عماد الدين الجبوري

كاتب عراقي




2010-04-19

yyy

ظهرت المعتزلة في العقود الأولى من تاريخ الإسلام كرد فعل للمشاكل السياسية في الصراع على خلافة المسلمين والتي وصلت ذروتها في معركة صفين بين الخليفة الشرعي الإمام علي بن أبي طالب (600-661) رضي الله عنه، والمناوئ له معاوية بن أبي سفيان (602-680). مما أدت إلى تكتل بعض المجاميع في حركات كالخوارج والشيعة والمرجئة والمعتزلة، حيث اتخذت كل منها موقفاً متبايناً حيال ذلك الصراع السياسي الدموي.

فالخوارج كانوا ضد علي ومعاوية. لآن الأول وافق على مبدأ التحكيم وخسر الخلافة بها، وهو الخليفة الشرعي. فكيف يجوز ذلك؟ ولماذا وافق أصلاً؟ أما الشيعة فكانوا من أشد أنصار الإمام علي حتى رأوا في خلافته حقاً سماوياً بالنص القرآني والتعيين الإلهي. بينما المرجئة فقد أرجأوا الأمر إلى الله لأنه هو وحده يعلم ما تخفي الصدور، طالما كان المتنازعون يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر. وبالنسبة للمعتزلة فقد فضلوا اعتزال هذا الصراع خشية الفتنة وتفرغوا للعبادة ولطلب العلم والمعرفة.



المعتزلة الأوائل



كان دور المعتزلة الأوائل من الناحية الفكرية هو زرع بذرة المعرفة العقلية في تكوين الفكر الإسلامي. وكانوا يتوزعون في ثلاثة مناطق رئيسة في البلدان العربية هي: الحجاز والعراق ومصر. ورغم أن مبدأ الاعتزال هو القاسم المشترك فيما بينهم، إلا أن لكل فئة طابعها.

1ـ الحجاز: ذكر المؤرخ النوبختي (القرن الثالث الهجري) في كتابه "فِرق الشيعة" حول الفرقة التي "اعتزلت" علي أبن أبي طالب وامتنعت عن محاربته أو الحرب معه قائلاً: "من الفِرق التي افترقت بعد ولاية علي فرقة اعتزلت مع سعد بن مالك وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وحمد بن مسلمة الأنصاري وزيد بن حارثة". ص 4.

وهؤلاء الرجال من الصحابة كانوا قد دخلوا في بيعة الإمام علي (رض). إلا أن موقفهم حيال القتال جعلهم يتخذون "الاعتزال" خشية من الفتنة. لاسيما وأن السنوات الأربعة من خلافة علي اشتدت فيها القتال والمعارك بين المسلمين أنفسهم. ولهذا تجد أن الأحنف بن قيس ينصح قومه قائلاً: "اعتزلوا الفتنة أصلح لكم".

2ـ العراق: أشار المطلي (-987) في كتابه "التنبيه" قائلاً: "عندما بايع الحسن بن علي عليه السلام معاوية وسلًم إليه الأمر، اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس، وذلك أنهم كانوا أصحاب عليَ، لزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة، فسموا بذلك معتزلة". ص29.

وهذه الطائفة كانت قي العراق وقد بايعت علي ولم تختلف معه حتى بعد خسارته في التحكيم.

3ـ مصر: جاء في تاريخ الطبري (-927)، أن سعد عامل مصر لعليَ كتب إليه يقول: "إن قِبلي رجالاً معتزلين قد سألوني أن أكف عنهم وأن أدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس فنرى ويُرى رأيُهم". ج1، ص244. ويخبرنا أيضاً بأن محمد بن أبي بكر الصديق عندما أرسله الإمام عليَ والياً على مصر فأنه بعد شهر من وصوله بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كان قيس قد وادَعهم فقال: يا هؤلاء إما أن تدخلوا في طاعتنا وإما أن تخرجوا من بلادنا. فبعثوا إليه: إنَا لا نفعل، دعنا حتى ننظر إلى ما تصير إليه أمورنا ولا تعجَل بحربنا.

وهناك نصوصاً أخرى على نفس المنوال في تناول الرعيل الأول من الاعتزال. ومذكورة عند أبن الأثير وأبي الفدا والنووي وغيرهم من العلماء والمؤرخين. وهي نصوص يصعب على الباحث تقصيها من الجانب الفكري إن لم يربطها بأقوال المعتزلة المتأخرين.



المعتزلة المتأخرين



كان المعتزلة في العصر الأموي عرضة للشك والريبة، فقد كانوا ينفون القدر. بينما الدولة الأموية تبنت مسألة القدر في تثبيت حكمها. وعليه فأن رموز علم الكلام أمثال: معبد الجُهني (-702) والجُعد بن درهم (-721) وغيلان الدمشقي (-743) وجهم بن صفوان (-745) ماتوا قتلاً بسبب أفكارهم العقلية. فهم - مثلاً- ينفون الصفات عن الذات الإلهية من رحمة وسمع وبصر الخ. لأن فيها تعددية تعارض وحدانية الله حسب تصورهم. والجهني على سبيل الذكر، كان من علماء البصرة أثناء فترة التحكيم بين الإمام عليَ ومنافسه معاوية. ولقد كلفه الناس بأن يتدخل بين الحكمين عمرو بن العاص وأبو موسى الشعري. إلا أن الأول عنفه، بينما الثاني وعده خيراً. عموماً فأن الجهني لم يؤمن لا بالقدر ولا بإضافة الخير والشر على القدر. لأن الله تعالى "حكيم عادل لا يجوز أن يُضاف إليه شر ولا ظلم". وأن الإنسان هو الفاعل للخير والشر. وهذه الأفكار قد أخذها الجهني من المسيحي أبو يونس الاسواري، ثم طرحها في مجلس الحسن البصري (642-728) فرفضه الأخير واعتبره "ضال مضل". إلا أن واصل بن عطاء (699-748) قد تقبلها وجاء بمبادئ مهمة أخرى جعلته مؤسساً لقواعد الاعتزال الرئيسة.

كان واصل بن عطاء في حلقة الحسن البصري الدراسية، ألا أنه انفصل عن أستاذه وأنشأ في نفس جامع البصرة حلقة جديدة يشرح فيها أصول الاعتزال الخمسة: التوحيد والعدل، المنزلة بين المنزلتين، الوعد والوعيد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقال الحسن: "أعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة".

صحيح أن عمرو بن عبيد (-766) قد عارضه في أول الأمر وبقى في حلقة البصري. إلا أنه بعد مناظرة بينه وبين واصل، تراجع عن موقفه، وانضم للاعتزال حتى أصبح الرجل الثاني فيها. وتزعم المدرسة البصرية قرابة العشرين سنة.

ورغم أن ابن عطاء قد صقل مسائل نفي الصفات الإلهية ونفي القدر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إلا أن مسألة المنزلة بين المنزلتين قد منحها اهتماما خاصاً. لأن حدة الجدال قد تصاعدت بين طرفين رئيسيين حول موقف أهل الكبائر. الأول ما قاله الخوارج في تكفير صاحب الكبيرة؛ والثاني ما قاله المرجئة في إيمانه. فأتخذ أبن عطاء منهجاً وسطياً بين الإيمان والكفر. إذ حسب رأيه أن الأعمال هي جزء من الإيمان، فإذا كان هناك إخلال في الأعمال اختل الإيمان أيضاً؛ فلم يعد صاحبه يصدق عليه أنه مؤمن أو كافر.

وهكذا شيد واصل بن عطاء طريقاً جديداً في علم الكلام، رغم عدم وجود إجماع من المسلمين حول مبدأ "المنزلة بين المنزلتين". وهذا ما دفع بأبي الحسن الأشعري (873-935) أن يرد عليه ويترك الاعتزال قائلاً: "فخرق واصل إجماع الأمة وقال أن مرتكب الكبيرة لا كافر ولا مؤمن". بيد أن هذا الموقف الوسطي لاقى في ما بعد قبولاً حسناً، كونه جاء كرد فعل تجاه موقف الخوارج المتشدد وموقف المرجئة المرن. كما وأن السلطة الأموية ومن ثم العباسية قد استغلت موقف المعتزلة في هذا الأمر استغلالاً سياسياً. حيث اعتبرت رد المعتزلة على الخوارج رداً فقهياً يساعد على دحض حركة الخوارج. وهكذا أنتشر المذهب المعتزلي لاسيما في العصر العباسي الثاني، حيث أصبح مذهب الدولة الرسمي. وأن الخليفة المأمون (813-833) نفسه كان معتزلي الفكر والعقيدة.

أن مسالة المنزلة بين المنزلتين هي أحدى مبادئ العدل عند الفكر المعتزلي. ولقد استخدمها واصل في الأمور والأحداث الحساسة والخطرة. منها رأيه في "معركة الجمل" حيث يقول بأن "مَثلُ علي ومن خالفه مثل المتلاعنين لا يدري؟ مَن الصادق منهما ومَن الكاذب". وهدف هذا القول هو تحفيز المسلم لمنح الأولوية إلى العقل في أطلاق الأحكام سواء أكانت دينية أو سياسية أو اجتماعية. لذلك كان عمرو بن عبيد يرد على من يتخذ بعض النصوص القرآنية مرجعاً في إثبات القدر قائلا: "لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أجبته، ولو سمعت عبد الله بن مسعود يقول هذا ما قبلته، ولو سمعت رسول الله يقول هذا لردته، ولو سمعت الله تعالى يقول هذا لقلت له ليس على هذا أخذت ميثاقنا".

الحقيقة أن موقف المعتزلة لم يكن فقط كرد فعل للخوارج والمرجئة. بل أيضاً لتنقية العقل الإسلامي من الحشو والإدغام العالق فيه. خصوصاً وأن أهل السلف الصالح تقبلوا هذا الحشو من الإسرائيليات وغيرها دون أي تمحيص وتدقيق. وبالتالي أصبح هذا الحشو يعارض العقل ويعيقه في عملية التفكير. العقل بالنسبة للمعتزلة هو المحك الوحيد في ضبط أية مسألة أو قضية أو مشكلة حتى لو كان ذلك في منهج السلف أنفسهم، كونهم قد تمسكوا بالظاهر من النصوص. وهكذا رفع المعتزلة شعار "العقل قبل النقل" في مباحثهم ومجادلاتهم الفكرية والكلامية. فالإنسان بمحض عقله يعرف الله ويميز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل دون أن يرجع إلى الشريعة. بل بالعقل يكون معرفة الشرائع، وبه يكون الحكم عليها. وهذا التقديس والتمجيد للعقل جعلهم أن يكونوا رواد النزعة العقلية في الإسلام. وهم الذين زجوا علم الكلام بالفلسفة فأصبحوا فلاسفة الإسلام الإلهيين. أن نزعتهم العقلية تجلت أيضاً في أصول الفقه. فقد أثبت فقهائهم المتفلسفين بأن العقل حاكماً شرعياً وصنفوا الأحكام الشرعية العملية وفق مبدأ أن الحسن والقبح عقليان.

معنى ذلك أن :الحسن عندهم حسن لا لأن الشرع قد أمر به بل لأن الحسن وصف ذاتي فيه، والقبيح ليس قبيحاً لأن الشرع قد نهى عنه، بل القبح وصف ذاتي فيه. فهم يقولون أن العقل إنما يُستدل به على حسن الأفعال وقبحها، على معنى أنه يجب على الله الثواب والثناء على الفعل الحسن، ويجب علبه الملام والعقاب على الفعل القبيح، ولا يسعه غير ذلك. والسبب في هذا أن الأفعال عندهم على صفة نفسية من الحسن والقبح، فإذا ورد الشرع بها كان مخبراً عنها لا مثبتاً لها. (نهاية الاقدام، ص371).

ورغم هذا التفاني بقدرات العقل، فأن أبي هذيل العلاف (753-840) يرى أنه يجب على المكلف أن يعرف الله بالدليل وليس بمحض العقل. فأن قصر في هذه المعرفة استوجب العقوبة أبداً. لأنه قادر على التمييز بين حسن الحسن وقبح القبيح. لذلك يجب عليه الإقدام على الحسن مثل الصدق والعدل والابتعاد عن القبيح مثل الكذب والجور وغير ذلك. لقد لعب العلاف دوراً كبيراً في إدخال الفلسفة على مسائل الفكر المعتزلي. لاسيما في نفي الصفات الإلهية وطبيعة الجسم الذي يتكون من الذرة.

أما إبراهيم النظَام (-843) فيرى بأن القدرة العقلية هي المسلك في تحصيل الإيمان والمعرفة. فالذي يتفكر قبل ورود السمع إذا كان عاقلاً متمكناً من النظر فيجب عليه تحصيل معرفة الله بالنظر والاستدلال. ونص على أن العقل يوجب ما في الأشياء من صلاح وفساد. فالعقل "يفعل هذا قبل أن ينزل الوحي". معنى هذا أن المعتزلة ترفض بشدة التقليد سواء كان مسموعاً أو مقروءاً أو متعارفاً عليه بين الناس. لذلك يقول النظَام بصراحة ناقدة: "أن دين الناس بالتقليد لا بالنظر والبحث والاستدلال". وهو هنا يرنو إلى إيقاظهم ولفت انتباههم على أهمية الإدراك العقلي.

وعلى هذا الأساس العقلي جابه النظَام كل الانحرافات والأباطيل العالقة في أذهان المجتمع الإسلامي. حيث يقدم الدليل العقلي والتفسير الواقعي لإثبات توهم الناس، منها مثلاً رؤية الجن. فحسب تصوره أن "أصل هذا الأمر وابتداؤه أن القوم لما نزلوا بلاد الوحش عملت فيهم الوحشة، ومن أنفرد وطال مقامه في البلاد والخلاء... والوحدة لا تقطع أيامهم إلا بالمنى وبالتفكير، والفكر ربما كان من أسباب الوحشة".

إلا أن النظَام كان شكاكاً لكثير من الروايات والأسانيد التي تعنى بالحديث الشريف. كما كان كثير الظن في عموم المسائل والقضايا. وهذا ما عاب عليه تلميذه الجاحظ (776-869) الذي نص بدوره على "المعرفة بالطبع". وهذا النوع من المعرفة يقلل من شأن الرُسل والأنبياء في توعية البشر وتعريفهم بالله. فالإنسان بطبعه أو وفقاً للمعارف الضرورية يعرف الله، الخير والشر، الحق والباطل الخ. مما دفع ببعض المعتزلة أن يردوا عليه، وعلى رأسهم أبو علي الجبائي وأبو القاسم البلخي.

أما شيخ معتزلة بغداد وهو بشر بن معتمر (-812) فقد أيد القول بأن معرفة الله تكون بمحض العقل. ويشير في ذلك قائلا: أن "المفكر قبل ورود السمع يعلم الباري تعالى بالنظر والاستدلال". ولقد سار على هذا النحو ثمامة بن أشرس (-818). لكنه يعتبر "أن المعارف كلها ضرورية" وأن كمال العقل هو شرط معرفة الله بغض النظر عن العمر. فالطفل حسب رأيه يجب أن بعرف الله بأرائه بالعقل قبل ورود الشرع إذا أكمل عقله، وأن قصر في تلك المعرفة كان كافراً مستحقاً للخلود في النار. لأن الله لا يكلف الإنسان حتى يتكامل عقله، ويكون مع تكامل عقله قوياً على اكتساب العلم بالله.

وهكذا أيضاً كان موقف "الجعفرين" جعفر بن حرب الثقفي (-856)، وجعفر بن مبشر الهمذاني (-885). حيث يؤكدان على "أن العقل يوجب معرفة الله تعالى بجميع أحكامه وصفاته قبل ورود الشرع". فأن قصر العقل بذلك ولم يعرف الله تعالى ويشكره، عاقبه عقوبة دائمة. واستناداً إلى هذا المبدأ أثبت الجعفران أن التخليد يكون واجباً بالعقل.

أن التخليد بالعقل وفقاً للمعارف الضرورية يعني أن المعارف المكتسبة من الدين حول تعريف الناس بوجود الله، تكون أدنى مستوى من العقل، كونه يقوم بهذه المعرفة بالضرورة ودون كسب.

وبعد الجعفران كان هناك الجبائيان وهما أبو علي الجبائي (-917)، وأبنه أبو هاشم الجبائي (-943). اللذان شددا بقوة على سلطة العقل من ناحية. وإلى أثبات شرع العقل إلى شرع النبوة من ناحية أخرى. ولهذا يقول الشهرستاني عنهما في كتابه "الملل والنحل" بأن كل من الأب والابن قد "اتفقا على أن المعرفة وشكر المنعم ومعرفة الحسن والقبيح واجبات عقلية. وأثبتا شريعة عقلية وردَا الشريعة النبوية إلى مقدرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل ولا يهتدي إليها فكر، وبمقتضى العقل والحكمة يجب على الحكيم ثواب المطيع وعقاب العاصي، إلا أن التأقيت والتخليد فيه يعرف بالسمع". ج1، ص81.

هؤلاء هم جهابذة المعتزلة ومذهبهم الفلسفي الذي عظموا فيه العقل أيما تعظيم. ولكن مهما ابتعدوا في بعض مواقفهم عن أصول الشريعة الدينية، فأن الفضل يعود إليهم بشكل كبير في أرساء أُسس التفكير العقلاني والتي مهدت السبيل لظهور فلاسفة مستقلين بنمط تفكيرهم ومنهجهم العقلي. وأولهم هو أبو أسحاق يعقوب الكندي (800-868)، الذي كان معتزلياً ثم أستقل بنظامه الفلسفي.



كاتب وأكاديمي عراقي


http://www.mutawassetonline.com/culter/3036-2010-04-15-23-02-38.html

 

(0) تعليقات
2010-02-05

yyy

الواقع إذا اعتبر الفارابي المعلم الثاني للفكر الإنساني بعد أرسطو. وأن الغزالي الوحيد الذي أمتاز بفلسفة شكية منهجية لم يرثها عن أحد قط. وأن أبن سينا وأبن رشد قد أثرا في العقلية الأوروبية بالعصر الوسيط. فأن أبن خلدون (732-808 ه/ 1332-1406 م) قد أسس علماً يبقى أبد الدهر.

لقد كان مفهوم التاريخ عند العرب وبقية الأمم الأخرى، عبارة عن مجاميع من الأخبار والحوادث سطرت عبر حقب زمنية، كما وأنهم يدونون دون أن يكون لهم تمحيص علمي في الأسباب والعلل والظواهر. وهكذا جاء أبن خلدون لكي يتناول التاريخ ليس كجعبة إخبارية منقولة التدوين، وإنما علم يستحق دراسته بكل جدية واهتمام. ومثلما جرد فلاسفة اليونان المعرفة من الأساطير والخزعبلات، فقد جرد أبن خلدون القوانين والنواميس العامة التي كانت تدخل جذراً رئيساً في سير التاريخ. وهذا ما لم يكن عند المؤرخين القدماء أمثال: هيرودوت (485-425؟ ق.م) الذي يعرف عنه بأنه "أبو التاريخ". ولا ثوكيديدس (460-400؟ ق.م) الذي يعد أعظم مؤرخي اليونان قاطبة. فضلاً عن كبار فلاسفتهم أفلاطون (427-347 ق.م) وأرسطو (348-322 ق.م).



أسباب الاكتشاف



يحق لنا أن نتساءل: كيف اكتشف أبن خلدون هذا العلم الجديد؟ وما هي الأسباب التي قادته إلى اكتشاف فلسفة التاريخ أو علم الاجتماع؟ الحقيقة علينا أولاً أن نوجز شخصية أبن خلدون قبل الولوج إلى فلسفته.

أولاً: كان أبن خلدون رجل سياسي النزعة، فقد تقلد مناصب عدة أعلاها شأناً هي "الحاجب" أي الوزير الأول أو رئيس الوزراء. وهذا يعني بأنه قد شارك معترك الحياة السياسية في الانقلابات والمؤامرات والدسائس، فتارة يكون مركوناً في السجن. وتارة أخرى في صدر الوزارة. بين خطورة الموت ومرارة الهروب، وبين قوة المواجهة وصلابة التحدي.

ثانياُ: نظراً لتعلقه بقيادة الحكم من مبدأ مفكر قدير. لذا فقد كان تعلق الأمراء والسلاطين به أكثر في تثبيت أركان الحكم. وهذه المزية ساعدت بأن تجعل من أبن خلدون متنقلاً في أقطار المغرب العربي الكبير والأندلس، قبل أن يستقر نهائياً في مصر. مما أتاح له أن يطلع على أحوال الناس كافة وفي مختلف البيئات والأماكن ويلم من الشؤون كثيراً.

ثالثاً: بناءً على النقطتين السالفتين لابد وأن يكون الوضع الفكري عند أبن خلدون من نمط آخر، خصوصاً وهو الضليع في علوم زمانه كافه العقلية والشرعية علاوة على سائر الفنون الحكمية والتعليمية. ومن خلال الواقعية السياسية والاجتماعية جعلته يأخذ بعين الاعتبار التجربة والأخبار اليقينية. ومن هنا فقد دحض أبن خلدون التفكير الماورائي ولم يأبه بالتركيز على العلوم العقلية الخالصة. وبما أن أسلوبه الفكري العام هو نقدي علمي. لذا فقد كانت نفرته على الفلسفة في المغرب العربي لا تقل أهمية عن حملة الغزالي في المشرق العربي. وإن كان لكل منهما بعض المغايرة.

رابعاً: رجاحة أبن خلدون الفذة في حدسه إلى الحكماء السالفين الذين قد يجوز أنهم كتبوا التاريخ من زاوية منهجية، ولكنهم لم يستوفوه علمياً. كما وأنه لم يطلع عليهم العرب حيث أن العلوم كثيرة والفلاسفة والمؤرخين متعددون.

وهكذا تمخضت عن ذهنية أبن خلدون اكتشافه لهذا العلم الذي أهمله السابقون، القدماء منهم والمعاصرون. فلم يكن هناك من رؤية علمية ولا منظور تحليلي للتاريخ.

يرى أبن خلدون في تشخيصه للتاريخ بأن "ظاهره" لا يزيد عن الأخبار الماضية للدول وغيرها. ولكن "في باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق". الجملة الأخير تدل على دقة الوعي العلمي عند أبن خلدون، وهو يقدم لنا تعريفاً علمياً صحيحاً للتاريخ.

هذا ويتطرق أبن خلدون إلى قضية المستقبل وكيفية التنبؤ به على أُسس علمية. فهو يركز أولاً على قضية السببية في البحث التاريخي. لأن معرفة السبب تكون ذات علاقة تساعد على معرفة المسبب. وعليه فأن استنباط المستقبل يتوجب أن يعود إلى الأسباب التي تتفاعل في الوقت الحاضر. وبذلك فأن المستقبل يمكن التنبؤ به استناداً إلى حوادث وأخبار الماضي مع وقتنا الحالي من خلال المنهج العلمي.

بلا شك أن مسألة التنبؤ العلمي الذي نادى بها أبن خلدون قد نمت ولاقت حقائق كثيرة، ومنها العلوم الطبيعية. فإذا ضربنا مثلاً بالفيزياء الذرية. فأن التنبؤ الذي وصل إليه العالم البريطاني بول ديراك (1902-1984) في عام 1928 عن وجود البوزترون، أثناء تطوره إلى النظرية النسبية عن الالكترون. فقد تم اكتشاف هذه الدقيقة الذرية لاحقاً على يد العالم الأميركي كارل اندرسون (1905-1991) في عام 1933، وذلك في الأشعة الكونية. ونفس الأمر مع العناصر الكيمياوية بالتنبؤ المستقبلي لها.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عقلية أبن خلدون المبدعة التي شاركت في تطوير الإنسان علماً وفكراً واجتماعاً.

عموماً فأن إدخال قانون السببية في التاريخ عند أبن خلدون ورفضه للماورائيات، جعلا من نهجه العلمي ذي ميزة ملحوظة. ذلك أنه لم يخضع التاريخ إلى نظرية مادية بحتة أو مثالية صرفة. لأن الماورائيات مستبعدة من التاريخ ولا تدخل فيه بشيء حسب المفهوم الخلدوني. فالتاريخ إنما يخضع إلى جملة من العوامل المادية والاقتصادية والدينية والفكرية وما شابه ذلك. وبالتالي فأن التاريخ هو علم استقرائي يمكن من خلاله التنبؤ بالمستقبل.

وغالباً ما يُفهم خطأً فلسفة أبن خلدون في هذه النقطة تحديداً. حيث يوصف بالدهرية. لأنه سحب بساط الثقة من الفلسفة التقليدية عند المسلمين وأتجه نحو الوقائع التجريبية والمشاهدة من التاريخ. ورغم انه يذكر بعض الآيات القرآنية ويستشهد بها على بعض الأمور. بيد أن البعض يعتبره تستراً منه خشية من اتهام المتعصبين قي عصره. والحق أن هذا الرأي سلبي المنطق ومجحف بحق أبن خلدون. كما وأن هذه الحالة مشابه في المعنى العام لما تعرض له المعري وأبن رشد. صحيح هنالك حسن نية فائضة عن حدها عند بعض المسلمين، حيث يخشون من خروج المسلم عن الخط العام للدين ولتعاليم الشرع. إلا أن تسويق مثل هذا الأمر وإبرازه من موقع الخلل، يظهر من خارج الاطار الإسلامي. سواء أكان ذلك بقصد سيء أو بسبب اضطراب التراجم التي تعطي صورة ليست دقيقة للناقد أو الباحث الأجنبي. من بينهم على سبيل الذكر أرنست رينان ومكسيم روبنسون. وبالتالي يؤدي هدفهم السلبي إلى عزل عباقرة العرب عن السياق العام للدين. على اعتبار أن إبداعهم لم يكن بسبب روحاني متعلق بالدين؛ وإنما في فلسفة يونانية الأصل. أي أن حقيقة الإبداع العقلي لا تكمن في ذهنية العربي بقدر ما هو محاكي للتفكير الفلسفي الدخيل عليه.



فلسفة التاريخ



نعود ونتناول فلسفة أبن خلدون الذي يعتبر أن الحدث التاريخي ليس وقعاً بسيطاً. بل ظاهرة معقدة يجب تناولها ودراستها بحذر وانتباه وعناية. حيث أن التاريخ علم بكيفيات الوقائع وأسبابه العميقة. فلو كان التاريخ ذاتي النهج عبر قوانين ونواميس ثابتة ومسيطرة عليه لأصبح في دوامة فارغة من معناها وبعيدة عن فحواها. فهو أذن علم يحتاج إلى تنظيم وقواعد أصولية تفضل فيلسوفنا أبن خلدون بوصفها وشرحها بشكل واضح. ويمكننا أن نوجزها كما يلي:

1- التاريخ ينقسم إلى ظاهر وباطن. الأول يخص سرد الأخبار المدونة للدول والأحداث السالفة في القرون الماضية. أما الثاني فيخص النظر والتحقيق والتعليل لتلك الأخبار الماضية. انه علم بكيفيات الوقائع ودراسة أسبابها مسألة ضرورية ومهمة.

2- التاريخ هو ترابط وتواصل وتداخل في الزمان والمكان لا ينتهي عند حد معين. فليست هنالك حوادث مفككة أو وقائع مستقلة عن بعضها الآخر.

3- المنهج العلمي الذي أتبعه أبن خلدون في دراسة التاريخ هو النقد والملاحظة والاستقصاء كي يزيل عن الأخبار الكذب أو المبالغة أو التزوير أو التحريف الخ.

ومن بين المؤرخين الذين نقدهم أبن خلدون هو المسعودي (-956) الذي نقل دون تمحيص علمي دقيق عما جاء في أخبار جيوش بني إسرائيل، بأن النبي موسى (ع) أحصاهم في التيه، بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح من أبن العشرين فما فوق، فكانوا 600,000 مقاتل. وهنا المسعودي حسب تحليل أبن خلدون قد كان:

أ- جاهل بطبائع الأحوال. حيث أن هذا الجيش الجرار لا يستطيع أن يتحرك بحرية قتالية داخل رقعة أرض التيه (صحراء سيناء).

ب- جاهل بطبيعة العمران. فالجيوش الكبيرة لها حاميات "تتسع لها وتقوم بوظائفها وتضيق عما فوقها. تشهد بذلك العوائد المعروفة والأحوال المألوفة".

ت- جاهل بالتواصل الزمني. حيث أن المدة الزمنية بين موسى ويعقوب عليهما السلام لا تزيد عن أربعة أجيال. فمن أين أتى هذا الحشد الجبار من الشباب والرجال.

وبما أن هذا لا يمكن تصديقه ولا تطبيقه في الزمن الحاضر. أذن فأنه لا يمكن أن يحصل في الزمن الماضي. وهذه من بين التقنيات في الحدس المعرفي عند أبن خلدون.



تقييم



رغم أن أبن خلدون في كتابه "المقدمة" قد وضع نظرية منهجية، إلا أنه لم يكترث في تطبيقها. فهو قد ذكر أغلاط المؤرخين في عدم تدقيق وفحص الخبر، نراه في كتابه "العِبر" قد سار على منوالهم فوقع في نفس الأغلاط. ومهما أردنا أن نبرر سبب موقفه هذا، فأنه لا يمكننا ان نعفيه من هذا التقصير الفاضح.

أن أبن خلدون السباق الأول في وضع نظرية علمية في فهم التاريخ. صحيح أن ثوكيديدس قد تناول حروب البيلوبونيز وقد كانت له نظرة عامة في تاريخ اليونان. إلا أنه لم يكن صاحب منهج علمي منظم ودقيق. علاوة على أن كتابه لم يترجم إلى العربية، وأن أبن خلدون لا يجيد غير لغته العربية. وبذلك فقد نال أبن خلدون وبكل جدارة لقب مؤسس فلسفة الحضارة أو التاريخ أو الاجتماع سمه ما شئت.

بيد أن اهتمام فيلسوفنا أبن خلدون بهذا العلم الجديد لم يظهر بعده عند فلاسفة ومؤرخين من أبناء قومه. ولعل السبب فيما نراه هو نقد أبن خلدون للفلسفة التقليدية عند المسلمين، خصوصاً في قصور وعجز العقل تجاه العلم الإلهي. وهذا يعكس أيضاً تأثر أبن خلدون بالإمام الغزالي الذي يذكره بكل تجل واحترام. هذا إن لم نشير إلى أن حضارة العرب بدأت تغيب عنها الشمس.

وهكذا أول من ظهر في أوروبا يتناول فلسفة التاريخ هو الإيطالي فيكو (1668-1744) في كتابه "العالم الجديد" الذي صدر عام 1725. أي بعد أكثر من ثلاثة قرون من كتاب أبن خلدون "المقدمة" عام 1377. ثم جاء الفرنسي مونتسكيو (1689-1755) في كتابه "روح القوانين" الذي صدر له عام 1748. ولقد كثر فلاسفة أوروبا في نظرياتهم المتعددة في مباحث التاريخ منهم: كانت وكومت وهيجل وغيرهم. إلا أن أبن خلدون يبقى هو طليعتهم الأول. أضف إلى ذلك أن معظم بحوث وكتابات هؤلاء الفلاسفة تنحصر في نطاق تطور الحضارة الإنسانية. بينما أبن خلدون كانت دراسته شاملة عامة للحضارة الإنسانية. ولهذا نجد شيخ المؤرخين في القرن العشرين أرنولد توينبي (1889-1975) يقول: "أن أبن خلدون قد أنتج أعظم كتاب من نوعه أبدعه إنسان في كل زمان ومكان". ثمة قول آخر يجب أن نذكره بحق أبن خلدون، أنه لم يكن دهرياً. ويقول هو عن نفسه عندما اكتشف هذا العلم الجديد: "ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما... والله يهدي بنوره من يشاء". وهي عبارات المؤمن بوجود وقدرة الله.

ويعلق المؤرخ ألبان ويدجري على هذا الأمر قائلاً: "ومن المرجح أن تكون هذه النظرة خاطئة". وانه أي أبن خلدون، كان يعني بسرد التاريخ في مساره الحقيقي حيث يتطور تحت عناية وحكم الله.



د. عماد الدين الجبوري، كاتب وأكاديمي عراقي

 

(0) تعليقات
2010-01-26

yyy

رغم أن العرب قد اكتشفوا علوم الفلك والرياضيات والهندسة، إلا أن الفلسفة والمنطق من العلوم العقلية الدخيلة على الذهن العربي. ومع ذلك فقد تفالوا معها تفاعلاً بارعاً، إذ من خلال دراستهم للفلسفة اليونانية والإفلاطونية المحدثة قد شيدوا صرحاً فلسفياً متميزاً بهويتهم العربية الإسلامية. حيث بتفاعلهم مع مناهج العقل النظري، أظهروا قدراتهم التأملية وإبداعاتهم الفكرية والفلسفية في البحث والاستقصاء عن الحقائق: الإلهية وما يتعلق بها من قضايا الماورائيات، والعقلية وما يتوجب لها من ترتيب النظريات، والواقعية وما تحمله من نظر في الأشياء والظواهر الطبيعية والكونية. وهكذا كان المعتزلة في نزعتهم العقلانية، والفارابي في تشعباته، وأبن سينا في طبه وفكره، والمعري في أسبقية تشاؤمه، والغزالي في شكه المنهجي، وأبن خلدون في اكتشافه الاجتماعي، وأبن رشد في نجاحه بين المادية والمثالية، وغيرهم من أفراد ومذاهب.

إلا أن الباحثين والمفكرين الغربيين يختلفون في تقييمهم للفلسفة العربية الإسلامية. حيث فيهم مَنْ يتنكر لها بدعوى إنها لم تكن فلسفة عربية بحتة. سواء بالرجوع إلى أصلها اليوناني، أو أن بعض الفلاسفة المسلمين من أصول غير عربية. وقلة قليلة من المثقفين الغربيين الذين يعترفون بدور وأهمية الفلسفة العربية التي حافظت على فلسفة أفلاطون وأرسطو وغيرهم، في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة في العصور الوسطى تُحرم أفكار ونظريات الفلاسفة اليونان.

ويعتبر المؤرخ والمستشرق الفرنسي أرنست رينان (1823-1892) أحد الرافضين بالقول على وجود فلسفة عربية. وذكر في كتابه "تاريخ اللغات السامية" تعبيرات صريحة حول هذا الخصوص، منها قوله: "من الخطأ وسء الدلالة بالألفاظ على المعاني أن يُطلق على لسفة اليونان المنقولة إلى العربية لفظ (فلسفة عربية)، من أنه لم يظهر لهذه الفلسفة في شبه جزيرة العرب مبادئ ولا ومقدمات. فكل ما في الأمر إنها مكتوبة بلغة عربية. ثم هي لم تزدهر إلا في النواحي النائية عن بلاد العرب مثل أسبانيا ومراكش وسمرقند، وكان معظم أهلها من غير الساميين".1

كما ويؤكد رينان هذا الحكم العنصري في كتابه "أبن رشد والرشدية" وفي أكثر من موضع. حيث ينص صراحة على أن: العرب لم تكن لهم فلسفة تخصهم، ولم يقدموا لها ذلك الشأن الكبير. وإنهم قد تلقوا الفلسفة اليونانية على ما فيها من مبادئ وأفكار معرفية وسلموا بها كما هي دون عناء جهدي. وسبب ذلك يعود حسب تصوره إلى أن "الجنس السامي" يمتاز بطابع الأديان السماوية التي طبعت فيه بشكل قوي مترسخ. مما لم يجعل له إبداع فلسفي خاص به. ومن هنا كانت الفلسفة اليونانية عند المسلمين مجرد اقتباس خارجي وحسب.2

رغم أن نظرة رينان السلبية والعنصرية تجاه الأعراق والقوميات الأخرى تنبع من مبدأ فكري، إلا أنها قد ساعدت أو شجعت فيما بعد بشكل مباشر أو غير مباشر على ظهور أفكار سياسية عنصرية ترتبط بالعرق الآري لاسيما في نازية هتلر. وكذلك إلى وجود بعض المجاميع الصغيرة داخل بلدان العالم الغربي التي تنتهج المبدأ العنصري تجاه الآخرين حتى يومنا هذا. ناهيك بالذكر على أن موقف رينان فيه إجحاف للعقل الإنساني عموماً، وتقصير غير مقبول تجاه العقل العربي خصوصاً.

أما الفيلسوف والمنطقي والرياضي الإنكليزي برتراند راسل (1872-1970)، فرغم إقراره بأن حضارة الإسلام قد اهتمت "بشتى الطُرق في الفنون وفي العلوم"، بيد أنه يحذو على منوال رينان في تقليل شأن الفلسفة العربية في التاريخ. حيث يقول:

"إن الفلسفة العربية ليست مهمة كفكرة أصلية. مفكرين أمثال أبن سينا وأبن رشد كانوا أساساً شُراح يتكلمون على وجه التعميم وحسب. وأن رؤيتهم كفلاسفة علميين جاءت من أرسطوطاليس والافلاطونية المحدثة في المنطق والماورائيات، ومن جالينوس في الطب، ومن اليونان والهند في أصول الرياضيات والفلك. أما فلسفة التصوف الدينية فهي أيضاً ممزوجة بالعقيدة الفارسية القديمة".3

وعندما يذكر راسل الفيلسوفين أبن سينا وأبن رشد، نجده يشير إلى أن "الأول من فارس والثاني من أسبانيا". وكأن عقل وتفكير وثقافة وكتابة أبن سينا لم تكن بالعربية لغةً ومنهجاً! وأيضاً كأن الأندلس التي حكمها وتواجد فيها العرب قرابة الثمانية قرون، يتعمد هنا راسل إلى تجاهلها عبر تبديله لمفردات الكلمات. علاوة على أن أبن سينا من بخارى، حيث ولد في قرية أفْشَنَه، وكان أبوه فارسي من بلدة بلخ. وإن أبن رشد عربي أندلسي بحكم المد الإسلامي الذي قاده العرب وقتذاك، ولم يكن من إسبانيا كإسباني.

أما الفيلسوف الإسباني جوليان مارياس (1914-2005) الذي أصدر كتابه "تاريخ الفلسفة" عام 1941، فقد أشار فيه عن الفلسفة العربية قائلاً: إن الفلاسفة "العرب، وخصوصاً أبن رشد، كانوا شُراح لأرسطوطاليس في العصور الوسطى. إن الفلسفة العربية هي أيضاً فلسفة دينية، وإن موضوعها الرئيسي هو التأويل العقلي إلى القرآن. وكذلك العلاقة ما بين الدين والفلسفة كما كان الأمر في العالم الغربي".4

صحيح إن أبن رشد بالقدر الذي أعتبر نفسه أكبر تلامذة أرسطو، وكتب شروحاً وملخصات كثيرة عن مؤلفات أرسطو في: ما بعد الطبيعة، النفس، المقولات وغيرها، إلا أنه قد وضع أيضاً مؤلفاته الفلسفية التي يطرح فيها رؤيته التي تخصه وتميزه عن أرسطو أو غيره. ومن أهم تلك المؤلفات: تهافت التهافت، فصل المقال، مناهج الأدلة. وكذلك بالنسبة إلى أبن سينا و الغزالي وغيرهم من الذين جاءوا بنظريات وآراء فلسفية من لبنة أفكارهم. وبالتالي من غير المنصف أن ننظر إلى شطر واحد من نتاجاتهم ونغفل عنهم الشطر الآخر!

الواقع إن الانتقاص من قيمة العقل العربي ناتج عن امرين، أما بسبب التعصب الأعمى الذي يؤدي بالباحث إلى نظرة مغلقة غير موضوعية، أو عدم وجود التراجم الصحيحة والدقيقة عن التراث الثقافي العربي الإسلامي. وبالتالي فإن أي معالجة أو تناول لهذا الأمر يكون غير كامل. خصوصاً وإن "بعض مؤرخي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عرضوا للحياة العقلية عند المسلمين دون أن يكون لهم إلمام بلغتهم أو دون أن تتوفر لديهم المصادر العربية الكافية"5. مما أدت بهم إلى أحكام ناقصة أعتمد عليها خلق كثير.

ولا نود في هذا الجانب أن نحصر القضية ضمن سلسلة الهجمات الموجه ضد العرب والتي تعود إلى ما قبل الإسلام. لكننا نؤكد بأن عصر النهضة العربية (1898-1939) قد ساعد إلى حد ما في نضوج العقل العربي الحديث في سعيه نحو التقدم من جهة، وإلى ظهور بعض الغربيين ذوي الاتجاه العلمي والموضوعي من جهة أخرى. حيث أدى هذا الوضع الجديد إلى تصحيح بعض الآراء والنظريات الخاطئة بحق العرب والتاريخ الحضاري البشري. وبذلك بدأت في النصف الثاني من القرن العشرين ترتفع أكثر روح التجريد في البحوث والدراسات الغربية بعقلية علمية متفتحة تهدف بالدرجة الأساس إلى الكشف عن الحقائق والتسليم بمدى قيمتها واهميتها في عملية تكوين الفكر الإنساني بشكل عام.

وهكذا نقرأ على سبيل الذكر لا الحصر في العمل المسهب والمتشعب الذي استغرق القس اليسوعي ومؤرخ الفلسفة الإنكليزي فرديريك كوبلستون (1904-1994) نحو ثلاثين سنة عن "تاريخ الفلسفة" ما بين (1946-1975) في تسعة مجلدات، ولقد جاء في الجزء الثاني الذي ضم الفلسفة العربية الإسلامية هذا الاعتراف الواضح والصريح: "كانت الفلسفة العربية أحدى القنوات الرئيسة التي بواسطتها كان أرسطوطاليس كامل التقديم إلى الغرب".6

أما الماركسي والفيلسوف البريطاني جون لويس (1889-1976) فقد استهل مقدمته الخاصة للطبعة العربية بهذا النص: "إن الفلسفة الغربية مدينة بدين لا يمكن أن يقدر للفلاسفة العرب الكبار، وخاصة أبن سينا وأبن رشد. ولعل في نقل كتابي "مدخل إلى الفلسفة" إلى العربية ما يشير إلى ذلك التقدير الكبير الذي نكنه، نحن معشر الغرب، لهؤلاء الاعلام، ولعل فيه قسطاً يسيراً من الوفاء بديننا لاولئك القوم الذين دفعوا بالفكر الغربي إلى الأمام".7

إن إزدياد توسع النظرة الموضوعية الغربية حيال الشعوب والحضارات الأخرى، بالقدر الذي تنم فيه عن رؤية حقيقية شاملة، فإنها تعني أيضاً التسليم بقدرة العقل الإنساني تجاه المسائل والمشاكل التي تخص الواقع البشري أجتماعياً وسياسياً وعقلياً الخ. ولذلك كتب الاساتذة في جامعة كاليفورنيا الأميركية ريتشارد بوبكين وأفروم سترول في مقدمة كتابهما "الفلسفة" بما يلي:

"أن الأسئلة حول الطبيعة، وهدف الحياة الإنسانية، وإمكانية تحقيق نظام سياسي مثالي، أو تحقيق المعرفة المطلقة تجاه العالم؛ فهذه المسائل هي في طوية العمل الفلسفي، وسوف تدوم طالما البشرية تستطيع أن تستعمل قدرتها العقلية في النظر لِما يحيط في حياتها البيئية والمكانية".8

هذا وإذا اقتبس العرب الفلسفة من اليونان، فالفكر ليس له حدود ولا يقف عند طرف معين من المعمورة. ولا يمكن لأية أمة من الأمم أن تبني وتكوَّن فكرها وتصله إلى مستوى حضاري إنساني إن لم تتطلع وتحتك بباقي الأمم وأفكارها الحضارية. وهكذا نجد اليونان التي أنفردت بالفلسفة، فإنها جاءت بعد تأثرها الملحوظ بحكمة وأفكار الشرق القديم في مصر والعراق والصين. ألم يشير راسل نفسه قائلاً: أن "التاريخ بالجملة، ليست فيه دهشة أو صعوبة تقدير نهضة الحضارة الفجائية في اليونان. أن الكثير من مسببات الحضارة كانت موجودة للآلاف السنين في مصر وسومر، ومن هناك انتشرت في البلدان المجاورة. لكن نقص عناصر اليقين استمرت لغاية قدوم اليونانيين"9.

ثمة أمر آخر نود أن نذكره هنا، إن السريان الذين درسوا الفلسفة اليونانية لفترة طويلة، وأسسوا لها المدارس وقاموا بالتراجم، فإنهم رغم ذلك لم يبرز فيهم فلاسفة أفذاد كالفارابي وأبن سينا وأبن رشد وغيرهم. ولا نعني بهذا انتقاص أو تقصير بحق جهودهم الفكرية ودروهم في تغذية العقل العربي بالفلسفة اليونانية، بقدر ما نعني مدى خصوصية كل أمة وثقل دورها الفكري حضارياً وإنسانياً.

وإذا كانت المحطات الفضائية قد جعلت العالم "قرية صغيرة"، فإن انتشار شبكة المعلومات العنكبوتية شرقاً وغرباً قد حصرت العالم في "غرفة صغيرة". والمطلوب اليوم من الباحثين العرب أن يرفدوا الباحثين الغربيين الموضوعيين بالمزيد عن الجوانب التي تخص الفلسفة العربية الإسلامية. واكتفي أن أورد في هذا الصدد ما كتبه ريك لويس رئيس تحرير مجلة "الفلسفة الآن" الإنكليزية، عن كتابي "تاريخ الفلسفة الإسلامية" حيث قال: "يؤسفني القول إنه حتى الآن فلاسفة مثل الكندي والغزالي هم أسماء فقط بالنسبة لي. وحان الوقت لقراءة شيئاً ما عن أفكارهم".10



د.عماد الدين الجبوري، كاتب وأكاديمي عراقي



المصادر



1- نقلاً عن: د. محمد عبد الرحمن مرحبا: من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامي، بيروت، 1970، ص 338.

2- أنظر: رينان "أبن رشد والرشدية"، ترجمة عادل زعيتر، القاهرة، 1957، ص 16-20.

B. Russell: ‘A History of Western Philosophy’، London، 1979، p. 420. -3

J. Marias: ‘History of Philosophy’، trans. S. Appelbaum & C. Strowbridge، New York، p.p. 153-54. -4

5- د. إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيق، القاهرة، 1947، ص 4.

F. Copleston: ‘A History of Philosophy’، London، 1976، Vol.، II، pt، IV، p. 186. -6

7- جون لويس: مدخل إلى الفلسفة، ترجمة أنور عبد الملك، دار الحقيقة، بيروت، 1978، ص 9.

R. H. Popkin & A. Stroll: ‘Philosophy’، Oxford، London، Boston، 1993، p. x.8 -

A History of Western Philosophy، p. 25. -9

I. M. N. Al-Jubouri: ‘History of Islamic Philosophy’، Bright Pen، England، cover page. -10

 

(0) تعليقات
2009-12-14

yyy

 

تعتبر الجمالية أو فلسفة الجمال هي القمة العليا الجامعة لعظمة العقل في التفكير الجمالي تجاه المرأة والحياة والطبيعة والكون. ورغم أهمية فلسفة الأخلاق والاجتماع والطبيعيات والماورائيات، إلا أن تركيزنا على الفلسفة الجمالية كونها تشغل المساحة الأكبر في عالم الشعر والشعراء. فهي البلاط الراقي والبلوغ السامق العالي الذي يتبارى فيه الشعراء. كما وأنها المنطلق القاعدي الذي ينظر منه الشاعر لما حوله من أشياء وظواهر وحوادث ووقائع الخ. ومن هنا فأن الشعراء كافة يتوزعون في مختلف المجالات والميادين الفكرية شأنهم في ذلك شأن رجال العلم والفلسفة. بيد أن توزيعهم يكون وفقاً لذلك البلاط السامق السالف الذكر. وهنا يكمن الائتلاق في وحدة الصف التفكيري، حيث أن صفة الشعراء لها اختلاف جذري عن الصفات الفلسفية الخالصة. لأننا إذا جعلنا الوحدة الشاملة للشعراء هي الفلسفة الجمالية، نرى حتى في هذا الخصوص لا يخضعون إلى منهج فلسفي ثابت، فكيف هو الحال عند التطرق إلى قضايا فلسفية أخرى، أقصد التفلسف بصورته الكلية.

هو ذا جورج سنتيانا (1863-1952) شاعر وفيلسوف وكاتب وروائي أميركي من أصل أسباني. فقد أخذ من ديمقريطس (460-370 ق.م) نظريته الذرية ومن أرسطو طاليس (384-322 ق.م) نظريته في الأخلاق، وترك تفسير ماهية المادة إلى العلماء، وتخطى المفهوم الديني، وما هو إلا عليه أن يبدي رأيه الفلسفي عبر رؤيته الشعرية. يقول في قصيدته: "لا ذماً ولا مدحاً" ما يلي:

الحب هو الله، ولا يسبر غوره

يجلب إليه الجمال الذي هو موهن الهوى.

كنت أحب، وفقدت عشقي بين البشر؛

ولكنني وجدته بعد أيام عدة.

أوه، الثقة بالله، تبعد اليأس والطيش،

أن اختلاق الشر، هو بحد ذاته لعنة!

عاد ملاكي، أكثر حزناً وجمالا،

وشاهد على حقيقة الحب الذي أكنه،

نشوة الطرب أكثر من اللازم لهذه الآية المقدسة،

في الإجابة على تجاوز صلاتي.

إلا أن فلسفة وشعرية سنتيانا هي إلحادية ومضطربة تجاه الله والروح والدين. ويقترب منه فردريك نيتشة ( 1844-1900) من حيث كونه شاعر وفيلسوف وملحد. ففي قصيدته: "الساحر" في كتابه": "هكذا تكلم زرادشت" يشير إلى الله بعبارة "الإله المجهول"، ويبدي نحوه مزيجاً من التحدي والحب قائلاً:

أضربني، جندلني، عذبني،

بكل عذاب الأبدية.

متيمُ بك أيها الصياد القاسي!

أنت الله – المجهول!

وهذا أبو العلاء المعري (973-1057) الذي جعل من عاهته الجسمانية تشاؤماً هو فيه ضعف تشاؤم شوبنهاور. وعدماً يضاهي به عدمية سارتر، فأتت فلسفته في الحياة والوجود مضطربة حيث يجعل الخالق معزولاً منفرداً على عرشه غير مجد للبشرية بشيء، وأن الإنسانية محصورة بين "عدمين" قبل الولادة وبعد الموت. وكل ذلك عكسه عبر رؤيته الشعرية التشاؤمية. ولكن رغم تشاؤمه بل وشكه إلا أنه يؤمن بالله الخالق. يقول المعري عن العدم:

في العدم كنا وحكم الله أوجدنا

ثم اتفقنا على ثانٍ من العَدَم ِ

وهذه الحقيقة العدمية عند المعري يوغل فيها حتى يجعلنا نخرج منها ثم نعود إليها:

نمرٌ سراعاً بين عدمين مالنا

لباثٌ كأنا عابرون على جسرٍ

أن كل شاعر من شرعه أن يتفلسف، إلا أننا نلاحظ من خلال الشعراء الذين تفلسفوا بأنهم قد سيروا الشعر على حساب الفلسفة كالذين سيروا الفلسفة على حساب الدين. أمثال الفارابي وتولستوي، أو الذين سيروا الدين على حساب الفلسفة أمثال الغزالي وتوما الأكويني. عموماً إن كان للشعراء أن يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم في موازين الشعر، فأن هذا الأمر لا يستقيم مع الفلسفة منهجاً ومبدءاً. إذ يجب عليهم أن يخضعوا إلى شرطية علومها، وهذا صعب التنفيذ، لأن مصدر الشعر هو القلب والشعور والإحساس والوجدان والعاطفة، وليس العقل الذي يدركها دونما أن يكون باعثاً لها.

هذه من جهة، ومن جهة ثانية أن الشاعر بحكم شاعريته يمتلك رقة مرهفة حيث يتأثر بأدنى شيء يلامس أو يثير جوانحه وسرعان ما يكتب قصيدة سرعان ما يأتي بغيرها عندما تجتاحة موجة تأثيرية جديدة. وهكذا دواليك ينتقل أو يطير الشاعر محلقاً من قصيدة إلى أخرى. وما أكثر التناقضات التي يسقط في فيلجتها وبالأخص عندما يفكر كفيلسوف.

أن الشاعر مهما أمتلك عقلاً عميقاً فأن قلبه يكون أعمق. أعني عندما يتفلسف بالجمال أو من خلاله، فأن نبضات قلبه وحرارة حسه هي التي تنفرد في تنظيم الموجات العقلية. وهذا ما يجعله يمتلك عالماً خيالياً خصباً. أما في الواقعية فأن ذات الشاعر تسيطر عليه العاطفية، وهذه لها جمالية تتدفق متواصلة بتلاحقها المحبب لدى الفؤاد. ورغم الفلسفة الجمالية عند الشعراء، فأن أفكارهم الشعرية لها صلة بالمذاهب التي يعتنقونها سواء كانت دينية أو فلسفية أو سياسية. فالمتنبي (915-965) مثلاً كان قرمطي المذهب. ومعروف ما للقرامطة من نزعة شديدة نحو القتال وسفك الدماء؛ وكيف أنهم من البحرين هاجموا العراق والشام ومصر والحجاز. وفي أحدى غزواتهم لمكة المكرمة جندلوا حتى المتعلقين بأستار الكعبة وملئوا زمزم بأجساد القتلى، وأخذوا الحجر الأسود قرابة العشرين سنة قبل أن يعيدوه. وعليه فأن قصائد المتنبي مهما كانت ترسم وتنحت في معالم الجمال، إلا أن معظمها يغمرها حد السيف وصهيل الخيل والطعن والمبارزة. يقول المتنبي في أحدى قصائده:

فتى الخيل قد بل النجيع نحورها

يطاعن في ظنك المقام عصيب

يعاف خيام الربط في غزواته

فما خيمة إلا غبار حروب

نعم إذا اعتنق الشاعر لمذهب ما، فأنه من الطبيعي أن يعكس فيه منظاراً جمالياً. أنها المنفذ الذي يصدح فيه ويرنو باعذب وأعمق ما يملك من مشاعر تلتهب نحو المذهب أو الفكرة التي يبتغيها. وبغض النظر عن سلبية أو ايجابية موقفه حيال ما يهدف إليه، فأن عبقريته الشعرية مهما عبرت عن فكر مذهبه ومهما كانت مكتملة، فأنها لن تكون مكتملة إن تعلقت في مذهب فلسفي. والسبب لأن الشاعر غالباً ما يميل إلى قواه الشاعرية النابعة من نبضات قلبه أكثر من عقله.

بمعنى آخر، أن للمنطق قواعد معينة وثابتة. فإذا أردنا أن نطبق أفكار الشاعر على هذه القواعد المنطقية نراها تكون غير مستقرة. بل أن الشاعر نفسه يشعر بأن قواعد المنطق ما هي إلا قيوداً له. وهذا الأمر طبيعي ومنطقي لأنه شاعر وليس فيلسوف. وبالتالي من الصعوبة أن ينقاد الشاعر ملتزماً تحت راية الفلسفة. وأن تفلسفه لا يعدو عن كونه لون من ألوان الفكر، وليس تفلسفاً خالصاً. وعليه فأن الشعراء الفلاسفة من المعري وفلسفته التشاؤمية إلى أبي تمام (796-843) الذي أصبحت لديه الفلسفة بديلاً لكل شيء وحتى في المرارة. فضلاً عن ياقوت الحموي (1178-1229) وفلسفته في الطبيعة. وكذلك بالنسبة إلى العالم الغربي سواء مع وليام بلاك (1757-1827) أو ت. س. إليوت (1888-1965) أو غيرهم. فأنهم لا ينتمون إلى المذاهب الفلسفية بصورة تامة وعلى جهة كلية. وذلك لقصورهم الفلسفي لا العقلي، لأن مرجعهم هو القلب مركز فؤادهم. إلا أن هذا لا يمنع من القول بأن تفلسفهم الشعري فيه ميزة. في 1934 كتب إليوت عن الزمن قائلاً:

زمن الحاضر والماضي

كلاهما ربما حاضراً في المستقبل

وزمن المستقبل شمل زمن الماضي

فإذا كان هذا الزمان هو أبدياً

فالزمن كله غير مسترد.

أن عالم الشعر ودنياه التي تحيى عبر الجمال، هي أهم وريد يطعم صيرورته. فالشاعر إن جردته من الجمالية ينتهي وتجف منابعه. فتصبح أقواله خالية من مغناطيسية الجذب ذات الإيقاع الموسيقي. أن الجمالية هي أقصى ما يمكن أن يصله الشاعر فلسفياً ويبدع فيها من أفكار ذهنية ومفردات لغوية. مثلما الفيلسوف الشاعر الذي أقصى حدوده في الشعر هي نظم الأبيات وفق قواعد الميزان اللغوي بطرح فكره الفلسفي لا الجمال الشعري. كما عند ابن سينا (980-1037) والغزالي (1058-1111) على سبيل الذكر. يقول أبن سينا في مطلع عينيته:

هبطت إليكَ من المحل الأرفعِ

ورقاء ذاتُ تعزَزٍ وتمَنعِ

محجوبةٌ عن كل مُقلةِ عارفٍ

وهي التي سَفَرت ولم تتبَرَقعِ

ولقد استخدم أبن سينا "الورقاء" وهي الحمامة تعبيراً عن النفس التي هبطت من السماء مرغمة لتحل بالجسد كسجن لها، بعدما كانت طليقة في عالمها العلوي، ولذلك هي تتوق للعودة. والمعنى بشكل عام يسير على منوال فكر أفلاطون رغم أن فلسفة أبن سينا على نهج أرسطو. وهذا ما حير ومازال معظم الباحثين والدارسين. على أي حال فأن القصيدة تعبر أيضاً عن فيلسوف يتقن الشعر. كما الشاعر الذي يتقن الفلسفة. وكل له حدوده التي ينتمي إليها وأن تعداها فهي للمزاوجة أو لإضافة لون فكري آخر لا أكثر.

عن المتوسط أونلاين

الرابط

http://www.mutawassetonline.com/index.php?option=com_content&view=article&id=939:2009-12-10-22-07-58&catid=7:2009-10-08-15-59-56&Itemid=7

 

(0) تعليقات
2009-12-03

yyy

 

كان موقف الفلاسفة الألمان تجاه "الذات" مستمراً على التوالي نحو قرن من الزمن. فقد ركز عمانوئيل كانت (1724-1804) بفلسفته على أن الإنسان يستطيع إدراك ظواهر الأشياء، لكنه يعجز تماماً عن إدراك جواهرها. ومن هنا تمحورت ثنائيته في: "الشيء في ذاته" من ناحية. وعقل الإنسان الذي يؤلف ظاهرياً حقائق تلك الأشياء من ناحية أخرى.

ثم جاء جون فخته (1762-1814) ليعيد صياغة هذه الثنائية ضمن قالب رئيس واحد. حيث دمج كل من الشيء والذات، وذلك بجعل "الذات تكون كل شيء" في الوجود. حيث كل ما هو موجود لا شيء غير ذواتنا، وكل معرفتنا إن هي إلا معرفة ذواتنا.

ورغم تأييد فردريك شلنج (1774-1859) لموقف فخته في بادئ الأمر. إلا أنه أعاد ترتيب فكرة فخته. حيث قَلبَها من نزعتها الذاتية المسرفة إلى حيزها الموضوعي، وذلك بجعل "كل شيء هو الذات". حيث أن طبيعة العقل لا مرئية بينما الطبيعة عقل مرئي.

وجمع جورج هيغل (1770-1831) عناصر تلك الأفكار، بعد أن أزاح عنها نقاط الغلو والإسراف، ونص على أن "الفكر وحدة عضوية". لأن الحقيقة ليست فيها ثنائية كما اعتقد كانت، وليست هي ذاتية ولا موضوعية كما زعم فخته وشلنج.



الفلسفة العقلية



على الرغم من أن فلسفة كانت تؤمن بالعلم والواقعية التجريبية، إلا أنه تمسك في "الذات" كونها مركز الوجود عنده. كما ورفض أن يكون هناك أية تطابق بين "الفكر والواقع". لأن الفكر لا يستطيع أن يصل إلى جوهر الأشياء، بل أنه يتكون فقط من ظواهر الأشياء التي يؤلفها العقل ضمن تفكيرنا العلمي. ولقد نص على "أن ما ندعوه بالمواضيع الخارجية ليست أي شيء سوى تصورات حواسنا" ليس إلا. أما العقل فهو الذي يقوم بتركيب وتأليف هذه الظواهر الخارجية من صور ومقولات وحسب.

بمعنى آخر أن المعرفة وفق المفهوم الكانتي ترتكز على الحدس الحسي. أي على الأشياء التي تخضع إلى الشروط الذاتية للنفس الإنسانية التي هي عبارة عن تأليفات الذهن تجاه ظواهر الأشياء دون ذاتها. فالإنسان لا يمكنه أن يسبر غور الأشياء المستقلة عنه. وعليه فأن جميع الظواهر ليست موجودة في ذاتها بل أن العقل أو الذهن البشري هو الذي يؤلف شكلها. ويكون هذا بالضرورة القبلية أو "المعارف الأولية" بالعقل ومنها: الزمان، المكان، الهندسة، الرياضيات وغيرها. ولذا فأن كل ما يقع في الخارج هو حقيقته التكوينية تكون في الداخل. أما حقيقة الأشياء الداخلية والتي يعجز الإنسان عن إدراكها، فقد أعتبرها كانت "أشياء في ذاتها". لأن كل ما يمكن أن نعرفه معرفة علمية يكون محصوراً في نطاق الظواهر لا أكثر. فالعقل البشري ليست له شرطاً حسياً، ولهذا "فهو لا يبدأ من الذات" للأشياء.

أن تسليم كانت بالحدس الحسي ورفضه إلى الحدس العقلي، قاده إلى وضع بعض المعضلات التي تعيق عن إدراك ماهية الأشياء. وهذا ما عابه عليه بعض الفلاسفة لاسيما التجريبيين في بريطانيا. حيث أن العلم ما هو إلا نتيجة من نتائج تفاعل العقل مع "التجربة". وبذا فأن إنكار قضية التطابق بين الفكر والواقع أو العقل والطبيعة، أمر لا صحة له قط.

يرد كانت ناقداً المذهب التجريبي، بأن فلاسفته يدحضون الأُسس الماورائية كيما يجعلوا من مبدأ الشك هو الفيصل لكل فلسفة. حيث يؤدي حسب تصورهم إلى خلخلة موقف الفلاسفة الإلهيين الذين يجعلون العلم قائماً أصلاً على أساس ماورائي. ويؤكد كانت بأن عالم الطبيعة هو معطى فيزياوي. وعليه فأن العلم يكون أيضاً معطى للفيلسوف الباحث في الماورائيات. فالعلم ليس المهم فيه أن يكون يقينياً أم لا، بقدر ما يهم ويعني قانون الذهن البشري. فالذهن حسب تصور كانت هو الذي يؤلف التجربة لا العكس، فالتجربة لا تستطيع قط أن تؤلف الذهن.

وهذا يعني أن الإنسان في الفلسفة الكانتية هو مركز هذا الوجود. وعليه فأن هناك "ذات" و "موضوع"، أي عقل ومادة، أو صورة وطبيعة. وبعبارة أخرى ذات في الداخل ولا ذات في الخارج. وأن الإنسان ليس بمقدوره أن يعرف الأشياء في ذاتها بقدر ما تبدو إليه من"المظاهر" التي يعرفها بواسطة حواسه التي يُنظمها العقل. وهكذا انتهى كانت إلى ما آل إليه من ثنائية أخذها عن أفلاطون في تقسيم العالم إلى عالمين: مادي وعقلي. غير أن أفلاطون لم ينكر على العقل معرفة الأشياء المحسوسة. بينما كانت كان على عكسه.



المثالية الذاتية



أول من عالج الثنائية في فلسفة كانت هو فخته، بعد أن أتصل به وأخذ منه الكثير. فالوجود والمعرفة عند فخته محصورة ضمن نطاق "الذات" البشرية. إذ كل ما هو موجود من أشياء وظواهر هي بالحقيقة من صنع الذات وتكوينها. وهذا الخلق أو التكوين ناتج عن إدراك "الذات" التي تعني الإنسان وحده. لأنه الكائن المفكر الوحيد، كما وليس للذات أي وجود خارجي مستقل عنه. أذن الحقيقة هي ذاتية بحتة، ولا يجوز أن نشطرها إلى نصفين في الذات واللاذات، أو عقل داخلي وواقع خارجي. كما فعل كانت في نظرته العقلية.

والمعرفة عند فخته ناتجة عن صنفين أثنين: يقيني ومثالي. الأولى لا يأخذ بها، لأنها تستوجب شيئاً غير مدرك خارجاً عن الوعي والشعور. لذا فأن الثانية تكون هي الأفضل وضعاً والأكثر قبولاً. فالمثالية لا تفرض وجود شيء غير ما يشمل عليه إدراك الذات فقط. كما وأن هذه المثالية لا تكون تامة إن لم تسلم بوجود اللاذات أيضاً. رغم أن فخته يرفض فكرة وجود اللاذات كواقع خارجي، لكنه يقصد باللاذات التي هي أصلاً كائنة في الذات نفسها. فحسب تصوره أن الذات لا تدرك نفسها إلا إذا قيدت نفسها ببعض الحدود والعراقيل لكي تستطيع من خلالها أن تشعر بوجودها. إذ كلما خلقت لنفسها هذه الموانع التي تعترض سبيلها فتبذل فيها مجهوداً، كلما زادت فاعليتها بالخلق أو "الخيال المنتج" حسب تشخيص فخته. هذا الخيال المنتج هو الذي يعطينا صور الأشياء التي يخيل إلينا أنها موجودة في الخارج. وبالتالي لا يوجد شيء في ذاته بل هو شيء في الذات التي تخلقه وتكونه لكي تقرر بها نفسها ليس غير.

هذا ويرى فخته أن هناك ثلاثة درجات تمر بها الذات لكي تدرك نفسها وهي: الإقرار والتباين ثم التأليف. فالذات

تقرر نفسها وفقاً لمبدأ الذاتية التي لا يقام عليها أي برهان كونها بديهية عقلية بحتة مثل: (1 = 1) أو (أنا هو أنا) الخ. وهذا يدل على أن بداية الإدراك الأول يكون أساسه بتقرير الذات لنفسها كونها حقيقة واقعة.

بيد أن إقرار الذات لا يمكن لها أن تتم بدون الإقرار إلى اللاذات أو الطبيعة، كونها أيضاً بديهية عقلية. ذلك أن العقل عندما يفكر في نفسه، وهناك طبيعة موجودة يفكر بها كذلك. فهو هنا يفكر في لا نفسه، وهذا هو التباين بين الاثنين الذات واللاذات. وما بين العقل والطبيعة يقع التأليف بينهما، وهو وضع القيود التي يحدد بها أحداهما للآخر. وبالقدر الذي تثبت اللاذات تنتفي الذات، ومع ذلك فأنه لا يمكن إثبات اللاذات إلا في الذات نفسها. ألا وهو الإدراك والوعي والشعور.

أما كيف الجمع بين هذين النقيضين الذات واللاذات أو الحقيقة واللاحقيقة. فوفق رأي فخته أن الذات لا تستطيع أن تقرر نفسها وتشعر بوجودها إلا إذا حددتها اللاذات. وكذلك بالنسبة إلى اللاذات لا يمكن أن يكون لها وجود إلا إذا حددتها الذات. وهكذا يصل فخته إلى حل الثنائية التي خلقها كانت، رغم أنه أستمد جل فلسفته من منابع كانتية صرفة.



المثالية الموضوعية



بلا ريب أن فخته قد وفِق في حل المعضلة الكانتية. بيد أن مثاليته بقيت ناقصة حتى أتى تلميذه شلنج فدمج بين الذات والشيء. وذلك في "العقل المطلق" أو العقل الأسمى وهو الله الذي يتجلى متمسكاً في عالم الواقع الحقيقي، وعالم المثال العقلي، وهو في الوقت نفسه متجرد منهما. أنه نقطة التلاقي للجانبين الذاتي والمادي حيث يندمجان ويكونان موجدان فيه. ومن هنا فليس هناك أدنى خلاف بين الذات والشيء إن نظرنا إلى الحقائق في ضوء العقل المطلق. فالوجود أنما يتكون من الذات والشيء، والفرق بينهما يتوقف على رجحان جانب الذات العقلي فيه، أو الجانب الطبيعي المادي منه.

أما المعرفة عند شلنج فهي تتألف من الفكر والطبيعة. حيث أن الأول يبدأ بالتقصي الفكري حيث يصل إلى الطبيعة. وكذلك الحال مع الثانية التي تبدأ سيرها في الطبيعة وبصورة صاعدة حتى الفكر المطلق. وبما أن الذات والشيء أو الفكر والطبيعة هما موجودان ومركز اندماجهما هو العقل، ولا يوجد أي اختلاف بينهما. لأن كلاهما يمثل اتجاه الواقع والمثال من الحقيقة لا أكثر ولا أقل. لذا فأن "الطبيعة عقل منظور" مشاهد ومحسوس، وكذلك يكون "العقل طبيعته مختفية". وبعبارة أخرى أن الطبيعة روح مرئية، بينما الروح (العقل) طبيعة خفية, وكلاهما جانبان لوحدة أسمى، أو وجهان لحقيقة واحدة. فالذات ترى نفسها في الطبيعة، كما تدرك الطبيعة نفسها في الروح. وما هذا التقابل بين المادة والعقل، أو الذات واللاذات إلا حقيقة واحدة تتجلى في كل شيء موجود من نبات وحيوان وإنسان. بل أن الكون بأسره عبارة عن كائن عضوي واحد يقع في مراتب متباينة عليا وسفلى.

بعبارة أخرى أن الذات تنعكس في الطبيعة كما أن الطبيعة تنعكس في الذات، واحداهما متمم الآخر ومكمل له. ولذلك كلما تمعنت في الطبيعة وجدت الذات في كل أنواعها.

هذا ويقسم شلنج الطبيعة إلى ثلاث: عضوية ولا عضوية والتبادل بين الطبيعتين. الأولى: ذات فاعلة أبدية تخلق الكائنات الفانية، لأنها تهتم بالنوع لا بالفرد. والثانية: تعمل على مقاومة العضوية ولا تخلق شيئاً البتة. وبما
أن هاتين الطبيعتين لا يمكن لاحداهما أن تستقل عن الأخرى؛ لذا فهما متصلتان دوماً وتؤثر احداهما في الأخرى. لأنهما قد صدرتا عن أصل واحد هو ذات العالم التي تزول فيها التعارضات والاختلافات بين الطبيعتين.



المثالية المطلقة



في بادئ الأمر وافق هيغل على فكرة "المطلق" أو الله، التي جاءت في فلسفة صديقه شلنج، وتعاون معه فترة من الوقت. لكنه رفض فيما بعد الطريقة التي سلكها شلنج في الوصول إلى المطلق. فحسب تصوره أن شلنج قد فرض وجود المطلق بشكل قسري دونما أن يقدم الحجج والأدلة الكافية عليه. فحسب رأي هيغل يجب أن نستنتج المطلق على أُسس عقلية دونما أن نصوره على أنه الذات المجردة التي تتلاشى فيه كل أنواع التباينات، أو أنه عنصر ساكن لا حركة فيه، بل ننظر إليه كروح منتجة للأشياء. كما وأن الطبيعة لا تشكل وجوداً إلى جانب العقل لكي يكون هناك جانبين لوحدة أسمى، بل هي جزء من حياة العقل المطلق نفسه. فالوحدة التي تضم الذات والشيء يجب أن لا تقتصر عليهما فقط، بل تسمو في آن واحد نحو وحدة أعلى. لأن الحقيقة لا تنشطر إلى نصفين لكي تُدرك إحداها بطريقة عادية، والأخرى بطريقة عقلية. وإنما هناك حقيقة عليا واحدة نصلها عبر مراحل عقلية ضرورية.

يقول هيغل: "الواقع أنه ليس ثمة جزء مستقل بذاته، بل كل جزء لابد وأن يتضمن في نفسه شيئاً آخر". واعتبر النظرة الجزئية تكون غير مجدية. وبغية التخلص من هذه الحالة يجب أن ننظر "إلى الحقيقة ككل واحد مرتبط الأجزاء". ولكن ينبه هيغل بأنه لا يمكن الوصول إلى الحقيقة في كلتيهما إلا إذا سلمنا بالجانبين معاً، أي الجزء والكل.

وبما أن الفلسفة الهيغلية تجمع بين المثالية والواقعية. لذا فأن المعرفة عند هيغل تكون على هذين المرتكزين وهما الشعور بالذات من ناحية المثال، والحياة من ناحية الواقع. وأن الشعور بالذات والحياة هما شيء واحد وفق مفهومه. كما ويرفض هيغل تمشية الجزء على حساب الكل، والعكس بالعكس. لأن ذلك سوف يؤدي إلى الذات واللاذات. ويحسم الموقف بأنه صراع بين أضداد تتحد لكي تدرك الحقيقة المطلقة. وفي رأي هيغل أن المطلق عبارة عن وحدة انسجام الأضداد. وهو بذلك كتلة واحدة، أو وحدة ذات أجزاء مستقلة عن بعضها البعض ولكنها متصلة ومتماسكة ومترابطة في الوقت نفسه. وبهذا يكون الكل والجزء لهما ما يبرر وجودهما.

صفوة القول عند هيغل أن العقل أو الروح هي الحقيقة المطلقة. وأن العمود الفقري إلى الحقيقة هو الفكر ولا شيء غير الفكر. حيث أنه الكل الذي يحوي جميع الحقائق الصغرى. ومن هنا يصل هيغل للقول بأن "الفكر وحدة عضوية" يضم الشيء والفكرة كحقيقة واحدة. أنه مجموعة مندرجة ومتماسكة الأجزاء. حيث كل جزء فيه يكشف عن علته التي تفرض وجوده من جهة. ومن أجل الكل وبسببه من جهة أخرى.

وبما أن هذه الوحدة العضوية في الفكر هي "وحدة بين أضداد" لكنها لا تعني أبداً بأن أجزاء الكل هي بؤرة من التناقضات والتعارضات. فهذا وفق مفهوم هيغل خطأ جسيم. غير أن العامة من الناس قد تعودوا على أن يروا أجزاء الكل منفصلة حيث كل جزء على حده دون أن يكترثوا في الربط بينهما برباط الوحدة الشاملة.

ويرى هيغل أيضاً بأنه ليس صحيحاً أن نسلم بوجود الذات دون اللاذات، أو العكس. إذ كلاهما ضروري لتكوين الحقيقة المطلقة التي هي صراع بين أضداد أولاً. ثم تتحد في ما بينها ثانياً. لأن المطلق عند هيغل، كما أشرنا سلفاً، عبارة عن الانسجام بين الأضداد ليس إلا. وهكذا تجد أن العناصر الفكرية عن "الذات" عند كانت وفخته وشلنج قد اجتمعت في فلسفة هيغل، حيث رتبها ونظمها وأخرجها بمثالية مطلقة.




تقييم



1- لقد عمد كانت جاهداً إلى استبقاء"العلم" و "الذات" جنباً إلى جنب في فلسفته النقدية. حتى غدا في بعض مواقفه مشابهاً شيئاً ما إلى الفلسفة الرشدية التي تجمع بين المادية والمثالية. وعندما وصل رأي كانت للقول بأن "الشيء في ذاته"، فأنه قد عبر عن ما وصل إليه العلم في القرن الثامن عشر. حيث لم يتم بعد سبر غور المادة وتحليلها. أذن فهي وقفة مبدئية تبناها كانت بكل قوة، من أجل المدنية المادية التي التمست تطورها في القرنين التاسع عشر والعشرين وهي الآن آخذة بالاستمرار في قرننا الحادي والعشرين. ابتداءً من المثالية الألمانية الكلاسيكية (التقليدية) التي تفرعت من الفلسفة الكانتية، إلى المادية الجدلية عند ماركس (1818-1883) والماركسية، ثم المادية العلمية عند دارون (1809-1882) وسبنسر (1820-1903) وغيرهم من العلماء والفلاسفة الذين اتخذوا من المنهج العلمي محراباً لعبادة المادة.

ومع ذلك فقد أجحف كانت قيمة العقل وحط من منزلته عندما جعل المعرفة تقوم فقط على الحدس الحسي. بل أنه جعل العقل في مرتبة ثانوية عندما نص على أن العقل لا يمتلك الشَرطية الحسية. وبالتالي فمنن الطبيعي أن تصل فلسفته إلى ثنائية العقل وذات الشيء. وكان ذلك بمثابة إعلان صريح منه بأنه لا يوجد حل للمشكلات الفلسفية بين الإنسان والوجود، حيث ذات هنا ولا ذات هناك. وكان الأجدر به أن يتدارك هذا الأمر ويفرق بين منزلة العقل ومرحلة العلم. فالعقل الذي يركب الصور والمقولات هو نفسه الذي يطور العلم تركيبياً.

رغم أن كانت قد رفض التطابق بين "الفكر والواقع" وبذلك وقف على الطرف المضاد إلى ديكارت (1596-1650) ولايبنتز (1646-1716)، كما وعبر عن عقلية متقدمة ومتجاوزة على المذاهب العقلية السابقة. إلا أن إنكاره للحدس العقل يجعل هناك عوائق كثيرة تتراكم أمام العقل البشري. وهذه العوائق جعلت من كانت أن يقسم فكره بين العقل والوجود فلسفياً وعلمياً.

2- أما فلسفة فخته التي أتت بنهج ذاتي خالص، فأن الذات عنده لم يقصد بها فرد من الناس، وإنما تعني البشرية جمعاء؛ لأنها صفة مشتركة. ولذلك فقد بقيت أفكاره مكرسة نحو صوب واحد تفتقر إلى السعة الشمولية. ولقد غالى فخته أكثر مما يجب وخصوصاً عندما جعل العالم يكون سبب وجوده هو للذات فقط.

نعم أن فخته قد أنهى الأثنينية التي خلقها كانت. ولكن نتيجة لتطرفه الذاتي، فقد وقع في تناقض مربك. من جملته أنه جعل الذات تكون قاصرة عن إدراك نفسها إلا عن طريق اللاذات. علماً أن اللاذات في فلسفته ناتجة أصلاً عن الذات. وهذا ما دفع بمريده شلنج أن يخالفه الرأي. ومع ذلك يبقى فخته صاحب فضل، حيث أنهى حالة العجز الإنساني نحو إدراك الشيء ذاته.

3- ذهب شلنج بفلسفته الاندماجية بين الذات والشيء إلى حد جعلته موضوعياً مسرفاً. وهذا ما جعله أن يخفق في نهاية الأمر بالتوفيق في عنصر المعرفة الكانتي القائم على الحدس الحسي. كما وأن مثاليته التي ترى أن المطلق (الله) هو عبارة عن الذات والشيء في وحدة اندماجية. وكان المفروض به أن يحاذر من هذا المسلك لأنه:

أ- قد قاربت فلسفته من مبدأ الذات في فلسفة فخته، حتى أنه جعل كل شيء هو الذات؛ عاكساً بذلك فكرة فخنه القائلة: أن الذات هي كل شيء.

ب- أن تمسكه باندماج الذات والشيء، حيث نص على أن تكون نهاية هذا الاندماج هو تلاشي جميع الفروق لكي تصل إلى العقل المطلق. نرى بسبب ذلك أن فكرته الفلسفية قد قلت حيويتها لأنها مزجت الحقيقة مزجاً فجاً. حتى أن هيغل أضطر أن يتجاوز فكر صديقه الاندماجي.

4- نص هيغل على أن "الوحدة" يجب أن تكون شاملة على كل شيء سلباً وإيجاباً. وأن "الحقيقة" هي محورية الفلسفة الهيغلية وجل فحواها. ولكن مبدأه هذا إن تم تطبيقه على الآلية الحياتية لأتى كل شيء مقلوباً على عكسه. وكذا شأن الآلية الاجتماعية، نتيجة إلى حقيقة وحدة التناقص التي أصبحت منسجمة وفق نظامه النظري. ولكن شتان بين مثاليته المطلقة والواقع الموضوعي.

ومع هذا فأن الفلسفة الغربية قد وقفت ردحاً من الزمن أمام فلسفة هيغل، حيث صاغها بأحسن سبك وأعمق شمول وأوسع إسهاباً وفهماً. وعلى الرغم من أن مثاليته فيها بعض المآخذ، فأن الفلسفة الغربية من بعده أخذت منعطفاً جديداً حيث لا يمكن التفلسف مثالياً بعد هيغل.

الواقع لو أخذنا ديكارت مؤسس الفلسفة الحديثة، فسوف نتوقف عند كانت. والمشكلة بينهما هي المعرفة ذاتها. ومن كانت سوف نتوقف عند هيغل، والمشكلة بينهما هي الذات نفسها. وبعد الأخير صراحة تقل درجة الوقوف الملحوظ عند فيلسوف معين حيال الذات. فقد أتى كيركيجار (1813-1855) واعتبر الفلسفة الهيغلية هي نقيض للفلسفة الوجودية التي أسسها على محور الأنا. ثم جاء ماركس فحرك جدلية هيغل من عالمها المثالي وأرساها في عالمه المادي وأفكاره السياسية والاقتصادية وأبعادها المنهجية في الاشتراكية والتي لعبت دوراً مميزاً في القرن العشرين.




د. عماد الدين الجبوري، كاتب وأكاديمي عراقي

 

(0) تعليقات
Visiteurs : 106300 :: Aujourd'hui : 46 :: En ligne : 2