تعتبر الجمالية أو فلسفة الجمال هي القمة العليا الجامعة لعظمة العقل في التفكير الجمالي تجاه المرأة والحياة والطبيعة والكون. ورغم أهمية فلسفة الأخلاق والاجتماع والطبيعيات والماورائيات، إلا أن تركيزنا على الفلسفة الجمالية كونها تشغل المساحة الأكبر في عالم الشعر والشعراء. فهي البلاط الراقي والبلوغ السامق العالي الذي يتبارى فيه الشعراء. كما وأنها المنطلق القاعدي الذي ينظر منه الشاعر لما حوله من أشياء وظواهر وحوادث ووقائع الخ. ومن هنا فأن الشعراء كافة يتوزعون في مختلف المجالات والميادين الفكرية شأنهم في ذلك شأن رجال العلم والفلسفة. بيد أن توزيعهم يكون وفقاً لذلك البلاط السامق السالف الذكر. وهنا يكمن الائتلاق في وحدة الصف التفكيري، حيث أن صفة الشعراء لها اختلاف جذري عن الصفات الفلسفية الخالصة. لأننا إذا جعلنا الوحدة الشاملة للشعراء هي الفلسفة الجمالية، نرى حتى في هذا الخصوص لا يخضعون إلى منهج فلسفي ثابت، فكيف هو الحال عند التطرق إلى قضايا فلسفية أخرى، أقصد التفلسف بصورته الكلية.
هو ذا جورج سنتيانا (1863-1952) شاعر وفيلسوف وكاتب وروائي أميركي من أصل أسباني. فقد أخذ من ديمقريطس (460-370 ق.م) نظريته الذرية ومن أرسطو طاليس (384-322 ق.م) نظريته في الأخلاق، وترك تفسير ماهية المادة إلى العلماء، وتخطى المفهوم الديني، وما هو إلا عليه أن يبدي رأيه الفلسفي عبر رؤيته الشعرية. يقول في قصيدته: "لا ذماً ولا مدحاً" ما يلي:
الحب هو الله، ولا يسبر غوره
يجلب إليه الجمال الذي هو موهن الهوى.
كنت أحب، وفقدت عشقي بين البشر؛
ولكنني وجدته بعد أيام عدة.
أوه، الثقة بالله، تبعد اليأس والطيش،
أن اختلاق الشر، هو بحد ذاته لعنة!
عاد ملاكي، أكثر حزناً وجمالا،
وشاهد على حقيقة الحب الذي أكنه،
نشوة الطرب أكثر من اللازم لهذه الآية المقدسة،
في الإجابة على تجاوز صلاتي.
إلا أن فلسفة وشعرية سنتيانا هي إلحادية ومضطربة تجاه الله والروح والدين. ويقترب منه فردريك نيتشة ( 1844-1900) من حيث كونه شاعر وفيلسوف وملحد. ففي قصيدته: "الساحر" في كتابه": "هكذا تكلم زرادشت" يشير إلى الله بعبارة "الإله المجهول"، ويبدي نحوه مزيجاً من التحدي والحب قائلاً:
أضربني، جندلني، عذبني،
بكل عذاب الأبدية.
متيمُ بك أيها الصياد القاسي!
أنت الله – المجهول!
وهذا أبو العلاء المعري (973-1057) الذي جعل من عاهته الجسمانية تشاؤماً هو فيه ضعف تشاؤم شوبنهاور. وعدماً يضاهي به عدمية سارتر، فأتت فلسفته في الحياة والوجود مضطربة حيث يجعل الخالق معزولاً منفرداً على عرشه غير مجد للبشرية بشيء، وأن الإنسانية محصورة بين "عدمين" قبل الولادة وبعد الموت. وكل ذلك عكسه عبر رؤيته الشعرية التشاؤمية. ولكن رغم تشاؤمه بل وشكه إلا أنه يؤمن بالله الخالق. يقول المعري عن العدم:
في العدم كنا وحكم الله أوجدنا
ثم اتفقنا على ثانٍ من العَدَم ِ
وهذه الحقيقة العدمية عند المعري يوغل فيها حتى يجعلنا نخرج منها ثم نعود إليها:
نمرٌ سراعاً بين عدمين مالنا
لباثٌ كأنا عابرون على جسرٍ
أن كل شاعر من شرعه أن يتفلسف، إلا أننا نلاحظ من خلال الشعراء الذين تفلسفوا بأنهم قد سيروا الشعر على حساب الفلسفة كالذين سيروا الفلسفة على حساب الدين. أمثال الفارابي وتولستوي، أو الذين سيروا الدين على حساب الفلسفة أمثال الغزالي وتوما الأكويني. عموماً إن كان للشعراء أن يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم في موازين الشعر، فأن هذا الأمر لا يستقيم مع الفلسفة منهجاً ومبدءاً. إذ يجب عليهم أن يخضعوا إلى شرطية علومها، وهذا صعب التنفيذ، لأن مصدر الشعر هو القلب والشعور والإحساس والوجدان والعاطفة، وليس العقل الذي يدركها دونما أن يكون باعثاً لها.
هذه من جهة، ومن جهة ثانية أن الشاعر بحكم شاعريته يمتلك رقة مرهفة حيث يتأثر بأدنى شيء يلامس أو يثير جوانحه وسرعان ما يكتب قصيدة سرعان ما يأتي بغيرها عندما تجتاحة موجة تأثيرية جديدة. وهكذا دواليك ينتقل أو يطير الشاعر محلقاً من قصيدة إلى أخرى. وما أكثر التناقضات التي يسقط في فيلجتها وبالأخص عندما يفكر كفيلسوف.
أن الشاعر مهما أمتلك عقلاً عميقاً فأن قلبه يكون أعمق. أعني عندما يتفلسف بالجمال أو من خلاله، فأن نبضات قلبه وحرارة حسه هي التي تنفرد في تنظيم الموجات العقلية. وهذا ما يجعله يمتلك عالماً خيالياً خصباً. أما في الواقعية فأن ذات الشاعر تسيطر عليه العاطفية، وهذه لها جمالية تتدفق متواصلة بتلاحقها المحبب لدى الفؤاد. ورغم الفلسفة الجمالية عند الشعراء، فأن أفكارهم الشعرية لها صلة بالمذاهب التي يعتنقونها سواء كانت دينية أو فلسفية أو سياسية. فالمتنبي (915-965) مثلاً كان قرمطي المذهب. ومعروف ما للقرامطة من نزعة شديدة نحو القتال وسفك الدماء؛ وكيف أنهم من البحرين هاجموا العراق والشام ومصر والحجاز. وفي أحدى غزواتهم لمكة المكرمة جندلوا حتى المتعلقين بأستار الكعبة وملئوا زمزم بأجساد القتلى، وأخذوا الحجر الأسود قرابة العشرين سنة قبل أن يعيدوه. وعليه فأن قصائد المتنبي مهما كانت ترسم وتنحت في معالم الجمال، إلا أن معظمها يغمرها حد السيف وصهيل الخيل والطعن والمبارزة. يقول المتنبي في أحدى قصائده:
فتى الخيل قد بل النجيع نحورها
يطاعن في ظنك المقام عصيب
يعاف خيام الربط في غزواته
فما خيمة إلا غبار حروب
نعم إذا اعتنق الشاعر لمذهب ما، فأنه من الطبيعي أن يعكس فيه منظاراً جمالياً. أنها المنفذ الذي يصدح فيه ويرنو باعذب وأعمق ما يملك من مشاعر تلتهب نحو المذهب أو الفكرة التي يبتغيها. وبغض النظر عن سلبية أو ايجابية موقفه حيال ما يهدف إليه، فأن عبقريته الشعرية مهما عبرت عن فكر مذهبه ومهما كانت مكتملة، فأنها لن تكون مكتملة إن تعلقت في مذهب فلسفي. والسبب لأن الشاعر غالباً ما يميل إلى قواه الشاعرية النابعة من نبضات قلبه أكثر من عقله.
بمعنى آخر، أن للمنطق قواعد معينة وثابتة. فإذا أردنا أن نطبق أفكار الشاعر على هذه القواعد المنطقية نراها تكون غير مستقرة. بل أن الشاعر نفسه يشعر بأن قواعد المنطق ما هي إلا قيوداً له. وهذا الأمر طبيعي ومنطقي لأنه شاعر وليس فيلسوف. وبالتالي من الصعوبة أن ينقاد الشاعر ملتزماً تحت راية الفلسفة. وأن تفلسفه لا يعدو عن كونه لون من ألوان الفكر، وليس تفلسفاً خالصاً. وعليه فأن الشعراء الفلاسفة من المعري وفلسفته التشاؤمية إلى أبي تمام (796-843) الذي أصبحت لديه الفلسفة بديلاً لكل شيء وحتى في المرارة. فضلاً عن ياقوت الحموي (1178-1229) وفلسفته في الطبيعة. وكذلك بالنسبة إلى العالم الغربي سواء مع وليام بلاك (1757-1827) أو ت. س. إليوت (1888-1965) أو غيرهم. فأنهم لا ينتمون إلى المذاهب الفلسفية بصورة تامة وعلى جهة كلية. وذلك لقصورهم الفلسفي لا العقلي، لأن مرجعهم هو القلب مركز فؤادهم. إلا أن هذا لا يمنع من القول بأن تفلسفهم الشعري فيه ميزة. في 1934 كتب إليوت عن الزمن قائلاً:
زمن الحاضر والماضي
كلاهما ربما حاضراً في المستقبل
وزمن المستقبل شمل زمن الماضي
فإذا كان هذا الزمان هو أبدياً
فالزمن كله غير مسترد.
أن عالم الشعر ودنياه التي تحيى عبر الجمال، هي أهم وريد يطعم صيرورته. فالشاعر إن جردته من الجمالية ينتهي وتجف منابعه. فتصبح أقواله خالية من مغناطيسية الجذب ذات الإيقاع الموسيقي. أن الجمالية هي أقصى ما يمكن أن يصله الشاعر فلسفياً ويبدع فيها من أفكار ذهنية ومفردات لغوية. مثلما الفيلسوف الشاعر الذي أقصى حدوده في الشعر هي نظم الأبيات وفق قواعد الميزان اللغوي بطرح فكره الفلسفي لا الجمال الشعري. كما عند ابن سينا (980-1037) والغزالي (1058-1111) على سبيل الذكر. يقول أبن سينا في مطلع عينيته:
هبطت إليكَ من المحل الأرفعِ
ورقاء ذاتُ تعزَزٍ وتمَنعِ
محجوبةٌ عن كل مُقلةِ عارفٍ
وهي التي سَفَرت ولم تتبَرَقعِ
ولقد استخدم أبن سينا "الورقاء" وهي الحمامة تعبيراً عن النفس التي هبطت من السماء مرغمة لتحل بالجسد كسجن لها، بعدما كانت طليقة في عالمها العلوي، ولذلك هي تتوق للعودة. والمعنى بشكل عام يسير على منوال فكر أفلاطون رغم أن فلسفة أبن سينا على نهج أرسطو. وهذا ما حير ومازال معظم الباحثين والدارسين. على أي حال فأن القصيدة تعبر أيضاً عن فيلسوف يتقن الشعر. كما الشاعر الذي يتقن الفلسفة. وكل له حدوده التي ينتمي إليها وأن تعداها فهي للمزاوجة أو لإضافة لون فكري آخر لا أكثر.
عن المتوسط أونلاين
الرابط
http://www.mutawassetonline.com/index.php?option=com_content&view=article&id=939:2009-12-10-22-07-58&catid=7:2009-10-08-15-59-56&Itemid=7