصناعة التقليدية اللذين تتممهما السوق المحلية) يشكل، حسب هذا التصور، أسس نظام سياسيّ شامل، ومن ثم كان التراتب المجتمعي والمشاركة التفاضلية (بما في ذلك عدم المشاركة) في السلطة السياسية متفقين ـ فقد كان تنظيم السلطة السياسية يدمج المجتمع في مجموعه. ومن الجليّ أن هذه المفهومية (conceptualité) كانت غير ملائمة لمجتمعات (هي المجتمعات الحديثة) كان فيها الاقتصاد الرأسمالي ـ ترويج البضائع المنظم وفقاً للقانون الخاص ـ منفصلاً عن إدارة السلطة. وبما أن المجتمعي انفصل عن السياسي والمجتمع الاقتصادي غير المسيَّس انفصل عن الدولة المبقرط، فقد نشأ حول وسيطين هما قيمة التبادل والسلطة نسقان من العمل، متكاملان على الصعيد الوظيفيّ، ولكنهما متباينان بوضوح. وكان ذلك تطوراً لم تستطع النظرية السياسية الكلاسية أن تحيط به علماً؛ فانشقت هذه النظرية، بدءاً من نهاية القرن الثامن عشر، إلى نظرية في المجتمع مؤسسَّة على الاقتصاد السياسيّ من جهة، وإلى نظرية في الدولة مستوحاة من الحق الطبيعيّ الحديث من جهة أخرى.
ويوجد هيغل في خُضُمَّه هذا المعطى العلميّ الجديد. فهو أول من شكَّل مفهومية تتلاءم، حتى في المصطلحات، مع المجتمع الحديث، وذلك بتمييزه خصوصاً الدائرة السياسية للدولة عن "المجتمع البرجوازي". ويدمج هيغل، في حقل النظرية المجتمعية إن صح التعبير، التعارض الخاص بنظرية الفن بين القدامى والمحدثين:
في المجتمع البرجوازيّ، يشكل كل فرد هدف نفسه، أما الغير فليس بشيء. غير أن هذا الفرد ما كان ليبلغ هدفه كلّه، لولا علاقته بالغير، ومن ثمّ فالغير وسيلة لهدف خاص. وحينئذ يتخذ هذا الهدف الخاص، من خلال علاقته بالغير، شكل الكونية، ولن يكون راضياً إلاّ بقدر إرضائه للغير في الوقت نفسه(37).
ويصور هيغل حركة السوق بأنه حقلٌ مكَّرسٌ للسعي الاستراتيجي وراء مصالح خاصة، "أنانية"، حقلٌ كانت الأخلاق المجتمعية ستحيَّد فيه وقد تؤسس فيه هذه المصالح الخاصة، بذلك بالذات، "نسق تعلّق متبادل معمَّم". ويبدو المجتمع البرجوازيّ، كما وصفه هيغل، بأنه "أخلاق مجتمعية ضائعةٌ في حدودها القصوى"(38) "مستسلمة للفساد" (39) من جهة. ولكنه يقول لنا من جهة أخرى إن هذا المجتمع "يتوافق مع نشوء العالم الحديث"(40)، وإنه يجد تبريره في تحرر الأفراد الذين نالوا الحرية الشكليّة: فانطلاق اعتباطية الحاجات والشغل لحظة ضرورية في السيرورة التي تساهم في "تشكيل الذاتية في خصوصيتها"(41).
ومع أن التعبير الجديد "مجتمع برجوازيّ" لم يظهر إلاّ فيما بعد، في كتاب" مبادئ فلسفة الحق"، فإن هيغل كان قد صاغ فكرته منذ الفترة التي عاشها في يينا. ففي البحث الموسوم "في طرائق تناول الحق الطبيعي تناولا طبيعياً"، والذي يرقى إلى عام 1805، رجع هيغل إلى الاقتصاد السياسيّ في سعيه إلى تحليل "نسق التعلق المتبادل المعمَّم الذي تولده الحاجات المادية، والشغل والمراكمة اللذان تستدعيهما هذه الحاجات"(42)، بما هو "نسق للملكية والحق". ومنذ تلك الفترة والمشكلة مطروحة عليه: كيف يمكن تصور المجتمع البرجوازي بحيث لايبدو دائرة تسم انحطاط الأخلاق المجتمعيّة الجوهرية فحسب، بل بحيث يبدو، في سالبيته (négativité) بالذات، لحظة ضرورية للأخلاق المجتمعية في الوقت نفسه؟ وقد انطلق هيغل من ملاحظة مفادها أنه يستحيل المحافظة على المثل الأعلى القديم للدولة في الظروف التي هي ظروف المجتمع الحديث غير المسيَّس (dépolitisée). ولكنه مع ذلك يتمسك، في مواجهة ذلك، بفكرة الكلية الأخلاقية تلك التي كان قد استخرجها، أولاً، مع مفهوم دين الشعب. هكذا يضطَرُّه اعتباره للمثل الأعلى الأخلاقيّ للقدامى فوق الفردانيّة، إلى مصالحته مع الواقع الخاص بالمجتمعات الحديثة. وبتفريق هيغل بين الدولة والمجتمع الذي يستشرفه سلفاً، بحكم الواقع، يبتعد، إلى حد ما، عن فلسفة عن الدولة تطمح إلى الريستوراسيون، وعن الحق الطبيعيّ العقلانيّ. صحيح أن تفشي القانون العام للريستوراسيون، من جهة، لايتطلب الإذعان لتصور للأخلاق المجتمعية الجوهرية فحسب، بل يفرض الاستمرار في تصور الدولة على أنها توسيعٌ للعلاقات بين العائلات؛ وحتى من أجل هذا، فإن فردانية الحق الطبيعيّ، من جهتها، لاتتوصّل حتى إلى الارتقاء إلى فكرة الأخلاق المجتمعية، فتطابق الدولة، المؤسسة على الندرة والفهم، مع ا لعلاقات المرتبطة بالقانون الخاص، التي تسم المجتمع البرجوازي. غير أنه لابدّ من انتظار صياغة المجتمع البرجوازي، المتصور بأنه مبدأ تنشئة مجتمعية (socialisation) مطابقة للسوق ـ وبالتالي غير سياسيةـ، لمشاهدة ظهور خصوصية الدولة الحديثة. هكذا "يملك مبدأ الدول الحديثة هذه القوة وهذا العمق الخارقين المتمثلين ـ في الوقت نفسه ـ في ترك مبدأ الذاتية نفسه"(43). وتبرز هذه الصياغة المشكل الذي تمثله الوساطة دولة ـ مجتمع، ولكنها تشف، في الوقت نفسه، عن الحل المُغرِض الذي يوحي به هيغل. أما أن لا تجد دائرة الأخلاق المجتمعية، التي تتضمن العائلة والمجتمع وتكوين إرادة سياسية وجهاز الدولة بصفتها كلاّ، وحدتها ـ أي ألاّ تتحقق ـ إلا في الدولة، وبالضبط في الحكومة ونخبتها الملكية؛ فذلك ما لا يسلَّم به على كل حال. وقصارى ما يستطيعه هيغل، أولاً، هو أن يسوغ أن تنبثق، في نسق الحاجات والشغل، تناقضات لا يمكن أن يحلها التنظيم الذاتي للمجتمع البرجوازي وحده؛ وبما أنه يبدو في أوج عصره، فإنه يوضح قائلا:"بما أن جزءاً كبيراً من الشعب قد غرق في مادون الحد الأدنى الضامن لمعيشة نسبية، [...] فقد بدا تركيز ثروات فاحشة في أيدي البعض أشدّ سهولة"(44). مما يستتبع الضرورة الوظيفية ـ التي لاتفرض نفسها إلاّ حينئذ والحق يقال ـ لإدماج المجتمع المعاكس في دائرة للأخلاق المجتمعيّة الحيّة. ولهذا الكوني ـ الذي ليس إذن سوى مطلب أولاً ـ شكلان، هما: الأخلاق المجتمعية المطلقةـ التي تدمج المجتمع بصفته إحدى لحظاتها ـ و"الكوني الوضعيّ"، الذي يتميّز عن المجتمع حتى يقضي على الميول إلى التدمير الذاتيّ وينقذ، بذلك بالذات، نتائج التحرُّر. وهذا الوضعيّ هو الذي يتبين فيه هيغل الدولة؛ وهكذا يحل مشكلة الوساطة عن طريق "تجاوز" المجتمع في الملكية الدستورية.
ومع ذلك، فإن هذا الحلّ لايكون مقنعاً إلاّ إذا قبلنا افتراض مطلق على غرار الإرجاع الذاتي الذي تصدر عنه الذات العارفة(45). وكانت صورة الوعي بالذات قد أدت بهيغل، في فلسفة يينا الواقعية (Real philosophie)، إلى التفكير في الكلية الأخلاقية المجتمعية بصفتها "وحدة الفرادة والكونيّ"(46). ذلك بأن ذاتاً ترجع إلى ذاتها في سيرورة معرفة الذات، تجد نفسها ـ في الوقت نفسه ـ في موقع ذات كونية تواجه العالم كأنها كيانٌ من بين كثير من الكيانات الأخرى. إلاّ أنه إذا كان لابدّ من التفكير في المطلق بصفته ذاتية لامتناهية (تنبعث على الدوام من رمادها، في الموضوعية، لتسمو إلى مملكة المعرفة المطلقة)(47)، فإنه لايمكن التفكير في اندماج لحظتي الكوني والفرديّ إلا بالتموضع في الإطار المرجعيّ لمعرفة الذات المونولوجية: لهذا السبب تتقدم الذات بصفتها كونياً على الذات بصفتها فرداً، في الكونيّ المحسوس. وفي مجال الأخلاق المجتمعية، يستتبع هذا المنطق أن تتقدم الذاتية فوق الفردية (supra - individuelle) للدولة على الحرية الذاتية للأفراد. ذلك ما يدعوه د. هنريش" المؤسَّسيّة القويّة" لفلسفة الحق الهيغلية:" إن الإرادة الفردية، التي يدعوها هيغل الإرادة الذاتية، متعلِّقة تماماً بالنظام المؤسسي، وهي لا تبرّر على العموم إلاّ بقدر ما تكون المؤسسات نفسها مبرَّرة"(48).
إنّ الذاتية المتبادلة فوق الفردية التي تتحكم، ضمن طائفة تواصليّة تخضع لضرورات تعاونيّة، في التكوين غير المقيَّد للإرادة تقدّم نموذجاً آخر للوساطة بين الكونيّ والفرديّ: ففي كونيّة إجماع محصَّل عليه دون قيد وبين أفراد أحرار متساوين، يواصل هؤلاء الأخيرون التوفر على محكمة استئناف يستطيعون اللجوء إليها عندما يستهجنون الأشكال الخاصة التي تجسد الإرادة المشتركة تجسيداً مؤسسياً. وقد رأينا أنه كان لا يزال مسموحاً، انطلاقاً من كتابات الشباب، بالتفكير في الكليّة الأخلاقية بصفتها عقلاً تواصلياً يتحقق في سياقات ذاتية متبادلة. من هذا المنظور، كان سيمكن لتنظيم ذاتي ديمقراطيّ للمجتمع أن يغلب على جهاز الدولة. غير أن منطق ذات تفهم نفسها بنفسها يفرض مؤسسيّة دولة قويّة. لكن لو أن الدولة المدافع عنها في كتاب "مبادئ فلسفة الحق" "توصلت إلى فعليّة الإرادة الجوهريّة وبلغت العقلانيّ في ذاته ولذاته"، لأدى ذلك بالحركات السياسية التي ستخترق الحدود التي حددتها الفلسفة (وهو ما قد اعتبره معاصروه تحريضاً) إلي مضادة العقل نفسه، حسب هيغل، وعلى غرار فلسفة الدين التي تهمل دينيّة (religiosité) الشعب غير المشبعة في نهاية المطاف(49)، فإن فلسفة الدولة تبتعد عن واقع سياسيّ يظل قلقاً. وكان للدعوة إلى التحديد الذاتي الديمقراطيّ ـ الذي ظهر بقوة، في باريز، أثناء ثورة يوليوز، ولكن الذي بان باحتراس في مشروع الإصلاح الانتخابيّ الذي وضعته الحكومة الإنكليزية ـ على مسامع هيغل أثر "صوت نشاز" حادّ. وقد أصابت الحيرة هيغل، هذه المرة، بسبب التفاوت القائم ـ في نظره ـ بين العقل وتاريخ عصره، حتى أنه انحاز، بمقاله عن "وثيقة الإصلاح"(Reformbill) للريستوراسيون صراحةً.
لم يكد هيغل يمفهم الانشقاق الداخليّ في الحداثة حتّى أوشك قلقُ وحركةُ هذه الحداثة نفسها أن يفجّرا ما قد تمّت مفهمتُه. ويُفَسَّرُ هذا بأن هيغل لم يكن يستطيع نقد الذاتية إلاّ وهو يظلّ في إطار فلسفة للذات. فحيث لا تتولّى سلطة الانشقاق الدخول في العمل إلاّ لكي يمكن للمطلق أن يمارَس بصفته سلطة توحيد، لايمكن بعد أن تكون هناك وضعيات "مغلوطة"، وقصارى ما يمكن أن يكون هناك انقساماتٌ يمكنها هي أيضا أن تدعي حقاً نسبياً. إنها مؤسسيّة "قوية" تهدي ريشة هيغل عندما يؤكد، في مقدمة كتابه" مبادئ فلسفة الحق"، أن ما هو فعليٌّ عقلانيٌْ. طبعاً، إننا نجد في الدرس ـ الملقى خلال شتاء 1812-1819 والسابق بالتالي للكتابـ، هذه الصياغة المخفَّفة:"سيكون ماهو عقلانيٌّ فعليّاً، وسيكون ما هو فعليُّ عقلانيّاً"(50). لكن هذا الاقتراح نفسه لا يكاد يفتأ يشير إلى حريّة التصرُّف التي تملكها فترة معاصرة محدّدة سلفاً ومحكوم عليها مسبقاً.
ولنتذكر المشكلة في مبتدئها: إن حداثة تستغني عن النماذج وتنفتح على المستقبل وتنشُد الجِدّة بنهمً لايمكنها أن تستمدّ مقاييس إلاّ من ذاتها. ويعرِض مصدرٌ وحيدٌ للمعياريّة نفسَه هو مبدأ ينبجس منه وعي الزمن الخاصّ بالحداثة نفسها: مبدأ الذاتيّة. وبما أنّ فلسفة التأمل تنطلق من الواقع الأساسيّ الذي يمثّله الوعي بالذات، فإنها تمفهم هذا المبدأ. لكن القدرة على التأمّل، في الحقيقة، إذ تنطبق على نفسها، تكشف القناع أيضاً عن العبد السلبّي الذي تملكه ذاتيّةٌ صارت مستقلّة، وادعت أنها مطلق. لذلك يجب على عقلانية هذا الفهم، الذي تعرف حداثته أنه خاص بها، والذي تقرّ بأنّه القوّة الإلزامية الوحيدة، أن تسلك طريق جدليّة للأنوار وتميل نحو العقل. ولكن هذا العقل، بما هو معرفة مطلقة، يتخذ، في نهاية المطاف، شكلاً ساحقاً إلى درجة أنه لايحل السؤآل الأوّليّ الذي هو:هل يمكن للحداثة أن تجمّد ضماناتها في ذاتها فحسب؟، بل يفرط في حلّة؛ ويغطي العقلُ، بضحكه التهكُّميّ، هذا السؤال الآخر: هل للحداثة فهمْ حقيقيْ عن نفسها؟ لقد حلّ العقل، منذئذ، محلّ القدر، وهو يعلم أن كلّ حدث ذي أهميّة جوهريّة مقرَّر سلفاً. ولذلك لا تلبي فلسفة هيغل حاجة الحداثة إلى بلوغ التأسيس الذاتيّ إلاّ مقابل التقليل من شأن الراهنيّة وثلم النقد. وفي نهاية المطاف، فإنّ الفلسفة تنزع كلّ قيمة عن عصرها وتدمر الاهتمام الذي يمكن أن يولى له وتنازعه إمكان التماس تجديد نقديّ ذاتيّ. وتفقد مشاكل العصر إمكان التحريض هذا الذي قد يكون مزّيتها، ما دامت الفلسفة، التي هي في قمّة عصرها، تجردها من دلالتها.
في عام 1802، دشَّن هيغل "المجلة النقدية للفلسفة" بمقال افتتاحيّ بعنوان" جوهر النقد الفلسفيّ". فميّز فيه بين نمطين من النقد. أحدهما يمارّس ضدّ وضعيات العصر المغلوطة ويجب أن نتبيّن فيه توليداً لهذه الحياة المضطهدة التي تتطلَّب الخروج من الأشكال المزَجَّجة:"إذا لم يستطع النقد أن يظهر مزيّة العمل والفعل بصفتها شكل الفكرة، فإنه لا ينبغي له مع ذلك أن يتجاهل المجهود؛ وتقوم الفائدة العلميّة حقّاً(!) على تحطيم القوقعة التي لا تزال تمنع التوتر الداخليّ من الظهور"(51)، ونحن نتعرف هنا، دون مشقّة، النقد الذي مارسه هيغل الشابّ ضدّ القوى الوضعيّة العاملة في الدّين وفي الدولة. عندئذ يأتي هذا الشكل الآخر من النقد الموجَّه ضدّ المثاليّة الذاتيّة لكانط وفيخته. فعند هيغل أنه ينجم عن هذه المثاليّة واقعةُ أن "فكرة الفلسفة معروفة من الآبمزيد من الوضوح، وأن الذاتية دأبت على احتواء الفلسفة بالقدر اللازم لخلاصها الخاصّ"(52). ومن ثم فإن الأمر يتعلق هنا بكشف القناع عن ذاتية محدودة منغلقة عن وعي، ليس أفضل فحسب، بل أيضاً أسهل منالاً موضوعيّاً منذ زمن طويل. وهذه الرواية هي التي سيحتفظ بها هيغل في كتابه "مبادئ فلسفة الحق" بصفتها التعبير الصحيح عن النقد.
ليس من واجب الفلسفة أن تقوم للعالم كيف يجب أن يكون، مادام لا ينعكس في مفاهيمها سوى الفعليّة كما هي. ولمّا كانت الفلسفة نقديّة، فإن الواقع لم يعد هو الذي تمارَس ضده، بل صارت تمارَس ضدّ التجريدات الغامضة التي تندسّ بين الوعي الذاتيّ والعقل الذي صار موضوعياً. وبما أن الروح قد وسمت الحداثة بـ "انتفاضة"، وبما أنها وجدت مَخرجاً للأحروجات (apories) التي كانت تسمها، وبما أنها لم تدخل في الفعلية (effectivité) فقط، بل صارت فيها موضوعية، فإن هيغل يرى أن الفلسفة معفاة منذئذ من المهمة التي تقوم على مواجهة مفهومها بدناءة الحياة المجتمعية والسياسية. إن ثلم النقد هذا هو نظير التقليل من شأن راهنية الذي يتحوَّل عنه خدّام الفلسفة. وبمجرّد السموّ بالحداثة إلي مفهومها، فإنها تسمح بأن يُنسحَبَ منها برباطة جأش.
ليس هناك أوّل فيلسوف ينتمي إلى الحداثة، بل هو أوّل من صارت مشكلة عنده. ففي نظريّته، أولاً، ظهرت هذه المجموعة المفهومية التي تضمّ الحداثة والوعي بالزمن والعقلانية. إلاّ أن هيغل، إذ يتصّرف بحيث تحيّد العقلانيّة ـ المضخمة على شكل روح مطلقة ـ الشروط التي كانت قد أتاحت للحداثة الوصول إلى شكل من الوعي بذاتها، فإنه حطم، بصنيعه الخاص، هذه الكوكبة، وبالتالي لم يحلّ المشكلة التي تمثلها، للحداثة، واقعة العثور على ضماناتها الخاصة بها في نفسها. وكانت نتيجة ذلك، عند خلفاء هيغل، أن مثل هذا العمل عن الحداثة ليس من الآن فصاعداً ممكناً بكلّ بساطة إلاّ بشرط صريح هو إعطاء مفهوم العقل سياقاً أكثر تواضعاً.
ويقتصر الهيغليّون الشباب، بمفهوم ملطَّف للعقل، على مشروع هيغل ويحددون لأنفسهم، على طريق جدليّة أخرى للأنوار، غاية تصوُّر ونقد حداثة مفكَّكة في الوقت نفسه. ولابدّ من القول إن الهيغليين الشباب لا يشكلون سوى ثلث من أعقاب هيغل. أما الفريقان الآخران اللذان يكافحان من أجل فهم دقيق للحداثة، فيحاولان فكّ الصلة الداخليّة التي تجمع الحداثة والوعي بالزمن والعقلانية، دون أن يستطيعا مع ذلك التخلص من القيد المفهوميّ الذي تفرضه هذه الكوكبة. وإذ يبتذل فريق المحافظين المحدثين (Néoconsérvateurs) ـ المرتبطين بهيغليّة اليمين ـ الوعي الحديث بالزمن ويختزل من جديد العقل في الفهم، والعقلانيّة في العقلانيّة الغائية، فإنه يستسلم، دون أدنى مبادرة نقديّة، للتيّار ـ الذي يذهب به ـ والذي ولدته ديناميّة الحداثة المجتمعية وعند هذا الفريق، بعيداً عن علم تجعله العلمويّة مستقلاً، أن الحداثة الثقافية قد فقدت كل قوة إلزامية. أمام ذلك، فإن فريق المحافظين الشباب ـ ذوي النزعة النيتشيّةـ، وهم يحذرون الوعي بالزمن ويفضحون، من خلال العقل، استطلاق العقلانيّة الغائية وإيجاد شكل مزال الذاتيّة (dépersonnalisée) من ممارسة السلطة في الوقت نفسه، يمارسون المزايدة على النقد الذي تمارسه الجدليّة على العصر. إن الفن الطليعيّ ـ بصفته أخضع، هو أيضاً، استقلالية بالجمالية (esthétisme) ـ، هو الذي يقتبس منه هذا الفريق المعايير المضمرة التي لا يُفترض أن تستطيع الحداثة الثقافية ولا الحداثة المجتمعية مقاومتها.

الهوامش

(1) G.W.F. Hegel, Werkausgabe, Francfort, 1969-1971, (réed : 1985-1986), p. 287 sq. (Désormais cité W- a); en franç.: Foi et savoir, in Premières Publications, Paris, 1952, trad. Marcel Méry, p. 193 (trad.mod.(
(2)G.W.F. Hegel, W-a, op. cit., t. II, p. 21; en Franç : Différence des systèmes philosophiques de Fichte et de Schelling (désormais cité D.S) , Paris, 1986, trad. Bernard Gilson, pp. 109-110 (trad.mod.(.
(3) G.W.F. Hegel, W-a, op. cit., t. II, p. 33.
(8) Cf. G.W.F. Hegel , W-a ., op. cit., t.I,. P.10.
(9) G.W.F. Hegel, W-a, op. cit., t. I, p. 33.
(10) G.W.F. Hegel, W-a, op. cit., t. I, p. 77.
(11) G.W.F. Hegel, W-a, op. cit., t. I, p. 41.
(12) G.W.F. Hegel, W-a, op. cit., t. II, p. 254; en franç., in "Appendice" à l'Esprit du christianisme et son Destin (désormais cité E. C.) , trad. Jacques Martin, Paris, 1948, rééd. 1981. p. 150.
في هذه الفترة، لم يميّز هيغل بعد Moral عنSittlichkeit ، أي الأخلاق بمعناها الحصريّ عن الأخلاق المجتمعية•
(13) فيما يخص الكتابات السياسية لهجل الشابّ، انظر: W-a. , op. cit., t. I, p.255 sq; en :franç.:p.428 sq., 451 sq.
والحق أنه لايزال ينقص الكتابات السياسيّة لهذه الفترة نظير نقد الأنوار؛ وكما هو معلوم، فإن هيغل سيستدرك هذا النقص، من وجهة النظر هذه، في فصل "ظاهريات الروح" الذي بعنوان: "الحرية المطلقة والرعب". هنا أيضاً، سيوجّه هيغل نقده ضدّ فريق فلسفيّ يعارض نظاماً قديماً، يختبئ وراء وضعيّته، بمقتضيات تجريديّة. أما في الكتابات اللاّهوتية. يستحضر هيغل مباشرة شدّة العصر، والإحساس بالتناقض، والحاجة إلى التغيير، واستعجال إلغاء الحدود:"إن صورة عصر أفضل وأعدل حيّةٌ في نفوس الناس؛ لقد استهوى حنين، تطلُّعٌٌ إلى وضع أكثر صفاء، وأكثر حرّية القلوب كلّها وانفصل عن الواقع" (G.W.F. Hegel, W-a, op. cit., t. I, p. 268 sq.).
انظر أيضاً بخصوص هذه النقطة تذييلي لـ "كتابات سياسية" لهيغل (فرانكورت، 1966)، الذي أعيد نشره ضمن الطبعة الجديدة لكتاب:
Théorie und Praxis (Francfort, 1971) ; en franç. Théorie et Pratique, trad. Gérard Raulet, Paris, 1975, pp 163-186.
(14)G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. I. p. 465 ; en franç.: "La constitution de l'Allemagne", in Ecrits politiques, trad. M. Jacob et P. Quillet, Paris, 1977, p.21.
(15) G.W.F. Hegel, W-a.,op. cit., t. I. p.219 ; en franç:"Le plus ancien programme...."; in Ph. Lacoue-Labarthe et J- L. Nancy, l'Absolu littéraire. Théorie de la littérature du romantisme allemand, Paris, 1978, p.53-54.
(16) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. I. p. 318; en franç : E.C., op. cit., p. 26-27.
(17) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. I. p. 323 ; en franç. : E. C., op. cit., p 31-32.
(18) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t.I.p.342 sq; en franç:E.C.op.cit,p.49 sq.
(19) صرفتُ النظر عن فلسفة يينا الواقعية (Realphilosophie)، التي خلَّفت فيها مقالات الشباب التي تصدر عن نظرية في الذاتية المتبادلة آثاراً جليّة• راجع مقالي
"Arbeit und Interaktion", in Technik und wissenschaft als "Ideologie", Francfort, 1968, p. 9. sq ; en franç: "travai et interaction", in La Technique et la Science comme "Idéologie", Paris, 1973, rééd. Paris, 1978, p.163 sq. préf. et trad. par Jean - René Ladmiral.
(20) Cf. R. Bubner (éd.) , Das alteste Systemprogramm, Bonn, 1973.
فيما يتعلق بأصل المخطوطة، انظر على الخصوص المساهمات في:
Chr. Jamme et H. Schneider (éd.) ,Mythologie der Vernunft, Francfort, 1984, En franç. cf. J.L . Nancy et Ph. Lacoue-Labrthe, l'Absolu littérataire, op. cit. pp. 53-54.
(21) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. I. p. 236 ; en franç.: in l'Absolu littérataire., op. cit.
(22) "هكذا يجب على أولائك الذين يملكون الأنوار وأولائك المحرومين منها، في نهاية المطاف، أن يتعاونوا؛ فلابدّ من أن تصير الميتولوجيا فلسفية وأن يصل الشعب إلى العقل، كما لابدّ من أن تصير الفلسفة ميتولوجية لكي يكتسب الفلاسفة جسماً في النهاية" (diff. Ibid. trad)
(23) انظر فيما بعد الاستطراد عن شيلر، ص • 54 من الأصل ـ المترجم العربيّ.

(24)D. Henrich, "Historishe Voraussetzungen...", in Hegel im Kontext, op. cit, p. 59 sq.
(25) G. W. F. Hegel, W - a , op, cit., t. II, p. 23; en franç : D.S. , op. cit., p. 111 (trad mod).
(26) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. I. p. 309 ; en franç. : "Foi et Savoir", in Premières Publications., op. cit., p. 211 (trad. mod).
(27) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. I. p. 48 ; en franç. : D. S., op. cit., p. 132 (trad. Mod(.
(28)D. Henrish, "Hegel und Holderlin", in Hegel im Kontext, op. cit. p. 35 sq.
(29) H.R. Jauss, "Schlegels und Schillers Replik", in Literaturgeschichte als Provokation, op. cit. p. 67 sq.
بما أن نص ياوص هذا غير متوافر بعد الفرنسية، فإنه يمكن مراجعة Poésie et Poétique de l'idéalisme allemand لبيتر زوندي (ترجمة تحت إشراف جان بولاك، بتعاون مع بارباراكاسان، إيزابيلا وجاك ميشو، وهيلين شتيرلين، باريز (1975) بفائدة كبرى، وهو كتاب تنتهي تحاليله إلى خلاصات قريبة جداً من خلاصات ياوص (المترجم الفرنسي)•
(30) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. XIII. p. 89 ; en franç.: Esthétique, Paris, 1944, rééd. Paris, 1979, trad. S. Jankélévitch, t. I, p#. 95.
(31) G.W.F. Hegel, W-a., op.cit., t.XIII. p. 141; en franç.: Esthétique, op. cit. t. I, p. 153.
(32)G.W.F. Hegel, W-a., op.cit., t.XIV. p. 223; en franç.: Esthétique, op. cit. t. II, p. 352.(trad mod).
(33) G.W.F. Hegel, W-a., op.cit., t.XIII. p. 111; en franç.: Esthétique, op. cit. t. I, p. 116.(trad mod).
(34)G.W.F. Hegel, W-a., op.cit., t.XIV. p. 43; en franç.: leçon sur la philosophie de la religion, 1re partie, Paris, 1959 (désormais cité L. P.R.),trad J. Gibelin, p.(trad mod).
(35)G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. XVII, p. 343 ; en franç.: L.P.R. , III , I. La religion absolue, op. cit. t. II, p. 216 (trad mod).
(36) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. XVII. p. 343 sq ; en franç.: L.P.R. , III , I. La religion absolue, Esthétique, op. cit. t. II, p. 217 - 218.(trad mod).
(37) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. VII. p. 340 ; en franç.: Principes de la philosophie du droit, ou droit naturel et science de l'Etat en abrégé (désormais cité P. P.D.I.), Paris, 1976, Trad R. Derathé, avec la coll. de J. - P. Frick, p. 215(trad mod).
(38) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. XVII. p. 340 ; en franç.: P. P. D. I., op. cit. t. II, p. 218 - 218.(trad mod).
هذه الترجمة تنقصها الضمائم : سنشير إليها من الآن فصاعداً هكذاP.P.D.2 (ترجمة حديثة).
(39) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. VII. p. 344 ; en franç.: P. P. D. I., op. cit. t. II, p. 218 - 218.(trad mod).
(40) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. VII. p. 340 ; en franç.: P. P. D. I., op. cit. t. II, p. 218 - 215 (trad mod).
(41) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. VII. p. 340 ; en franç.: P. P. D. I., op. cit. t. II, p. 218 - P. P. D. 2. op. cit. t., p. 221(trad mod).
(42) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. II. p. 482 ; en franç.: Des maniéres de traiter scientifiquement du droit naturel ; de sa place dans la philosophie pratique de son rapport aux sciences positives du droit, Trad. et notes Bernard Bourgeois, Paris, 1972, p. 56; Le Droit naturel, trad. et notes A. Kaan, Paris, 1972, p 119(trad mod).
(43) G.W.F. Hegel, W-a., op. cit., t. VII. p. 407 ; en franç.: P. P. D. I., op. cit. p. 264 ; P. P. D. 2, op. cit. p. 277- 278 (trad mod).
(44) لقد وضح هيغل، في الدرس الذي ألقاه خلال شتاء 1820-1819 عن فلسفة الحق، ينية الأزمة الملازمة للمجتمع البرجوازي بطريقة أكثر حزماً منه في كتابه، انظر مدخل
D. Henrich، إلى: G.W.F. Hegel, Philosophie des Rechts .Die Vorlesung von 1819-1820in einer Nachschrift, Francfort, 1983, p.18sq.
(45) Cf. R. P. Horstmann, "Probleme der wandung in Hegels Jenaer System-Konzeption", in Philosophische Rundscgau, n! 9, 1972, p. 95 sq. et "Uber die Rolle der Burgerlichen Gesellschaft, in Hegels politische Philosophie, Hegel-Studien, t. XI, 1974, p. 209 sq.
(46)Jenenser Realphilosophie II, éd. Hoffmeister, Leipzig, 1931, p. 248 ; repris dans Jenaer Systementwürfe III, Naturphilosophie und philosophie de l'esprit de la Realphilosophie de 1805, trad. G. Planty-Bonjour, Paris, 1982, p. 92, et in J.Taminiaux, La Naissance de la philosophie hégélienne de l'Etat - Commentaire et traduction de la Realphilosophie d'Iéna, Paris, 1984, p. 265.
(47) هكذا يميّز هيغل المأساة التي تُخرج، في مجال الأخلاقيّ المجتمعيّ، اللعبة الأبدية للمطلق مع نفسها؛ راجع:
G.W.F. Hegel, W-a, op. cit. t, II, p. 495; en franç: Des maniéres de traiter ....op, cit. p. 70 et le Droit naturel, op. cit, p 130.
(48) D. Henrich, "Introduction" à Hegel, Philosophie des Rechts, op. cit., p.31.
(49) " عندما لا يبشَّر بعد بـ الإنجيل للفقراء، وعندما يصيرالملح تَفِهاً، وعندما تُكنَس كل الأمس خفية، يصير الشعب، الذي يظل عقله في حالة ميؤوس منها ولا يمكن أن تكون الحقيقة عنده إلاّ في التمثيل، غير قادر على تلبية نداءات سريرته"
G.W.F. Hegel, W-a, op. cit. t,; XVII, p. 343; en franç. trad. d'aprés l'éd. Lasson, in L. P. R., III, I, op. cit., 216-217 (trad. mod.
(50) G.W.F. Hegel, Philosophie des Rechts, op. cit. t, p. 31.
(51) G.W.F. Hegel, W-a, op. cit. t,; II, p. 175; en franç : "l'essence de la critique philosophique", en appendice à la Relation du scepticisme avec la philosophie, trad. Bernard Fauquet, Paris, 1986, p. 88 (trad. Mod).
(52)G.W.F. Hegel, W-a, op. cit. t,; II, p. 175; en franç : "l'essence de la critique philosophique" .op, cit. p. 89.



هذه ترجمة للفصل الثاني من كتاب:
Jurgen Habermas : « Le discours philosophique de la modernité » Tr. Fr. Gallimard 1988.

 

(0) تعليقات
2010-08-08

yyy

يسر إدارة ملتقى ابن خلدون لعلوم والفلسفة والأدب أن تبارك للأمةالعربية الإسلامية بمناسبة حلول الشهر الفضيل شهر رمضان المبارك أعاده الله تعالى عليكم جميعاً بالخير واليمن والبركات

 

(0) تعليقات
2010-07-05

yyy

توفى صباح اليوم الاثنين الدكتور نصر حامد ابوزيد حيث وافته المنية التاسعة صباحا بمستشفى زايد التخصصي وسوف يتم دفنه اليوم بمقابر الاسرة بمنطقة قحافة مدينة طنطا وذلك بعد صلاة العصر وسوف يقام عزاء اليوم في مقر اقامة اسرته بقحافة.

وكان الدكتور نصر ابوزيد قد عاد الى مصر منذ اسبوعين من الخارج بعد اصابته بفيروس غريب فشل الاطباء في تحديد طريقة علاجه وقد دخل الراحل في غيبوبة استمرت عدة ايام حتى وافته المنية.

ولد نصر أبو زيد في إحدى قرى طنطا في 10 يوليو 1943، ونشأ في أسرة ريفية بسيطة، في البداية لم يحصل على شهادة الثانوية العامة التوجيهية ليستطيع استكمال دراسته الجامعية، لأن أسرته لم تكن لتستطيع أن تنفق عليه في الجامعة، لهذا اكتفى في البداية بالحصول على دبلوم المدارس الثانوية الصناعية قسم اللاسلكي عام 1960م.

حصل نصر علي الليسانس من قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة 1972م بتقدير ممتاز، ثم ماجستير من نفس القسم والكلية في الدراسات الإسلامية عام 1976م وأيضا بتقدير ممتاز، ثم دكتوراه من نفس القسم والكلية في الدراسات الإسلامية عام 1979م بتقدير مرتبة الشرف الأولى.

http://www.dostor.org/culture/news/10/july/5/21385

 

(0) تعليقات
2010-07-04

yyy

رحل عن الدنيا هذا الصباح 4 جويلة 2010 في بيروت المرجع الديني والعلامة محمد حسين فضل الله عن سن ناهز الأربعة وسبعين. تعازينا القلبية للبنان بهذا المصاب الجلل ونتمنى أن يرحمه الله ويدخله فراديس جنانه .
لقد كان الفقيد من الشخصيات الطيبة المحبة للخير والسلام بالنسبة الى سكان المعمورة ويكنه كان أيضا مقاوما كبيرا لكل مشاريع الاستسلام ومعاندا للصهيونية والامبريالية ومجددا في الفقه والعقيدة ونصيرا للطبقات المضطهدة، كما آمن المرحوم بوحدة الصف العربي والإسلامي ودعا إلى إزالة كل أشكال توتر المذهبي بين السنة والشيعة والعودة إلى روح الأنوار القرآنية في اشراقاتها الأولى والنبع الصافي للتجربة النبوية واتباع فضائل أهل البيت والصحابة في الانتصار الى العدل والتوحيد ومقاومة الظلم والاستغلال في كل أنحاء العالم وبالنسبة لجميع الشعوب دون تمييز.

 

(0) تعليقات
2010-06-12

yyy

اقتحام مجاهل جديدة غير مألوفة في التراث العربي الإسلامي
في أربعينية المفكر العربي الراحل الدكتور محمد'عابد الجابري:
6/12/2010
الرباط ـ 'القدس العربي' ـ من الطاهر الطويل: تحل هذه الأيام أربعينية المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري الذي وافته المنية يوم 3 أيار ( مايو) المنصرم، بعد حياة فكرية حافلة بالإنجازات والسجالات أيضا.
والمتتبع لمسيرة الرجل يلاحظ أنها لم تقتصر على رصد قضايا أكاديمية بلغة العارفين وبرؤية عقلية مجددة، بل إنها شملت مجموعة من الإشكالات المتعلقة بمجالات الفكر والإسلام والتربية والسياسة وغيرها. فإلى جانب وقوفه طويلا عند قضية الهوية العربية، وكذا العولمة في الساحة الفكرية العربية، ورصده الواقع العربي مع استحضار مقولات لابن رشد وابن خلدون وماركس، نجده يتمحص ويحلل عددا من المفاهيم الإسلامية ( كمفهومي دار الإسلام ودار الحرب، والخلافة والإمامة والأحكام السلطانية والجهاد والشهادة والعقل والإيمان والحجاب...) كما يدلي بدلوه في معنيي الإرهاب والمقاومة.
وكان الجابري كذلك منشغلا بسؤال جوهري لخصه في العبارات التالية: 'كيف يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستعيد ويستوعب الجوانب العقلانية في تراثه، ويوظفها توظيفا جديدا؟'وإلى جانب ذلك، بسط نظريته بخصوص مفهوم الوطن والمواطنة، مستنبطا ذلك من الفكر اليوناني والكيفية التي استعادت بها الثورة الفرنسية ( والإنكليزية والأمريكية) هذا المفهوم. ويعتبِر الجابري المفهومين المذكورين من المفردات التي أهملت في خطابنا العربي المعاصر لتحل محلها مفردات أخرى تحمل مضامين وتوجهات مخالفة بل مناقضة لها، مؤكداً أن ذلك حدث منذ قيام العصر الإيديولوجي لظاهرة العولمة أواسط الثمانينات من القرن الماضي. ومن بين تلك المفردات عبارة 'حقوق الشعوب' التي أهملت وحلت محلها عبارة 'حقوق الأفراد والأقليات' أو باصطلاح آخر 'حقوق الإنسان والمواطن'.
أما على مستوى الرؤى السياسية والاقتصادية، فيلاحظ أن الجابري لم يتردد في إبداء وجهة نظره في بعض القضايا الراهنة، من ذلك مثلا أزمة الرأسمالية وقضية الاستفتاء على المآذن في سويسرا، ويحلل أيضا مواقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما. والطريف أن الجابري يقارن بين 'ظاهرة' أوباما و' ظاهرة' الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، ويتوقف عند نقاط التشابه بين ظروف انتخاب الرجلين معا، فكلاهما ـ كما يقول ـ من نتاج ظاهرة اجتماعية اقتصادية'عامة أصبحت تقدم نفسها بوضوح في عصر العولمة: ظاهرة تتلخص في وجود هوة سحيقة عريضة بين فئتين في المجتمع: الفئة التي يتكون منها رأس الهرم الاجتماعي، والفئة التي تشكل قاعدته: الأولى قوامها أصحاب الثروة والمنزلة والكلمة والسلطة، والثانية مادتها أصناف من الذين يعانون من الفقر والتهميش وفقدان أي اعتبار. ويضيف قوله إن كلا من أوباما ونجاد محكومان بأمر خارج عن إرادتيهما، وهو المحافظة على الوضع القائم، داخل حدوده الحمراء. من ذلك مثلا، أن أوباما لا يستطيع محاكمة ولا مساءلة 'المحافظين الجدد' على ما اقترفوه من أخطاء سواء في السياسة الداخلية أو الخارجية، كما أن 'نجاد' لا يستطيع أن يحاكم زعماء 'الإصلاحيين' الذين اتهمهم، على أمواج الإذاعة والتلفزة، بالفساد والتلاعب بأموال الدولة الخ.

المثقف العضوي

وكما أشار إلى ذلك بلاغ أصدره المجلس القومي للثقافة العربية في رحيل محمد عابد الجابري، فإن الرجل ظل طيلة عمره، وخلال ما يفوق أربعين سنة من العمل الفكري الجاد، مثالا للمثقف العضوي المنخرط في قضايا وطنه الصغير، وقضايا أمته العربية في مختلف أبعادها. وقد قدم الجابري في هذا الباب أطروحة فكرية تروم إعادة بناء المشروع القومي، وذلك بمحاولته التفاعل مع متغيرات اللحظة العربية، ساعيا إلى ابتكار ما يسعف بتفكيك عوائق المشروع القومي، محاولا استنهاض كل التيارات الفكرية العربية، خدمة لعروبة الحاضر والمستقبل. وقد أثمرت جهوده أيضا أطروحة فكرية لا أحد يجادل في قوتها النظرية، وفي أهمية الخيارات التي بنت في باب الدفاع عن الهوية العربية والمستقبل العربي. إن انخراطه الملتزم والمسؤول في العمل الفكري والسياسي، أثمر مواقف وخلاصات تؤكد مقدار النزاهة الفكرية التي كان يتمتع بها. وإذا كان من المؤكد أن مشروعه الأكبر يتمثل في نقده للعقل العربي، بهدف تخليص الثقافة العربية من الأدوات الفكرية التقليدية في أشكال فهمها للظواهر، فإن المجلس القومي للثقافة العربية يرى أن إشكالات الحاضر العربي السياسية، هي التي أملت عليه العناية بسؤال التراث. وترتب عن ذلك، ما بناه من أطروحة فكرية في موضوع أطروحة تجسدها بكثير من الجهد والاجتهاد مجلدات عديدة، أصبحت اليوم بمثابة طريق واضح لفهم تراثنا، وجعله أداة من أدوات التقدم وبلوغ ما نطمح إليه.
ويختم بلاغ المجلس المذكور بالقول: 'إن فقدان محمد عابد الجابري في هذه اللحظة بالذات من تاريخ أمتنا، يدعونا إلى تأمل تجربة عطائه، ومواصلة أعماله، وذلك بتعزيز أشكال المقاومة في ثقافتنا ومواقفنا، من أجل الانتصار للقيم التي ظل حريصا عليها، سواء في ما أنتج منه أطروحات او في المواقف التي كان لا يتردد في الإعلان عنها مستحضرا الطموحات العربية الهادفة إلى تحقيق مشاركة عربية فاعلة ومبدعة في عالم متغير.'
ومما جاء في بلاغ لاتحاد كتاب المغرب: 'في رحيله المأسوف عليه تكون الأمة العربية الإسلامية والأسرة الثقافية والفكرية العربية، قد فقدت في الجابري مفكرا وفيلسوفا عربيا كبيرا يصعب تعويضه'. وأضاف البلاغ 'لقد كان مفكرنا الراحل أحد مؤسسي الدرس الفلسفي في جامعتنا، كما ساهم، منذ عقود خلت، في تحديث الحقل الفكري والفلسفي، وتطويره، والإضافة إليه، سواء في المغرب أو في العالم العربي، عبر مصنفاته ومؤلفاته وآرائه وطروحاته المؤثرة والمضيئة. وأيضا عبر قراءاته العديدة في التراث الفلسفي، والفكر الخلدوني، ونقد العقل العربي، والنص القرآني، وحضوره الوازن في الحقل الفكري والفلسفي العربي والإسلامي والعالمي'، معتبرا أنه 'يرجع الفضل الكبير إليه في تخريج العديد من المفكرين والفلاسفة الجدد في بلادنا وخارجها'.
وذكـّر البلاغ بأن الراحل 'كان مشاركا باستمرار بآرائه وأفكاره الرصينة في معضلات الثقافة والفكر والفلسفة في العالم العربي، وهو أيضا من الكتاب الأوائل الذين بصموا تاريخ اتحاد كتاب المغرب، منذ التحاقه بهذه المنظمة عام1961' ، مشيرا إلى أن 'مفكرنا ظل حريصا على حضوره مؤتمرات الاتحاد الأولى، ومساهما بكتاباته المضيئة في مجلة ( آفاق) ومشاركا في ندوات الاتحاد وأنشطته على امتداد سنوات السبعينيات والثمانينيات'. فضلا عن ذلك، يقول البلاغ، 'عرف الراحل بحضوره السياسي الكبير في المشهد السياسي الوطني، وبمواقفه الوطنية المعروفة، وبمبادئه الثابتة، تلك التي ظل مفكرنا وفيا لها طيلة حياته، إلى أن غادرنا مأسوفا عليه'.
وفي السياق نفسه، يعتبر 'بيت الشعر في المغرب' في بلاغ له، أن المفكر الراحل جسد، إلى جانب تعدد انشغالاتِه المعرفية، نموذج المثقف المنخرط في مشروع رَحيب، بإعادة قراءته لِقديم الثقافة العربية الإسلامية وحديثها اعتماداً على مُنجَز الفكر العالمي المُعاصر. نَموذجُ هذا المثقف عَزَّ في الزمن الراهن، لما يتَطلّبه عبء المسؤولية، التي تحمّلها، من صبر وجهدٍ ومُكابدة، لأنّ حياةً واحدةً لا تَتسع لتحديات الشسوع الزمني والمعرفي للمشروع الذي أوْقف حياته عليه.
ويتابع 'بيت الشعر في المغرب' بلاغه بالقول: 'لم يكفّ الفقيد، منذ إسهامِه في تأسيس الدرس الفلسفي، عن الحفر في أكثر من واجهة، قبل أن يخُصَّ العقل العربي بالتفكيك الذي اتّسعت له أربعة كتب، تناولت تكوينَ هذا العقل وبنيَتَهُ ووجْهَيْه؛ السياسي والأخلاقي. كما أشرف على نشْرٍ جديدٍ لأعمال ابن رشد، مُرفقة بمداخلَ ومُقدّماتٍ تحليليةٍ وشروحٍ مُضيئة. سَنَدُهُ في ذلك إرادةٌ معرفية مَكينة، هيّأت له النهوضَ بما لا يستقيمُ إلاّ بعمل جماعي، يفوقُ حُدُودَ الفرد. وها هو قَدْ قضَى، ( وفي نَفْسِهِ شيْءٌ) من المشروعات الكبرى، على نحو ما هو بَيِّنٌ من المسالك التي شقتْها الأجزاءُ الأولى من كتابه عن القرآن الكريم.
بموتِ المُفكر محمد عابد الجابري، يتسللُ الصّمتُ إلى إحدى الجهاتِ المُنتجة للضوء في الفكر العربي الحديث. صَمْتٌ قاسٍ ومربك في آن، لِشسوع ظِلّه، وخفوتِ تَحَدٍّ نادر اقترن بالمشروعات الكبرى. وهو ما لمْ تَعُدْ تُسْعِف الحياة الحديثة، بإيقاع الاستهلاك المُتحكم فيها، في إنتاجه. لنا، إذن، أن نُنْصِتَ عميقاً لهذا التحدّي ونَعُدَّه إحدى البذور الخصيبة التي استنبتها الفقيد، وأن نوليها العناية الخليقة بها.
لا يتردّدُ ( بيت الشعر) في الإقرار، من داخل ألم هذه الفاجعة، بأن ضوء مُنجَز الفقيد يشِعُّ، على نحو ما، حتّى في الممارسة الإبداعية للشعراء. ذلك ما يُمكن أن نعثر عليه متى انتبهنا لِما لا يُرى، أي لتلك الخيوط الرفيعة التي تُؤمِّنُ نسيجَها في خفاء. لمْ يكن نَسَبُ المفكر محمد عابد الجابري الشعري يَتحَدَّرُ من داخل الشعر، وإنّما من الفكر وقضاياه وأسئلتِه. فالمُوجِّهاتُ المعرفية التي تحكمت في مشروعاته تتقاطع مع دروب الشعر وآفاقه.
يتبدّى النسبُ الشعري من داخل الفكر اعتماداً على إقامةِ الفقيد في السؤال المعرفي، والحفر في الهُوية بما يمنَعُ من انغلاقها، وإعادةِ كتابة الذاكرة الثقافية بوعي حديث، ومُحاورةِ الآخر برؤية نقدية، وإرساءِ المسالك المُضيئة نحو مُستقبل ينتصر للقيم الرفيعة'.

الهم الإبستمولوجي

وفي شهادة عميقة للأستاذ الجامعي ومؤرخ الأفكار الدكتور سعيد بنسعيد العلوي نشرتها صحيفة 'الاتحاد الاشتراكي'، نلمس بجلاء خصوصية فكر الجابري ومرجعياته وأهدافه الكبرى. يقول بنسعيد عن زميله في رحاب جامعة محمد الخامس بالرباط:
'كنت، بحكم عشرة في شعبة الفلسفة في كلية الاداب والعلوم الانسانية في الرباط امتدت عشرين سنة كاملة ( بين نهايتي السبعينيات والتسعينيات من القرن الماضي) أحد الشهود المواكبين لميلاد المشروع الفكري الذي يرتبط به اسم المرحوم محمد عابد الجابري: مشروع نقد العقل العربي.
كنت كذلك شاهدا على ميلاد ونشأة المشروع في الصيغة الاولى، التمهيدية، التي ينتظم بها كتابه ( نحن و التراث) والكتاب، مثلما يعرف قراء الجابري، مجموعة قراءات في فكر صفوة من فلاسفة الاسلام وكبار مفكريه: الفارابي، ابن سينا، ابن رشد، ابن باجة، ابن خلدون، الشاطبي.. قراءات سعى فيها صاحبها الى تسخير سلاحين اثنين كان الرأي فيهما ( في ثمانينيات القرن الماضي خاصة) انهما ينتسبان الى مجالين مختلفين، يغاير كل منهما الآخر مغايرة تامة، فلا سبيل الى الالتقاء بينهما، وهو تحليل يأخذ بالقواعد الكبرى التي يقررها برنامج نظرية المعرفة مع تغليب، يكاد يكون كليا، للتحليل المادي التاريخي والثنائية الشهيرة التي يعمل بموجبها: الايديولوجي العلمي ( الثنائية في معنى الزوج الذي يفيد حداه تنافيا كليا، فحضور احدهما يغيب وجود الاخر ويقصيه) وتحليل ثان يأخذ في وجل وتردد بالتحليل الابستمولوجي الذي يسعى الى استكناه مكنونات النص وارغام النص، بالملاحقة بما تيسره ادوات اللسانيات، والتحليل النفسي، وتاريخ العلوم وما عرفه محمد عابد الجابري في اعادة قراءته لفلسفات الفارابي وابن سينا وابن باجة وابن رشد والغزالي هو بأعلى وجه التحديد، التبشير بإمكان المزاوجة بين المقاربتين: التاريخية والبنيوية. يمكن التعبير عن المحاولة بكيفية أخرى فنقول: أمكن الجابري أن يقتحم مجاهل جديدة، غير مألوفة ـ البتة - في النظر إلى التراث الاسلامي في الكتابة العربية وأن يقوم بالخطوة الأولى في رفع الملام ودفع التهمة عن مقاربة أخرى غير المقاربة التاريخية - المادية. وقد سارت بالمنهجية الاخيرة في طريق الوثوقية ووأد الحس النقدي، فإنه تكون الفلسفة ويكون العقل المستنير - والقصد بالمقاربة الوثوقية تلك التي هيمنت على الساحة الفكرية العربية، في عمل قراءة التراث الاسلامي، مع كل من طيب تيزيني من جانب وحسين مروة من جانب آخر. لم يلق الجابري التاريخ وراء ظهره، ولم يصرف الحضور الايديولوجي في القراءة والكتابة معا في كل النصوص التي كتبها في السنوات الثلاثين الاخيرة - ولكن ( الهم الابستيمولوجي) أصبح مساكنا للرجل، محايثا له وعلى طريقته التي يعلمها اصدقاؤه وتلامذته على السواء سعى الى بلورة الهاجس الابستيمولوجي والتأصيل له ( ان صح القول) بالدرس الجامعي من جهة، وبالترجمة والتعريف بالابستمولوجيا الفرنسية ورجالاتها من جهة أخرى. الحق انه تلزم اضافة اخرى هي: الاشراف على رسائل واطروحات تتصل بالابستيمولوجيا في صلاتها بالعلوم الانسانية.
من موقع الشاهد الذي وجدت فيه يلزمني الاعتراف بأن محمد عابد الجابري أمكنه المضي خطوات غير قليلة في درب المقاربة المزدوجة للتراث العربي الاسلامي. لم يكن الامر بطبيعة الحال، يخلو من صعوبات واشكالات - لا بل انه قد كان، في جوانب منه مدعاة للنقد والمؤاخذة.
قام مثقفون عرب كثيرون، من مواقع مختلفة ومتعددة ( الدرس اللساني، الفقه والتشريع والاصول، علم الكلام، التصوف الفلسفة.. الخ) كلّ ٌ منهم قرأ من النصوص العربية ما كان في مجال اشتغاله المباشر متصلا، ما كان في دائرة اختصاصه متعلقا. وحده الجابري، من بين كل المثقفين العرب المعاصرين، جازف بامتطاء مركب صعب والارتقاء في أحضان بحر لجي متطاير الامواج. كذلك أقبل مؤلف ( تكوين العقل العربي) على قراءة سيبويه، و ابن جني، والعسكري، والجرجاني، وحازم القرطاجني، فضلا عن الشافعي والطبري وابن الاثير، مثلما كان يقرأ السهروردي واخوان الصفا، والشفاء، والجمع بين رأيي الحكيمين، وابن النديم في الفهرست والجويني والباقلاني والبغدادي في الكلام...
لا شك في أن الجابري كان يمتلك جرأة، بل جرأة كبيرة في بعض الاحيان، غير ان فضيلته الكبرى ( في المعنى اليوناني، الارسطي خاصة، لكلمة الفضيلة التي تفيد اتقان الصنعة) كانت - بلا منازع - هي سعة اطلاعه. لنقل بالاحرى، هي صبره على قراءة ما كان مشكلا، صعبا، لا يتصل بدائرة عمله ولا بما ألفه.
هل في إمكاننا اليوم أن نعدد من الفلاسفة المعاصرين العرب من قرأ كتب ابن جني وسيبويه، وحازم القرطاجني، والسكاكي والجرجاني بهدف البحث عن كيفيات استقبال العقل العربي للمنطق الارسطي وكيف تعامله مع الاثر الاغريقي. قوة فقيدنا الغالي تكمن في الصبر والاصرار، مع صدق الايمان، بالعروبة والعقل والديمقراطية.'

التحديث والتأصيل

أما الدكتور عبد السلام بنعبد العالي فيتوقف عند ثنائية التحديث والتأصيل في فكر الجابري، ويقول بهذا الخصوص في شهادته التي أوردتها صحيفة 'الاتحاد الاشتراكي': مأخذان يأخذهما محمد عابد الجابري على التيارين السلفي والحداثي في الفكر العربي المعاصر:
يأخذ على الأول كونه انكب على التراث من غير أن يستطيع أن يجعله معاصرا لنا، فهو أراد أن يؤصّل، لكن من غير تحديث. أما الثاني، فأراد أن يستورد مقومات الحداثة، ويستورد حتى أصولها، أراد أن يحدّث من غير أن تأصيل.
سنتبيّن فيما بعد أن هذين المأخذين هما في واقع الأمر مأخذ واحد ذو وجهين، لسبب أساسي وهو أن عمليتي التحديث والتأصيل، في نظر صاحب 'نقد العقل العربي'، عملية واحدة، أو قل انهما وجهان للعملية ذاتها.
تقوم هذه العملية في محاولة ارساء المرجعية داخل ثقافتنا للمفاهيم التي تشكل قوام الحداثة بهدف 'استنباتها في تربتنا'، و' ربطها بما قد يكون لها من أشباه ونظائر في تراثنا، واعادة بناء هذه بطريقة تجعل منها مرجعية للحداثة عندنا'. انها اذن 'تبيئة ثقافية' لتلك المفاهيم.
لا يتعلق الأمر بطبيعة الحال بمجرد ايجاد مقابلات عربية وترجمة مفاهيم و' نقلها' الى لغتنا وثقافتنا، كما لا يتعلق بالأوُلى بإثبات سبق للفكر العربي الاسلامي في جميع الميادين، والتفاخر بأن أجدادنا كانوا 'السباقين على الدوام'، وانما بتبيئة وزرع واستنبات
هذه الاستعارات التي ترد الى فلاحة الأرض و' فلاحة' الفكر تنقلنا الى تلك العملية التي ينتهجها الفلاح عندما يسعى الى استنبات مزروعات نقلت نقلا من بيئة مغايرة بهدف تدجينها و' تبيئتها' مع ما يتطلبه كل ذلك من مجهود واعادة نظر و' تكييف' لطبيعة التربة والمناخ المحيط .
على هذا النحو يغدو التحديث انتظاما نقديا في الثقافة العربية لتلك المفاهيم التي تؤسس للحداثة. انه تغيير من الداخل ، وهو ليس قطيعة مع الماضي، بل 'ارتفاعا بطريقة التعامل مع التراث الى مستوى ما نسميه بالمعاصرة'. بهذا لن تعود تلك المفاهيم غريبة كل الغربة، وانما تصبح، على حد قول أحد الروائيين الجزائريين، مفاهيم intrangers ، مفاهيم، رغم غربتها، فهي 'تجد أصولا في تراثنا'.
يتعلق الأمر اذن بتجديد ثقافتنا من داخلها. هذا التجديد من الداخل يتبع استراتيجية ذات أبعاد ثلاثة:
- نقد التراث نقدا عقلانيا.
- نقد الحداثة والكشف عن نسبية شعاراتها، وابراز أصولها التاريخية التي هي أصول عربية اسلامية لاتينية اغريقية.
- ثم التأصيل الثقافي للحداثة في فكرنا ووعينا.
لا ينبغي أن ننسى أن هذا التجديد يستجيب لحاجة عملية يفرضها وضع الذات العربية في الظرف الراهن، وأن السؤال الأساسي الذي ينبغي أن تجيب عنه وتستجيب له هو: 'كيف يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستعيد ويستوعب الجوانب العقلانية في تراثه، ويوظفها توظيفا جديدا؟'. على هذا النحو يغدو تحديث التراث قضية استراتيجية: 'فما لم نمارس العقلانية في تراثنا، وما لم نفضح أصول الاستبداد ومظاهره في هذا التراث، لن ننجح في تأسيس حداثة خاصة بنا، حداثة ننخرط بها ومن خلالها في الحداثة المعاصرة العالمية كفاعلين لا كمجرد منفعلين'. لكن كيف تغدو هذه الحداثة 'العالمية' حداثة خاصة بنا؟ هذا هو الوجه الآخر لعملية التجديد من الداخل: انه التأصيل.
يقوم تأصيل المفهوم على نقله الى ثقافتنا واعطائه مضامين داخلها تتناسب مع المضامين التي يتحدد بها أصلا في الثقافة الأوروبية التي منها نقلنا هذا المفهوم. فاذا كانت الحداثة على سبيل المثال تستعمل مفهوم حقوق الانسان 'فان ما نعنيه بالتأصيل الثقافي لحقوق الانسان في فكرنا العربي المعاصر هو ايقاظ الوعي بعالمية حقوق الانسان، وذلك بإبراز عالمية الأسس النظرية التي تقوم عليها والتي لا تختلف جوهريا عن الأسس التي قامت عليها حقوق الانسان في الثقافة الغربية. ومن هنا يبرز الطابع العالمي - الشمولي الكلي المطلق لحقوق الانسان داخل الخصوصية الثقافية نفسها'. ومعنى العالمية هنا أن تلك الحقوق 'تقوم على أسس فلسفية واحدة'. أما الاختلافات فهي لا تعبّر عن 'ثوابت ثقافية'، وانما ترجع الى اختلاف 'أسباب النزول'، أي اختلاف الشرط التاريخي.
المنحى ذاته نلفيه عند صاحب 'المثقفون في الحضارة الاسلامية' فيما يتعلق بتأصيل مفهوم المثقف في ثقافتنا العربية الاسلامية . نقرأ في هذا الكتاب: 'وهكذا نجد أنفسنا أمام النتيجة التالية التي يفرضها علينا التاريخ الأوروبي نفسه، وهي أن ظاهرة ( المثقفين) في العالم العربي المعاصر، اذا كانت ترجع الى الاحتكاك بالثقافة الأوروبية الحديثة، فإن الظاهرة نفسها نشأت في أوروبا الوسيطة نتيجة احتكاكها بالثقافة العربية الاسلامية...ان المثقفين في العصور الوسطى الأوروبية هم من نتاج المثقفين في الحضارة العربية الاسلامية'.
قد تتعذر علينا مسايرة هذا التحليل أو على الأقل متابعته، الا أننا ينبغي أن نستحضر الخلفية الفكرية التي تقوم من ورائه وهي الايمان القويّ بوحدة التطور البشري، والتسليم بأن هناك تاريخا كليا تتراكم لحظاته وتستمر وتتواصل، بحيث يشكل التاريخ العام عصارة المساهمات النوعية للثقافات جميعها. بهذا المعنى يغدو تراثنا العربي الاسلامي لحظةً من لحظات قيام الحداثة 'العالمية'. هناك اذن عالمية لتراثنا العربي الاسلامي لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا الى حد أننا حينما نقيم تعارضا ومقابلة بين الأصالة والمعاصرة نكون كأنما وضعنا 'الفكر الانساني في مقابل نفسه'.

أسئلة سياسية

انشغال الجابري بالقضايا الفكرية والفلسفية لم يكن يحول بينه وبين الانخراط في أتون السياسة. وقد فسر ذلك في إحدى كتاباته بالقول: 'عندما أنظر إلى الكيفية التي حصل بها التداخل بين السياسي والثقافي والتربوي في مسار حياتي، يصيبني نوع من الاستغراب، ذلك أنه رغم التعقيد الذي طبع معارج هذا التداخل، فإني لم أشعر في أي وقت بثقله على نفسي. كنت أتصرف وكأني في حقل واحد: أمارس الكتابة السياسية كما أمارس الكتابة النظرية والبحث العلمي، كما أقوم بالتدريس أو بالتفكير في قضايا تربوية، وكنت أشعر في كثير من الحالات بأن هذه الحقول تتكامل، ويعين بعضها بعضا على تمكيني من الفهم والاستيعاب.'
عن حدود التماس بين الفلسفة والسياسة في فكر الجابري، يرى الباحث عبد الرحمن العمراني أن قدر الفلسفة الحقيقي أن تكون ضمير السياسة، ذاك قدرها منذ عصر اليونان، قدرها ان تكون صوت الفكر النقي والعميق، الذي لا تصده عن الجهر بالحقيقة أية موانع او كوابح من نوع ما قد تصنعه لدى السياسيين العاديين، المهووسين باليومي وبالحصيلات الموهومة، حسابات قصيرة او توافقات منتظرة.
ويوضح العمراني أن الجابري رحمه الله عمل ـ وعلى امتداد زمني تجاوز نصف قرن ـ على إنزال الفلسفة في المغرب، وفي العالم العربي، الى قلب المعترك السياسي، جاعلا من الأسئلة المحرقة والمستعصية على التصريف السريع، اسئلة الحداثة والعقلانية والموقف من التراث... اسئلة سياسية بامتياز. وبشكل ما، فإن الاستاذ الجابري استبدل تلك الحكمة الشهيرة التي كنا نجدها مكتوبة كشعار على ظهر كل كتب دار النشر الفرنسية لوسوي والتي كانت تقول 'ان المشكلات السياسية هي مشكلات كل الناس، وأن مشكلات كل الناس هي مشكلات سياسية، بحكمة لا تقل أهمية توحي بالقول بأن المشكلات الفلسفية هي في العمق، مشكلات سياسية، وأنه من المفروض ان تكون مشكلات كل السياسيين.
ويتابع الباحث المغربي قوله في شهادته: 'لقد جعل الاستاذ الجابري من اسئلة الحداثة والعقلانية والموقف من التراث اسئلة سياسية، ملحة، ضاغطة تتحدى بحكم ما تطرحه من قضايا ومن مهام، ذاك النوع من الممارسات السياسية البلهاء، البليدة والساذجة، التي تنتظر قدوم النهار الناصع البياض في حياتنا السياسية ونحن في وسط ضباب كثيف تصنعه معتقدات بالية وبقايا مسلمات غنوصية تلف العقل العربي وتجره الى مناطق العتمة والجمود.
لم يجد الاستاذ الجابري أية صعوبة في ردم تلك الهوة التي كان رسمها ماكس فيبر بين السياسي والعالم، لقد تساوى الاثنان في شخصه في وئام وانسجام، ولم تنسحب اخلاقيات القناعة لديه امام ضغط اخلاقيات المسؤولية، بل ظلا متكاملين متعاضدين في مشروع واحد متكامل.
وخلافا لفوكو وآخرين في الفلسفة الغربية المعاصرة، فإن الحفريات عند الجابري لم تكن هروبا مما هو مركزي في ساحة الممارسة الاجتماعية والسياسية، وبحثا عن الهامش والهوامش، او التفافا على المركز بالهوامش، بل كانت إبحارا واعيا في ثنايا وتلافيف تفكيرنا، وحال مؤسساتنا المركزية المنقادة بنوع من العقل مخصوص يصنع الرؤية الى العالم، عقل جعل الجابري من نقده مركز اهتمامه الاول، وخلافا للعديد من المثقفين العرب ممن جايلهم وتناظر معهم طويلا، فإن الجابري بذل جهدا استثنائيا أوصله الى كشف منهجي جديد في قراءة التراث العربي وسبر اغواره، عوض الاكتفاء بما كان يسميه ـ رحمه الله ـ باستعمال منهج مطبق، وهي العادة التي كان قد دأب عليها بعض المفكرين الماركسيين العرب خلال عقدي الستينيات والسبعينيات.
وخلافا للعديد من الحداثيين الشكلانيين، الذين كانوا يحثوننا على استئناف النظر في مسيرتنا الحضارية، انطلاقا من تراث الآخرين، بما في ذلك تراث النهضة والانوار الاوروبيين، فإن الجابري ظل متشبثا بقناعة راسخة بأن استئناف النظر في تلك المسيرة الحضارية يجب ان يبدأ من حيث انتهى ابن رشد، وانطلاقا من التراث العقلاني لابن رشد بالتحديد، لأن الامم لا يمكنها أن تضمن قفزات نهضوية من خارج تراثها ولا أن تبني جسورا قوية باتجاه المستقبل من دون الانطلاق من تراثها، او على الاصح من أكثر المكونات عقلانية ضمن هذا التراث. وكان ذلك ردا موفقا على دعاوى ودعاة التغريب السهل الأداتي والشكلاني.
استئناف النظر من حيث انتهى ابن رشد، وليس من حيث انتهى العرافون الذين ناصبوا العداء للعقل وعقلوه في أقصى أقاصي النفوس فأنتج ذلك الاصوليات والدوغمائيات والتزمت.
بتلك المعاني، فإن نقد العقل العربي، وهي المهمة التي نذر لها الجابري حياته المهنية الحافلة هي في نفس الوقت دعوة مفتوحة الى تأسيس الفكر السياسي والممارسة السياسية، على منطلقات معرفية صلبة، وإلا فإننا سنبقى نراوح مكاننا بين أطلال العرفان والجاذبية الخادعة للطوباويات والطابع الشكلاني للمؤسسات.'
وذكر الكاتب محمد ساعف ( رئيس مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية) في تصريح أوردته صحيفة 'التجديد'، أن الراحل كان ''إنسانا كبيرا وأستاذا كبيرا، ورجلا مارس السياسة بشكل قوي، مضيفا أن الجابري كان يتميز دائما ببصمة ليست متوفرة في الحقل السياسي والحقل العلمي، وهي نوع من العطاء الغزير والكرم الفكري وتشجيع الأقلام الشابة في مجالات العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية بشكل عام'.
وأشار بالقول: 'الجابري الأستاذ ترك آثارا قوية وعميقة في النظام التعليمي. كان يكتب ويمارس السياسة ويدرس في نفس الوقت، ولكن أبدا ما كانت مشاريعه الفكرية أو انشغالاته السياسية على حساب علاقته بالدرس، كان دائم الحضور في قسمه، يباشر دروســــــه بشكل جدي ومنتظم ويؤطر طلبته كما يجب، حياته كلها كانت في التدريس إلى جانب الإشراف التربوي، والمراجع التي تركها تشهد على المجهود البيداغوجي الكبيــر الذي قام بــه، 'مضيفا' الجابري في الجانب السياسي عاش مرحلة بكل تناقضاتها، وكتاباته تشهد على تلك التناقضات كما عاشها، كما أنه كان رجل أخلاق متشبثا بقيم وخيارات أساسية، أما الجابري في جانب الإنتاج الفكري، فكل مؤلفاته ـ رحمه الله ـ كانت محطات أساسية للفكر العربي يُشهد له بأهميتها، لقد ترك الراحل آثارا قوية في الحقل السياسي الفكري والثقافي والعربي، وفكره لا زال حاضرا معنا وستكون آثاره قوية في المستقبل'.
وفي الإطار نفسه، اعتبر الكاتب عبد الصمد بلكبير (عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي) أن وفاة الجابري خسارة وطنية وعربية وإسلامية، مشيرا إلى أنه كان رجلا له تاريخ في النضال الوطني والديمقراطي، وتاريخه نظيف ومردوديته عالية في الجامعة والبحث العلمي ومردوديته أكبر وإنجازاته ذات وتيرة خاصة عندما ابتعد نسبيا عن أجهزة العمل السياسي واعتكف على البحث العلمي، وأضاف بالقول 'أعظم ما تحقق على يديه هو التقارب على صعيد النظر والعمل، بين من يوصفون بالحداثيين ومن يوصفون بالإسلاميين، وتمكن من بناء صرح للأجيال المقبلة عليه أن تستثمره وأن تمضي فيه، نرجو أن تعوض خسارته بمن يخلفه في الأجيال القادمة'.




http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\11qpt89.htm&storytitle=ffاقتحام%20مجاهل%20جديدة%20غير%20مألوفة%20في%20التراث%20العربي%20الإسلاميfff&storytitleb=في%20أربعينية%20المفكر%20العربي%20الراحل%20الدكتور%20محمد'عابد%20الجابري:&storytitlec=

 

(0) تعليقات
2010-06-07

yyy

-
لغة العين
تحاول هذه المقالة توضيح الآلية التي يتم من خلاها فهم وادراك الفن الاسلامي، فالأشكال والخطوط في الفن الاسلامي ليست أشكال مجردة وانما رموز وتلميحات لمعاني وأفكار عميقه، لا يتم ادراكها الا لمن يفهم لغة الفن الاسلامي.

توصلت الحركات الفنية الحديثة الى ما يمكن اعتباره ثورة أو ذروة ما توصل اليه الفن الحديث، حين اعتبرت العمل الفني عملاً قائماً بذاته، وحين اعتبرت عناصر العمل من خط وشكل ولون، لغة تشكيلية هي بحد ذاتها المضمون الذي يسعى اليه الفنان. قبل أربع عشر قرناً تقريباً أدرك الفنان المسلم العلاقة بين اللغة البصرية والانسان كاملاً، فصاغ من النقطة والخط والشكل واللون، لغة هندسية رمزية تجريدية، تعلمت العين قراءتها من خلال المنهج الاسلامي، الذي تعامل مع الفنون البصرية على أساس التصورات الفكرية، فالفنان يرسم ما يعرفه عن الشيء وليس مايراه، لذلك كان توجه الفن الاسلامي التعبير عن المرئي وليس نقله. ومن هنا كانت لغة الفن الاسلامي هي النقطة والشكل متجاوراً ومكرراً، الخط مستقيماً أو منحنياً واللون الى جانب اللون، والدائرة المكتملة، والنظام الخفي الذي يوزع الأشكال على السطح، ويوزع الألوان على الأشكال. هذه العناصر شكلت أيضاً مضمون العمل الفني. واتخاذ عناصر العمل الفني واعتبارها مضمون العمل هو بحد ذاته ابتكار لم يسبق اليه أحد، ونقاط التلاقي التي تجمع بين الفن الاسلامي وبين الحركات الفنية الحديثة هي في حقيقتها اختلافات قائمة على اختلاف الفلسفة والرؤية لكل فن، وهذا بالطبع لا يشكل تمايزاً أو تفضيلاً وانما جزء من شخصية كل فن وخصوصيته.
أدرك الفنان المسلم العلاقة بين العين والعقل، فجعل من فنه لغة تتوجه الى العين أولاً وتجعل منها طريقاً للوصول الى الانسان (صورة رقم 1). فالشكل الذي يمتلك دلالات ظاهرة وباطنة لم يكن اعتباطياً في الفن الاسلامي، وانما نتيجة عقلية قامت باستيعاب الرؤية الاسلامية للوجود، وأدركت امكانيته الرمزية والدلالية، وأدركت الصدق الذي يتضمنه الشكل المجرد في التعبير عن الحقائق، فلا مجال فيه للمشاعر والنزوات، وبذلك يكون الوسيلة الأمثل للوصول الى الجوهر. وعرفت كيف تؤلف بين الشكل واللون من خلال علاقات رياضية جمالية، ما هي الا نتيجة علم ودراية بالعين التي تعمل على نقل الصورة الحسية الى المخ، وببواطن النفس البشرية التي تحسن التفسير والادراك. فالفن الاسلامي فن رياضي حسابي يخاطب العقل ويخاطب الوجدان والحس، ولا ينتهي بانتهاء عملية الر ؤية.
صورة رقم (1)
لقد قام الفنان المسلم بتحويل أفكاره الى نماذج مجردة وأشكال هندسية، والأشكال الهندسية تعتبر وسيط فعال لادراك العالم المرئي (صورة رقم 2)، فخصائصها تسمح بتركيز معلومات كثيرة، في أقل صورة ممكنة، فهي كما يقول "مار" (1)، واحدة من الطرق التي تساعد على فهم العالم المرئي، لأن لها القدرة على اختزال المعلومات. تختزل العالم بين أضلاع مثلث، أو في محيط دائرة. انها أشكال مجردة لمعاني مجردة، وفي الفن الاسلامي تكتسب الأشكال الهندسية صفة رمزية فيتحول الشكل الى رمز وتتحول اللغة الى لغة رمزية، فلا قول ولا تصريح، انما اشارة وتلميح.
صورة رقم (2)
ان عملية تحويل الشكل الى رمز تحتاج الى عقلية على مستوى عالي من الحس والحدس(2)، لما في الرمز من حشد للطاقة النفسية والوجدانية التي تتجاوز المعنى المباشر له، فالرمز ايحاء اصطلح عليه لوجود علاقة بين الدال والمدلول. قد يوحي بأشياء لا شعورية من الصعب التعبير عنها بالكلمات، لذلك يكون الوسيلة الأنجح في التعبير عن الحقائق المجهولة أو غير المدركة حسياً. ونظرية الرمز تحدد فكرة العلاقات الرمزية حيث تفترض وجود جواهر كونية تجمع بين جواهر جزيئات الواقع -وان اختلفت أعراضها- انها الوحدة العميقة بين جواهر الموجودات، على تعدد صياغتها وألوانها حيث تتجاوب العطور والألوان والأصوات على مستوى الصياغة الشكلية، وهكذا تنهار في بصيرة الفنان الحواجز الطبيعية بين مجالات الحس والوجدان فيصبح الكون وحدة واحدة تتعدد وسائل ادراكها، وتستعير الوسيلة من الأخرى ما يعينها على الايحاء، فتتداخل الحواس وتصل العين الى مستوى السمع وتصل الأذن الى مستوى الرؤية.
يرى "فرويد"(3) أن عملية التذوق الجمالي هي محاولة للوصول الى المعنى الحقيقي الذي يعكسه المحتوى الواضح للتمثيلات الرمزية. في الفن الرمزي يبدأ الفنان من الواقع ويتجاوزه لاكتشاف العلاقات بين مظاهر الوجود، وهو يعتقد في وحدة النشاط الجمالي في جوهره، يؤكد على أهمية السطح وتنظيمه، ويفصل بين السطح والعمق فيشد الانتباه الى ما وراء الشكل، والى الحقيقة التي تكمن خلف المرئي. ان الشكل الرمزي يتضمن معاني مكثفة لأفكار غير مرئية، بحيث توحي صياغتها بالفكرة أكثر من تمثيلها. فالهدف هنا وضع الفكرة بصورة حسية، من خلال علاقات شكلية توقظ المشاعر الجمالية. ان ما يحقق الاستمتاع في فن الزخرفة في الفن الاسلامي مثلاً هو البنية الشكلية ومعالجة الفراغ وليس مضمون الشكل بحد ذاته. فالمثلث والمربع والدائرة أشكال لا تثير الحس الجمالي بذاتيتها وانما من خلال النظام الذي يصيغها ويوزعها في الفراغ.
والرمز تجريد للأشياء من ماديتها من أجل أن تبلغ الكمال في هندسة الصور، فالأشياء عندما تتجرد تفقد طبيعتها الشيئية وتكشف عن جوهرها الوجودي. وفي هذه الحالة تترابط بواسطة الحس والخيال بعد تنحية دور المنطق. وتكتسب صفات الأشياء معاني صورية فنشعر أن للهواء طعم، وللزهور بريق معدني وترتقي الاثارة فتصل الى المعاني الروحية وتوحي بأسرار النفس، فالتجريد في المذهب الرمزي يرد الأشياء الى أصولها.
التجريد يعني التبسيط وصولاً الى الانسجام المرئي. التجريد الحرية في تعديل الطبيعة، من أجل أغراض التعبير. والفنان الرمزي يميل الى الغموض والسرية في التعبير عن المقاصد فهو لا يعنيه وصف الأشياء التي رسمها وانما غايته تصوير فكرتها. فالرمزية تقوم على أسس تخيلية، يستخدم فيها الفنان تمثيلاته التصويرية من النوع الذي يمكن التعرف عليه، ويعمل على اعادة صياغتها بطريقة تتخذ الأشكال فيها ترتيب غير منطقي مما يحدث تأثيراً رمزياً.
تتمركز فكرة الدين الاسلامي حول مفهوم الله الواحد واثبات أن لا اله غيره، ومن الناحية الجرافيكية يمكن اعتبار أن مفهوم الاله الواحد هي الفكرة التي يحاول الدين الاسلامي اقناع العالم بها، لذلك نرى أن الفن الاسلامي يتخذ من هذه الفكرة محوراً أساسياً في أعماله يصورها ويدل عليها بطريقة رمزية، بحيث يتوصل المشاهد بنفسه الى حقيقة الاله الواحد. اذن الفن الاسلامي هنا يشير، يرمز، يختزل، لا يصرح وانما يجعل من المشاهد مكتشفاً لتلك الحقيقة، وهذا ما يجعلها أكثر اقناعاً ورسوخاً. وهذه النقطة تتلاقى مع غاية الجرافيك الحديث الذي يعتمد على استنتاج الانسان بنفسه للفكرة المطروحة من خلال العمل.
ان اللغة التي يستعين بها الفن الاسلامي لتقديم رسالته، هي في الأساس صورة حسية بصرية، قراءتها تستوجب الاندماج في العمل وتسخير كامل الطاقة المعرفية والخبرات السابقة واستثارة الذاكرة البصرية وما الى ذلك من عمليات ذهنية معقدة لادراك المعنى الماورائي للصورة. لقد استطاع المسلم أن يسيطر على عملية الادراك الحسي بخلقه احساس داخل العمل الفني. هذا الاحساس يبدأ من العين التي تنقل المرئي الى الجهاز العصبي لتبدأ سلسلة من العمليات الذهنية يتم من خلالها التوصل الى المعنى المقصود. ان ادراك الأشكال الهندسية وتفسيرها يفتح مجالات عديدة للتأويل، لما فيها من معاني، وبالاضافة الى الغموض الذي يعد صفة للشكل المجرد، تتصف الأشكال في الفن الاسلامي بأن لها خاصية التجدد الدائم من خلال التكرار ومجاورة الأشكال لبعضها، وتراكبها، وهذا ما يجعل العين في احساسها متنقلة في أرجاء العمل، تنتقل من الشكل الكلي الى الوحدات الأصغر الى أن تصل الى الشكل المفرد.
وعملية الرؤية تتأثر بالمجال المحيط، فاللون لا يدرك بمعزل عن الشكل والمكان والمساحة، وانما يعتمد كل على الآخر في عملية الادراك. ان العقل البشري ينظم هذه العملية من خلال نظام زمني لا يتجاوز أجزاء من الثانية، فهو يبدأ بادراك اللون ثم الشكل ثم الحركة. والادراك الخطوة التي تلي الاحساس وهو يتضمن نوعاً من الوعي والتميز الذي لا يمكن أن يحدث عن طريق الاحساس. والادراك يتأثر بعوامل عديدة تتدخل في فهمنا للأشياء وحسب نظرية الجشطالت(4) فان ادراكنا للأشكال يكون كلياً ثم يكون للأجزاء والتفاصيل. فالعقل يعمل على رؤية الأجزاء ككل ثم ينتقل الى التفاصيل، ويعمل على اكمال الصورة ذهنياً واضافة الأجزاء الناقصة. لأنه يدرك الصورة كوحدة واحدة أولاً ثم ينتقل الى الأجزاء، فالعين عندما ترى خطين متجاورين مثلاً يدركان على انهما مربع، لأن العقل هنا أكمل الصورة بخبرته.
ان الصلة بين العين والمخ البشري، تدفع الى الحديث عن العلاقة بين الفن والمخ البصري. فالفن عمل عقلي مدخلاته ومخرجاته تعتمد على الرؤية الحسية، هذه الرؤية ليست فعالة ما لم تدخل الى عالم الادراك والفهم، والصورة الحسية تنتقل الى المخ عبر شبكية العين المتصلة بجزء من القشرة الدماغية مجهز لاستقبال الاحساسات البصرية، وهذا الجزء من القشرة الدماغية مكتمل النمو منذ ولادة الانسان، غير أن الأجزاء المحيطة به والمسؤولة عن تفسير الصورة البصرية تتطور على مراحل مختلفة من حياة الانسان، وهذا يعني ارتباطها بالخبرة والمعرفة التي يكتسبها الانسان خلال حياته. تحدد وظيفة الرؤية على أنها "نيل المعرفة الخاصة بالعالم" (5) وصحيح أن هناك أنواع من المعرفة يمكن أن يكتسبها الانسان من حواس أخرى، الا أن العين تعتبر الحاسة الأكثر فعالية في الحصول على المعرفة، وفعاليتها تعتمد على عمل المخ والبيئة الخارجية، فعندما يبدأ المخ بتفسير صورة ما فانه يقوم باستحضار كم هائل من المعلومات ويستخرج منها ما يريده، ويقارن المعلومات الواردة اليه بالمعلومات المخزنة، والمعلومات المخزنة أصلاً نتيجة مدخلات معظمها بصرية، وكما يقول ماتيس(6): " ان النظر هو بالفعل عملية ابداعية تتطلب مجهوداً". ان المخ البشري من خلال تفسيره يحاول البحث عن الثوابت والأشياء الجوهرية الخاصة بنيل المعرفة حول العالم، والفن الاسلامي يتمحور حول جوهر الأشياء وحقيقتها، ومن هنا يمكن القول أن وظيفة الفن الاسلامي هي امتداد لوظيفة العقل البشري.
أن الفن الاسلامي يقدم أشكالاً جديدة تدرك من خلال العلاقة التي تحكم توزيع الأشكال على السطح، ان الشكل المتجدد هنا يتيح مجالاً أكبر للتأويل والاكتشاف وعدم الملل والانتقال في الرؤية من مستوى الى مستوى آخر. تثبيت العين على نماذج الزخرفة يجعلها ترى أشياء غير واضحة أو مرئية من النظرة الأولى مثل الدوائر والأشكال والأجزاء المكررة أي البنية الشبكية للأشكال الزخرفية، وهذا ما يقود الانسان الى تخيل أو ادراك ورؤية أشياء غير منظورة. بطريقة أخرى انه الفن المرئي الذي يقود الى اللامرئي والى الابصار وادراك الماورائي. ولا يعتمد الفن الاسلامي على محور واحد في الرؤية، وانما محاور متعددة تجعل العين في حركة مستمرة، مما يولد الاحساس بالحركة، الناتجة عن احساس الفنان وتجربته وليس نتيجة قواعد محددة. والحركة احساس بالعين يتولد عند ادخال أكثر من صورة ذهنية الى الدماغ بطريقة سريعة. والحركة أيضاً فن علمي رياضي يخاطب العقل والوجدان نتيجة ارتباط الحس بالفكر والفن بالعلم.
والعين هي مقصد الفن الاسلامي الأول، سواء في مجال القراءة والتأمل أو في مجال التذوق والفهم. فهي لم تعد مجرد أداة للعقل أو آلة حسية أو تخيلية، وانما أصبحت تمثل الانسان بكليته، عقله ومخيلته وحسه. وهي تقرأ لغة مكونة من شكل وخط ولون ومساحة، فتشكل هذه العناصر أبجدية اللغة ومنها تتألف الكلمات والجمل والرموز والاشارات، باتباعها نظاماً يؤلف فيما بينها ويشكل سر اللغة وجوهرها. وبالتالي فهم اللغة انما يتم بفهم النظام الذي يسير الشكل واللون، ويصيغ العلاقات والقوانين بينهما. ان الفن الاسلامي بعيد عن الزمان والمكان، لا رواية فيه ولا ابطال، ولا انفعال أو حدث، لكن العين تعرف كيف تقرأ الفعل عبر الخطوط والأشكال، وكيف تقرأ الفرح في الألوان، وتدرك الرموز والاشارات من خلال تلاقي الخطوط وتقاطعها. وحين تصل العين لهذه المرحلة من الفهم والادراك، تحتجب اللغة والصورة لتظهر صورة أخرى باطنة تراها عين القلب.
وعن العلاقة بين العين والعقل يقول الغزالي(7): " العين تدرك من الأشياء ظاهرها وسطحها الأعلى دون باطنها، بل قوالبها وصورها دون حقائقها. والعقل يتغلغل الى بواطن الأشياء وأسرارها ويدرك حقائقها وأرواحها، ويستنبط سببها وعلتها وغايتها وحكمتها وأنها مم حدثت وكيف خلقت، ومن كم معنى جمع الشيء وركب، وعلى أي مرتبة في الوجود نزل، وما نسبته الى ضالته وما نسبته الى سائر مخلوقاته". وفي موضع آخر يقول: " العين جاسوسة من جواسيس العقل وكلها بأخس خزائنه وهي خزانة الألوان والأشكال لترفع الى حضرته أخبارها فيقضي فيها بما يقتضيه رأيه الثاقب وحكمه النافذ والحواس جواسيسه سواها وهي من خيال ووهم وفكر وذكر وحفظ، ووراءهم خدم وجنود مسخرة له في كافة الحاضر يسخرهم ويتصرف فيهم استسخار الملك عبيده بل أشد"(8). من ذلك نستطيع القول أن العين امتداد للعقل ووظيفتها امتداد لوظيفة العقل.
ان العمل المشترك بين العين والعقل، والمفهوم الاسلامي للمرئيات والمرتبط بمفهوم الله، يفسر اهمال البعد الثالث وغياب المنظور في الفن الاسلامي. فالله هو المطلق وما عداه عرضي، ووجود الكائنات وجود نسبي بالنسبة اليه، فهو الأول والآخر، وما عدا وجهه زائل. والرؤية التي عبر عنها الفنان المسلم في فنه، هي بعين الله التي لها القدرة على الاحاطة بكل التفاصيل. ان هذه الرؤية قادت الفنان المسلم الى التعبير عن طريق المنظور الروحي، وهذه الطريقة لم تكن جديدة وانما هي معروفة منذ الألف الثالث قبل الميلاد، لكن الفنان المسلم أعاد صياغتها بما يتناسب ورؤيته.
امتد الفن الاسلامي لأكثر من ألف عام، في مناطق مختلفة، تتباين باللغة والعادات والتقاليد، والأصول والأجناس. الا انه كان واحداً من حيث الجوهر، فلا اختلاف حقيقي بين مخطوطة من أواسط آسيا، أو زخرفة مسجد في بلاد الشآم، أو منمنمة من بلاد فارس. ولم يتغير الفن الاسلامي من عصر الى عصر تغيرات جوهرية، وانما اقتصرت التغيرات على تفاصيل صغيرة لا تقترب من الفلسفة أو النظرة العامة التي ينظر بها الاسلام الى الكون والانسان. لذلك لا نجد اختلافاً في توجهات الفن الاسلامي من عصر لآخر. على أن هذا لم يمنع من ازدهار لون أو أسلوب في منطقة دون أخرى, أو في زمن دون آخر.
التشابه هنا رغم تباعد الزمان والمكان، يؤكد منهج التوحيد الذي يغلف الأعمال الفنية بلا استثناء. ان التوحيد يرتفع في الفن الاسلامي من كونه مبدأ ليصبح غاية. واستيعاب فكرة التوحيد ستسهل قراءة الفن الاسلامي بشكل كبير، فالتوحيد بالاضافة الى كونه المبدأ الأساسي الذي انطلق من الدين الاسلامي، هو في نفس الوقت المبدأ الذي ينبثق منه الفن. ومن هذا المبدأ يبرز مسار جديد في القراءة يفرض علينا النظر الى الفن الاسلامي على أنه تجل واحد لفنان واحد.
لفهم الفن الاسلامي لا بد من فهم الدين وفلسفته ، والرؤية الجمالية التي تقف وراء رسم الأشكال الهندسية والنباتات بهذه الطريقة المجردة والمسطحة، ان ادراك الفهم الاسلامي للوجود وللانسان وللغيب، يجعلنا ندرك لماذا لم يحضر الانسان والحيوان والنبات، كما يحضر في الواقع. حينما ندرك أصل الموجودات والنظام الالهي الذي يسير الكون ويتجلى في أصغر خلية من خلايا الانسان كما يتجلى في ورقة الشجر وقطرة الماء، نفهم الزخرفة الاسلامية وتوزيعها على السطح.
ان التعامل مع الفن الاسلامي في وقتنا الحالي أشبه بالاكتشاف، فالعلاقة معه منقطعة منذ نحو قرنين من الزمان، فهو لم يعد جزء من حياتنا اليومية، يتسرب في أصغر التفاصيل، وانما انحصر وجوده في الأماكن التي تعد تراثية ومن الزمن القديم، أو حفظ في متاحف والعديد منها خارج البلاد العربية والاسلامية، وبذلك يكون قد حفظ في أماكن مقتصرة على فئة معينة من الناس، في حين أن الفن الاسلامي منذ بدايته كان متاحاً للجميع. ان انقطاع الحوار بين العين والفن الاسلامي، أدى الى غياب اللغة فنسيت العين القراءة، ولم تعد قادرة على فهم الشكل واللون، وأصبحت لغة الفن الاسلامي للاسف تستعصي على الكثيرين، فالذاكرة خالية من الفن الاسلامي في مبادئه وصفاته، والخط والزخرفة لم تعد من المدخلات الحسية للعقل، والمنمنمة لم تعد جزء من التكوين البصري.
المراجع
- الصايغ، سمير، الفن الاسلامي، دار المعرفة للنشر والتوزيع والطباعة والترجمة، بيروت، 1988.
- رفلة، عنايات، الخداع البصري، 1975.
- بهنسي، عفيف، فلسفة الفن عند التوحيدي، دار الفكر، دمشق، 1987.
- ما علاقة الفن بالمخ البشري، سمير زكي، مجلة بلاغ www.balagh.com
- عطية، محسن، الفن وعالم الرمز، دار المعارف، القاهرة، 1996.
-www.elsevier.com, Thinking eye, Rivika Oxman, 2002.
الهوامش
1. مار: (1945-1980) عالم نفس بريطاني دمج دراسات علم النفس، والذكاء وعلم الأعصاب ووضع نموذج لعملية الرؤية التي تبدأ بالادراك الحسي وتنتهي بالادراك المعرفي.
2. الحدس: يعرف الغزالي الحدس بأنه: "فعل الذهن يستنبط بذاته الحد الأوسط والذكاء قوة الحدس".
3. سيغموند فرويد: (1856 ـ 1939) ولد في مدينة فريبورغ، من أصل يهودي، درس الطب وعلم الأحياء. وتابع دراسته في العلوم. تعمّق في دراسة الخلايا العصبية بالمجهر، وله العديد من النظريات في علم النفس.
4. نظرية الجشتالت: مدرسة في علم النَّفس تأسست عام 1912، اهتمت بدراسة الادراك الحسي الانساني، وتركز على دراسة التجربة بوصفها وحدة متكاملة. ويؤمن علماء علم النفس الجشطالتي بأن النمط أو الشكل هو أهم عناصر التجربة. والنمط الكامل ـ طبقًا لنظرية هؤلاء العلماء ـ هو الذي يُعطي المعنى لكل عنصر من عناصر التجربة منفردًا. وبعبارة أخرى إن الكل أهم من ضم الأجزاء بعضها لبعض. وكلمة الجشطالت ألمانية الأصل وتعني المثال أو الشكل أو الهيئة.
5. نجم، 2000، ص 38.
6. هنري ماتيس: (1869-1954) هو رسّام فرنسي. من كبار أساتذة المدرسة الوحشية تفوق في أعماله على أقرانه، استعمل تدريجات واسعة من الألوان المنتظمة، في رسوماته الإهليجية (كانت تُعْنى بالشكل العام للمواضيع، مهملة التفاصيل الدقيقة)، يعتبر من أبرز الفنانين التشكيليين في القرن العشرين.
7. الامام أبو حامد الغزالي: عالم وفقيه ومتصوف اسلامي، أحد أهم أعلام عصره ومن أشهر علماء الدين في التاريخ الاسلامي.
8. نجم، 2000، ص 471.
http://knol.google.com/k/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D9%83#

 

(0) تعليقات
2010-06-07

yyy


 
نجيب بن خيرة
التقديم:
المسلم المعاصر ينبغي أن يخرج إلى رحاب الفن بمنهجه وتصوره ورساليته، فيتناغم مع حاجات العصر، ويتفق مع الفطر الإنسانية السليمة ، ويملأ الإحساس و الوجدان بمحبة الله ، ويثبت عبقريته وقدرته على التميز و العطاء و الإبداع ...

تمهيد :
إن التحدي الحضاري اليوم يضع الأجيال المسلمة المعاصرة أمام واجبات متعددة ومتنوعة ، ولا يمكن القيام بهذه الواجبات إلا من خلال مستوى متقدم من التخصص في مكوّنات المساحة الإسلامية وميادينها المختلفة ، ومن أهمها ميدان " الفنون " .
والفن هو محاولة التعبير عن الجمال و الحسن الذي يتراءى في أرجان الكون ، وينبعث من داخل كل صورة في الوجود ، فيبهر الإنسان ، ويغمر وجدانه بالإحساس بوجود وشائج نسب خفية، وأواصر تناسب عميقة بينه وبين هذا الجمال إلى حد الرغبة في الالتحام به أو الذوبان فيه .
وقد ظل الفن الإسلامي يملأ بإشعاعاته أرجاء العالم أٍربعة عشر قرنا ، عاش خلالها فنا متميزا في شكله وجوهره ، ينبثق من رحاب المساجد النابضة بالإيمان و الحياة ، ويتجلى في دروب حواضر الإسلام الزاهرة ، وترتسم زخارفه ، وتسطع توريقاته في عالم متحرك من الجمال الساحر ، والانسجام الباهر ، يحكمه حسن الإيقاع ، وتأتلف فيه الألوان المختلفة .
و قد بقيت شاهدة على عبقرية هذا الفن: المنمنمات في الأبواب و المشربيات ، والقباب و المآذن ، والخطوط المتألقة ، التي شكل لها القرآن الكريم منبعا متدفقا للإلهام على مرّ العصور فتُطرب العيون بروعتها ، وكذا العمارة الإسلامية المترعة بحسن شكلها ، وجمال هندستها ، وبديع نسقها ، حتى شارفت حدّ الكمال !.
وفي عالم متسارع يضج بالحركة بدأ الفن الإسلامي يخطو وئيدا ليأخذ مكانه في هذا العالم ، ويطل بعنقه على جماهير تتعشقه وتتذوقه ، ليفرض نفسه بديلا أصيلا للفن الهابط ،والتفنن الخليع .
و المسلم المعاصر ينبغي أن يخرج إلى رحاب الفن بمنهجه وتصوره ورساليته، فيتناغم مع حاجات العصر، ويتفق مع الفطر الإنسانية السليمة ، ويملأ الإحساس و الوجدان بمحبة الله ، راجيا أن يحقق انتصارات متلاحقة في معركة البناء الفني الهادف ، ويثبت عبقريته وقدرته على التميز و العطاء و الإبداع .
1 - الفن الإسلامي ـ المصطلح و المفهوم .
الفن الإسلامي -في تعريف محدد- هو الفن الذي يعكس التصور الإسلامي للوجود أيًا كان شطحه أو انحرافه عن التعاليم الإسلامية، أو حتى تمرده الآني على العقائد الإسلامية نفسها، ما دام يعود بطبيعته إلى مرجعيته الإيمانية في النهاية.
فما دام الذي يحدد كون الإنسان مسلمًا أو غير مسلم هو عقائده وتصوراته، وليس بعض شطحاته أو أفعاله أو تساؤلاته الكونية المتمردة؛ فإن نفس الأمر ينسحب على الفن الإسلامي أيضًا.

2 ـ مصطلح "الإلتزام " في المفهوم الإسلامي :
الالتزام لغة هو: التعلق وعدم المفارقة والاعتناق ، واصطلاحا هو اعتناق مبدأ ما ، وفق تصور ما ، والتعلق به تعلقا لامفارقة بعده.
ولما بدأ الاهتمام بشكل بدائي ببعض الأعمال الفنية، لاحظ بعض العلماء والمفكرين أن الفن الذي أطلق عليه "الفن الإسلامي" أي: الذي يوافق عليه الإسلام لا ينطبق على تلك الأعمال الفنية التي تظهر فيها صورة بعض الفنانين أو المنشدين في خارج ساحة الفن. فهم في المسرح والاستديو يقدمون الفن الجيد، ولكنهم في خارجه صورةً أخرى!
فتم اقتراح مصطلح "الفن الملتزم" وهو مأخوذ من العبارة الدارجة عن الإنسان المحافظ على قيم دينه الشرعي بمسمى "ملتزم".
"فالفن الملتزم" يعني إذاً: الفن الذي يوافق عليه الإسلام، ويؤديه الملتزمون بمنهج الإسلام أثناء العمل وبعده. وبالتالي لا يقع الخلل والإضطراب لدى الناس بين روعة العمل الفني الإسلامي من قبل هؤلاء الفنانين وبين سلوكياتهم العامة ومعاملاتهم الظاهرة المعلنة المخالفة للإسلام.
وحول هذا المعنى يقول الدكتور عماد الدين خليل : " والالتزام في المفهوم الإسلامي : أن يمتلك الفنان ـأولاـ تصورا شاملا متكاملا صحيحا للكون و الحياة والإنسان ، يوازيه انفتاح وجاني دائم وتوتر نفسي لا ينضب له معين إزاء الكون و الحياة و الإنسان ، ومن بعد هذا يجيء الالتزام عفويا متساوقا منسابا ...علاقته بالعطاء الفني لا تقوم مطلقا على القسر و التكلف و الإكراه ، ولا تعترف أبدا بالمدرسية أو الوعظية أو المباشرة .."( [1]).
كما أن الالتزام بمعناه الإسلامي الواسع هو "الطاعة".والطاعة الحقيقة قناعة إيمانية، وفرح في قلب المؤمن، وسلوك مطابق لحقيقة العقيدة وكل ما يتعلق بها، الالتزام إذن عمل، يبدأ بالنية الصادقة، والعزم الذي لا يتزعزع، وينطلق من ممارسات واقعية في مختلف جنبات الحياة، إنه وئام بين الإِنسان ونفسه، وبينه وبين الآخرين، وهو يضم تحت جناحيه قيم الحياة الإسلامية وقوانينها أو أحكامها، وتصورات المؤمن لما يحيط الدنيا بالآخرة، ومرجع ذلك كله هو كتاب الله وسنة نبيه (ص)، والنفس ليست قوة تائهة ضالة، وإن كانت مسرح جهاد دائم، وصراع مستمر، فالصعود دائماً ليس حركة سلبية، والتسامي لا يتحقق دون جهد.
3 ـ خصائص الفن الإسلامي :
1. يقوم الفن الإسلامي على العبودية الخالصة لله تعالى فهو يقوم على أساس من عقيدة التوحيد وعلى تصور شامل للإنسان والكون والحياة . ولذا فلا مجال فيه للباطل من وثنيات وخرافات وأوهام وأساطير . ( [2])
وذلك في الوقت الذي قامت فيه الفنون غير الإسلامية على التعبير عن التصورات الوثنية والانفعالات الخاطئة وأخذت تصور الآلهة على اللوحات أو تمثلها في التمثيليات أو تخاطبها في لحن موسيقي وكلام غنائي وكذلك تُنصب تلك المبادئ عبر فنونها أبطالاً يصارعون الآلهة مع وضعها آلهة لكل شيء في حياتنا فللخمرة إله وللشر إله وللخير إله وللخصب إله وهكذا . ثم إن القصة أو التمثيلية أو اللوحة المصورة في تصورهم يجب أن تترجم الصراع بين الإنسان والقضاء والقدر والفنان إنما هو إله أو نصف إله لأنه يكمل في فنه ما خفي من الكون.( [3])
2. واقعية الفن الإسلامي ، بحيث يخاطب ويعبّر عن الواقع كما هو الواقع ، فيقرن بين المادة و الروح في تعبيره ، ويلحظ الآخرة و الدنيا في فلسفته ، ويبتعد عن التحليق في الخيال الخادع ، والوهميات الزائفة ، وينبذ اللاشعور الذي قام عليه الفن السرياني ، وهو ينظر إلى الطبيعة على أنها طبيعة مخلوقة لا خالقة .
ويكره الفن الإسلامي كل المحاولات الفنية التي تخرج الإنسان من واقعيته وطبيعته إلى واقع بعيد عنه ، أو حالة لا تتفق مع طبيعته ، فهو مثلا يحرم صناعة التماثيل لأنها لا تتفق مع واقع الإنسان وطبيعته ، حيث إن التماثيل تُهدد تصوره وتخرجه عن معتقده السليم ، ويصبح الإنسان حينئذ أسيرًا لكتلة من الحجارة أو الطين ، وسابحا في بحر من الأوهام و الخيالات ( [4]).
3 ـ التحرر من الخرافات والأساطير التي تعتبر المادة الأساسية للفنون غير الإسلامية وذلك لأن التصور الإسلامي حارب الخرافات وحرر العقول من الأساطير وهذه الخرافات لا تتفق مع التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة بل تعتبر لوناً من ألوان الوثنية وإن كانت تسمى فناً .( [5])
4. والفن في التصور الإسلامي وسيلة لا غاية والوسيلة تشرف بشرف الغاية التي تؤدي إليها فلذا ليس الفن للفن وإنما الفن في خدمة الحق والفضيلة والعدالة وفي سبيل الخير والجمال .
5. وللفن في التصور الإسلامي غاية وهدف إذ كل أمر يخلو من ذلك فهو عبث وباطل والفن الإسلامي فوق العبث والباطل فحياة الإنسان ووقته أثمن من أن يكون طعمة للعبث الذي لا طائل تحته .
6. إن الغاية التي يهدف الفن الإسلامي إلى تحقيقها هي إيصال الجمال إلى حس المشاهد [ المتلقي ] وهي ارتقاء به نحو الأسمى والأعلى والأحسن أي نحو الأجمل فهي اتجاه نحو السمو في المشاعر والتطبيق والإنتاج ورفض للهبوط ( [6]).
7. استقلالية الفن وتميزه نظراً لاستقلالية التصور الإسلامي من كل الضغوطات الاجتماعية وغير الاجتماعية التي كانت تؤثر على الفنون في العصور القديمة ونظراً لتميزه عن كل التصورات فإن فنه يستقل ويتميز عن كل الفنون سواء كان هذا الفن شعراً أو قصة أو تصويراً أو تمثيلاً ويكفي أن الفن الإسلامي متحرر من القيود الوثنية التي أحاطت بالفنون خاصة في القرون القديمة والوسطى عند الفراعنة واليونان وأوروبا الكنسية وسيبقى متميزاً عن غيره ، بينما بقية الفنون تتداخل كلية ، وقد تتلاشى أفكارها وخصائصها في مرحلة من التاريخ( [7]).
8 ـ التجريد والموسيقية: وهما من أبرز صفات الفن الإسلامي فالقيمة الجوهرية الكامنة في الفن الإسلامي هي إيقاعه وتجريده وما يصاحب ذلك من إحساس موسيقي رائع لا يجاريه فيه أي فن آخر، ولا شك أن هذا الاتجاه مرده إلى التصور الإسلامي للعالم والإنسان والله ومن أجل ذلك لم تكن وظيفة الفن الإسلامي نقل المرئي بل إظهار ما هو غير مرئي، ومحاولة الإحساس بالقوانين الرياضية التي تحكم هذا الوجود. وقد وصلت قمة الإيقاع الموسيقي في الفنون الإسلامية ذروتها في العمارة الأندلسية المغربية حيث تتجاوب أقواس العقود مع سائر العناصر المعمارية، وأحواض المياه والأشجار والمناظر التي تحيط بالمكان حيث يصبح المبنى وكأنه نبت من الأرض كما ينبت الشجر والنخيل.
9 ـ تحويل الخسيس إلى نفيس: من المسلمات في العقيدة الإسلامية العزوف عن الإسراف في بهرج الحياة باعتبار ذلك عرضا زائلا وما عند الله خير وأبقى، وإلى جانب ذلك فقد وصل ازدهار الحضارة الإسلامية في كثير من العصور إلى درجة عظيمة كما وصل الثراء إلى حد يفوق كل تصور، وكان في استطاعة المسلمين لو أرادوا أن يزينوا الأجزاء المهمة في المساجد بالأحجار نصف الكريمة واستعمال الذهب والفضة في الحياة اليومية، وهنا نجد ظاهرة إجماعية اقتصادية تحتاج إلى حل يحقق المواءمة والتوافق بين روح العقيدة وسلوك السلف الصالح، بين إمكانيات المجتمع وقدراته الاقتصادية العالية، وهكذا كان على الفنان أن يحقق هذه المواءمة، وأن يبتكر أسلوبا جديدا لحل هذه المعادلة الصعبة، وقد نجح الفنان المسلم في تحقيق هذه الغاية بابتكار الخزف ذي البريق المعدني ( وهو نوع من الخزف لم يُعرف إلا في الفن الإسلامي في ذلك الوقت، ويتيح الحصول على أوانٍ خزفية تصلح بديلا لأواني الذهب والفضة) ويذخر المتحف الإسلامي بمصر بالكثير من نماذج ذلك الخزف ذي البريق المعدني، والذي يعتبر من أرقى أنواع الخزف في العالم، ومن الحلول الابتكارية التي كان للفنان المسلم الفضل في تحقيقها المواءمة بين استيفاء المسجد للعظمة والفخامة، وهو ما تتيحه الثروة المتزايدة في المجتمع وبين ما يتطلبه الفكر الإسلامي في الالتزام بأسلوب السلف الصالح في الحياة البسيطة التي تقوم على صدق الإنسان مع ربه.
فاستطاع الفنان المسلم باستعمال أرخص الخامات إطلاقا كالطين والخشب أن يصنع محاريب المساجد من الخزف أو الخشب أو الجص بعد أن أثراها بالزخرفة والنقش، مما جعل هذه المحاريب قمة في الجمال والجلال. ومن أمثلة المحاريب الإسلامية الرائعة محراب السيدة رقية بالمتحف المصري الإسلامي ( العصر الفاطمي - القرن الثاني عشر).
وقد خلَّفت الحضارة الإسلامية نماذج عظيمة القيمة من التحف المعدنية والأثاث وبخاصة من البرونز المكفت والمشغول بالزخارف الدقيقة التي تبلغ حد الإعجاز وقيمة هذه التحف لا تعود إلى الخامات التي صنعت منها ولكن مردها إلى قدرات الفنان في الإنجاز ودقته البالغة في التنفيذ .
4 ـ الفنان المسلم ...صفات لا بد منها :
المنهج الإسلامي في بناء الشخصية يقوم على الشمول و التكامل ، و الملاحظ أن لدى الإنسان قابلية عجيبة للانجذاب نحو محور من المحاور ، وترك باقيها غُفلا دون أدنى اهتمام . فلا ينصرف جهد الفنان إلى فن ، ويترك مواهب أخرى تضمُر في نفسه وتتلاشى من اهتماماته .
" إن المرء ينتزع الإعجاب عندما تجتمع فيه ما تفرق في غيره ، وإن العناية الزائدة بجانب من الجوانب على حساب جانب آخر هو نوع من التنمية المشوهة . ..كما لو كان لأحد الناس يد طولها خمسة أذرع ، فمع أن ذلك لا يخلو من بعض الميزات إلا أنه بعيد عن الكمال و الجمال " ( [8]).
وامتداد صفات على حساب أخرى يصيب الجسم بأورام سرطانية على حساب بقية الخلايا فيهلك الجسم كله.
وهذا " التورم " هو سرٌّ وراء فنانين لهم مواهب خارقة ، ولكن باعهم في ميدان القيم والأخلاق الفاضلة قصير ، لهم مشاعر ملتاعة ومع ذلك لا تخدم مشاعرهم قضية ، ولا تُسند موقفا شريفا ، ولا تخدم خلقا عفيفا .
و الفنان المسلم ـ وخاصة المنشد ـ هو الأنموذج الماثل للشخصية الإسلامية المتكاملة ، وفقا لصفات ضرورية لا بد منها ، فهو :
1 ـ الإنسان الموهوب : و الموهبة منحة من الله لإنسان من الناس ، بحيث يرهف حِسُّه وترقّ مشاعره ، وتنفذ بصيرته، إنها قضية غير مكتسبة ولكنها هبة . يقول الأستاذ محمد قطب :" والفنان شخص موهوب ذو حساسية خاصة تستطيع أن تلتقط الإيقاعات الخفية اللطيفة التي لا تدركها الأجهزة الأخرى في الناس العاديين، وذو قدرة تعبيرية خاصة تستطيع أن تحول هذه الإيقاعات - التي يتلقاها حسه مكبرة مضخمة - إلى لون من الأداء الجميل يثير في النفس الانفعال ويحرك فيها حاسة الجمال ، إنه كجهاز الاستقبال اللاسلكي الدقيق ، الذي تحس صماماته بالموجات الدقيقة الخفية فتلتقطها وتكبرها ، ثم تحولها إلى صوت ونغم صاف وجميل يهزُّ الأسماع" ( [9]).
وإذا كانت هذه الموهبة هي السمة المميزة للفنان فلا بد حتى تؤتي ثمارها أن تستند إلى أرض صالحة ثابتة ، تأخذ طريقها سوية مستقيمة منتجة للظل الوارف والثمر الطيب وهذه هي السمة الثانية .
2 ـ الإنسان السوي : إنه الإنسان المتوازن الذي توفرت له الصحة النفسية الكامنة وهذه السمة هي نتيجة تلقائية عادية للتربية الإسلامية التي يسهم فيها البيت المسلم والمدرسة والمجتمع المسلم .و التوازن يجعل الفرد ذا عطاء إيجابي في جميع الميادين ، وفي كا الاتجاهات ، ذلك أن الوئام يخيم على حياته ، إذ كل من عقله وجسمه وروحه يعمل بتناسق تام بحيث لا يطغى جانب على آخر ، والفرد في مجتمعه كل منهما يكمل الآخر ..
إن الفنان قبل أن يكون موهوباً ينبغي أن يكون إنساناً سوياً يأخذ التوازن أبعاداً في كيانه له تصور كامل عن الكون والإنسان والحياة ، يدري غايته وهدفه في هذه الحياة، فهو واضح في كل شيء من وضوح منهجه وهو الإسلام ، تلك هي النفس التي يهيئها الإسلام في الإنسان، وحين تظهر الموهبة على هذا السطح الثابت الأركان يمكن أن تكون إيجابية فعالة معطاءة في سبيل الخير والجمال، ذلك أن ثقلها وضغطها لن يؤثر على ثبات القاعدة فلن يختل توازنها وتعاليم الإسلام ومنهجه يكفلان هذا الثبات المتوازن ( [10]).
ولا يمكن أن يتحقق هذا التوازن في شخصية الفنان إلا بطاقة روحية تغمر كيانه ، وتملأ أقطار نفسه ، وتنقله من حيّز الانتماء العقلي أو الشعور الوجداني إلأى سلوك يتحرك ، وحركة دؤوب منضبطة بوحي السماء .
إنه الإيمان الحي المتدفق الذي نحتاجه دوما عبر مراحل الإبداع الفني ..مما يولد نهضة فنية ، ترقى بالإنسانية إلى تحقيق سنة الاستخلاف في الأرض .
وقد ينطبع هذا الإيمان على مظهر الفنان ، الذي وقر في أذهان الكثيرين أن مظهره ينبغي أن يخالف المألوف ، ويشذ عن القاعدة ، في طريقة حياته ، من ملبسه ، وتسريحة شعره ، واختيار ألوان وأماكن لهوه ،وديكور غرفته...إلأى غير ذلك مما يعمد الشواذ إلى فعله ، حتى يشعرون ويُشعرون غيرهم بالتميز والاستعلاء عن الجماهير الدنيا التي لا ترقى إلى تذوق فنهم ، وفهم سر حياتهم !.
ولا شك أن عصرنا هو عصر الصورة و الأشكال و الألوان و النظر الجمعي للعمل الفني يدخل في المعايرة " المظهر " بل يعطي له النسبة العظمى في التقييم .
وعلى هذا الأساس فالفنان الملتزم مُطالب إلى حد بعيد بالاهتمام بمظهره ، ويدخل ذلك يقينا في إحساسه بنفع الناس و الإحسان إليهم ، وعدم جرح الذائقة الجمالية لديهم .
يقول مالك بن نبي رحمه الله : " لا يمكن لصورة قبيحة ( [11])أن ت توحي بالخيال الجميل أو بالأفكار الكبيرة ، فإن لمنظرها القبيح في النفس خيالا أقبح ، والمجتمع الذي ينطوي على صُور قبيحة لا بد أن يظهر أثر هذه الصورة في أفكاره وأعماله ومساعيه ..فبالذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد يجد الإنسان في نفسه نزوعا إلى الإحسان في العمل وتوخيا للكريم من العادات " ( [12]).
أما الفنان في الغرب فإنسان غير سوي ، فيرى فرويد أن الانحراف هو العلة في إبداع الفنان بينما يرى عالم النفس يونج أن الانحراف ما هو إلا نتيجة للإبداع فالفنان عندهم إنسان غير سوي( [13]).

3 ـ الإنسان الملتزم بالإسلام تصوراً وسلوكاً ومنهاج حياة:
لا يظنّن أحد أن الحرية تفقد وجودها في ظل الإلتزام، فالفنان المسلم في حرية كاملة تأخذ أبعادها في مشاعره وتصوراته ، كما تأخذه في حياته العملية وفي تطبيقاته ذلك أنه قد طرح من حسابه ما وراء القيد الذي يفرضه الإسلام، إذ الإسلام حرية القيد لا حرية الحرية والمثال يوضح ذلك فالخمر محرمة في الإسلام فالفنان المسلم - وكل مسلم - يخرج الخمر من حياته فلا يعود لها وجود فيها، فبذلك لا يشعر أن حريته قد تأثرت بمنع الاقتراب منها وكذلك جميع الممنوعات الأخرى، وإذا بقي لها من وجود فهو وجود الشر الذي يحذره ويبتعد عنه بدافع القناعة الكاملة والحرية الكاملة ... إن الالتزام لا يخدش كرامة الحرية لكنه يبعثها من منطلقات صحيحة ويحلها بمكانها اللائق بها بعيداً عن منحدرات الإسفاف والرذيلة ( [14]).
وهناك فرق كبير بين الالتزام والإلزام. فالأول فعل واعي طوعي نابع من مبادئ الفنان ورغبته في التعبير عن حضوره الفاعل في واقعه والتأثير في مجرى أحداثه. كما أنه يمثل إفصاحا عن إحساس الفنان بمسؤوليته تجاه جمهوره وإدراكه لطبيعتها وحجمها ثم تصرفه تبعا لذلك. أما الإلزام فإكراه وإجبار للفنان على توجيه إبداعه لخدمة قضية قد لا يؤمن بها أو يتفق مع أسلوب معالجتها وهنا حدث ولا حرج عن قهر حرية التعبير وخنق الإبداع وإشاعة الإسفاف.
5 ـ هل الالتزام داخلي أم خارجي؟
إنه هذا وذاك، بل الأصح أن نقول: إن التصور الإِسلامي، يجعل من الاثنين شيئاً واحداً، إنه الكل في واحد، أو وحدة الصفاء والتآلف والتحاب، فما في نفس المؤمن أو قلبه، ينسكب حباً وعدلاً وهداية، ويضيء جنبات الحياة، وما في الوجود من صور وحياة وكائنات، يتحول عبر التأمل والنظر الفاحص ترجمة صادقة لنعم الله وإبداعه وحكمته، إن منافذ الحواس تتداخل مع بصيرة المؤمن، فتعطي للوجود كماله وروعته، وتؤكد معنى الإِيمان بالله.
والالتزام ليس نقيض الحرية بمعناها الأصيل، إن مفهوم الحرية يختلف من فلسفة إلى أخرى، فالحرية في الدول الشيوعية ترتبط بلقمة العيش، ولا مجال لرأي أو فكر يضاد الفلسفة الماركسية أو يخرج على نظام الدولة، والحرية في أوروبا الغربية وأمريكا وغيرها لها مفهومها في حرية رأس المال، وفي التعبير الفردي مهما أضر بالقيم، أو جانب الطبيعة الإِنسانية السوية، ويبقى الإِنسان مع ذلك مقهوراً تحت وطأة الحياة الآلية، والعزلة القاتلة، والتمزق الاجتماعي، والتسيب الخلقي، ولا بأس أن يتمرد أو يقتل أو ينتحر أو يغرق نفسه في خضم المخدرات والمسكرات والجنس.. فهذا حقه.. أعني حريته..
وفي الإسلام هناك ضوابط لم يخترعها فرد، وموازين لم ينصبها حاكم بمحض فكره وإرادته، إن تلك الضوابط والموازين من صنع الخالق جل وعلا، وهي أحكام ليست مجال تحيز أو افتئات أو نزوات، روعيت فيها طبيعة الإِنسان وإمكاناته وقدراته النفسية والعقلية والبدنية، أحكام لم تنبع من موقف آني سرعان ما يزول، أو ارتبطت بإنسان خاضع لسنة الموت والحياة، أو تصاعدت من رغبة طبقة دون أخرى، أو ارتبطت بقهر الإنسان وتطويعه وإهدار كرامته وإنسانيته، هذه الضوابط والموازين أو الأحكام هي من صنع الخالق الرحيم العادل الذي {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدورُ}(غافر: 19)، وهي في جملتها وحي {إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيّ يُوحَى}(النجم: 4)، والمسلم خاضع لحساب الدنيا _ وفق الحدود والعقوبات الشرعية _ ولحساب الآخرة عند من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
وحرية المسلم في هذا الإِطار، حق القوي والضعيف، والحاكم والمحكوم، والغني والفقير، والمالك والأجير، ولك مطلق الحرية في مالك بشرط أن تكتسبه من حلال، وتنفقه في حلال، وتعطي كل ذي حق حقه {... وآتُوهُم مِّن مِّالِ اللهِ الَّذِي آتاكُم}(النور: 33).
والمعاشرة الجنسية حق في إطار المشروع، والسلطة حق في نطاق العدل الإِلهي، ومراعاة حقوق العباد، والامتلاك حق دون اغتصاب أو استغلال أو جور، والاستمتاع والرفاهية حق دون رذيلة أو وزر أو فساد، وهكذا نستطيع أن نسرد الاحتياجات والطموحات الإنسانية، فنجدها حلالاً طالما لم تهدر حقوق الله أو العباد.
فالالتزام في فكر المؤمن وقلبه ليس نقيضاً للحرية، فكيف يكون الالتزام الإِسلامي نقيضاً للحرية وهي جزء منه؟
والالتزام الإسلامي ليس جموداً وتحجراً.وذلك لأنه التزام بالثوابت والأصول التي لا تتغير أبد الدهر، فالتوحيد عقيدة مستقرة لا تغيير فيها، والعبودية لله صدق وحق، وفروض العبادة لمن وهبك الحياة، وأنعم عليك بمالا يحصى من النعم لا جدال فيها، والشورى أصل من أصول الحكم، والعدل عماده، والصدق أمانة _ كما قال أبو بكر رضي الله عنه _ والكذب خيانة، وهكذا تبقى القيم الخالدة ما بقى الدهر، ويبقى الالتزام بها حفاظاً على الحياة، وحماية لها من الزيغ والفساد والانحراف والظلم والفتن.
الحرية تكون حقيقة عندما يتحرر الإنسان من قيود الخوف وشهوة المال والجسد، وعندما ينطلق من سجن المادة وبطش السلطة، وأطماع الحياة، وعندما ينتصر على الأنانية المريضة، ويفك عن روحه وفكره وجسده حبائل الشيطان.. تلك هي الحرية.
والالتزام _ في نطاق الحرية الإسلامية _ لا يضع قيداً على فكر، ولا يعطل مسيرة أي جهد علمي، ولا يصادر إبداعاً فنياً، إنه تحرير للطاقات الإنسانية كي تؤدي دورها، وتحقق ذاتها، ولا يحد من طبيعة التفاعل الإنساني الخلاق، وإذا كان التفاعل الكيميائي _ بلغة العلم _ له اشتراطاته وضوابطه حتى يتم وينجلي عن مركب جديد، فإن الحرية _ إن صح التعبير _ تحوطها اشتراطات وضوابط تجعلها تفعل فعلها على النحو الأمثل، فيتشكل الإنسان على هيئة كيان معبر عن قيم الحضارة الإسلامية، وبذلك يؤدي دوره الأمثل في الحياة، ويوصل الرسالة الخالدة بالصورة الصحيحة، دون تحريف أو تبديل، ومن ثم يقوم مجتمع متآخ متناغم، ينطبق عليه قول الرسول (ص) "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".
والالتزام الأمثل انبثاق تلقائي من قلب المؤمن وفكره ونفسه، وهو ليس تصوراً هلاميَّا، وهم ينافحون عن الدعوة، ويدفعون هجمات الشرك والوثنية عن رسول الله (ص)، ويسفهون أحلام الجاهلية والضلال، ويرسمون المنهج السليم لحركة الإنسان المؤمن في الحياة.
وعاش حكام المسلمين الأوائل أيضاً في إطار هذا النظام أو هذا الالتزام، كما عاش الجندي في معارك الجهاد، والقاضي على منصة القضاء وصاحب رأس المال وهو ينمي تجارته، أو يطور صناعته، كذلك عاشه الفقيه واللغوي والطبيب والمؤرخ والجغرافي والرياضي وغيرهم.
الالتزام فن وفكر وسلوك وعلم، ومن هذا المنطلق يصبح للفن رسالة شامخة، وعطاء متجدد، يحقق المتعة والفائدة معاً.
6 ـ هل يمكن أدلجة الفن؟
لقد تعاظم الأثر المباشر للاتجاه الرافض لأي نوع من الأدلجة للفن في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بعد بروز الاتجاهات النقدية الجديدة مثل البنيوية، وما بعد البنيوية، والتفكيكية التي دأبت تشكك في إمكانية طرح أية رؤية موضوعية للفن الإسلامي. وإحقاقًا للحق فليس اللوم كل اللوم يقع على الإسلاميين المتشددين الذين يرفضون الحديث عن أي علاقة للفن بالدين وحدهم؛ لأن أي حديث للإسلاميين الأكثر وعيًا بالدور المفاهيمي والقيمي لعلاقة الفن بالمجتمع يحاول العلمانيون تشويهه عمدًا؛ للتدليل من خلاله على التناقض الحتمي بين الدين والفن. وفي ظل السيطرة العلمانية على أجهزة الإعلام في الدول العربية والإسلامية فإن المحاولات الإبداعية التي تتم في اتجاه الفن الإسلامي يتم إجهاضها من المهد، في الوقت الذي يتساءلون فيه عن النماذج الدالة على وجود مثل هذا الفن.
وعلينا أن نقول بداية، وانطلاقًا من قاعدة كون الفن يرتبط أساسًا بالوجدان: "إن المعيار الأساسي في اعتبار العمل الإبداعي فنًا هو في قدرته على استثارة وجدان الآخرين، ومن ثَم فالفن يستقل بذاته في كونه فنًا؛ سواء ارتبط بالأخلاق أم لم يرتبط بها. وغاية ما نستطيعه حيال علاقته بالأخلاق هو أن نقبله أو نرفضه، دون أن يحق لنا أن نجرد هذا العمل من صفته الفنية بحسب موقفنا الأخلاقي أو الأيدلوجي منه".
أما القول بإمكانية أدلجة الفن إسلاميًا فليس بدعًا من الإسلاميين؛ فهناك الفن الاشتراكي الذي تُعد أعمال جوركي نموذجه الأمثل، وكذلك أعمال محمود درويش وأمل دنقل الأولى في العربية، والفن الوجودي الذي يمثله أدب سارتر وسيمون دي بوفوار وألبير كامو (عند من يعدونه وجوديًا)، والفن المسيحي كما تراه في أدب فيكتور هوجو ودوستويفسكي (لاحظ التأثير الأدبي لعقيدة الفداء في رواياته: الجريمة والعقاب، والأبله، والإخوة كرامازوف)، وكذلك الشاعر الكبير أونامونو، والفن العبثي لدى كافكا وصمويل بيكيت ويونسكو. بل إن الفيلسوف العالمي جارودي قد ذهب في كتابه "وعود الإسلام" (أي قبل إعلانه الإسلام) إلى أن الإنتاج الشعري الإسلامي الذي أبدعه الرومي و الجامي والشيرازي هو أعظم شعر في التاريخ، وكان الشاعر الهندي العالمي طاغور يرى أن مواطنه الشاعر الإسلامي محمد إقبال واحد من أعظم الشعراء في العالم.
فادعاء الحيدة التامة للأفكار هو نوع من الدجل؛ فمجرد صدور سلوك ما عن الإنسان يعني موقفًا ما من الحياة، حتى العبث ذاته ناتج عن موقف ما. فسواء نتج عن العمل الإبداعي رؤية ما أو انعدمت هذه الرؤية؛ فإن ذلك تابع لموقف ما من الحياة. ويقول الفيلسوف الوجودي جان بول ساتر في هذا السياق: "ما دام الكاتب قد أخذ على نفسه أن يعمل عن طريق اللغة؛ فليس له بعد ذلك أن يتقاصر بهمته عن البيان، إذا اخترت لنفسك عالم الألفاظ ودلالتها فلا سبيل لك بعد ذلك إلى الخروج، دع الكلمات تنتظم حرة في سلك الجمل؛ فستحوي كل كلمة اللغة كلها، بل سيتحدد الصمت نفسه بالإضافة للكلمات، كما تأخذ السكتة في الموسيقى معناها من أصناف ما يجاورها من ألحان؛ فهذا الصمت لحظة من لحظات الكلام.
فليس السكوت بكمًا، ولكنه رفض للتكلم، إذن فهو نوع من الكلام. فإذا اختار كاتب أن يُمسك عن الكلام عن مظهر من مظاهر العالم، أو بالأحرى إذا اختار أن يمر به في صمت؛ فلنا الحق أن نضع له السؤال: لماذا فضلت الكلام في هذا الأمر دون ذاك؟ وبما أنك تتكلم قاصدًا التغيير؛ فلماذا تريد تغيير هذا دون ذاك؟. ويقول في موضع آخر: "يدرك الكاتب الملتزم أن الكلام عمل، ويعلم أن الكشف نوع من التغيير، وأنه لا يستطيع الكشف عن شيء إلا حين يقصد إلى تغييره، وقد تخلى عن ذلك الحلم المتعذر التحقيق مَن رسم صورة للمجتمع أو للحالة الإنسانية دون تحيز فيها؛ فالإنسان هو المخلوق الذي لا يحتفظ حيال موجود ما بالحيدة، والإنسان كذلك هو المخلوق الذي لا يمكن أن يرى حالة دون أن يغيرها؛ لأن نظرته تسجل، أو تهدم، أو تصور، أو تفعل فعل الأبدية في تمثيل الأشياء، إما بالحب، أو البغض، أو الغضب، أو الخوف، أو السرور، أو الحنق، أو الإعجاب، أو الأمل، أو اليأس، فبهذه المشاعر يتكشف الإنسان والعالم عن حقيقتهما"( [15]).
7 ـ نحو توجيه أفضل للفنون الشعبية :
القاعدة الشعبية تشعر باستمرار أنها معزولة عن توجيه الحياة ومواقع اتخاذ القرار ، وقد ورثت المجتمعات الإسلامية فنونا جميلة شملت نواحي كثيرة ، وأبدع فيها المسلمون يوم أن كانت الدنيا لا تزال تحبو في ميادين الفن و الحضارة ..و الذوق الجمعي ألِف هذه الفنون ، وتربت أجيال من مداخيلها .
ما بالها اليوم تتوارى في زحمة الحياة الصاخبة ، ويضيع محترفوها بين جؤار المادة ، ولهاث العيش النكد ، مع ما حققه العقل البشري من تقدم وارتقاء في ميدان الصناعة والزراعة و التعمير ..
و الواقع أن هذه الفنون الشعبية هي رمز ثقافة ، ومرجعية أمة ، في الاعتماد على النفس ، واستثمار الطاقة المذخورة ، واستغلال المادة المحلية ، وتحقق الاكتفاء ، بعيدا عن التسول الاقتصادي الذي يطبع الحياة الاقتصادية في المجتمعات الإسلامية .
و التوجيه الأفضل لهذا النوع من الفنون هو تنمية الحس الجمعي و المجتمعي بأهميتها ، وإلفات الأبصار إلى جمالياتها ، ومحاولة إعادة العلاقة الدافئة بين الإنسان وما تصنعه يداه ، وتتفتق عنه عبقريته ، وينضح به فكره .
و الراغبون في الخدمة العامة ، والمشاركة في هذه الأنشطة كُثر ، ولكن مشكلتهم تتمثل دائما في فقد الإطار الذي يعلمهم الطريقة المثلى لاستخدام طاقاتهم وأوقاتهم ، وينظم لهم مجال تطوير هذا الميراث الفني الأصيل ، ولن يتأتى ذلك إلا بإنشاء المؤسسات الوسيطة ، والأندية و الورشات الخاصة بالأعمال التقليدية ، والفنون الشعبية ( من حدادة ، ونقش ، ونجارة ، وزخرفة ، ونسيج ، وخياطة....).
وهذه المؤسسات مؤشر على تقدم المجتمع ، ودليل على حيويته ، وسعيه الدؤوب للحفاظ على هويته ، في عصر تسعى إمبراطوريات المال والأعمال إلأى اختراق الهويات ، وعولمة السلع ، التي تحمل في طياتها الفكر النشاز ، و المبدأ الشاذ ، و القيم الغازية..ومن المؤسف أ، العمل ضمن أطر مؤسساتية جماعية ، أخذت تتلاشى بفعل التأثر بالاستقلالية الموهومة ، وبسبب العيش في المدن الكبرى التي سحقت العمل الطوعي و الجماعي الذي ألفته المجتمعات في مناطق الأرياف ، وأصبحت محرومة أو شبه محرومة من هذه الخدمات ، وبإمكاننا استعادة كل ذلك بالدعم المالي الذي توفره الأيدي الخيّرة ، والقلوي الرحيمة ، و العقول الرسالية ، التي تسعى إلى إجلاء الفقر المدقع عن ديارنا .
" وحين نعيش في عصر محوره المال و الإمكانات المادية ، تجد كل إنجازاتك مرهونة عنده ، ومنوطة به ، وتجد أن كل ما تملكه من مخزون ثقافي وحضاري أشبه بسيارة ليس عند صاحبها ثمن وقود لتشغيلها ، أو كمسدس من غير ذخيرة ، أو فارس من غير فرس "( ).
وهذا الحل وإن كان مكلفا على المدى القريب ، فإنه سفينة نوح على المدى البعيد . ولا بد أ، نؤسس لعقلية (شيء خير من لاشيء) ، بدل عقلية (كل شيء أو لا شيء) ، وبمثل هذه المبادات ننشر ثقافة الأمل بين الجماهير العامة ، ونثير في الناس غرائز الحب و الانتماء و الإيثار و التوكل و الانعتاق من كل قيد أو إذلال .

هوامش الموضوع
( [1] ) ـ في النقد الإسلامي المعاصر . ط3، بيروت : مؤسسة الرسالة ،1984م ، ص189.
(2) ـ صالح أحمد الشامي . الفن الإسلامي التزام وإبداع . ط1، بيروت : دار القلم : 1990م ، ص37.
(3) ـ أحمد مصطفى القضاة . الشريعة الإسلامية و الفنون . ط1، بيروت : دار الجيل ، 1988م ، ص34-35.
(4) ـ محمد قطب . منهج الفن الإسلامي . ط4: دار الشروق .ص45-46.
(5) ـ أحمد القضاة . الشريعة الإسلامية و الفنون . مرجع سابق ، ص34.
(6) ـ الشامي . الفن الإسلامي . مرجع سابق ، ص39-40.
(7 ) ـ القضاة . المرجع السابق . ص33.
(8 ) ـ عبد الكريم بكار . مدخل إلى التنمية المتكاملة . رؤية إسلامية ، ط2، بيروت : دار القلم ، 2001م ، ص173) .
9) ـ محمد قطب . منهج الفن الإسلامي . مرجع سابق ، ص 15.
10 ) ـ صالح الشامي . الفن الإسلامي . مرجع سابق . ص70-71.
11) ـ تخالف الذوق العام ، والعرف ...
12) ـمالك بن نبي- مشكلة الثقافة . ترجمة عبد الصبور شاهين ، بيروت : دار الفكر ، ص115-116.
13) ـ صالح الشامي . الفن الإسلامي . مرجع سابق ، ص72.
14) ـ المرجع نفسه . ص85.
15) ـ إطار عام لنظرية الفن الإسلامي . Islamonline.net

http://www.almultaka.net/ShowMaqal.php?cat=14&id=624

 

(0) تعليقات
2010-06-05

yyy

محمد الغمقي

احتفلت مجلة رؤى الصادرة عن مركز الدراسات الحضارية بباريس بسنتها الرابعة، وعُقدت في هذا الإطار ندوة حول مسيرتها ومستقبل قضاياها حضرها جمع من المثقفين المتابعين للمجلة. و"رؤى" مجلة فكرية فصلية تعنى بقضايا التجديد والمستقبل الإسلامي، يقوم عليها بعض المثقفين بجهد تطوعي في محاولة لسد الفراغ في الكتابة الفكرية الإسلامية إزاء الزخم الفكري في عاصمة مثل باريس، ونسبة الأدمغة العربية المهاجرة المرتفعة في أوروبا والغرب عموماً.

وتناولت رؤى خلال مسيرتها مواضيع وقضايا عديدة في شكل ملفات محورية من بينها:

- المواطنة
- السلطة
- حرية التعبير والتعددية
- الدين والسياسة
- التعليم والهوية
- التجديد في الفكر الإسلامي
- مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب
- ماذا نملك من مقومات الحضارة؟
- إشكالية الحوار والصراع بين الحضارات.

وكان محور العدد الخير هو "الاجتهاد بين هاجس التأصيل وتحدي التحرير"، شارك فيه ثلة من الباحثين والمفكرين من بينهم الأساتذة د.يوسف القرضاوي، ود. طه جابر العلواني، وجمال البنا، ود.عبد الرزاق قسوم أستاذ الفلسفة بجامعة الجزائر ود.سعيد شبار أستاذ بجامعة القاضي عياض، بني ملال، بالمغرب ود. محمد المستيري رئيس تحرير "رؤى" ود.خالص جلبي ولطفي المجدوب الباحث في الدراسات الإسلامية بالنمسا.

وتوقف هذا الأخير في مقاله "الاجتهاد في اصطلاح الفقهاء" عند مفهوم الاجتهاد وحكمه. وخلص إلى أن الاجتهاد هو "بذل الطاقة والجهد من قبل الفقيه في تحصيل حكم شرعي، وهو فعل بشري يمارسه العقل المسلم في ضوء الشرع وهديه، وهو قابل للصواب وللخطأ"، مشدداً على أن صوابيته في زمن معين ولمجتمع معين لا تعني بالضرورة امتداد هذه الصوابية لبقية العصور والمجتمعات "وهو ما لا ينال بالطبع من قدسية القيم في الكتاب والسنة وعصمتها، وإنما يؤكد قدسيتها وعظمتها، وأن القيم تبقى هي المرجعية والمعيار الضابط لكل اجتهاد".

وتطرق د.عبد الرزاق قسوم في مقاله "الاجتهاد بين هاجس التأصيل وحتمية التأويل" إلى ضرورة المزاوجة بين التأصيل والتأويل. "والتأصيل الذي يعني في مفهومنا الوفاء للنص المقدس والاستظلال بروح أحكامه والالتزام بقيمه وتعاليمه، لا ينفي التأويل الذي هو ضرورة فكرية وإلزامية دينية وحتمية عصرية، مشيراً إلى تخوّف العقل المسلم من ولوج ما يعرف في الغرب "بالهيرمينوطيقا" أو علم تأويل المقدس، بسبب أزمة المعاصرة الغربية وما جرته على الإنسان الغربي من ويلات.

والاجتهاد المنشود في نظره "ليس منهجاً فقهياً يميز الحلال والحرام باسم الفقه الديني، لكنه منهج حضاري، حافز على بذل الجهد العقلي والعلمي والتكنولوجي لفهم ما يحيط بنا في عالم التقدم التكنولوجي والعولمة الثقافية الوافدة.. وإذا كان الاجتهاد هو منهج تقريب الفهم وتوضيح المفاهيم بين العقل المحدود والوحي الممدود، فإن التأويل هو حلقة الوصل المفقودة بين النص الإلهي والواقع البشري، أي أنه أداة ربط بين السماء والأرض في فك رموز الألوهية في مخاطبة الإنسان على الأرض من خلال الوحي.. وهو آلية الاجتهاد التي من شأنها تحريك سكونية الذهنية الراكدة وإخراجها من الكمون الفكري إلى الصحوة العقلية، ومن التيه التاريخي إلى الرشاد الحضاري".

وشدد على أن الاجتهاد أو التأويل لا يعني بالضرورة مناقضة التقليد، مشيراً إلى الثورة الفكرية التي أحدثتها النقلة التوفيقية لدى المسلمين الأوائل بين الاجتهاد والإبداع وبين ما أسماه "زمانية النص وحداثية العقل". ونبّه إلى بعض المنزلقات الخطيرة مثل تجميد زمانية النص، ونزع فكرة القداسة عن النص واعتبارها أحد العوائق في طريق الإبداع، والنظرة الاختزالية للمقدس وللدين بوجه عام وحصره في مجرد ظاهرة تاريخية واجتماعية، يخضع كأية ظاهرة اجتماعية لقوانين التطور.

من ناحيته، أشار د.سعيد شبار في مقاله "الاجتهاد والرأي.. قراءة في أوجه التداخل والتكامل" إلى أن فكرنا الحديث والمعاصر أكد دور الرأي وعلاقته بالاجتهاد. والرأي عند من يعتبره مصدراً من مصادر التشريع بعد النص، إنما يريد به القياس والاستحسان والاستصلاح. ويستشهد بموقف الدريني في كتابه "المناهج الأصولية"، الذي يفسر الاجتهاد بالرأي ب"بذل للجهد العقلي في النصوص، استثماراً لطاقات النص في جميع دلالاته على معانيه وأحكامه، وتحديداً لمراد الشارع منه، ولا سيما إذا كان النص خفياً بالاعتماد على الأدلة والقرائن ثم الترجيح بما يغلب على الظن أنه مراد من النص، وقد يلجأ إلى حكمة التشريع التي من أجلها شرع حكم النص". وبناءً عليه، "يختلف منهج الاجتهاد بالرأي عن منهج الظاهرية "الذين يحتكمون إلى ظاهر النص"، كما يختلف عن منهج الفيلسوف الذي يحتكم إلى الفكر المحض أو منطق العقل المجرد، فكل من المنهج اللغوي المحض والمنهج العقلي المحض لا يتفق مع طبيعة التشريع بما هو نصوص ودلالات وإرادة وروح ومقاصد".

وفي بحث بعنوان "نظرات حول الشروط العلمية للاجتهاد"، أكد د.يوسف القرضاوي أن "التحرير من هواجس الخوف من التأويل، ومن الرهبة تجاه التراث أمر مطلوب ولا شك، فلا ينبغي للمسلم أن يتقيد إلا بمحكمات النصوص المعصومة، أما اجتهادات البشر فيأخذ منها ويدع وفقاً للمعايير والأصول المتفق عليها. أما التأويل فلا يستغني عنه عالم، ولكن بشروطه وضوابطه، وإلا فقدنا الثقة باللغة ودلالاتها، وضاعت الحقيقة بين (الباطنية) الذين أسرفوا في التأويل حتى مرقوا من الدين، و(الظاهرية) الذين بالغوا في الوقوف عند حرفية النصوص".

ونبه إلى خطورة (الاستخفاف بالتراث)، الذي يجب أن يكون "منارة تهدي لا قيداً يعوق. وكل العلوم في الدنيا لا يبدأ فيها عالم من الصفر، وإنما يبني اللاحق على ما أسسه السابق، وبهذا تتطور العلوم وترقى".

كما نبه إلى خطورة (الجرأة على التأويل) من غير المتخصصين ومن الدخلاء وأنصاف العلماء ومن بعض الشباب الذين جعلوا من أنفسهم مراجع دينية، يناطحون العمالقة والأئمة. فكأن الدين وحده هو الذي أصبح كلأ مباحاً..

يقول د.القرضاوي: "إننا لا نريد أن نحجر واسعاً، ولا نريد أن نغلق باب الاجتهاد، وقد فتحه رسول الله ص للأمة، ولكن لا يجوز أن يفتح لكل من هبَّ ودبَّ".

واشترط في الاجتهاد المعرفة المتكاملة بعلوم الإسلام الأصيلة بحكم تشابكها لما لهذا التكامل من أثر في الاقتراب إلى الرشد وإصابة الحق، علاوة على ما يسميه الإمام أحمد معرفة الناس، أي "معرفة الحياة المعاصرة وتياراتها الفكرية والثقافية المختلفة، والإلمام بثقافة العصر ومعارفه". ودعا إلى مد جسر التواصل بين الفقه والحديث، حتى تزول الفجوة القائمة بين المدرستين الفقهية والحديثية. ونبه إلى خطورة التخصص غير المتكامل في المنهج الدراسي الحالي للكليات والمعاهد العليا الإسلامية. ويرى أن تأصيل الاجتهاد المعاصر، يكون باجتهاد حقيقي في العلوم التي تتعلق بالمنهج، وهي علوم أربعة: علم أصول الدين وعلم أصول الفقه وعلم أصول التفسير وعلم أصول الحديث.

وفي بحثه "العقل المسلم بين الاجتهاد والتقليد" ذكر د. طه جابر العلواني الأطوار التي مرَّ بها العقل المسلم من عقل برهاني متألّق جوّال صنعته آيات الكتاب العزيز، وهدي الرسول الكريم، إلى أزمة ثقة بين النقل والعقل تطورت إلى صراع مفتعل بينهما وبروز المعتزلة والأشاعرة وأهل الرأي وأهل الحديث ومن إليهم، ثم مرحلة التقييد العقلي ومصادرة صلاحياته وملكاته الأصلية، والركون التام إلى عقلية التقليد واعتبار التقليد هو الأصل.

وتحدث عن تنزّل الاجتهاد في إطار مشروع حضاري كامل تعود الأمة بمقتضاه إلى موقف الوسطيّة والشهادة على الناس، وأن لا يبقى الاجتهاد محصوراً في الفقه الذي تحوّل من وسيلة لضبط حياة الناس ووقائعها بضوابط الشريعة، إلى وسيلة لتبرير الواقع المطلوب - في بعض الأحيان وإشباع الرغبة في التفريع والوصول إلى أحكام الافتراضات في أحيان أخرى.

من هنا تأتي ضرورة تحديد منهجيّة تقوم على اكتشاف العلاقة بين الوحي والكون عن طريق بناء النظام المعرفي الإسلامي والمنهجية المعرفية القرآنية ومنهج التعامل مع القرآن العظيم، ومع السنة النبوية المطهرة، وقراءة التراث الإسلامي قراءة سليمة، والتعامل مع التراث الإنساني، مشدداً على ضرورة فهم عالمية الخطاب القرآني. "فنحن أمام خطاب إلهي في القرآن الكريم يمضي متدرجاً من العائلية إلى القبلية ثم إلى الأممية ثم إلى العالمية، يقابله تدرج في الخطاب التشريعي من شرائع الإصر والأغلال، إلى شرعة الرحمة والتخفيف.

ويرى د. محمد المستيري في مقاله "العوائق الموضوعية للاجتهاد المعاصر" أن محاولا ت الاجتهاد "ظلت في معظمها حبيسة الارتهان الحضاري للأمة، معبّرة عن أزمة الفردانية في الإبداع وقلة التورع من الجهل والانشداد إلى السلطة والقابلية للتبعية، فولدت أنماطاً من الفتوى الجزئية التراثية لا ترقى حتى إلى نتاج الأسلاف.. ولا تجيب عن التحديات المعاصرة، إنما تخضعها لما نطق به الأسبقون". واعتبر أن ضعف الرؤية الاستراتيجية للعمل الاجتهادي جعل موضوعاته عرضة لتأثير نزعات التقليد والهامشية والحداثية والثورية.

من ناحيته تطرق د.خالص جلبي في مقاله "في جدلية التفكير والتكفير" إلى ظاهرة التكفير التي يعتبرها "لوناً من ادعاء الألوهية"، ومرضا مردّه وهْم امتلاك الحقيقة المطلقة، وله دوران: "الانغلاق على النفس"، و"عدم التطور" من ناحية، و"حديث المونولوج"، و"التعالي" من ناحية ثانية. وتقود ظاهرة التكفير وعدم التسامح مع الآخر تلقائياً إلى إغلاق باب الحوار والاضطهاد والإكراه، والنفي من الأرض، والقتل والتهجير الجماعي، وهي أمور تكررت في القديم والحديث وعند كل الأمم. ويرى "أنّ ظاهرة التشدد التي تقود للتكفير لا تخص جماعات الخوارج الخطيرة في التاريخ الإسلامي، بل هي ظاهرة إنسانية في أي مجتمع علاه التعصب وأرسل العقل في إجازة مفتوحة إلى منفى بعيد".

من خلال ما تقدم، فإن الاجتهاد كما جاء في كلمة تحرير مجلة رؤى "ليس علماً ولا فناً ولا فلسفة، وإنما منهجاً في الإبداع والتجديد من أجل الارتقاء بمسؤولية الفرد التاريخية وبالشهود الحضاري لأمة المسلمين.. وهو مفتاح النهوض، والنكوص عليه سبيل للتخلف والتبعية، لأنه المنهج الكفيل بتحديد الهوية الفكرية لرجل الحضارة المسلم، ومن ثم هوية فعله وبنائه داخل حركة الإنسانية".

وليس الهدف من هذا المنهج تخصيص المعرفة ضمن نخبة التأويل، وإنما إخراج دلالاتها لعموم التنزيل، حتى تتحول مادة للتهذيب والتربية النفسية والعقلية والاجتماعية، وقاعدة لتأسيس الحضارة ومراجعة أدائها.

وحاولت مجلة رؤى من خلال تطرقها لملف الاجتهاد من زوايا متعددة منهجية وفلسفية وفقهية وعملية تقديم إضافة منهجية جديدة على طريق إحياء الاجتهاد والمساهمة في فك عقدة السؤال عن معادلة الاجتهاد المعاصر. وصفة المعاصرة في الاجتهاد هي قاعدة تحكيم العادة والعرف التي يشترطها فقه التنزيل، فهي ليست منهجاً حداثياً تغريبياً، بل رد إسلامي جديد على تحديات الحداثة الغربية، من خلال اعتماد الأصول وتحرير الرأي واعتبار المتغيرات في الواقع وبعدها المستقبلي.

وشددت على ضرورة تجاوز النظرة الجزئية والفردانية الضيقة نحو الرؤية الكلية للعمل الاجتهادي، وإحياء فضيلة الاجتهاد على أساس وصلها بأمانة الخلافة في الأرض والشهود على الناس، وذلك من أجل الانتقال من ثقافة الفتوى إلى ثقافة التجديد، الأمر الذي يتطلب تربية الأجيال القادمة على قيمة الاجتهاد حتى تتحول إلى ثقافة جامعة مؤسسة لاحترام الاختلاف وتشجيع الإبداع وقبول النقد والرأي الحر.


العنوان البريدي لمجلة رؤى:
rouacecp@hotmail.comهذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

المصدر: مجلة المجتمع الكويتية

 

(0) تعليقات
2010-06-04

yyy

أ. م. د. أحمد فتحي رمضان
قسم اللغة العربية – كلية الآداب
جامعة الموصل – العراق

الخلاصة
قام البحث بدراسة بلاغة تراسل الحواس في القران الكريم من خلال نماذج تطبيقية، منطلقاً في ذلك من إشارات لمفهوم التراسل عند علمائنا القدامى وبخاصة المفسرين لكتاب الله العظيم، وان لم يذكروا هذا المصطلح صراحة، لذلك فهم لهم السبق في ذكر مفهومه وتطبيقه قبل غيرهم بقرون ممن شاع عندهم المصطلح في الشعر من الغربيين وليس القصد من هذا أن نجد مصداقية للقران الكريم، وإنما هو التنويه بان في القران وهو كتاب الله الخالد من وجوه الإعجاز في أساليبه غير المكتشفة، فلا حرج من أن ننظر إلى القران نظرة عصرية نستنبط منه كل ما يجول في فكر البشرية فهو المعين الذي لا ينضب نستمد منه كل ما يطور بلاغتنا وأدبنا وأهدافهما في الحياة.

مقدمة
إن الله سبحانه وتعالى خلق الكون في غاية الجمال والكمال، وأودع فيه الكائنات بشتى أشكالها وألوانها وجعلها مختلفة في مستوياتها الإدراكية، فمن هذه الكائنات لا يتعدى إدراكه إشباع رغبات فطرية محدودة كالحيوان والنبات …ومنها الإنسان العاقل المميز عن طريق العقل والحس إذ حباه الله عز وجل وكرمه وأودع فيه طاقات تحثه على التأمل في هذا الكون المنظور (عالم الشهادة)، بل والتأمل في عالم الغيب وحمَل حواسه وظائف وطاقات مغايرة لطبيعتها التي خلقت لها، لعله ينفذ من الحجب التي ضربت على حواسه ليزداد علما بالأشياء وفقهاً بالأمور، وقد حث الخالق العظيم على هذا البحث فأعطاه الأدوات ووضع المنهج فحمله بذلك أمانة أحاطها بكل مستلزمات الديمومة والمقاومة والبقاء من حب استطلاع وإشباع النفس من الاستبصار والوقوف على عوالم مجهولة مازالت تحيط بالإنسان العاقل.
إن الله جلت قدرته خلق الإنسان في أحسن تقويم ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)) (التين:5) ومن أركان هذا الخلق العجيب وأسس ذلك الإنشاء الأمثل إيجاد منافذ لهذا البناء الرصين إلى العالم الخارجي((قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ))(الملك:23)، وغالبا ما تأتى (الأفئدة) بعد حاستي السمع والبصر قبل التوجيه إلى معرفة أمر مهم أو بعده، فالفؤاد له دور الرقيب المصنف المدرك المميز لما يدخل إليه ويؤثر فيه، فهو وصف آخر (للعقل) وما تتبعه من أحاسيس باطنة تتفاعل مع الحواس الخارجية.
ويأتي تراسل الحواس بين الحواس مقترنا بنظرية العلاقات الناشئة في الغرب بسبب معطيات حضارية خاصة، مثيرا كذلك اسم صاحب هذه النظرية بودلير شاعر الرمزية المشهور، فقد أفصحت أشعاره عن رأيه في مجال الطبيعة على نحو غامض معقد في عالم الشعر بخاصة.
وقد تجاوزت نظرية العلاقات هذه ميدانها في مجال الطبيعة إلى ما يسمى بـ (تراسل الحواس) واختلاطها وتعبير أحدها عن الآخر، فاللمس والشم والسمع والبصر حواس من نوع آخر، ووسائل تعبير فني تتجاوز حدودها الطبيعية إلى معان جديدة مبتكرة ( ).
وعليه فإن مفهوم (تراسل الحواس) هو: وصف مدركات حاسة من الحواس بصفات مدركات حاسة أخرى فتعطي المسموعات ألوانا، وتصيَر المشمومات أنغاما، وتصبح المرئيات عاطرة ( )، وبذلك فإن التراسل يعطي الفرصة في استثمار حاستين أو أكثر من خلال ذكر حاسة واحدة، مما يثري اللغة وينميها لفظاً ومعنىً لأنه يعني ضمناً نقل مفردات حاسة إلى أخرى، وبذلك تتنوع أساليب التعبير عن الحاسة الواحدة( )، ومن صور ما قرأناه في الشعر العربي الإشارة إلى تراسل الحواس عند الشاعر بشار بن برد (ت 150هـ) إذ تتداخل وظيفتا حاسة السمع والبصر تداخلا فنيا، فتعمل الأذن مكان البصر فتنتج بسبب ذلك صورة فنية جميلة لافتة للسامع في قوله :
ياقومي أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا( )

فجعل (الأذن) وهي حاسة السمع عاشقة بطريق الإسناد المجازي الاستعاري( )، وأكد ذلك بتسابق الحاستين (السمع والبصر) في العشق على سبيل الترشيح( ) وكأن التعبير الشعري يجري مجرى الحقيقة، وبذلك يتجلى لنا مفهوم التراسل من حيث بناؤه اللغوي والبلاغي، فهو بناء قائم على المجاز اللغوي الاستعاري، وبذلك يعد التراسل وسيلة غنية في إنتاج الدلالات الثرية فضلا عن إثارة نفسية مصدرها تعدد الحواس لدى المتلقي، وبذلك أيضا يتحقق اشتغال اكثر من حاسة بأقصى طاقاتها وهو يتأمل النص وأبعاده.

تراسل الحواس في القران الكريم:
إن تراسل الحواس واقع في القران الكريم، وللقران أسبقيته في استعماله في مجموعة من آياته الكريمة قبل أن نقرأه عند الرمزيين، فكتاب الله العظيم يهدف إلى تفجير طاقات الإنسان المخاطب ابتداءً من حواسه وهي مفتاح التدبر والمعرفة، والتراسل في الحواس يعد من قوى الإنسان الخفية التي يفجرها القران.
ودليل أسبقيته في ذلك ماأشار إليه علماؤنا ولاسيما المفسرين القدامى والمحدثين من مفهوم تراسل الحواس في القران وإن لم يسموه، وعللوا ذلك وهم يفسرون آيات من القران تتعلق بحواس الإنسان، فإلامام الرازي (ت 606هـ) يقول لدى تفسيره للآية ((ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ))(القمر: من الآية48) : ((قوله (ذوقوا)استعارة وفيه حكمة وهو أن الذوق من جملة الإدراكات فان المذوق إذا لاقى اللسان يدرك أيضا حرارته وبرودته وخشونته وملامسته، كما يدرك سائر أعضائه الحسية ويدرك أيضا طعمه ولا يدركه غير اللسان، فإدراك اللسان أتم …فإن الذوق إدراك لمسي أتم من غيره في الملموسات فقال (ذوقوا) إشارة إلى أن إدراكهم بالذوق أتم الادراكات فيجتمع في العذاب شدته وإيلامه بطول مدته ودوامه، ويكون المدرك لا عذر له يشغله وانما هو على أتم ما يكون من الإدراك فيحصل الألم العظيم))( ) وقال في تفسيره للآية ((….. فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)) (آل عمران من الآية:106) : ((وخصَ لفظ الذوق لانهم في كل حال يجدونه وجدان الذائق في قوة الإحساس))( ).

نماذج تطبيقية على تراسل الحواس في القران الكريم:
وفيما يأتي نماذج تطبيقية من آيات الذكر الحكيم على تراسل الحواس في القران الكريم مقسمة على الحواس الملحوظ فيها التراسل.

اللمس والذوق :
قال تعالى في حق الكافرين في جهنم (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً)) (النساء:56).
موطن الشاهد على التراسل في الآية قوله - سبحانه – ((ليذوقوا العذاب)) أي ((ليدوم لهم ذوقه ولاينقطع، كقولك للعزيز أعزك الله : أي أدامك على عزك وزادك فيه))( )، أي كلما أنشوت جلودهم واحترقت يبدلهم الله جلودا غيرها( )، ليذوقوا ذلك العذاب في نار جهنم.
والشاهد (ليذوقوا العذاب) قد بني على الاستعارة المكنية (ليذوقوا) لان حقيقة الذوق إنما هي في المطاعم والمشارب، لكن القران يوظف هذه الحاسة (الذوق) في التعبير عن الإحساس بالألم لان حس الذائق لادراك ما يذوقه قوي( ) وليس الحس وحده الذي يجمع بين طرفي الاستعارة في القران ولكنه الحس والنفس معاً بل إن للنفس النصيب الأكبر والحظ الأوفى، والقران في ذلك يرمي إلى رسم الصورة كما تحس بها النفس( )، وهذه الحاسة أشد الحواس وأقواها إدراكا في تذوق الأشياء عند الإنسان، فلا جرم حصل من لفظ الإذاقة ألم العذاب بالادراك بآلة الذوق( )، والآلة هنا ليس اللسان و إنما الجلد، والحاسة هي اللمس لان العذاب حاصل من الجلد ((نضجت جلودهم)) وبناءً على ذلك يمكن تعليل كثرة استعمال القران لاستعارة الذوق في آي كثيرة حفل بها سواء التي أتت في سياق العذاب وهي أكثرها( )، أو التي أتت في سياق النعيم والرحمة( )، فهي تضاعف الإحساس بالشيء، ومن ثم تأثيره في النفس.
ولا يخفى ما لوقع هذه الاستعارة في هذا المشهد المتكرر من العذاب، إنها تعمق ألم الإحساس بالعذاب ووقعه في النفس، وهذا الشعور هو من ضمن ماتهدف إليه هذه الاستعارة، فضلا عن أن الألفاظ المستعارة أصدق أداة تجعل القاريء يحس بالمعنى أكمل إحساس وأوفاه، وتصور المنظر للعين، وتنقل الصوت للأذان، وتجعل الأمر ملموسا محساً( ).
وبعد هذا الإجراء البلاغي لاستعارة الذوق يتجلى التراسل بين حاستي اللمس والذوق لان العذاب حاصل من الجلد ((نضجت جلودهم))(*) قال صاحب التحرير والتنوير: ((وقوله (ليذوقوا العذاب) تعليل لقوله (بدلناهم) لان الجلد هو الذي يوصل إحساس العذاب إلى النفس يحسب عادة خلق الله تعالى، فلو لم يبدل الجلد بعد احتراقه لما وصل عذاب النار إلى النفس))( ) على سبيل التكرار والدوام وهي دلالة المضارع، وأوثر التعبير بالماضي في استبدال الجلود بعد نضجها (نضجت) و (بدلناهم) للإيحاء بان هذا الأمر من الأشياء العظيمة التي لم توجد والأمور المتعاظمة وكأنها قد وجدت ووقع الفراغ منها ومن حدوثها، وتبديل الجلد مع بقاء نفس صاحبه لا ينافي العدل لان الجلد وسيلة إبلاغ العذاب، وليس هو المقصود بالتعذيب لانه ناشئ عن الجلد الأول( )، فالتعبير القرآني جعل متعلقات حاسة الذوق محل متعلقات حاسة اللمس، إذ قال (ليذوقوا) ليكون تراسل بين حاستي اللمس والذوق، وبلاغة التراسل هي من معطيات بلاغة الاستعارة فبينهما تلازم وارتباط، ولكن التراسل من شانه أن يجعل أسلوب الآية أكثر تأثيرا، لان الذوق من جملة الادراكات وهو أتمها والذائق للشيء هو الذي يتناوله أول الأمر فكلما نضجت الجلود تكرر العذاب وكأنه جديد يعانونه أول مرة وهكذا في كل مرة على سبيل التكرار والاستمرار ((فيجمع في العذاب شدته وإيلامه بطول مدته ودوامه، ويكون المدرك له لاعذر له يشغله، وانما هو على أتم ما يكون من الإدراك فيحصل الألم العظيم))( ).

الذوق والبصر :
نجد هذا التراسل بين الحاستين في قوله تعالى((يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) (الزخرف:71)، أي في الجنة ما تشتهيه النفس من فنون الملاذ والمشتهيات النفسانية كالمطاعم والمشارب، والمناكح، والملابس، والمراكب ……(وتلذ الأعين) يقال لذذت الشيء أي وجدته لذيذا، والمعنى تستلذه الأعين، وتقر بمشاهدته( ).
وموطن شاهد التراسل في الآية قوله ((وتلذ الأعين)) وقد بني التراسل على الاستعارة المكنية (تلذ) حيث شبه المشاهد في الجنة بشيء مطعوم أو مشروب ثم حذفه وأبقى لازمة من لوازمه هو اللذة (تلذ)، وهكذا نجد أن من صفات الألفاظ المستعارة أنها تجعل القاريء يحس بالمعنى اكمل إحساس وأوفاه وتصور المنظر للعين مثلما تنقل الصوت للأذن وتجعل الأمر المعنوي ملموساً محساً ( )، وقد أشار الجرجاني إلى ذلك بقوله : ((إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل كأنها قد جسمت حتى رأتها العيون))( )، فالذوق في (تلذ) هو جزء من كل مايستلذ به بكل أنواع اللذة، وإسناد اللذة إلى الأعين يؤكد هذه الشمولية ومجيئها بعد (ما تشتهيه الأنفس) يرشح اللذة الذوقية وأنواع اللذات الأخرى، فالأنفس تستلذ بالذوق والراحة والأمن والجمال وبكل ما توصله الحواس مما تشتهيه الأنفس والتراسل هنا يأتي من استعارة (تلذ) للأعين، وإدماجها ضمنيا مع اللذة الذوقية، وآلة الذوق هي اللسان، والعين آلة البصر، فحصل التراسل بين حاستي الذوق والبصر، وبلاغة التراسل تتجلى في إيصال المعنى على نحو فريد تتناسب مع نعيم الجنة الحاصل للمؤمنين، وهو نعومة الناظر وهم المؤمنون، ونعومة المنظور وهي الأشكال الحسنة والألوان التي تنشرح لها النفس( )، فالتراسل وسيلة حيوية مهمة في الآية لإيصال المعنى المقصود.

اللمس والسمع :
يتجلى التراسل بين هاتين الحاستين في قوله تعالى : ((يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ))(الشعراء:223). قال الصابوني : ((أي تلقى الشياطين ما استرقوه من السمع إلى أوليائهم الكهنة يكذبون فيما يوحون به إليهم))( )، موطن الشاهد هو (يلقون السمع) والتراسل فيه قائم على الاستعارة المكنية (يلقون)، لان الإلقاء يستعمل للمحسوسات عن طريق اللمس، ((تقول : ألقيته، أي طرحته، وتقول ألقه من يدك، ألق به من يدك))( )، فاستعير (الإلقاء) للسمع أي شبه (المسموع) بشيء محسوس يلقى على الأرض ثم حذفه وأبقى لازمة من لوازمه وهي (الإلقاء) وبذلك يتجلى التراسل بين حاستي اللمس والسمع، والتراسل يحقق بلاغة وقوة في التعبير لإيصال المعنى المقصود الذي يهدف إليه القران، وهي شدة إصغاء أولياء الشيطان من الكهنة بعد استراقه، قال صاحب التحرير والتنوير في تفسير هذه الآية ((وإلقاء السمع)) هو شدة الإصغاء حتى كأنه إلقاء للسمع من موضعه، شبه توجيه السمع إلى المسموع الخفي بإلقاء الحجر من اليد إلى الأرض، أو في الهواء))( )، وتتجلى هنا خصيصة من خصائص الاستعارة وهي أنها تختصر المسافات بين المعاني وتجمع ما ليس بينه رابطة من قبل لادراك أوجه المجانسة بين الأشياء المختلفة بما يركز معنى خاصا له تأثيره الحاد القوي ( ).
ومثال ما في هذه الاستعارة قوله تعالى: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)) (قّ:37) أي أبلغ في الإصغاء ليعي مايقال له، وهذا كما أطلق عليه إصغاء، أي إمالة السمع إلى المسموع( )لأن ألقى : أي حصر سمعه وركزه وكرسه فقط لهذا الشيء المسموع وكأنه ابطل الجوارح الأخرى ليتفرغ للسمع أو جعلها تساعده في هذا الأمر، والإلقاء : طرح الشيء حيث تلقاه (أي تراه) ثم صار في التعارف إسماً لكل طرح( )، ولذلك قال تعالـــى ((فألقى السحرة سجداً)) فإنما قال : ألقى، تنبيها على أنه دهمهم وجعلهم في حكم غير المختارين ( ).
والآية ((أو ألقى السمع وهو شهيد ……)) هي في حق من له إدراك ووعي وتبصر في آيات الله، وتتجلى بلاغة التراسل فيها في إيحاء شدة إصغاء وتبصر الذين لهم إدراك ووعي وهم يتأملون آيات الله سبحانه وتعالى في الكون المنظور، فهم من أولي الألباب الذين يتدبرون آيات الله ويفقهونها، فشبه توجيه السمع إلى خطاب الله وآياته بإلقاء الحجر من اليد إلى الأرض، وبذلك يكون التراسل جليا بين حاستي السمع واللمس.

البصر والسمع :
يعد السمع والبصر من أهم وسائل تذوق الجمال، وهما منفذان إلى القلب، والقرآن الكريم كثيرا ما يربط بين القلب أو الفؤاد أو العقل والسمع والبصر، وهذا ما أكده القران، ولحظه العلماء كالجاحظ( )، والغزالي( )، وغيرهم.
فلا عجب أن يحدث التراسل بين حاستي السمع والبصر، ومثال ذلك في القران الكريم قوله تعالى : ((وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)) (الجمعة:11).
جاء في تفسيرها : ((والمعنى : إذا سمعوا بتجارة رابحة أو صفقة قادمة أو شيء من لهو الدنيا وزينتها، تفرقوا عنك يا محمد وانصرفوا وتركوا الرسول قائما على المنبر يخطب))( ).
موطن الشاهد في الآية هو ((وإذا رأوا تجارة أو لهوا)) ونلحظ التراسل فيه بين حاسة البصر (رأوا) وحاسة (السمع) لأن (التجارة واللهو) يحصلان عن طريق السمع، وقد نشأ التراسل بين الحاستين إذ إن سماع بعض الكلمات يشبه الإدراك المرئي فيتخذ بعداً مكانياً يعمل على تحريك المشاعر وإثارتها، فحين سمعوا بخبر التجارة أدركوا مكانها وحجمها وما تحتويه فتحركت مشاعرهم، فضلا عن أن التجارة واللهو من النشاطات الإنسانية التي تستوعب معظم الحواس تقريبا وكل ذلك اختصر بالاستعارة والتراسل وقد آثر التعبير القرآني الرؤية بدلا من السمع لان التعبير بـ (رأوا) يوحي بشمولية المفردة للرؤية والسمع معا، أو قد يكون ذلك من باب التغليب للرؤية على السمع، وفيه معنى آخر على سبيل التلميح والإيماء إلى توبيخهم لانهم بمجرد السماع تركوا النبي – صلى الله عليه وسلم – وكأنهم رأوا التجارة من كل ذلك تتجلى بلاغة التراسل بين الحاستين وهي تأكيد وجود التجارة واللهو في المدينة عندما كان النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – قائما يخطب على المنبر، فبالتراسل أصبحت التجارة واللهو كأنهما حاضران يرونهما رأي العين.

اللمس والبصر :
نجد التراسل بين هاتين الحاستين (اللمس والبصر) في قوله تعالى : ((وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)) (الأنعام:7).
نجد تراسلا خفيا في الآية في قوله ((فلمسوه بأيديهم)) ونجد مفهومه في قول الرازي، وهو يفسره بقوله ((إذا رأوا بقوا شاكين وقالوا : إنما سكرت أبصارنا، فإذا لمسوه بأيديهم فقد يقوى الإدراك البصري بالإدراك اللمسي وبلغ الغاية في الظهور والقوة))( )، ولما كانت حاسة اللمس للأشياء المادية فقد اشتغلت هذه الحاسة بدلا عن الحاسة البصرية لضعفها أو عماها عند الكافرين بسبب حاجز الكفر الذي عطلها فاستعاض الكافر باللمس عن البصر لإزالة الشك والريب كما يزعمون.
ويشير التراسل هنا إلى دلالات ثرية عن طريق الإيجاز والتكثيف الموحي إلى أن الملموس باليد لابد أن يرى إلا في حالة العمى، ومع وجود العمى (حقيقة أم مجازا) لا يمكن لهؤلاء الإنكار إلا إصراراً على الضلال والكفر، أما المرئي فقد لا يلمس باليد نتيجة البعد مثلا، ويكون مجال الإنكار فيه اكثر من الملموس ولاسيما انهم ينكرون كثيرا من الدلائل الكونية الواضحة التي يرونها في كل حين، لذلك فالتعبير بـ (لمسوه) فيه شمولية للرؤية واللمس، وفيه تأكيد على إصرار هؤلاء وعنادهم، وفيه مايسمى في البلاغة العربية بـ (إرخاء العنان) وقطع الحجة عليهم إذ كان الكتاب في قرطاس يرونه ويلمسونه بأيديهم، فلا حجة لهم بعد ذلك، وهم على الرغم من ذلك يقولون (إن هذا إلا سحر مبين)، ومن كل ذلك تتجلى بلاغة التراسل.

السمع والبصر: نجد هذا التراسل في قوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ *إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ)) (الفجر: 6-7).
والاستفهام في الشاهد تقريري، والمخاطب به النبي محمد – صلى الله عليه وسلم -، ((والخطاب يؤسس الفعل بصورة مباشرة ويحدد أثره، ولذلك فهو يعبر المسميات والصفات ما أمكن، مفجرا كوامنها الساكنة في دلالات الافعال، كأنه يشق قناة التوصيل السمعية إلى بقية الحواس ليملأ المشهد الحركي بمضمونه))( )، فخوطب النبي- صلى الله عليه وسلم – بالآية تثبيتا له ووعدا بالنصر، وتعريضا للمعاندين بالإنذار بمثله، فان ما فعل بالأمم المذكورة في هذه السورة موعظة وإنذار للقوم الذين فعلوا مثل فعلهم من تكذيب رسل الله قصد منه تقريب وقوع ذلك وتوقع حلوله، لان التذكير بالنظائر واستحضار الأمثال يقرب إلى الأذهان الأمر الغريب الوقوع، لان بعد العهد بحدوث أمثاله ينسيه الناس، وإذا نسي استبعد الناس وقوعه، فالتذكر يزيل الاستبعاد))( ).
إن تصوير المعاني بالألفاظ خصيصة من خصائص التعبير القرآني وقد بلغت فيه الذروة في التكامل والوضوح، وهو ماعبر عنه ابن رشيق بـ ((الألفاظ في الإسماع كالصور في الأبصار))( )، وقال عنه ابن سنان ((يجري من السمع مجرى الألوان من البصر))( )، فبين الحاستين وئام وتراسل متبادل.
وقد تكرر ذلك في آيات كثيرة منها قوله تعالى : ((أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ))(الروم: من الآية9)، وتكرار أمثالها في القصص القرآني إذ يروي القران أخبار الأمم السالفة فيقدمها إلى القلب والشعور بصور مثيرة لعواطف الخير، صارفة عن نوازع الشر، تحمل في طياتها بذور الإيمان، وهي إذ تعرض صورا من الحياة، ولقطات منتخبة من التاريخ، تسمعنا أصداء النفوس في جهرها ونجواها، وحين ترتفع في معارج الخير، أو تتردى في مهاوى الشر، وتشعرنا بما في قرارة الجنس البشري من تجانس وتقابــل عبر التاريخ، وحين تعمد إلى التراسل تهدف إلى أن تخرجنا من حدود أنفسنا إلى جو أحداثها لنعيش مع أشخاصها حياتهم ونحكم عقولنا وعواطفنا فيما توحي به تصرفاتهم.
والرؤية في الشاهد ((ألم تر)) يجوز أن تكون رؤية علمية تشبيها للعلم اليقيني بالرؤية في الوضوح والانكشاف لان أخبار هذه الأمم ومنها عاد وثمود وفرعون ممن ذكرتهم سورة الفجر شائعة مضروبة بها المثل فكأنها مشاهدة، ويجوز أن تكون الرؤية بصرية، أي : ألم تر آثار ما فعل ربك بعاد( ).
والبادي أن الرؤية العلمية اقرب إلى السياق، لان الآثار المنظورة – إذا كانت الرؤية بصرية – لا تدل بدقة عن حال (كيف)، لذلك نجد تفسيرها عند الرازي بـ((ألم تعلم، لان ذلك مما لا يصح أن يراه الرسول وانما أطلق لفظ الرؤية ههنا على العلم وذلك لان أخبار عاد وثمود وفرعون كانت منقولة بالتواتر …… وان كان في الظاهر خطابا للنبي – صلى الله عليه وسلم – لكنه عام لكل من علم ذلك، والمقصود من ذكر الله تعالى حكايتهم أن يكون زجرا للكفار عن الإقامة على مثل ماأدى إلى هلاك هؤلاء، وليكون بعثا للمؤمنين على الثبات على الإيمان))( ).
فالعلم الحاصل في مثل هذه الأخبار يكون مساويا في القوة والجلاء للرؤية، وقد أوثرت الرؤية أيضا لان الأمر مما يتصور إدراكه وهذا هو سبب استعمال القران للرؤية هنا للدلالة على العلم، والذي يؤيد ذلك انه قال ((ألم تر كيف فعل ربك)) ولم يقل (ألم تر مافعل ربك) لان الأشياء لها ذوات ولها كيفيات باعتبارها يدل على مداومتها، وهذه الكيفية هي التي يسميها المتكلمون وجه الدليل، واستحقاق المدح إنما يحصل برؤية هذه الكيفيات لا برؤية الذوات ( ).
فالرؤية العلمية هي التي تدل عن حال (كيف) بدقة وليست الرؤية البصرية كذلك وبذلك تكون (الرؤية) في الشاهد مقصود بها (الاستماع)، وهي حالة خاصة تتناسب مع بيعة الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – فالرسول قد أراه الله ما هو غيب مخبر عنه ضارب في الماضي كأخبار الأمم المذكورة في السورة، فإذا هي صورة حقيقية مشاهدة يقينية ومؤكدة لان النفي ينتفي بوجود الاستفهام بالهمزة مع حرف النفي ليفيد غاية القوة في الإثبات، ثم يأتي اختيار فعل (تر) المعبر عن الرؤية ليؤكد صدق الخبر الذي يرويه الخالق، لان البصر اكثر برهانا من الخبر، فلم يذكر البيان القرآني تعبير (ألم تسمع) أو (ألم تخبر) أو غير هذا، وفعل الرؤية يطرد في كل الأخبار التي يرويها الخالق لنبيه الكريم مثل أخبار عاد وثمود وفرعون، ففي الفعل رسم لمشهد من غيب الزمن الماضي( ).
ويتضح التراسل في الآية الكريمة ين حاستي السمع والبصر بوصفها خطابا للمؤمنين تبعا للرسول – صلى الله عليه وسلم -، فتشتغل حاسة الرؤية لدى المؤمنين أولى الألباب إذا تحقق إلقاء السمع بما تخبر به الآية، فكأن أخبار هذه الأمم المكذبة ومصارعها ترتسم حقيقة يقينية تتحرك بمشاهدها أمام المؤمنين إذا ما وعوا والقوا السمع في قوة الإصغاء والإيمان الذي يرتقي إلى درجة اليقين، فهم يتلقون أخبار هذه الأمم وكأنها علم يقيني مشبه بالرؤية بجامع الوضوح والانكشاف، ولعل في هذا دعوة للإنسان المؤمن إلى تفجير طاقاته المحسة في تدبر آيات القران فضلا عن الكون المنظور بوصفه إنسانا كرمه الله واستخلفه في الأرض.
الخاتمة والنتائج
• أكد البحث أن التراسل بين الحواس واقع في القران الكريم، وان بناء التراسل قائم على المجاز اللغوي الاستعاري، وبذلك يعد التراسل وسيلة غنية في إنتاج الدلالات الثرية، فضلا عن الإثارات النفسية التي مصدرها تعدد الحواس لدى المتلقي، وبذلك يتحقق اشتغال اكثر من حاسة بأقصى طاقاتها وهو يتأمل النص القرآني وأبعاده.
• للقران أسبقيته في استعمال تراسل الحواس في مجموعة من آياته الكريمة قبل أن نقراه عند الرمزيين، فكتاب الله العظيم يهدف إلى تفجير طاقات الإنسان المخاطب ابتداءً من حواسه وهي مفتاح التدبر والمعرفة، والتراسل في الحواس يعد من قوى الإنسان الخفية التي يفجرها القران.
• أشار البحث إلى أن علماءنا ولاسيما المفسرين القدامى منهم قد ذكروا مفهوم تراسل الحواس وان لم يسموه، وعللوا ذلك وهم يفسرون آيات من القران الكريم.
• إن ما قدمه البحث من نماذج تطبيقية لتراسل الحواس يصلح أن يكون نواة لتعميق نظرية لها أسسها وأركانها موجودة في كتاب الله الخالد، تؤسس أيضا لوجه من وجوه إعجاز القران في أساليبه المعجزة.

الهوامش
( ) مذاهب الأدب الغربي ومظاهرها في الأدب العربي الحديث، د. سالم أحمد الحمداني، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، طبع بمطبعة التعليم العالي، الموصل، 1989م: 251.
( ) النقد الأدبي الحديث، د. محمد غنيمي هلال، بيروت، دار الثقافة، 1972م: 418.
( ) ينظر : الصورة البيانية في شعر عمر أبي ريشة، وجدان عبد الإله الصائغ (رسالة ماجستير) مقدمة إلى كلية الآداب (جامعة الموصل) بإشراف الدكتور: جليل رشيد فالح : 122.
( ) ديوان بشار بن برد، ناشره ومقدمه وشارحه ومكمله: محمد الطاهر بن عاشور، علق عليه :محمد رفعت فتح الله، ومحمد شوقي أمين مطبعة لجنة التأليف والترجمة، القاهرة (1369هـ-1950م):1/31.
( ) يلاحظ إن اغلب ما ورد في القران الكريم من تراسل الحواس مبني على الاستعارة ولاسيما الاستعارة المكنية.
( ) الترشيح : هو من ملائمات الاستعارة المرشحة كقوله تعالى في المنافقين ((أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)) (البقرة:16)، فربحت ترشيح لاستعارة (اشتروا) وكأن الكلام جار مجرى الحقيقة.
( ) التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) فخر الدين محمد بن الحسين بن الحسن بن علي الرازي الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، (1421 هـ-2000م) :29/71.
( ) م. ن :8/190.
( ) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، جار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت538هـ)، مراجعة خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، (2002م) :1/ 534.
( ) تنوير الأذهان من تفسير روح البيان، إسماعيل البروسوي ()، اختصار وتحقيق الشيخ محمد علي الصابوني، الدار الوطنية للنشر والتوزيع، بغداد، ط1، (1410هـ-1990م) : 1/ 345.
( ) كتاب الصناعتين، أبو هلال العسكري (ت395هـ) تحقيق : علي محمد البجاري، محمد أبو الفضل إبراهيم وشركاؤه، ط1، (1371هـ-1952م) : 275.
( ) من بلاغة القران، ، احمد احمد بدوي، دار نهضة مصر، القاهرة، (د-ت): 192.
( ) ينظر : الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم العلوي (ت749هـ)، مطبعة المقتطف، مصر، 1914م :1/237.
( ) ينظر على سبيل المثال السور الآتية : آل عمران / 106، الأنفال / 35، يونس /52، فاطر/ 37، ص/8 و 57، الدخان /49، النبأ / 24.
( ) ينظر على سبيل المثال السور الآتية : يونس/21، هود/ 9-10، الروم / 36، الشورى /48، الدخان/56.
( ) من بلاغة القران : 217.
(*) في الآية إعجاز علمي لأنها أشارت إلى أن الإحساس بالألم يكون في الطبقات السطحية للجلد وهذا ما أكده العلم الحديث.
( ) محمد الطاهر بن عاشور(ت1972م)، الدار التونسية للنشر، دار الجماهير للنشر :5/90.
( ) التحرير والتنوير :5/ 90.
( ) التفسير الكبير : 10/ 325.
( ) تنوير الأذهان : 4/ 21.
( ) ينظر من بلاغة القران : 217.
( ) أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، هـ-ر ريتير، استانبول، مطبعة وزارة المعارف، 1954م: 50.
( ) ينظر التحرير والتنوير :25/255.
( ) صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، المكتبة العصرية، بيروت، (1424هـ-2003م) :19/397.
( ) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري (ت398هـ)، ت:احمد احمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، القاهرة، ط1، 1987م: 6/284 مادة (لقى).
( )التحرير والتنوير : 19/ 206.
( )-فن الاستعارة- دراسة تحليلية في البلاغة والنقد مع التطبيق على الشعر الجاهلي، د. احمد عبد السيد الصاوي، الهيئة العامة للكتاب، الإسكندرية، 1979م : 323.
( ) التحرير والتنوير: 9/ 206.
( )المفردات في ألفاظ القران، الحسيني بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني(ت425هـ)، صفوان عدنان داوودي، دار العلم، الدار الشامية، دمشق، بيروت، انتشارات ذوي القربى، ط1، (1423هـ):685.
( ) المفردات : 685.
( ) الحيوان، أبو عمر عثمان بن عمرو الجاحظ، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الكتاب العربي، ط3، 1969م: 4 /96- 97.
( ) إحياء علوم الدين، أبي حامد محمد بن محمد الغزالي، بيروت، دار المعرفة، (د.ت) : 4/ 316.
( ) صفوة التفاسير : 3/ 259.
( ) التفسير الكبير : 15/ 184.
( ) النص القرآني من الجملة إلى العالم، وليد منير، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، ط1، (1418هـ-1997م) :18.
( ) التحرير والتنوير : 30/ 217.
( )العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني _(ت456هـ) حققه وعلق على حواشيه محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، لبنان، ط5، (1401هـ-1952م): 1/128.
( ) سر الفصاحة، أبي محمد بن عبد الله بن محمد سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي (ت 466 هـ) ت: عبد المتعال الصعيدي، محمد علي صبيح وأولاده، ميدان الأزهر، القاهرة، ط1، (1372هـ-1953م) :66.
( ) التحرير والتنوير: 3/ 318.
( ) التفسير الكبير : 31/166-165.
( ) التفسير الكبير : 32/ 97-96.
( ) ينظر جماليات المفردة القرآنية في كتب الإعجاز والتفسير، احمد ياسوف، دار المكتبي، دمشق، ط1، (1415هـ-1994م):115.

 

(0) تعليقات
2010-05-14

yyy

عابد اسماعيل
تتخطى نظرية النص حدود الرؤية التقليدية للأدب، وتتجاوز مضمون الخطاب الأدبي، لتذهب إلى تحليل مكوناته الجمالية والبلاغية واللغوية، وتتناوله ككينونة بنيوية ولغوية مستقلة، مؤلفة من منظومة سيميائية متراصّة، يتمّ سبر أغوارها في سياق تداولي، عبر تفكيك شفراتها المضمرة والظاهرة، واحترام كثرتها وتعدّدها وتناقضها. هنا يطرح النص نفسه كإشكالية نقدية معقّدة، تجعله يتمايز ويختلف عن مفهوم الأدب كما طرحه سارتر في نهاية الأربعينيات، والذي استند إلى رؤية أيديولوجية للعمل الأدبي، تطورت مع الناقد رينه ويليك إلى ما أسماه نظرية الأدب، التي حاولت الابتعاد عن الفكر التقليدي، المثالي، لكنها ظلت مشروطة بفهم معرفي وثقافي راسخ للظاهرة الأدبية.
ويشير الناقد الجزائري حسين خمري في كتابه الجديد (نظرية النص)، الصادر عن الدار العربية للعلوم (2007)، إلى أن نظرية الأدب ظلت ردحاً من الزمن أسيرة مقولات الفلسفة اليونانية، وعلم الجمال الكلاسيكي، ممثلاً بكانط وكروتشه، ولم تستطع أن تتخلّص من النظرة المثالية للفن، حتى أتت بداية السبعينيات، وأسّس الناقد فان دايك ما يُسمّى بعلم النص، الذي يقدّم الأدب «بوصفه منظومة نصّية داخل نموذج ثقافي محدد»، خاضعة لمنطق داخلي قوامه علامات وإشارات لغوية تفرزها ثقافة معينة. وكان تحوّل النص من السياق النفسي والاجتماعي والثقافي إلى السياق السيميائي واللغوي والبلاغي، بمثابة نقلة نوعية في تاريخ النقد الحديث، وبات يُنظر للأدب بوصفه حقلاً من علامات لغوية متفاعلة، تتناغم وتتقاطع في تنسيق وتنظيم مختلف عن الواقع. أي ان نظرية المحاكاة سقطت، ولم تعد وحدها صالحة لتفسير النص وعلاقته بالعالم. وقد تأثرت هذه النظرة كثيراً باللسانيات البنيوية التي تقوم على تحليل مظاهر العلامة الأدبية ونشاطها السيميائي، ومنها استمدّ علم النص استراتيجيته وأدواته. ويميز خمري بين نظرية النص، التي هي تأمل في الخطاب الأدبي، وبين علم النص، الذي هو قراءة للقراءة، يأخذ من نظرية النص مجالاً لنشاطه، ويقوم بتفكيك الأسس التي ينهض عليها المعنى في غيابه وحضوره. وهذا يعني أنّ أي نص هو، في الواقع، قراءة سيميائية، بلاغية، للواقع، مثلما هو قراءة للنصوص الثقافية الموجودة في الحقل الثقافي العام.
التركيب والانسجام
ويعرّف خمري مفهوم النص بأنه نظام إحالي، يتجاوز الدلالة المعجمية، وهذا يجعل منه مفهوماً إشكالياً لسببين: الأول عدم استقراره والثاني محاولة كل حقل من حقول المعرفة استغلاله لأهداف إجرائية. إنّ ما يجعل النص نصاً ميزتان اثنتان هما «التركيب» وهذه تتم على مستوى الشكل، أي العلاقات بين الكلمات؛ و«الاتساق» وهذه تمثّل الخيط المعنوي الذي يربط بين الكلمات، وتتعلق بمستوى الدلالة. والتركيب في مستوى البنية يعني «التماسك» (cohesion)، وهذا يتم لوصف علاقة الوحدة على مستوى البنية الصغرى للنص، في حين أن الاتساق يشير إلى مفهوم «الانسجام» (coherence) وهذا يتم لوصف الوحدة على مستوى البنية الكبرى. ويؤكد خمري أن سمة انسجام النص ليست مجرد عنصر زخرفي، بل تتوزّع على كامل مساحة النص ونسيجه. من هذا المنظور، وبسبب إسهامات رولان بارث، الذي نجح بتقديم «النصوصية»، كبديل للمحاكاة، عبر قوله إن الكتابة لم تعد مجرد تسجيل لأحداث تجري، أو فضاء للتعبير الذاتي الوجداني، فإنّ النص نجح بتقديم نفسه كسلسلة من الاقتباسات والإحالات التي تكمن وظيفتها في الاختلاف الدائم عن الواقع. وهذا ما يفسّر مقولة ديريدا الشهيرة أن «لا شيء يقع خارج النص». ويميز خمري بين النص الحي والنص الميت، مشيراً إلى أنّ النص الذي يفتقر إلى كثافة ثقافية، ويتساوى فيه الدال مع المدلول، مثل رسالة شخصية أو خطبة سياسية، هو نص مقفل أو ميت، له وظيفة نفعية محددة.
ويسهب خمري في تحليل وظائف النص، مشيراً إلى أنّ للنص وظيفة تنظيمية باعتباره علامة تتحرك داخل فضاء ثقافي، وله وظيفة اجتماعية تتمثل في أخذ النص للتجربة الحياتية واستثمارها ضمن دلالة معينة، وله وظيفة تناصّية تحددها الجدلية القائمة بين الذات والآخر، وله وظيفة تأثيرية مرتبطة بالأثر الذي يتركه في وجدان القارئ، وله وظيفة جمالية مرتبطة بالمتعة الخالصة التي يولّدها، وله وظيفة سيميائية كونه يشتغل بواسطة الرموز والعلامات لإنتاج المعنى، وله وظيفة ثقافية لأنّ كل نص هو في حقيقته حدث ثقافي، فضلاً عن الوظيفة التواصلية التي تجعل من النص معبراً لاستمرار الحوار بين الكاتب والمتلقي. وهذه الوظائف تتقاطع وتتكامل في لحظة إنتاج النص. من هنا يركز خمري على كيفية وشروط إنتاج النص، فيؤكد أن النص لا يولد من فراغ، بل يتم إنتاجه من خلال النصوص السابقة أو المتزامنة معه، فتارة يقتبس منها، وتارة يضيف إليها. طوراً يشرحها وطوراً يفسّرها ويؤولها، كما هو الحال مع النص القرآني، الذي أنتج منذ نزوله، وعلى مدى خمسة عشر قرناً، عدداً لا يحصى من التفاسير، بمختلف توجّهاتها الفقهية والمعرفية والتاريخية والبلاغية، والتي بات يُنظر إليها كنصوص موازية، باعتبار أن التفسير هو كتابة عن الكتابة، وتأويل للتأويل. ومن النصوص التي أنتجت نصوصاً أخرى أيضاً شروح مقامات الحريري، وشروح ديوان الحماسة، على سبيل التمثيل لا الحصر. وتلعب الترجمة دوراً مفصلياً في تشكيل النصوص وتكاثرها، خاصة أن نقاداً كباراً أقرّوا باستحالة الترجمة الدقيقة، ومنهم من اعتبرها خيانة للنص، فالجرجاني لاحظ أن بنية الجملة تختلف من لغة إلى أخرى، والفرنسي لاكان رأى أن لكلّ مفردة لاوعياً خاصاً بها يجعل ترجمتها شبه مستحيلة، وطرح الجاحظ فكرة استحالة الترجمة، في حين أشار ابن قتيبة إلى صعوبة ترجمة القرآن إلى الألسن الأخرى، وذلك بسبب طبيعة اللغة العربية واتساعها في المجاز. من هنا تتعدّد وتتنوع الترجمات، مثل ترجمة رباعيات الخيام إلى العربية، التي ظهرت في نسخ مختلفة قام بها مترجمون كبار من أمثال وديع البستاني ومحمد السباعي والسيد الهاشمي وجميل صدقي الزّهاوي وأحمد رامي.
فضاء النص
ويتصدى خمري لمفهوم فضاء النص، ويرى أن تتابع الكلمات والجمل على الصفحة البيضاء يشكل فضاءً معيناً، يعكس الفضاء الأوسع للثقافة الذي تتحرك فيه النصوص. وبالنسبة للنصوص ذات البنية الخطية التسلسلية كالحكاية الشعبية، تكون الحركة في شكل سهم، لأنّ النهاية مرسومة منذ البداية. ويحلل خمري كيف أن البداية والنهاية تمكّنان القارئ من العبور من العالم الواقعي المحسوس إلى عالم النص، مشيراً إلى أن فضاء النص لا يتوقف عند النص الواحد، فثمة الهوامش المرفقة التي تدخل في تشكيل فضائه كالإهداء والعنوان والاستهلال والحواشي والرسوم، وسواها. بل إن بداية النص غالباً ما تكون مؤشراً على وجوده وهويته، وهي مرعبة وخطرة، لأنّ النص، حسب ما يذهب إليه يوري لوتمان، منظّم، «ومتّجهٌ ليس باتجاه نهايته، ولكن باتجاه بدايته». ونعلم أنّ الشعر الجاهلي وضع معايير للقصيدة، فالبداية يجب أن تنطلق من الوقوف على الأطلال، ثم التغزل بالحبيبة، فوصف الرحلة، ثم الصحراء. وقد ثار أبو نواس على البداية الطللية، واعتبرها عُرفاً عقيماً كما يوحي بيته الشهير «قل لمن يبكي على رسم دَرَس». وتقول كتب التاريخ أن امرأ القيس هو أول «من وقف واستوقف وبكى واستبكى». ويستنتج خمري أن البداية في العمل الأدبي «تعتبر بمثابة المولّد للعديد من الدلالات التي تمتدّ على مستوى فضاء النص». في حين أن «نهاية» النص تمكننا من رسم حدوده وانغلاقه على ذاته، رغم أن نهاية الرواية مثلاً لا تعني عجز الروائي عن مواصلة السرد، بل تعكس رغبته بوضع إطار عام للحبكة. وإذا كانت البداية مفزعة للكاتب، فالنهاية لا تقل عنها رعباً، لأنّها آخر الكلام ونهاية كلّ خطاب، وآخر ما يبقى في الأسماع، كما يقول ابن رشيق.
ويركّز خمري على أهم النظريات التي ساهمت بتشكيل مفهوم النص في الثقافة العربية الإسلامية، فالنص، تراثياً، جاء ضمن «منظومة مفاهيمية متكاملة ومتداخلة»، وهنا يستعرض الناقد مفهوم النص معجمياً لدى ابن منظور في لسان العرب؛ وفقهياً لدى منشئ الأصول الإمام الشافعي؛ ثم يعرض لآراء أبي حامد الغزالي؛ ويعرّج على موقف السجلماسي، الذي يرى عدم وجود تناقض بين المجازية والنصوصية؛ ويحلل آراء ابن حزم، الذي يسمّيه خمري بشيخ الظاهرية، الذي زاوج بين مصطلحي النص والظاهر، لكي ينسجم مع اتجاهه الفكري، الرافض لكل تأويل باطني. وكان النص القرآني في كل هذه القراءات يتجلّى كمركز استقطاب للتأمل، فكان أن أدخل التراثيون مفهوم النص ضمن منظومة مفاهيمية تتوزع على محورين: محور «الوضوح» الذي يشير إلى خصائص أربع هي: الظاهر/ النص/ المفسر/ والمحكم؛ ومحور «الغموض» الذي يشير بدوره إلى خصائص أربع هي: الخفي/ المشكل/ المجمل/ والمتشابه. وهذه الخصائص ارتبطت بالتفاسير المتعددة للنص القرآني، ويبرز اسم أبو بكر بن أبي سهل السرخسي (توفي 490 للهجرة) كأحد أهم المنظرين لقيم الوضوح والغموض في النقد التراثي العربي، وقد اعتمده خمري أساساً للبحث والمعاينة في مبحث أصول النص.
واستكمالاً للبحث في الأصول، يدرس الناقد مفهوم دلالة النص ضمن السياق اللغوي والسياق التداولي، مركزاً على المكانة التي يحتلها اللفظ داخل كل سياق على حدة، وخاصة فهم الجرجاني لعلاقة الألفاظ بعضها ببعض، وكيف أن اللفظ ليست له دلالة ثابتة، «إنما تتغير دلالته بتغير مواقعه داخل النسق الجملي». ويستنتج خمري أن الدلالة عند نقاد الأصول تتحرك دوماً ضمن حقل معرفي واسع، ابتداءً من علوم العربية إلى المنطق إلى علم الكلام، وذلك في سعي للقبض على المستويات المختلفة للدلالة. وفي تحليله لسياق النص في المفهوم التراثي يرى أن النقاد القدامى اعتبروا النص القرآني نموذجاً أعلى تتم مقارنته دوماً بما سبقه من بلاغة، وخاصة الشعر الجاهلي، ويسوق خمري رأي أدونيس في النظرة إلى القرآن الذي قُرئ في سياقين، الأول في ضوء البيانية الشفوية الجاهلية، والثاني في ضوء ما يسمّيه أدونيس «شعرية الكتابة»، المتأثّرة بنظرية النظم عند الجرجاني، والتي كان مهّد لها أبو بكر الصولي في كتابه «أدب الكتاب». أما عن مفهوم بنية النص تراثياً، فيلاحظ خمري أنّ العرب في نقدهم لبنية القصيدة اهتموا بالبيت الواحد، وأجزائه ومطالعه ومقاطعه وعلله وزحافاته، وقرروا أن أحسنه ما استقلّ بذاته وانفرد بمعناه، وساقوا ذلك على فهمهم لبنية النص القرآني، فحدّدوا بنية الآية، باعتبارها نصاً قصيراً، يقابلها في الشعر البيت الواحد، فالآية تتكوّن من بداية تُسمّى رأس الآية وخاتمة تسمى فاصلة الآية، والتي قارنها علماء الشعر بالقافية. وتميّزَ تراثياً بدر الدين الزركشي في إضاءة بنية النص القرآني، وابن قتيبة في إضاءة بنية النص الشّعري.
إن أهم ما يلفت الانتباه في كتاب خمري، القيم والشيّق حقاً، والذي تجاوز الخمسمئة صفحة من القطع الكبير، هو أسلوبه السلس والمتماسك، الرّهيف والرصين، الذي يصقله فهم الكاتب العميق لنظريات النقد الحديث، ودرايته الموسوعية بقضايا التراث ونصوصه المؤسّسة. فالكتاب يدمج بين جماليات الأصول وقيم الحداثة، مقدماً قراءة نقدية شاملة لأصول نظرية النص وتطورها، وأهم المنعطفات الفكرية التي مرّت بها، قديماً وحديثاً.
(دمشق)
http://www.assafir.com/WeeklyArticle.aspx?EditionId=824&WeeklyArticleId=32588&ChannelId=4344&Author=%D8%B9%D8%A7%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D8%B3%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%84

 

(0) تعليقات
2010-05-12

yyy

صبحي موسى
أعلن مدير مركز المخطوطات بمكتبة الاسكندرية الدكتور يوسف زيدان عن أن المكتبة ستشهد في الفترة من 25 إلى 27 مايو انعقاد الدورة السابعة من المؤتمر الدولي للمخطوطات تحت عنوان «التواصل التراثي: أصول ومقدمات التراث العربي الإسلامي»، وأضاف أن الدورة القادمة تسعى من خلال محاورها البحثية إلى النظر في الأصول التي انطلق منها التراث العربي الإسلامي، والمقدمات التي سبقته في المجالات العلمية والفكرية والأدبية والفنية، وذلك لتأسيس وعي حقيقي بالتراث العربي واستكشاف طبيعة التواصل مع مراحله المبكرة، ويجيء المؤتمر على أربعة محاور هي: الفلسفة والطبيعيات، والمعارف العامة والتاريخ، اللغة والتصورات الدينية، والفنون والآداب.
وذهب زيدان إلى أن التراث الذي تركته الحضارة العربية الإسلامية، يعد ظاهرة تاريخية كبرى، وأضاف أن الظواهر التاريخية الكبرى والصغرى ترتبط على نحو خفي أو مُعلن بالأصول والمقدمات التي تفاعلت في ما بينها، فأنتجت الظاهرة التاريخية. وقال ان الظاهرة قد تبدو للوهلة الأولى شديدة الخصوصية، ومتفردة، رغم أنها مشتملة على بقايا الأصول والمقدمات التي انطلقت منها. فلكل ظاهرة كبرى تأثُّر بما سبقها، وتأثير في ما لحقها؛ وهو ما يعرف اصطلاحاً بالتوصل.
الولع بالأثر
وقال زيدان ان العرب والمسلمين الآن شغوفون بالنظر فى الأثر الذى خلفته حضارتهم فى المنجز الإنساني ككل، وتأكيد هذا الأثر في النهضة الأوروبية الحديثة. وهو مسلك محمود لإظهار حضورنا فى تاريخ الحضارة الإنسانية، ومن ثم في واقعها المعاصر. لكنه لا يمثل إلا نصف الحقيقة! إذ ان النظر في لواحق الأثر التراثي، من دون التمعن في سوابق ذاك الأثر؛ من شأنه تكوين صورة خيالية ذهنية غير واقعية، وهي الصورة التي تشكلت فعلاً فى الأذهان ببطء راسخ، وأعطت يقيناً كاذباً بأن هذه الحضارة وما أعطته من تراث إنساني كان لمعة مفاجئة بدأت مع انتشار الإسلام وسيادة العرب للعالم، فتألَّقت حيناً ثم انطوت وهذا وَهمٌ كبير، لأن المداولة بين الناس وانتقال مشعل الحضارة بين الأقوام له قوانين لابد من إمعان النظر فيها حتى نصل إلى وعي عميق بالتراث السابق، وبالتالي إلى وعي باللحظة الحاضرة.
وجوه التراث المتعددة
وذهب زيدان إلى أنه لا خلاف على أن التراث العربي / الإسلامي، كان مؤثراً في الحضارة الأوروبية الحديثة؛ ولكن ما التراثيات التي أثرت في صياغة التراث العربي/ الإسلامي؟ وكيف امتدت عملية التواصل بين تراث الإنسانية، فشملت العرب والمسلمين، وبأي قَدْر أسهم الحضور العربي، قبل الإسلام، في صياغة المنظومة الحضارية العربية / الإسلامية ؟ وما الذي أخذه العرب المسلمون من علوم السابقين؟ وكيف أخذوه؟ وهل طوَّروه، أم حفظوه فحسب ؟ وما هو أصلاً مفهوم الحفظ؟ وماذا عن اللغة العربية، وتفاعلها شفاهة مع اللغات السريانية والعبرية والفارسية.
وماذا عن المسيحيين واليهود والصابئة والمجوس، أعاشوا فى إطار الدولة العربية / الإسلامية كأهل ذمة أو غير ذوي ذمة، بحسب المفهوم الفقهي، أم تعدى الأمر ذلك إلى مشاركة فعلية في الظاهرة الحضارية العربية الإسلامية، ابتداء من استلهام حفر الخندق من العسكرية الفارسية، وانتهاء بترجمات يهود الأندلس للمتون التراثية العربية إلى لغتهم واللغة اللاتينية، ومروراً باستلهامات عربية إسلامية، لا حصر لها، من التراث المسيحي المتجلي فكراً في علم الكلام، وفناً في شكل القبة، واقتصاداً في اعتبار مصر خزانة الدولة، ومعرفةً في ترجمة النساطرة لمتون العلم القديم من اليونانية والسريانية إلى العربية.
وذهب زيدان إلى أن الدورة القادمة من المؤتمر الدولي للمخطوطات تسعى إلى النظر في الأمور وتلك المقدمات الممهّ.دة للحضارة العربية الإسلامية؛ بغية استكشاف طبيعة (التواصل التراثي) في المرحلة المبكرة من تراثنا العربي الإسلامي، وسعياً إلى الفهم ودفع الوهم ونُصرة الحقّ. وإعلاء منارة. كما يبحث المؤتمر في التواصل التراثي، من خلال إمعان النظر البحثي في انبثاق البدايات، وفي امتداد الأصول والمقدمات التي تفاعل معها العطاء العربي الإسلامي، فكانت نتيجة ذلك، ما نسميه اليوم: التراث العربي الإسلامي. وهو التراث الذي أعطى الإنسانية، علامات كبرى على طريق التحضر.
الأصول والبدايات
يذكر أن كتاب يوسف زيدان الأخير «اللاهوت العربي» حاول الإجابة عن قدر كبير من تلك الأسئلة التي طرحها زيدان، بل إنه من الممكن اعتباره الأساس الذي جاء منه عنوان الدورة السابعة للمؤتمر، وتخصيصها للبحث في العلاقة بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة العربية قبل الإسلام، حيث الأصول والمقدمات التي أنتجت ما أسماه زيدان في كتابه الأخير بـ«اللاهوت العربي»، على اعتبار أن الذهنية العربية كانت مختلفة في تصورها عن العلاقة بين السماوي والأرضي عن غيرها من الحضارات الأخرى كالمصرية واليونانية، ومن ثم حدث الخلاف حول طبيعة المسيح، وهي المقولات التي أدت إلى هياج الرأي العام المسيحي في مصر عليه
http://www.alqabas.com.kw/Article.aspx?id=603781&date=12052010

 

(0) تعليقات
2010-05-09

yyy

 
مارس 4, 2010 | البلوشي


الأخلاق هي مجموع القيم والمبادئ التي يؤمن بها الإنسان ويتعامل على ضوئها مع الآخرين بما يضمن له الحياة السعيدة والاستقرار والاطمئنان النفسي في الحياة ويقال أيضا بأنه العلم الذي يبحث في كيفية السعادة أو كيف ينبغي أن تكون الحياة.
ويعتقد الفيلسوف الإيراني مرتضى المطهري بانه لا يمكن تقديم تعريف صحيح للأخلاق إلا عند الأخذ بعين الاعتبار المفاهيم العامة والمطلقة أي بالصورة التي تبين كيف يجب أن يحيا الإنسان من حيث هو إنسان والحياة السعيدة للإنسان من حيث هو إنسان ما هي؟ أنا إذا نظرنا إلى المسألة من الناحية الفردية حيث يقرر الفرد ما يريده لنفسه فقط وفي نفس الوقت يكون هذا القرار غير جائز لآخر فإن هذا التعريف غير صحيح.
كثيرا ما نصادف إنسانا يتحدث عن فعل حسن فعله مع إنسان آخر كمساعدة أحد المحتاجين أو إغاثة أحد المكروبين فيقال له: لقد كسبت من ورائه ثوابا من الله أو مقدارا من الحسنات لا يعلمها إلا الله.
وهنا يطرح سؤال حول ماهية الفعل الأخلاقي الإنساني وهل هو ينطلق من جانب عقلي كما يقول بذلك بعض الفلاسفة أم إن له منطلقات دينية على قاعدة الثواب والعقاب كما هو مقرر في المنظومة الدينية التقليدية.
ينظر الفيلسوف أفلاطون إلى النظرية الأخلاقية من خلال نظريته الاجتماعية حيث يقول :إن ما يحمل قيمة حقيقية هي ثلاثة أمور: العدالة والجمال والحقيقة وأرجع هذه الأمور الثلاثة إلى شيء واحد وهو الخير وهو الشيء الوحيد الذي يجب السعي إليه والعمل من اجله وهو الذي تقوم عليه الأخلاق.
ويقول أيضا تبعا لأستاذه سقراط :إن معرفة الخير تكفي للقيام به إذ أنه من غير المعقول وغير المنطقي أن يصل الإنسان إلى معرفة الخير ولا يؤديه وأن سبب عدم العمل به هو الجهل ولذلك ولأجل محاربة فساد الأخلاق فيجب القضاء أولا على الجهل ولذلك يرى أفلاطون أن الإنسان إذا أصبح فيلسوفا فإنه سوف يصبح إنسانا جيدا بالتأكيد فمن المستحيل أن يكون المرء فيلسوفا وفاقدا للأخلاق الحسنة لأن السوء يأتي من الجهل وأرى أن هذا الرأي يعتبر مثاليا أكثر من اللازم لأن السوء والأخلاق السيئة لا تأتي دائما من الجهل وإنما أيضا من الغريزة التي تحكم الإنسان.

واما أرسطو فقد اعتبر أن الأخلاق هي طريق الوصول إلى السعادة فحسب نظرية أرسطو فإن الإنسان طالب للسعادة وليس للخير كما يقول أفلاطون ولذلك يعتقد أرسطو بأن الفضائل والأخلاق هي وسائل للوصول إلى الهدف الذي يسعى إليه الإنسان ويعمل من أجله الذي هو السعادة لأن الهدف هو ما نتمناه ونطلبه والوسيلة هي ما نفكر به ونختاره فالأفعال المتعلقة بالوسيلة ينبغي أن تكون اختيارية لهذا فإن رعاية الفضائل أمر متعلق بالوسيلة.

ولكن أرسطو خالف أستاذه أفلاطون في أن العالم والمعرفة يكفيان لتحصيل الفضائل إذ يعتقد أرسطو بأن النفس ينبغي أن تخضع للتربية بمعنى أن نوجد في النفس ملكات الفضائل وهذا ما يحصل من خلال الممارسة المستمرة في رعاية حد الاعتدال والوسط.

ويختلف الفيلسوف عمانويل كانط مع أرسطو في أن العقل هو القوة الوحيدة التي تحرك الإنسان في سعيه للوصول إلى السعادة إذ يعتقد كانط ان الغريزة كثيرا ما تكون هي الدافع إلى ذلك واعتقد انه يقترب كثيرا من مفهوم الرياء في الإسلام حيث إن كثيرا ما نرى إنسانا ينطلق إلى فعل الخير ليس من دافع أخلاقي كما يقول أرسطو وإنما من مفهوم غريزي من اجل الوصول إلى هدف آخر غير ظاهري للآخرين ويعتقد كانط طبقا لهذا المفهوم إن الرغبة الإنسانية تختلف من شخص إلى آخر ولذلك اقترح كانط أن يتم الاعتماد في بناء الأخلاق على مبدأ قبلي متعال غير مستمد من التجربة وهو تحرير المبدأ الأخلاقي من الرغبة حتى نستطيع معرفة إذا كان هذا السلوك أخلاقيا أم لا ولذلك رفض كانط مبدأ أرسطو أن السعادة هي الخير الأسمى وأدخل عليها تعديلا جديدا يتوافق مع فلسفته ورؤيته في الأخلاق إذ عرفها قائلا :إنها الخير غير المشروط بأية رغبة أو مصلحة خاصة يقول الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل في تقريره لمذهب كانط الأخلاقي «إن الأخلاق عند كانط تحتوي على عنصر صارم من الاستقامة الكالفينية ذلك لان من الواضح في هذه الأخلاق أن الشيء الوحيد الذي له أهمية أن يكون سلوكنا نابعا من المبادئ الصحيحة وتبعا لهذا الرأي يكون استمتاعك بالشيء الذي تكون ملزما من الوجهة الأخلاقية بعمله يكون هذا الاستمتاع عقبة فعلية في وجه السلوك الأخلاقي فإذا كنت أحب جاري وأشعر تبعا لذلك بالميل إلى مساعدته في وقت الشدة عندئذ لا يكون لهذا الفعل وفقا لمبدأ كانط القيمة الأخلاقية نفسها التي تكون للقيام بعمل طيب مماثل تجاه شخص سمج مكروه تماما وبذلك تتحول المسألة كلها إلى مجموعة من الواجبات الثقيلة غير السارة التي تؤديها لا بناء على رغبة بل بناء على مبدأ أما الفاعل فهو الإرادة الخيرة التي تعد هي وحدها الخيرة بلا قيد أو شرط».
ويرى المفكر المغربي الدكتور طه عبد الرحمن أن الفيلسوف كانط انطلق في علمنته للأخلاق وعقلنتها من خلال مبدأ ديني بمعنى أنه فصلها عن الدين وأدخل عليها التحليل والتنظير العقلي وضرب مثلا في مفهوم التضامن الذي هو في الأصل مبدأ الإحسان في المسيحية والتراحم عند المسلمين فأدخلت عليه الصفة العقلية ليصبح هو التضامن.

وأما الباحث العراقي الأستاذ أحمد القبانجي فقد انتقد بدوره النظرية الفلسفية للأخلاق لأنها حسب تعبيره تستبعد في معيارها كل ما يمت إلى الله والدين بصلة لأن الله في الفكر الإسلامي هو المحور الأساسي للعقيدة والأخلاق وجميع سلوكيات الفرد المؤمن وتساءل قائلا: كيف نستغني في سلوكنا الأخلاقي عن مفهوم الألوهية ورضا الله تعالى في حين إن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم يحصر الهدف من بعثته ومن الدين في إتمام السلوك الإنساني كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

الإنسان بين الخير والشر

والحديث عن الأخلاق يجرنا إلى الحديث عن الخير والشر فكيف نعرف أن هذا الفعل أو ذاك التصرف خير أو شر؟
انقسم الفلاسفة في الإجابة على هذا السؤال إلى رأيين مشهورين فالرأي الأول يرى أن في كل إنسان قوة غريزية يستطيع بها أن يميز بين الخير والشر وبين الحق والباطل والإنسان يستطيع حسب هذه القوة الغريزية الحكم بأن هذا الفعل خير أو شر وهي قوة غريزية غير مكتسبة مثل العين والإذن وغيرها ويسمى مذهب «اللقانة» أو «الحدس» ومن اهم المنظرين له كارليل وفخته وكانط وغيرهم.
بينما ذهب الفريق الآخر إلى إنكار هذه الغريزة وقالوا:إن معرفتنا للخير والشر تعتمد على التجربة وتنمو بتقدم الزمان وترقي الفكر وإن التجربة هي التي تعلمنا إن كان هذا العمل خيرا أو شرا وتسمى بمذهب التجربة أو مذهب التطور لأنهم قالوا :إن الأخلاق الإنسانية تتطور من جيل إلى آخر ومن زمن إلى آخر والأخلاق في القرن العشرين – مثلا – هي غير عن القرون الوسطى فضلا عن القرون الأولى قبل تطور الكائن البشري وارتقائه من البدائية الأولى إلى المدنية وأبرز من يمثل هذا الاتجاه الفلسفي الفيلسوف المعروف هربرت سبنسر.

وأما في المنظومة الدينية فإن المصدر الوحيد لمعرفة الخير والشر هو النص وأقصد بالنص هنا القرآن الكريم والأحاديث المروية عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك يرى الأشاعرة وهم الجمهور الأعظم من المسلمين أن الشرع وحده هو الذي يحدد ما هو الخير وما هو الشر بينما العقل يؤكد حكم الشرع على خلاف المعتزلة الذين ذهبوا إلى القول بالحسن والقبح العقليين وتبعهم في ذلك جمهور الشيعة من الإمامية والزيدية وإن كانوا لم ينكروا حجية الشرع وإنما قالوا: إن ما ينص عليه الشرع هو إثبات لحكم العقل وليس العكس.

المراجع:
1 – كتاب «مدخل إلى الفلسفة» للأستاذ حسام الألوسي طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
2 – كتاب «حكمة الغرب» الجزء الأول والثاني للفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل ضمن سلسلة عالم المعرفة. الكويت
3 – كتاب «الحكمة العملية» للفيلسوف الإيراني مرتضى المطهري طبعة: دار المحجة البيضاء ودار الرسول الأكرم. لبنان.


--------------------------------------------------------------------------------
لـ : البلوشي2008


--------------------------------------------------------------------------------
لمناقشة الموضوع: http://www.s-oman.net/avb/showthread.php?t=691283
مصدر الصورة: http://www.islam-center.com/ac/uploads/20122008-045123AM.jpg

 

(0) تعليقات
2010-05-09

yyy


عبدالمنعم الحسني
كل صورة عظيمة ترينا شيئا نبصره بالعين مع شيء ندركه بالبصيرة، فهي تجمع بين البصر والبصيرة» الكسندر اليوت
عندما نتحدث عن الفنون البصرية لا نملك إلا أن نجدها وسطا بين إبداع الفنان وتذوق المتلقي. ذلك أنه إذا سلمنا أن وجود المبدع حتمية أساسية لوجود الفن، فانه كذلك لا يمكن لأي عمل فني أن يترك أثرا بدون وجود متلقين يحكمون على جودة هذا العمل الفني، وإلا لما بقيت الأعمال الفنية الخالدة عبر الأجيال المتعاقبة. إلا أن الفنان رغم أنه لسان عصره، فهو سابق عليه في كثير من الحالات، فهو دائما من يصنع الجديد والمختلف. الكثير من المعروضات العظيمة في بدايتها كانت مستهجنة من المتلقي ولم تلق استحسانا وإعجابا إلا في مراحل متقدمة من عمر هذه الأعمال الفنية. يحاول هذا المقال أن يسلط الضوء على الأثر الفني الذي يتركه العمل الفني. أو بمعنى آخر أين يقف العمل الفني بين إبداع الفنان وتذوق المتلقي؟ ومن يحكم الآخر وعلى ماذا يحتكم الاثنان؟!
مصطلح العمل الفني:
قبل أن نتطرق إلى الأثر الفني بين المبدع والمتلقي علينا بداية توضيح بعض المفاهيم المتعلقة بالفن والعمل الفني. فكثيرة هي التعاريف التي أطلقت على الفن ومعظمها مستمدة من القواميس الإنجليزية والأمريكية (1). ويأتي هذا التنوع نظرا لموسوعية الكلمة وارتباطها بفروع علمية مختلفة كالفلسفة وعلم النفس والجماليات بل وحتى التاريخ. فالفن مرتبط بالأنشطة الإنسانية المختلفة. وقد قامت كل الحضارات البشرية بلا استثناء على اختلافها وتعددها وتنوع مراحلها بإنتاج أشياء لها وقع خاص على نفوس أصحابها. والسؤال الأبدي الذي يتكرر دائما هو لماذا قامت كل هذه الحضارات بإنتاج هذه الأشياء التي أعدت أعمالا فنية راقية فيما بعد كعجائب الدنيا السبع؟ هل فقط لأغراض نفعية بحتة وما يتضمنها من استعراض للقوة وفرض للسيطرة ومحاولة البقاء وتحدي الموت بالخلود، هذه الفكرة المجنونة التي سيطرت (ولاتزال) على الكثير من الفنانين والمبدعين. أم أن هناك دافعا نفسيا آخر لهذا المبدع عبر مراحل التاريخ المختلفة في التعبير عما يعتمل في داخله من خلجات نفسية ومكنونات عميقة. تؤكد الدراسات النفسية الحديثة في أن كلا منا يحمل في طياته العميقة بذرة فنية. فالانسان موهوب بالفطرة، ولكل منا موهبته الخاصة، في الشعر، في الرسم، في الموسيقى، في الطبخ، في النجارة، في الحدادة وفي كل أنشطتنا الإنسانية فالفن محبوس في أعماقنا. فاذا لقيت هذه البذرة التوجيه السليم نمت وترعرعت. فالفرق إذن بين الفنان وأي شخص آخر هو أن الأول يطور استعداداته الذهنية والعاطفية والمهارات اليدوية لإنتاج شيء كامن في ذواتنا(2) .
العمل الفني بين الشكل والمضمون:
تتركز الاختلافات - حسب نوبلر (1987)- في تعريف الفن إلى محورين أساسيين، حيث يرى أصحاب المحور الأول أن العمل الفني هو «وسيلة للتعبير ومحاولة لإيصال الأفكار والخلجات النفسية»(3). أكد على هذا الاتجاه الكاتب الروسي الشهير تولستوي في كتابه ما هو الفن (1896). يشدد أنصار هذا الاتجاه على مطابقة الأنموذج للوحة المرسومة أو المصورة أو المنحوتة. فجودة اللوحة هنا تتحدد بمدى مطابقتها للواقع الحياتي سواء في تصويرنا للأشخاص أو الطبيعة. يقول تولستوي في ذلك: الفن هو أن يثير المرء في نفسه شعورا سبق أن جربه إذ يثيره في نفسه، يعمد إلى نقل هذا الشعور بواسطة الحركات أو الخطوط أو الألوان أو الأصوات أو الأشكال المعبر عنها بالكلمات، بحيث يصبح جزءا من تجربة الآخرين، وهذا هو فعل الفن(4). بينما يركز المحور الثاني على أن الفن هو تصميم شكلاني يسميه رائد هذا الاتجاه وهو الإنجليزي كلايف بل (1913) الشكل الدال (Significant form). لذا فقد جاء ثورة على الفن التقليدي التعليمي. يقول كلايف بل في ذلك: (...) إن الأشكال إذ تنتظم وتجتمع وفقا لقوانين معينة مجهولة وغامضة، تحرك مشاعرنا فعلا بطريقة معينة. وأن مهمة الفنان هي أن يجمعها وينظمها بحيث تحرك مشاعرنا. هذه التجمعات والتنظيمات هي ما أطلقت عليه على سبيل التيسير ... اسم «الشكل الدال» .ignificant Form) 5) إذن أنصار الاتجاه الأول يركزون على الجانب التعبيري التوصيلي للعمل الفني. بينما يؤكد أنصار الاتجاه الثاني على الجانب التشكيلي للعمل الفني. لكن هذا ليس معناه -كما يرى البعض- أن النظريتين متناقضتان بالضرورة. ذلك أن لكل هدفه. فالاثنان يتفقان على أن صورة الجيوكندا (ابتسامة المونوليزا) لدافنشي عمل فني عظيم. لكن سر عظمته بالنسبة لأصحاب الاتجاه الأول تأتي من خلال قدرة الفنان على إيصال ونقل المشاعر إلى المشاهد كما جربها الفنان عبر إتقانه لدقة تفاصيل الأنموذج (وجه المرأة). بينما يرى أنصار الاتجاه الثاني أن سر عظمة اللوحة تكمن في قدرة الفنان على تجميع الشكل وتنظيمه وفقا لقوانين معينة بحيث تحرك مشاعرنا تجاهها. يرى متذوقو الفن أنه من الضروري أن يشتمل العمل الفني العظيم على العناصر الشكلانية الدالة والتعبيرية التوصيلية في نفس الوقت. فالأشكال تنعش ذاكرتنا المليئة بالأشكال المشابهة كالدوائر والمثلثات والمربعات وغيرها, هذه الأشكال لها رموز تعبيرية توصيلية أقوى من مجرد المحاكاة الشكلية التقليدية للعناصر والأشكال كما هي في الوقع وان تكن غير مباشرة في بعض الأحيان(7). الفنان بين القصدية والتقنية:
إذن قد يكون العمل الفني وسيلة لإيصال الأفكار أو مجرد تنظيمات شكلانية لكن الأهم أن يكون الاثنان معا. ويقف المبدع هنا ليحدد ماذا يريد من عمله الفني. أو ما هو الأثر الذي يريد أن يتركه في المتلقي؟ من هنا كان لابد أن يختار أدواته بناء على هدفه أو مقصده الفني وليس العكس. معنى ذلك أن يحدد الفكرة أولا ومن ثم يفكر بالتقنية المناسبة لتنفيذ الفكرة. أبسط الأمثلة هنا يمكن أن نطلقها على لوحات ومنحوتات بيكاسو. حيث تعددت أساليب هذا الفنان من الواقعية الجديدة إلى المستقبلية والتكعيبية والتجريدية أو السريالية وغيرها. بل انه أحيانا يمزج بين مدارس فنية مختلفة في لوحة واحدة لإنتاج تجربة جديدة وخلق إيقاع مغاير. انظر إلى الوجوه في لوحة الجورنيكا الشهيرة وما تحمله من قساوة وألم وتعاسة بتكعيبات مختلفة لتبين فظاعة الحرب وقسوتها. ولاحظ دقة الخطوط وانسيابها في تصويره للفتاة ذات القلادة. قس على ذلك عددا كبيرا من الفنانين مثل سلفادور دالي وتجاربه ومندريان وكاندنسكي ومان ري. إذن القصد سابق للتقنية وليس العكس.
بناء على ماسبق يحاول ناثان نوبلر أن يقدم تعريفا شاملا للعمل الفني بأنه:
نتاج إنساني يملك شكلا أو نظاما معينا, ويقوم بإيصال التجربة الإنسانية.. ويتأثر بالتحكم الحاذق في المواد المستخدمة في بنائه من أجل إبراز الأفكار الشكلية والمعبرة التي يود الفنان أن يوصلها إلى الآخرين(8).
أين الجمال في العمل الفني؟
نرى أن التعريف السابق لنوبلر يخلو من كلمة الجمال والتي دائما ما تقرن بالعمل الفني لدى الكثيرين. ذلك أن العديد منا يرى أن العمل الفني لابد أن يكون جميلا. لكن بعض الأعمال التي يشاهدونها والتي أقر متذوقو الفن والنقاد بعظمتها ليست جميلة بنظرهم. فهي تبدو قبيحة أو تشعرهم بالخوف أو الانزعاج أو حتى الغثيان. فهل معنى ذلك أن هذه الأعمال لاتعد أعمالا فنية ؟ يرى نوبلر أن السؤال الذي يجب أن يطرح هو ما المقصود بكلمات مثل قبيح أو جميل ؟. لو جئنا لمعنى الجمال نجد أن هناك مفهومين أساسيين لهذه الكلمة. الأول يرى أن الجمال يكمن في استجابتنا الذاتية بفعل إثارة خارجي. بمعنى أن الإحساس بالجمال موجود في ذواتنا, لكن تأثرنا بشيء ما جعلنا نشعر بالجمال. فهذا الجمال ليس موجودا في الشيء وإنما يكمن فينا. أما المفهوم الآخر فيقول إن الجمال موجود في الشيء (خارج ذواتنا) أو كما يسميها نوبلر التجربة نفسها. وعندما تلتقي التجربة الذاتية بالشيء هي التي تثير فينا الحس بالجمال. يؤكد على هذا المفهوم الكسندر اليوت بقوله: فالرائعة [العمل الفني] يجب أن تؤخذ كاملة إلى أعماق الوعي ويعاد خلقها هناك من جديد. فهي تسطع في حجرات القلب المظلمة. ان المعرفة المجردة قد تلتقط من أي مكان، أما الفهم فلا يأتي إلا بالتجربة ويفترض بالرائعة أن تكون تجربة. وما لم يجربها المرء فانه لن يفهمها(9). يؤكد الكثير من علماء النفس على المفهوم الثاني الأشمل. فالجمالية في العمل الفني لاتأتي من ذواتنا فقط لأن ذلك يلغي دور المبدع الذي صنع اللوحة بشكل معين وتكوين وتركيب وأدوات معينة ليستثير بها بصر المشاهد وبصيرته. لنرجع إلى معاني كلمات مثل جميل وقبيح وهل يمكن أن تطلق على العمل الفني؟ نجد أن هذه الكلمات إنما تستقي مدلولاتها من الصور الراسخة في أذهاننا ونظم جمالية سابقة ارتبطت في شاشات عقولنا بمقاييس جمالية سابقة. هذه المقاييس الجمالية تختلف من شخص لآخر وتتشكل عبر تراكمات وخبرات وتجارب يمر بها الإنسان. أما ما هو جديد فانه يربك هذه النظم الجمالية ونادرا ما يضمها تحت المقاييس السابقة. لذا فان المتلقي حين يشاهد العمل الفني وفي ذهنه النظم الجمالية المتوارثة فانه يفرض على نفسه قيدا أو حاجزا يسببه له رؤيته المتوارثة عن الجمال, وبالتالي فان قراءته للعمل الفني تصبح ناقصة، بدون وعي منه(10). إذن لاحظنا هنا أن الجمال أو القبح كلمات ليست مرتبطة بالفن إلا بقدر ما هو شخصي جدا، فما هو جميل بالنسبة لي قد لا يعد كذلك بالنسبة لشخص آخر. من هنا نرى أنه من الضروري للفنان المبدع ألا يتأثر بما توارثه عن أفكار الجمال أو ما يعرفه جمهوره عن الجمال. لأنه بذلك يفرض على نفسه قيدا يأسره عن الانطلاق في كل ما هو جديد ومذهل ومؤلم أو مزعج أحيانا(11). يحاول الفنان المبدع أن يصنع تجربة عن طريق خبرته الذاتية وفهمه ووعيه لمعطيات المكان والزمان ومن ثم الاستخدام الواعي للأدوات الفنية لتتم في النهاية استثارة المشاهد بالعمل الفني. في ظل ذلك وكلما كان الفنان واعيا لقراراته واضحا ومحددا لأهدافه وأفكاره بعيدا عن التأثر بمغريات الفن الأبدية والمتمثلة في المال والسلطة والمجد والشهرة والتباهي(12) انتج فأبدع. هذا الإبداع قد يوصله إلى مكانة راقية في التاريخ الإنساني وقد لا يصل أبدا. لكنه في كل الأحوال يشعر مع نهاية كل لوحة بفرح طفولي يغمره هذا الفرح هو الاستجابة الذاتية للعمل الفني. أما إذا كانت معروضاته إرضاء للآخرين أو استجابة لطلبات المتنفذين دون وعي أو إفراغ روحي من الفنان على العمل فان النتائج عادة ماتكون وخيمة والعمل لا يعدو كونه عرضا هزيلا مصطنعا. لكن هل معنى ذلك ألا نعبأ بالمتلقي ونرمي كل ما يقوله دون التفاتة ؟ قلنا من البداية أن الفنان بدون متلق يكون غير معترف به. والفنان كالأطفال يفرح بما أنجز ويحب أن يشاركه الآخرون. فالفطرة الإنسانية (الطفولية) تحتم عليه عرض أفكاره على الناس لسماع آرائهم سلبا كانت أم إيجابا. ولكن السؤال هنا هو من هو المتلقي الذي نستمع إليه ونحتكم لرأيه ؟
العمل الفني بين المتذوق والمتفرج:
الفرق بين التذوق الفني والفرجة العابرة كما يسميها مصري حنورة (2000) أن التذوق الفني هو «عملية تقويم لمادة معروضة من طرف على طرف آخر, أي أنه استجابة تقويمية تحمل المتعة من قبل المتلقي لأحد الأعمال الفنية»(13). أما الفرجة العابرة فهي التلقي الاستهلاكي للعمل الفني فتعرضه هنا إنما يكون عبارة عن انفعالات شخصية لحظية عابرة لا يعتمل فيها العقل ولا تختمر فيها العاطفة(14). فما يهم الفنان هو رأي المتذوق الفني وليس المتفرج العابر. ذكرنا منذ البدء أن كلا منا يحمل في ذاته بذرة فنية، ولكن نتفاوت في ري هذه البذرة بالماء لتنمو وتزهر. فمنا من يواصل ريها ويعنى بزرعها وصقلها وتقليمها والمحافظة عليها باستمرار. وهذه مرتبة الفنانين. ومنا من يعنى بها في فترات وينساها فترات أخرى. وهذا قد يكون متذوقا للأعمال الفنية. ومنا من يتركها دون عناية فلا يتأثر بما يرى إلا في حدود سطحية جدا غالبا ما تكون متأثرة بانفعالات شخصية ويتلقى العمل الفني بالصدفة وليس قاصدا عامدا كما هو الحال بالنسبة للمتذوق الفني. إذن المتذوق الفني يأتي وهو يملك استعدادا نفسيا وذهنيا للتلقي. والمبدع هو أول متلق لعمله وبالتالي أول متذوق له. فبعد اختمار التجربة وتنفيذها تبدأ عملية التذوق الفني للعمل. وهي واحدة من أهم المراحل التي يراعيها الفنان قبل أن يخرج العمل للناس. ذلك أن المبدع في هذه المرحلة يقوم بالمراجعة الشاملة للعمل الفني فيقوم بالتعديل والإضافة أو الحذف أحيانا. حدد علماء النفس من هو المتلقي (المتذوق) الذي يمكن الركون إلى آرائه لكن حتى هذا المتلقي يختلف في خصائصه. فهناك المتذوق المتخصص والمتذوق الواعي لمسارات الفن المختلفة والمتذوق الذي تسوقه بذرته الفنية الطفولية ولكن خبرته الثقافية وتجربته الحياتية لا تزيد عن تحصيله الدراسي دون الإطلاع. برغم هذا التفاوت يرى علماء النفس أن مبادىء التذوق تظل واحدة في حالة انه جاء قاصدا وليس مجرد عابر. ويمكن الإفادة فيما يطرحه من أفكار أو آراء أثناء استمتاعه بالعمل الفني. فعملية التذوق الفني تتم بمحاولة المواءمة بين الميول العاطفية لدى المتذوق وإيقاع العمل الفني(15). هنا ينبغي الإشارة إلى أنه بقدر تعدد الآراء في العمل الفني وتعبيراته الدلالية كلما كان أكثر خصوبة من العمل المباشر والبسيط حتى وان كان الثاني يحظى بعدد كبير من المعجبين (المتفرجين وليس المتذوقين للعمل الفني). تحدث هذا المقال عن الأثر الفني بين الفنان والمتلقي. وفي سياق الحديث عن الأثر الفني تم تحديد مفهوم العمل الفني كوسيلة للتعبير وإيصال الأفكار من جهة وتصميم شكلاني من جهة ثانية. يقوم بالعمل الفني مبدع له خصائص نفسية وذهنية وفكرية يحاول التعبير عنها وترجمتها عبر لوحات فنية بتقنيات مختلفة تعتمد على قصدية (أو الهدف) العمل الفني. والمبدع هو أول متلق لعمله الفني وأول متذوق له. بعد ذلك يتم عرض العمل على المتذوق الفني، غير المتفرج، الذي يمكن الركون إليه والإصغاء إلى أفكاره وتعليقاته. وهنا يختلف المتلقون باختلاف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية والفنية لكنهم يتفقون في محاولة فهم أسرار العمل الفني الذي كلما جاء جديدا خصب المعاني والأفكار زادت قيمته الفنية ولو بعد حين.
الهوامش والمراجع:
1- نوبلر ناثان (1987) حوار الرؤية: مدخل إلى تذوق الفن والتجربة الجمالية، ترجمة فخري خليل، بغداد: دار المأمون ص: 33.
2- المرجع السابق ص: 34.
3- المرجع السابق, ص: 33, انظر كذلك حسن محمد (بدون سنة), مذاهب الفن المعاصر, الشارقة: مركز الشارقة للإبداع الفكري.
4- نوبلر, مرجع سابق, ص: 33-34.
5- بل, كلايف (2001), الفن, ترجمة عادل مصطفى, بيروت: دار النهضة العربية, ص: 41.
6- كل الأشكال المعروضة في هذا المقال مأخوذة من
http://www.artcyclopedia.com/
7- انظر عيدابي, يوسف (2001), مرايا الرؤى في شأن بلاغة التشكيل: وقائع ندوة دولية حول الشعرية البصرية, الشارقة, دائرة الثقافة والإعلام.
8-: نوبلر, مرجع سابق, ص: 38.
9- اليوت, الكسندر (1982), آفاق الفن, ترجمة جبرا إبراهيم جبرا, بيروت, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, ص:32.
10- نوبلر, مرجع سابق, ص:43.
11- انظر عبدالحميد, شاكر (1997) العملية الإبداعية في فن التصوير, القاهرة: دار قباء.
12- انظر اليوت, مرجع سابق, ص: 79.
13- حنورة, مصرى (2000) علم نفس الفن وتربية الموهبة, القاهرة: دار غريب, ص: 108.
14- نشير هنا الى أن المتذوق الفني يختلف عن الناقد الفني ذلك أن الناقد الفني يحاول قدر الامكان ألا يقحم الخصائص الذاتية في تقييمه للعمل الفني (انظر حنورة, المرجع السابق, ص: 109).
15- انظر المرجع السابق: 117.
منقول : الرابط :

 

(0) تعليقات
2010-05-09

yyy


د. بركات محمد مراد

الجمال سمة بارزة من سمات هذا الوجود، إن لم تكن أبرز سماته، والحس البصير المتفتح يدرك الجمال من أول وهلة وعند أول لقاء، وهو ليس أمراً ضرورياً في هذا الكون، على الرغم من تجليه في كل مكان، وظهوره في كل شيء، ومن هنا يعتبر من كمال هذا الكون ومن تمام هذا الوجود، وهو نوع من النظام والتناغم والانسجام ذو مظاهر لا تحد وتجليات لا حصر لها، فالدقة والرقة والتناسق والتوازن والترابط ومظاهر أخرى كثيرة يشعر بها الوجدان وإن لم يستطع التعبير عنها ببيان.

وعلى الرغم من أن الحس السليم والفطرة السوية عند كل البشرية تشعر بتلقائية بمظاهر الجمال، وتؤخذ لأول وهلة بتأثيره وسلطانه على حاسة في الإنسان جوانية، إلا أننا طالما وجدنا هناك مقاييس نسبية لكل أمة تؤثر أن تجدها متوفرة من خصائص الجمال وسماته، فيرى المتوحش الجمال في الشفاه الغليظة والوشم الأزرق، وكان الإغريق يرون الجمال في الشباب المقترن بالهدوء والتناسق، وسيطر عليهم مفهوم الانسجام والتناغم كمثل أعلى للجمال، وكان الرومان يرون الجمال في الضخامة والنظام والروعة والبأس.
وفي عصر النهضة كانت الألوان سر الجمال. وقد بدأت هذه القصة الطويلة التي استغرقت الإحساس بالجمال عند اليونان –على الرغم من أنه يضرب بجذوره في الحضارات القديمة- في إحساسهم بشكل واضح بضرورة فرض النظام المتناسق أو الانسجام المتناغم على المادة المهوشة وخلق التناسق والتآلف في الاضطراب والتنازع وإقرار التشكيل المتسق في الصخور والأحجار وافترض الفنان الإغريقي أن الذكاء والعقل يكمنان في تناسق الأبعاد، وأن إدراك قوانين الانسجام التي تسري في حياة الناس سريان القدر... وبدأ فيثاغورس في تفسير الجمال بأنه جوهر آلية التناسق العددي التي تنطبق على أبسط الظواهر وأعقدها، فالعلم نغم وعدد وجمال الموسيقى كجمال الوجود يكمن في النسب والعلاقات الرياضية، كما يكمن جمال الكون في الانسجام الدقيق بين حركة الكواكب.
واعتاد الطبيعيون الأولون من فلاسفة الإغريق أن يفسروا كل الظاهر بالعناصر الطبيعية وأن يشرحوا كل الموجودات بما يتخللها من أسرار العدد. لذلك مالوا إلى تعريف الجمال بعبارات تسودها ألفاظ الكم والكيف وإشارات تدل على المكان. فالموسيقى انتظام الأصوات والجمال انتظام في نسب التشكيل والتجسيم.
ومن هنا فليس العمل الفني مجرد شيء مادي. القماشة المرسومة هي لغة سطور وألوان تمثل الشكل الدال للعم لفني. لكنها لغة ترفض التكرار حتى وإن كان مظهرها هندسية مشتركة من التساؤلات، والأشياء والمواد والتقنيات والتجارب أرضية مشتركة للإنسانية قد جمعها عالم الآثار الأمريكي «روبيرلري» في عبارة «اندفاع جمالي» يعتبر «أحد مقومات التي لا رجعة فيها للإنسانية».
ولقد طرح أفلاطون في محاورته المبكرة (هيبياس الأكبر) مشكلة الجمال... وانتهى سقراط في حواره إلى أن المسألة عويصة. ومن أجل أن يحل أفلاطون لغز الجمال ظل مشغولاً به طوال حياته يكاد يتردد في غالبية محاوراته، وانتهى إلى أن الحقيقة هي بعينها الجمال «الجمال وحده هو الذي أعطي هذا القسط من الوضوح عند الرؤية ولذلك كان أحب الأشياء».
إن الحقيقة كانت مختفية وعندما نفذ إليها الفنان وأظهر الجوهري في عمله الفني عرضها للضوء وظهرت جلية للعيان. ويفسر الفيلسوف الألماني المعاصر «هيدجر» هذا الموقف عند أفلاطون بقوله: «إن ماهية الجمال تكمن في أنه هو الظاهر أوالمتجلي بذاته ومن ذاته أشد ظهور وأنقاه، وأنه هو الذي يظهر المنظر وبذلك يكون لا متحجباً».
ويرى أفلاطون أن الجمال يتحقق بالحب، لقد تحدث أفلاطون عن وجود نوعين من الهوس أو الجنون، الهوس المؤدي إلى الاضطراب والذي يحطم ذات الإنسان، والهوس الذي يفتح ملكات الإنسان وهو ما يسميه الهوس الإلهي أو الشرارة التي تفجر الطاقات الإبداعية في النفس الإنسانية.
ويقول عنه أفلاطون: «إن أعظم النعم التي تأتي إلينا عن طريق الهوس عندما يكون هبة إلهية وهذا النوع من الهوس بدوره ينقسم إلى أربعة أنواع: هوس التنبؤ، وهوس التصوف، وهوس الشعر، والهوس الرابع هو هوس الحب، وهذا الأخير يصفه بأنه «خير أنواع الهوس» ويحدث عن رؤية الجمال الأرضي فيذكر من يراه بالجمال الحقيقي «وعندئذ يحس المرء بأجنحة تنبت فيه وتتعجل الطيران ولكنها لا تستطيع فتشرئب إلى أعلى كما يفعل الطائر، وتهمل الموجودات هذه الأرض حتى لتوصف بأن الهوس قد أصابها».
إن الحب والجمال يحركان النفس الإنسانية بما يحققان من إيقاع وتناغم كما يقول أفلاطون: «الإيقاع والتناغم يشقان طريقهما إلى أعماق النفس ويستحوذان استحواذاً قوياً عليها». ويجعل أفلاطون الجمال وسيلة لتهذيب الانفعالات. لقد تمكن أفلاطون من أن يجعل من هوس الجمال هوساً للحب، فالجمال ليس قاصراً على الفن بل هو عنصر تحرير النفس الإنسانية وباقتران الحب بالجمال تتصاعد إلى الجمال الحقيقي جمال الماهية والحقيقة.
ولم يقتصر أفلاطون على شرح الجمال الطبيعي والحقيقي ومحاولة العروج إليه، بل اهتم أيضاً بالجمال الفني، ورأى أنه هو الجمال المعبر عن حقيقة الأشياء، ذلك لأن الصورة الهندسية تعبر في رأيه عن الحقيقة المعقولة الثابتة لجميع الموجودات الطبيعية.
ولعل خير ما يمثل الفلسفة الأفلاطونية لخالدة في أيامنا هذه فن التصوير الحديث، فقد انصرف التجريديون عن تصوير الواقع المحسوس كما يبدو للإنسان العادي واتجه أصحاب المذهب التكعيبي بوجه خاص إلى الاستعانة بالأشكال الهندسية: المكعبات والحجوم والأسطوانات عند بيانهم لحقيقة العالم الطبيعي, كما تمثلوا قيم الجمال في تلك الخطوط والأشكال، فكانوا في رأيهم أقرب الناس إلى الروح الأفلاطونية التي أكدت ارتباط الجمال بالتعبير عن الحقيقة، ووحد الفلاسفة والنقاد الكلاسيكيون في أوروبا منذ القرن السابع عشر بين الجمال والحقن وعد الجمال الفني تجسيداً للحقيقة الفلسفية التي يمكن لجميع العقول الإنسانية استيعابها.
ومن هنا نجد أن الجمال وقد تمثل في فنون التصوير والعمارة قد سعى إلى تحقيق صفات الاتزان والتماثل الائتلاف ونجد كلا من أفلاطون وأرسطو يتأثران بهذه المبادئ التي التزمت بها فنون عصرهم، يقرران ان التوازن والقياس والتناسب هي عناصر الجمال والكمال في كل الموجودات.
ويقول أرسطو عبارته المشهورة في تعريفه الجمال «إنما يتحقق الجمال في النظام والحجم». وعلى الرغم من كثرة الاهتمام بالجمال والاستغراق في فهمه وتفسيره لم يستطع كثير من الفلاسفة والمفكرين قديماً وحديثاً تعريفه: فقد وجدنا فريقاً قال: لا أدري، وفريقاً آخر ألقى اللوم على الجمال عندما لم يجد تعريفاً له، وفريقاً ثالثاً أخذ الأشياء الجميلة دون تحديد لمفهوم الجمال.
فمن الذين قالوا لا ندري فرويد حيث يقول: «إن موضوع الجمال هو آخر ما يمكن ان تدلي فيه نظرية التحليل النفسي برأي بالرغم من أن نظرية التحليل النفسي تبحث في اللاشعور دعك من المدركات الحسية والمعنوية كالجمال».
وسيد قطب يقول: «إن نظريات الجمال لا تزال غامضة يصعب فيها التحديد والإيضاح». ومن الذين ألقوا اللوم على الجمال «بابير» حيث يقول: «القانون الأوحد للجمال أنه ليس للجمال قانون». ومن الذين أخذوا يصفون الأشياء بالجمال، ويتحدثون عن الجمال، وكأن الجمال شيء معلوم بالضرورة «سارتر» في حديثه عن «الموضوع الجمالي».
أما الذين عرفوا الجمال واختلفت إجاباتهم، فهم كثير نذكر منهم: أرسطو يعرفه بقوله: «الجمال في الكائن الحي والشيء المكون من أجواء يجيء من عدم التناهي في الكبر والتناهي في الصغر، بحيث تستطيع العين إدراكه، كذلك المساواة من حيث الحجم» كما يراه كل من أفلوطين وأوغسطين وتوما الأكويني في «دقة المحاكاة» أما شيلر وكروتشة فلاسفة الفن في العصر الحديث فيرونه في «القدرة على ترجمة ما في النفس».
أما كانط صاحب الفلسفة الترنسندنتالية فيقول: «الجمال حالة من الوجد تمتع دون غاية ودون مفهومات» كما ينتهي باحث معاصر إلى أن الجمال في نهاية التحليل هو «نماذج وتمايز بين عدة وحدات يربطها رابط أساسي» وأوضح ما يكون ذلك في المرئيات كالأشكال الهندسية التي نجدها في الزخارف العربية الإسلامية بالمساجد والقصور.
كما نجد عبد القاهر الجرجاني في حديثه على الجمال الأدبي يقول: «الكلمة لا تحسن أبداً ولا تقبح أبداً ولكن النظم هو المقياس» ونجد «بابير» يقول عن جمال العمل الفني: «كل عمل فني تعي من خلاله كيفية الجمالية الخاصة».
أما وينكمان Winkelmann (1717-1768 وليسينج Lessing (1729-1781) فسلما بمبادئ الإغريق القدماء في الجمال. وظل الجمال هيئة وصور يختص بالرخام المنحوت والمنقوش وبالمعابد التي تشيد على هضبة بعض التلال. وكان الجمال في نظرهما حلية لا توجد إلا ماثلة في أرجاء البارتنون وما في أنحائه من الحليات، فكان أكثر كلاسيكية من الإغريق ولا يرون الجمال إلا في محاكاة الفنون الإغريقية، وليسينج هو مؤلف كتاب اللاوكرون Laocoron الذي صار أهم كتب النقد والتصوير في فلسفة الجمال.
وظهرت عند كانط وشوبنهور نغمة جديدة، فالجمال صفة للشيء الذي يبعث اللذة في أنفسنا بصرف النظر عن منفعته أو فائدته، وهو الذي يحرك فينا ضرباً غير إرادي من التأمل ويشيع لوناً من السعادة الخالصة، ويكمن سر الجمال كما يقول شوبنهاور في هذا الإحساس الموضوعي البريء من الهوى. وفيه تكمن أيضاً العبقرية الفنية، ويتحرر العقل بعض الوقت من الرغبة فتتحقق تلك الصورة الخالدة أو المثل الأفلاطونية التي تكون المظاهر الخارجية للإرادة الكلية.
وحقيقة الفن كما تصورها شوبنهاور Schopenhauer مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمذهبه الفلسفي وبفكرته عن الفنون بمعزل عن صميم اعتقاده في الإرادة، فالعيان الجمالي أو المشاهدة الذوقية ليست سوى تمثل أو استحضار الصورة أو المثال بوساطة العقل الخالص لأنه في حالة العيان (الحدس) الجمالي يستحيل الشيء القاتم أمام الشخص إلى مثال نوعي دفعة واحدة كما يستحيل الشخص نفسه إلى ذات عارفة خالصة. وهكذا يتحقق للنفس الإنسانية طريقة للخلاص بالحيازة على اللذة الجمالية. وفي الفنون يمكن أن تتحقق للنفس عملية التأمل على وجهها الأمثل وأن يتحقق لها الخلاص المؤقت من الزمنية والرغبة، فالخلاص إذن بالفنون. وتتلخص مهمة الفن على هذا الوجه من التحرر من العبودية. عبودية الرغبة وقيود الإرادة عن طريق التأمل الجمالي.. فالجمال عنده على هذا الأساس هو الشكل الدال أو هو المثال المعطي إلى الإدراك الحسي في حدود الواقع. ولذلك استطاع شوبنهاور تعريف العمل الفني بأنه تعبير عن مدى فهمه وإدراكه للمثال.
وعلى كل حال نرى الجمال هو من القيم المطلقة، التي تند دائماً عن التحديد والحصر، ولذلك يأتي تعريف كل مفكر وفيلسوف بجانب وتغيب عنه كثيراً من الجوانب، وبالتالي يعبر كل إنسان على قدر ما يتجلى له ذلك الجمال، وعلى قدر ما تتسع له العبارة، فمن الملاحظ أن الجمال يدرك أولاً ثم يعلل على النقيض من الأشياء المادية العامة، وقديماً قال أفلاطون: «الروح هي التي تدرك الجمال أما الحواس فلا تدرك غير انعكاسات ظلال الجمال».
ويقول عبد القاهر الجرجاني: «اقرأ الشعر وراقب نفسك فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت فانظر إلى حركات الأريحة مما كانت وعندما ظهرت». ويقول كانط حديثاً: «إن إدراك العلاقات بين الأشياء وهو مظهر جمالها لا يحدث تفصيلاً وإنما يتم جملة».
وكما يذكر د. عز الدين إسماعيل «هنالك فرق بين رؤية الجمال لشيء وبين رؤية صفاته الجميلة، فالأولى تعني حصول عاطفة نحو الشيء، والثانية لا تعني ذلك، والأولى سابقة للثانية: ومن هنا «فالجمال يدرك ابتداءً، ولكن تعليله يأتي بعد تفكير» وفي هذا المعنى قال القاضي الجرجاني بعد أن ضرب مثلاً بالصورة «يحاجك بظاهر تحسه النواظر، وأنت تحيله على باطن تحصله الضمائر».
فإذا تساءلنا عن مصدر التأثير في الجمال، أو لماذا يؤثر الجمال في النفس البشرية، حتى إنه ربما يستأثر بانتباه الإنسان، فضلاً عن أنه قد يأخذه عن نفسه، فهذا قد يرجعه البعض إلى التحديد حيث إن الإنسان بطبعه يحب التحديد ويكره عدم التحديد، قال سانتايانا: «الجمال يقتضي التحديد».
أو أنه يعبر عن النظام، قال أرسطو: «إن الجمال يتركب من النظام في الأشياء الكثيرة». وقال كاسيرر: «الفن نظام وهو يعني بصورة غير مباشرة الجمال. وفي الجمال تنظيم لدوافع النفس وهيئتها الباطنة قال ريتشاردز: «الفن الجيد ينظم دوافعنا النفسية تنظيماً عالياً فنشعر بالارتياح والنشاط».
وعندما تتمزق الروح وينفصل العمل عن المتعة والذات عن الموضوع وتتفكك الوحدة والتناغم تكون هناك حاجة شديدة إلى الجمال، هكذا يرى «شيلر» في العصر الحديث مهمة الجمال، وهو يوسع من نطاق الدراسة الجمالية، فلا يجعلها قاصرة على دراسة الفن، بل يجعل من الجمال وسيلة لاستعادة الوحدة المفقودة.
فإذا كان عالم الطبيعة محكوماً بالإرغام والقانون والضرورة، وعالم الروح محكوماً بالواجب الأخلاقي، فالجمال هو الحرية دون خروج على القانون، الجمال عند شيلر وسيلة إنقاذ ولذلك يقول: «يجب أن يستعيد الإنسان نفسه من جديد في كل لحظة عن طريق الحياة الجميلة» ويجب أن نعي دائماً وكما أدرك ذلك أحد فلاسفة الفن هو «أدورنو» أن الاستيطيقا المتحررة من القيم لا معنى لها، وأن فهم الأعمال الفنية يعني «إدراك لحظة منطقيتها وعكسها، وكذلك ثغراتها ومعانيها»، أما علم الجمال وتعريفه، وتحديد موضوعاته، فسنجد فيه اتجاهات مختلفة، تتحدد بحسب المذهب أو الاتجاه.
وسنجد تعريفات المفكرين لعلم الجمال محصورة في أربعة اتجاهات كما ذكرها أحد الباحثين:
اتجاه يجعل علم الجمال مجرد دراسة للمفاهيم والمصطلحات الجمالية، فيكون هناك تحليل لمعاني الشكل والمضمون والنمط والذوق، وفي هذا الصدد يقول عالم الجمال الفرنسي المعاصر «فلدمان» في كتابه «علم الجمال الفرنسي المعاصر»: علم الجمال هو بحث في أحكام الناس الجمالية» ويقصره «لالاند» في معجمه الفلسفي على دراسة موضوع حكم التقدير والذوق.
اتجاه يجعل علم الجمال دراسة للصور الفنية، وفي هذا يقول عالم الجمال الفرنسي المعاصر «سوريو»: إن غاية علم الجمال هي الوقوف على المقولات الأساسية أو المبادئ الصورية الجوهرية الثابتة التي تنظم وفقاً لها شتى المظاهر الجمالية لهذا الكون المنظم».
وثمة اتجاه يربط كل هذه الاتجاهات بالإنسان حيث يرى أن الفن إنتاج إنساني والتذوق بعد إنساني والحكم حكم إنساني، والصور الفنية منتوجات إنسانية ويتمثل هذا بصفة خاصة عند هيجل.
وقد استوعب هيجل كل هذا في محاضراته التي ألقاها في الجامعة الألمانية ابتداءً من عام 1820م التي جمعت بعد وفاته بعنوان «محاضرات حول فلسفة الفن الجميل» وقال فيها إن علم الجمال هو فلسفة الفن الجميل، وبهذا جعل من مهام علم الجمال التمييز بين فنون الصنعة وفنون الجمال، وجعل علم الجمال فلسفة أي أدخل فيها المنظور الإنساني، وهو بهذا استبعد جمال الطبيعة أو بدقة أشد جعله منظوراً إنسانياً، وسار في هذا الاتجاه المفكر المعاصر «أوزبورن» في كتابه «نظرية الجمال» وعلم الجمال والنقد حيث اعتبر علم الجمال فرعاً من فلسفة النقد.
ويؤكد أحد الباحثين أن هناك تيارين رئيسيين على مدى تاريخ علم الجمال: تيار يدرس المشكلات الجمالية معزولة عن الإنسان، وتيار يدرسها في علاقتها بالإنسان وتاريخ علم الجمال هو تاريخ صراع بين هذين التيارين من أجل الوصول إلى أن يستحيل علم الجمال إلى علم الإنسان داخل نطاق ما هو جمالي وفني، ويجب أن ندرك مما سبق التلازم بين الجمال والفن، فلا تصور للجمال بلا فن، ولا تصور للفن بلا جمال، ويعتبر الفن نوعاً من الترجمة للجمال البادي في الطبيعة أو المتجلي في نفوس البشر، فالجمال هو الفن قبل أن يترجم، أو هو فن بالقوة، والفن هو الجمال بعد أن ترجم، أو هو الجمال بالفعل كما يقول المناطقة، والفنان هو الوسيط بين الاثنين أعني الجمال والفن، ومن هنا فالتلازم بين كلمة فن وكلمة جمال، هو الذي يجعل كلمة «فن» تتداخل في الاستخدام مع كلمة «جمال» كثيراً عن طريق المجاز حيناً وعن طريق التجاوز عن الدقة حيناً آخر، وإذا كانت الاستيطيقا هي علم الجميل، فالفن معرفة، لكنه ليس موضوعات يقول كانط، «ليس هناك علم جمال، لكن فقط نقد للجميل».
وقد قرر «شفتسبري» (1671-1713) وجود حس باطن قوامه محبة الجمال، وهذا الحس يدرك الجمال إدراكاً بديهياً، كما يدرك البصر الألوان في الأشياء أما «هتشسون» (1694-1747) فيقرر أن الحاسة الجمالية تتوسط القوة الحسية والقوة العقلية، وتدرك الوحدة في التنوع. وهذه الحاسّة تحدث اللذة التي نحصل عليها عندما نتأمل الفن. ويعتبر بعض الباحثين وهم في ذلك على حق- أن الجمال أشمل من الفن، فالصلة الجمالية حقيقة من حقائق الوجود البشري عامة، تتبدى ماهيتها ونتائجها في كيفية تعامل تنشأ بين البشر وعالمهم الطبيعي والاجتماعي. أما الفن فنشاط جمالي مخصوص، ينهض به الأفراد الفنانون، يتبدى الجمالي عناصر وخصائص وصفات في الظواهر والأحياء والأشياء، ويعمل الفني في دائرة هذه العناصر والخصائص والصفات لكن «تاريخ الفن» لا «يشخص» كل هذه العناصر والخصائص والصفات، كما أن (الأعمال الفنية) لا (تشكل) كل العناصر والخصائص والصفات الجمالية في واقع ما)
الجمالي كيفية تعامل أساسية مع الواقع، والفني يعتمد هذه الكيفية لكنه لا يستغرقها. الجمالي صلة أحد طرفيها البشر الأسوياء كافة، والفني نشاط مخصوص ينهض به أفراد فنانون. وعامة كان الفرد دائماً محاولة البشر أن يصوروا حقائق الوجود وانعكاسها في نفوسهم في صورة حياة روحية جميلة، وكان الفن لا يهدف إلى نقل صور الأشياء كما هي، أو خلق نسخ جديدة منها،بل كان همه هو تقديم مظاهر من الكون على نحو أكثر شفافية وأعمق دلالة مما يمكن أن يكون لها في واقع عامة الناس.
ويجب أن تدرك أن عالم الاستيطيقا لا ينبغي له النظر في أساليب الإنتاج الفني، بل ينصرف اهتمامه إلى البحث في التذوق الفني، وفي هذا تختلف فلسفة الجمال أو الاستيطيقا عن فلسفة الفن لأنها لا تتدخل في تفصيلات عمل الفنان، وإنما تبحث في الإحساس الفني أو الإحساس الجمالي عند الإنسان وعند الفنان ولذلك تؤكد الدكتورة أميرة مطر أن نظرية الفن بالنسبة لفلسفة الجمال هي بمثابة النظرية العلمية بالنسبة لفلسفة العلوم، وكذلك يمكن أن نعد تاريخ الفن بمثابة تاريخ الوعي الجمالي عند الإنسان، أما النظرية الاستطيقية فإنما هي الحليل الفلسفي لهذا الوعي.
والجمال فضلاً عن ذلك ظاهرة ندركها في الطبيعة، ولكن الجمال الطبيعي لا يكتسب قيمة استيطيقية إلا من خلال عين الفنان المدربة، فالجمال الذي ندركه في الطبيعة هو الجمال الذي يظهر للعين العادية، مثله مثل الحقيقة التي تظهر لنا في الإدراك العادي عن الموجودات الطبيعية، ولكن النظرة العلمية سرعان ما تغير من هذا الإدراك فتظهر لنا حقيقة أخرى تقوم على التفسير العلمي. ويتضح لنا أيضاً أن الفن هو وسيلة الإنسان للتعبير عن الجمال كما أن شرط تقدير الجمال هو الرجوع إلى القيم والمقاييس التي تهدف إلى تحديدها، وبعبارة أخرى أصبح البحث في الفن هو لب المشكلة في فلسفة الجمال.
إضافة إلى أن المبدعين الذين يريدون أن يكونوا واعين بفنهم ومصيرهم لم يعد بمستطاعهم تجنب قضية إسهام الفن في رفع الاستلاب عن الإنسان، خاصة في العصر الحديث، فوظيفة الفن أصبحت الآن حسب الرسام الكوبي مالطا قد تكون هي الكشف عن دلالته المتمردة.
ولقد ارتبط الجمال والبحث فيه قديماً بالميتافيزقيا، منذ تساءل أفلاطون قائلا: أيكون سبب جمال وردة هو شكلها ولونها؟ أم تكون الأشياء جميلة بفضل علة أخرى معقولة مثالية هي مثال الجمال؟
ولقد كان هذا السؤال هو نقطة البداية في الميتافيزيقا التي لا تحاول تفسير الأشياء بالرجوع إلى الأسباب والعلل والمشاهدة المحسوسة، وإنما تفسر الأشياء تفسيراً عقلياً كي تصل إلىالعلل البعيدة غير المباشرة، أو على حد قول الفلاسفة، كي تصل إلى العلل المعقولة بالفكر وحده الثابتة التي لا تتغير على مدى الأيام، ذلك لأن المعقول في الميتافيزيقا هو الثابت، وتفسير الشيء لا يتم تبعاً لهذه النظرة الميتافيزيقية ولا يكتمل بغير الوصول إلى مثل هذه العلة. من هنا نشأت في الفلسفة فكرة الجمال المطلق أو المثالي الذي لا يتغير بتغير الظروف والأحوال والذي لا يختلف باختلاف الزمان والمكان، والذي يكون علة لكل جمال مشاهد على الأرض وهو جمال مطلق أزلي سابق أيضاً على وجود الناس وعقولهم، ومنه تستمد كل الأشياء الجميلة جمالها، بل دون وجوده لا يمكن للإنسان أن يعرف ما هو الجميل، ولا يمكن له أيضاً أن يحكم بالجمال على أي شي من الأشياء التي يصفها بهذه الصفة.
ويقترب من هذا الموقف المثالي الميتافيزيقي من الجمال موقف آخر مثالي، يأخذ به كثير من الفلاسفة المتدينين والمتصوفة والروحانيين، أولئك الذين لا يقف إحساسهم بالجمال عند حد موجودات هذا العالم الواقعي المحسوس، وإنما يسمو ذوقهم وعاطفتهم إلى عالم مقدس إلهي يشع نوراً وبهاء، وفيه تتمثل كل القيم المفضلة، قيم الحق والخير والجمال.
وإزاء هذا الجمال الإلهي المنبثق عن الذات الإلهية، يتلاشى كل جمال أرضي، وقد يرى بعض الصوفية أن الصور الجميلة المحسوسة بالمشاهدة على الأرض، إنما تفيض عن جمال الذات الإلهية، فيستغرقون في تأمل هذه الصور الجزئية لا إعجاباً بها، بل لأنها تدل على جمال الحقيقة الإلهية وتشير إليها. وقد عبّر الصوفيون المسلمون عن هذه الأفكار، وحفل تراثهم الفكري والأدبي به، وتجلى واضحاً في الشعر الصوفي وغزلياته كما هو واضح في ديوان ابن الفارض، خاصة تائيته المشهورة، أو في أشعار محيي الدين بن عربي، الذي يمتلئ بصور من الحب الإلهي، وتدور أغلبها حول هذا الجمال المطلق الذي هو علة لكل حسن مقيد يتجلى في موجودات الطبيعة الظاهرة.
هذا فيما يتصل بفلسفة الجمال وتعريفه وتفسيره أما علم الجمال كعلم وكفلسفة جمالية لها استقلالها الذاتي بها كأي علم من العلوم فلم يظهر إلا على يد «باومجارتن» (1714-1762) الألماني الجنسية وأحد تلاميذ ليبنتس وفولف في القرن الثامن عشر عندما ظهر كتابه عن التأملات (1735) وأتبعه بكتاب ثان تحت اسم الاستيطيقا Aesthetics. ومن هنا يعتبر بعض الباحثين أن ما عرف من قبل لا يعدو أن يكون لمحات جمالية أو نظرات جمالية تدخل في إطار الفلسفات أو النسق العام.
ويمكن أن يقال من باب التجاوز إن الجمال ظهر كفلسفة أو كموضوع فلسفي عند اليونان ولم يتحول إلى علم مستقل قائم بذاته إلا على يد «باومجارتين» في القرن الثامن عشر. فاليونان أطلقوا أفكارهم الجمالية بدون أن تحاط هذه الأفكار بإطار من التخصص بين العلوم التي كانت تدرسها، وبدون أن تجعل علم الجمال فرعاً قائماً بذاته بين علوم الطبيعة والأخلاق وعلم النفس وعلم المنطق وعلم الميتافيزيقا وعلم السياسة وعلم اللغة. واكتفى الفلاسفة بإطلاق نظرياتهم الجمالية في إطار المناقشة أو في إطار الكلام العام في أبواب الفلسفة المختلفة كنسق عام شامل.
أما «باومجارتن» فقد حدد مجالات هذا العلم القائم بذاته وأظهر موضوعاته وكشف عن أصوله ومبادئه وسرد تاريخه وحدد اسمه في شكل محاولات سابقة وقسمه فروعاً وأبواباً، وهو ما لم يحدث من قبل لأن بعض السابقين أطلقوا رأيهم في الجمال دون أن يحددوا وسائل البحث العلمي في هذا العلم أو قواعد تحليل وتفسير المنظورات الجمالية. أما الجمال كعلم قائم بذاته وكعلم معروف بهذا الاسم فأول عهدنا به عند «باومجارتن» في منتصف القرن الثامن عشر.
وإذا وجدنا كثرة في النظريات الفلسفية التي تفسر الجمال عند كل فيلسوف ووجدنا اختلافاً بيننا بين الحضارات الإنسانية والعصور المتوالية، فهذا شيء طبيعي ناشئ من المنظور الذي يتبناه كل مفكر والتوجه الفلسفي الأساسي الذي يمثل جوهر كل فلسفة، وهي فلسفات تتعدد تبعاً لاختلاف العوامل الفكرية والحضارية المؤثرة في تكوين المذاهب الفلسفية.
وهذا ما نجده واضحاً مثلاً بين الاتجاه الأفلاطوني الذي يؤكد الأثر السيكولوجي الذاتي للجمال ويعول على المقياس الشخصي. ورغم كل ذلك فالإنسان ينتج الفن له ولغيره. ومن هنا تنجم مفارقة الفن التي هي مفارقة «التفرد-الكوني». وليس للعمل الفني من معنى إلا من خلال انتقاله عبر عملية التواصل، أي داخل الثقافة. كما أن العمل الفني غير معقول خارج المعايير والقيم الثقافية المادية والرمزية التي تشكل حياة وتطلعات المجتمع. غير معقول ليس في وجوده الفيزيقي الفردي- إذ إن هذا الأخير مسلم بإنّيته مسبقاً لكن في معانيه التي تستطيع أن تناسب أو تعارض أو تستبق حياة ورؤى المجتمع.
كما اختلف مفهوم الجمال من حضارة إلى أخرى، وعبرت الفنون المزدهرة في هذه الحضارات عن نماذج ومثل متباينة للجمال. فالإغريق القدماء مثلاً قد تمثلوا الجمال في الصورة الإنسانية، أما في العصر البيزنطي فقد تمثلوا نماذج الجمال وعبروا عنها في الصور التي تسمو على السمات الإنسانية وتعبر عن سمات الألوهية واتخذت الفنون لديهم طابع التجريد المنافي للحياة الواقعية.
والفن في الحضارة الإسلامية قد عبّر عن قيم جمالية مستمدة من الأشكال الهندسية والألوان، فكان تعبيراً عن روح جديدة وعقلية فلسفية لها طابعها الخاص على ما نرى في الفنون الإسلامية المختلفة.
وعلى سبيل المثال نجد الرسم كدال عالمي –كلغة- يختلف في مدلولاته من خلال زمنياته التاريخية وفضاءاته الاجتماعية. إن كلمة فن والممارسة الفنية في دلالاتها الغربية وتسلسلها النسبي وفي أشكالها الخارجية الأرسطية النهضة الأوروبية والهجلية والعصرية لا تنتج نفس العلامات كما هو الشأن في الأشكال الخارجية الجمالية المسماة «بدانية» (كالفن الزنجي، وفن جزر المحيطات، وفن الإسكيمو) أو الشرقية. ولذلك يؤكد أحد الباحثين أنه إذا ما لوحظت هناك قرابة على مستوى الشك، فذلك يعني أن الفنانين القبليين والشرقيين كالفنانين العصريين يشتغلون بطريقة مفهومية ورمزية. إنهم يجدون أنفسهم أمام نفس المشاكل ونفس إمكانيات الحل.
ولذلك فإن البرهان على كون الفنانين القبليين وجدوا حلاً لمشاكل جمالية يوجد في الأشياء ذاتها. ويدقق «وليام روبان» بقوله: «لكن الحلول العبقرية في الفون التشكيلية ترجع دائماً وقبل كل شيء إلى الغريزة: وفي استقلال عن الخطابات التي يستطيع الفنانون أنفسهم تشييدها يقول «وليام روبان»: بصددها مباشرة بعد الإنجاز أو ما ينسجه فنانون آخرون أو نقاد أو مؤرخو الفن في الخطابات.
ولئن رجعت الحضارة الغربية الحديثة –كما تذكر باحثة معاصرة في علم الجمال إلى مثل الجمال اليوناني الكلاسيكي في عصر النهضة» وما زالت متأثرة به إلى اليوم» إلا أننا نجد في اتجاهات الفن المعاصر تعبيراً عن فلسفة جمالية لها طابعها الخاص الذي يكاد يجمع عليه أصحاب الاتجاهات الحديثة في الفن، وإن اختلفوا فيما بينهم.
ولعل المثل الأعلى الذي تتجه إليه فنون اليوم كما يقول المؤرخ الإنجليزي «هربرت ريد» هو أن تبلغ مستوى الموسيقى على حد تعبير «شوبنهور» أي أن تصل إلى ما في الموسيقى من جمال لا يصدر إلا عن القيم الفنية الخالصة.
فالموسيقى هي أكبر الفنون تجرداً عن الأهداف العملية لأن وسيلتها في التأثير على النفس الإنسانية لا تخدم أغراضاً خارجة عن نطاق الفن. فليس شأنها مثلاً شأن فن العمارة الذي يستخدم البناء ويفيد في تحقيق أغراض أخرى غير مجرد إحداث البهجة الجمالية. كذلك الحال بالنسبة للكلمة وسيلة الشعر التي قد تستخدم في غرض آخر غير مجرد خلق الصور الفنية، وكذلك الحال فيما يتعلق بالتصوير حين يكون موجهاً إلى تحقيق منفعة أو نقل معلومات معينة.
فالفنون الحديثة على أنواعها كافة تتجه اليوم إلى تحقيق القيم الفنية بخلق الصور الفنية التي تنظم الكيفيات الحسية من أصوات وأشكال وألوان تنظيماً ترتاح له النفس ويراه الذوق الإنساني عند إعجابه بآثار الفنون الجميلة.
وتتضح هذه النظرة الحديثة في فنون النحت والتصوير المعاصرة التي أصبحت في بعض الاتجاهات لغة من الخطوط والأشكال والألوان تخاطب ذوق الإنسان أكثر منها نقلاً وتصويراً لحقيقة خارجية.
وقد اتضح لنا بعد دراسة وتأمل أن هذا النوع من التجريد في الفنون الغربية الحديثة يختلف اختلافاً جذرياً عن ذلك التجريد الذي نجده سائداً في كثير من الفنون العربية الإسلامية، والذي يعبر عن قيم جمالية وروحية أصيلة، وخاصة ذلك التجريد المتمثل في الخط العربي والأرابسك والفنون الزخرفية عامة، مع التأكيد على أن اركيولوجية الفن العربي والإسلامي لا زال ينبغي الخوض فيها ثانية وإعادة تفسيرها فلسفياً أو تأويلها بوسائل التاريخ وتاريخ الفن والاستيطيقا.
ذلك أن التحليل الجمالي للأعمال التي تركها المسلمون وما أكثرها في شتى ميادين الفن هو الشرط الذي لا يمكن تجاوزه للترقي التاريخي بالفن العربي الإسلامي إلى المستوى العالمي وللترقي التاريخي والاجتماعي للفنان العربي المسلم.
وعامة فقد امتدت هذه الفلسفة الجمالية الحديثة إلى الفنون الأدبية، فلم تعد القيمة الفنية في الشعر أو القصة تقاس بمقياس خارجي، أو بالإشارة إل تحقيق غاية أخلاقية، أو هدف يخرج عن نطاق الفن، وإنما يحكم النقد الحديث على العمل ذاته من حيث اكتماله الفني وملاءمة التعبير للوسائل الفنية المستخدمة فيه.
ومن هنا تؤكد الدكتورة أميرة مطر أن المقياس الوحيد الذي يمكن أن يسأل الفنان عنه هو أن يعبر عن ذاته أي أن يكون متسقاً في باطنه. كذلك يتضح أن الفن على اختلاف مراحله التاريخية وتباين اتجاهاته ينحو إلى إرضاء حاسة الجمال في الإنسان. وهذه الحاسة ليست محدودة بمثال واحد للجمال، وإنما لهذا الإحساس مقاييسه المتغيرة، كما أن للذوق الإنساني مقوماته المتنوعة.



http://www.ju.edu.jo/old_publication/cultural%2070/cultural/cultural/jamal.htm

 

(0) تعليقات
2010-05-06

yyy





الطيـب تيزينـي:
صفحـة هامـة طويـت
خبر رحيل الجابري شكّل لي فعلاً صدمة كبيرة وعميقة. أتذكر الآن علاقتنا الأولى التي تكونت في تونس ضمن مؤتمر شاركنا فيه معاً، وقد نشأت بيننا علاقة جيدة ما فتئت أن انتهت بعد فترة قصيرة، وتبين لي أن الرجل ربما له خصومة ما، فلم يحتمل للأسف، وأنا أكن له كل الاحترام، رأياً آخر قدمتُه بعد مداخلة له، هذا الرأي تابعه وأثنى عليه مفكرون آخرون، فتأثر سلبياً، ولاحظت أن علاقتنا التي ولدت قبل ثلاث ساعات سرعان ما انتهت. لكن العلاقة الفكرية ظلت قائمة وشكلت حافزاً لي في الكتابة في المسائل التي اشتغل عليها.
هو مفكر كبير أثرى الفكر العربي، إيجاباً وسلباً، كان حافزاً لي ولغيري في التوغل في القضايا التي طرحها، وكنت طرفاً في طرحها. وبهذا المعنى أشعر أن صفحة هامة من الفكر العربي طويت، أو لعلها نشأت مجدداً لتبقى حافزاً في الفكر العربي.
أشعر الآن أن مكاناً هاماً قد فرغ بوفاة الأستاذ الجابري. لقد اشتغل وأثار مسائل كبرى، نبقى دائماً مدعووين للبحث فيها. وإذا كان لمن اجتهد فأصاب أجران، ولمن اجتهد فأخطأ أجر، فإن للرجل أجرين بل أكثر، فقد اجتهد فقدم أشياء هامة، قسم منها كان جديداً على الفكر العربي، وتأثره بالفكر الأوروبي أمدّه بكثير من القضايا الهامة التي تناولها.
أشعر بأسى عميق بوفاته، مع أننا لن نتركه درساً وتعميقاً وبحثاً، وما علينا أن ننجزه سننجزه مضاعفاً، والأستاذ الجابري اشتغل بطاقة كبيرة وبجهد بحيث أنه دخل في معظم حياة المثقفين والمفكرين العرب، ومهمتهم الآن تكمن في المتابعة، بكل أنواع المتابعة، وبهذا نكون قد حققنا شيئاً من الأمانة في متابعته، وأنا معنيّ بمتابعة ما كتبه، فقد كان في الكثير مما كتب يتوجه إلي بشكل أو بآخر، وكنت أفعل الشيء ذاته، لذلك أنا معني بوفاته بالمعنى الإيجابي، فأنا أكن له كل الاحترام والمودة.
سأتابع الدرب في مزيد من البحث، وهذا يجب أن يكون حافزاً للمثقفين العرب في التأسيس لعلاقات جديدة بينهم.
أعبر عن أسفي وعمق ألمي بوفاة الأستاذ الجابري.

علــي حــرب:
حقبة جديدة في الفكر الفلسفي
في تحية الدكتور محمد عابد الجابري، وقد رحل البارحة، يسعني القول معه بدأت مرحلة أو موجة جديدة في الفكر الفلسفي بالعالم العربي، من محطاتها البارزة انفجار المشاريع النقدية، وكما تمثل ذلك، بنوع خاص، في رباعية الجابري حول «نقد العقل العربي».
هذه الرباعية قرئت على نطاق واسع، مع بقية أعمال الرجل، ليس فقط من جانب المختصين وطلاب الفلسفة، بل لدى عموم المثقفين، وربما تعدت ذلك إلى عموم القراء.
من أسباب ذلك تشكل نمط مختلف من العمل الفلسفي مع أصحاب الموجة الحداثية الجديدة، جعلهم يخرجون من معاقلهم الأكاديمية وعلى مدرسيتهم الجامدة، ليتناولوا قضايا حية وراهنة، أو يومية ومصيرية. معهم لم تعد الفلسفة مجرد لغة مجردة أو مقولة منطقية أو أطروحة متماسكة، وإنما تتعدى ذلك لكي تصبح تشكيلاً خطابياً ينتج المعنى، أو كتابة فلسفية تبنى بها الأقوال والأفكار، أو نصاً مفتوحاً هو مساحة للقراءة، على سبيل التفسير والتأويل أو التحليل والتوكيد، أو التجاوز وإعادة البناء والتركيب.
وكان ذلك شاهداً على تطور الفلسفة وازدهارها، عربياً، كما يشهد على ذلك رواج الأعمال وتكاثر الأعلام والأسماء. ولا مبالغة أن الجابري كان من أكثر الذين مارسوا حضورهم، وربما نجوميتهم، بين الفلاسفة والمفكرين، إلى جانب مشاهير الشعراء والكتاب، سواء بأعماله، أو بندواته وحواراته، أو بكتابته في الصحافة اليومية، فضلاً عن المجلات الدورية التي كان له الفضل في تأسيس واحدة منها «فكر ونقد».
قرأت الجابري وكتبت عن أعماله قبل التعرف إليه. وقد التقيت به في بيروت لأول مرة، في مطلع التسعينيات من العقد المنصرم، ثم كانت لنا لقاءات في الندوات والمؤتمرات الفكرية. وكانت علاقتي به ودية، لأن نقدي له، وعلى سبيل الاعتراض والمخالفة، قد بني على الاعتراف بمنجزه وأثره.
أسفت لموت الدكتور الجابري المفاجئ. ومع أني كنت سمعت مؤخراً عن مرضه، إلا أنني لم أكن أحسب أنه سيرحل عن عالمنا بهذه السرعة.
وبعد غيابه، سوف يبقى يمارس حضوره، عبر أعماله، التي ننشغل بها أو نشتغل عليها، سواء كنا نتفق معه أو لا نتفق. وكذا شأن الفيلسوف. إنه لا يقبض على الحقيقة، بل يفتح إمكانات للتفكير نمارس عبرها حيويتنا، فنختلف عنه ونتغير عما نحن عليه، باجتراح معان جديدة، لحياتنا وتجاربنا.

ياسـين الحـاج صالـح:
نقلـــة قيّمـــة
بعد كتابين عن قضايا التعليم في الغرب وعن فلسفة العلوم المعاصرة، دخل محمد عابد الجابري عالم التراث العربي الإسلامي ولم يخرج منه. انتهى إلى مواقف أقل نقدية وأكثر تصالحاً مع التقليد مما بدأ، لكنه كان مثقفاً مرموقاً وملتزماً، وواضح الأسلوب.
نال الجابري شهرة عربية سريعة في مطلع عقد الثمانينيات مع صعود الطلب على الدراسات التراثية على خلفية أزمة الفكرة القومية العربية وصعود الحركات الإسلامية. وقدم كتباً قرئت على نطاق واسع، بخاصة «نقد العقل العربي» (1984)، و«العقل السياسي العربي» (1990)، و«العقل الأخلاقي العربي» (2001). فضلاً عن تآليف أخرى كان آخرها ثلاثة مجلدات عن القرآن وتفسيره. إلى ذلك كتب الجابري عن مسألة الديموقراطية وتحمس لها، ورأى أنها والعقلانية تغنيان عن العلمانية.
نظريته عن الحداثة عبر التراث، أو عن وجوب الانتظام في تراث من أجل الحداثة والعقلانية تبدو اليوم أقل جاذبية، هذا لسبب عام تشاركها فيه كل الدراسات التراثية: وضع الاجتماعي والسياسي بين قوسين، وافتراض المجتمعات ثقافات أو هويات؛ ولسبب خاص يتمثل في أن الجابري قلما ميز بين التراث كمعارف ومعان وأفكار ولدت في الماضي وبين التراث كتقليد ممارس وحي. تفكيره يفترض استمرارية تاريخية متجانسة لم يبرهن عمله عليها.
في كتبه، الجابري عروبي، ومرسى عروبته هو الإسلام. عروبته دفعته إلى موقف متحفظ وربما غير منصف حيال المؤثرات الفارسية في الثقافة الإسلامية العربية. ولقد قال يوماً في ثمانينيات القرن الماضي إن نقد الدين لا يزال متعذراً في الإطار العربي الإسلامي. ويبدو أنه محق، إن حكمنا استناداً إلى المتحقق الفكري في هذا المجال.
الآن، وقد انضم عمل محمد عابد الجابري إلى «التراث» الذي كرس له عمره الناضج كله، كيف سيُنظر إليه في المستقبل؟ ليس من السهل تقدير ذلك. للأعمال الفكرية مصير غير متوقع. لكننا نرجح أن تعتبر نقلة قيمة في تاريخ حركة النهضة الثقافية العربية.

الطاهــر لبيــب:
مرحلــة التأســيس
غاب سي محمد، تاركاً جــيلاً يتآكل، ترك خوفاً من فراغ يتسع. كان علمنا الجمع بين المعرفــة والتــواضع والتعــلق بالأمــل بغد يأتـي. كان من أوائل من حول النــص إلى «خطــاب» واقــترح بنية للعـقل العربــي فخـط مســارب جديــدة أخذتــه، نهــاية المطـاف، إلــى القــرآن.
وسي محمد الخلدوني الأصل كان أيضاً من أكثر المغاربة حرصاً وتأثيراً في الربط المعرفي بين المشرق والمغرب. ولقد تنين اليوم ان تأثيره يتجاوز طلابه إلى فضاءات عربية بعيدة، منها ما لم يكن منتظراً وصول عقلانيته إليها.
لا يتسع التأبين لأفكــاره. لا يتسع لأكثر من حسرة قوته بفقدان أســتاذ مفكّر ساهم في التأسيس لمرحلة لا ندري ما يصنع بها وبه الزمن العربي.

أحمــد برقــاوي:
نمـوذج لمفكـري التـراث
عندما يغيّب الموت مفكراً فإن الحياة تخسر من يضيف إليها جديداً دون النظر إلى موقفك من هذا الجديد، فإذا الحياة خاسرة بموت المفكر، بموت الشاعر، بموت الرسام، بموت المبدع بعامة.
والجابري واحد من المفكرين الذين هجسوا بمشكلات الأمة على طريقة مفكري السبعينيات والثمانينيات، الذي راحوا يفتشون عن خلاص أرضي في تراث الماضي. هو بهذا المعنى مفكر أزمة شأنه شأن حسين مروة والطيب تيزيني وحسن حنفي ومحمد عمارة، وما شابه ذلك.
وعبثاً كان يحاول أن يخرج من أزمته التي هي أزمة فكر لا أزمة شخص، فالكل يعلم أن هؤلاء التراثيين أرادوا أن يجعلوا من التراث حصاناً يجر العربة، بعضهم «مركسه» وبعضهم عقلنه وبعضهم بين بين، والكل يعلم أن جهد الجابري قد انصب على صياغة واكتشاف عقلية نقدية متكئة على عقلية فلسفية وشعرية، أو إن شئت قل على عقلية توهم أنها مغربية، مؤسساً صياغته هذه على نقد الخطاب العربي المعاصر، والحق أن كتابه «الخطاب العربي المعاصر»، الذي أراده دراسة تحليلية نقدية، وأراده قطيعة مع السائد من الأفكار، أراده نقداً للي