البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2009-11-14
سقوط الحضارات بين مالك بن نبي ورجاء غارودي

yyy

 

بقلم: د.نذير طيار
إن انتقالنا الحضاري من هامش التاريخ إلى مركزه ليس مرهونا بذلك السقوط المحتوم ، فنحن لا نؤمن بعلاقة سببية بين سقوطهم وصعودنا ، بين أفول شمسهم وبزوغ فجرنا، كما أن تحولنا الواقعي من أمة عاجزة حضاريا إلى أمة مؤهلة حضاريا ، مرتبط ارتباطا عضويا بذواتنا نحن، وبعمق التحولات المحدثة وفق إراداتنا على مستوى الواقع الموضوعي المحيط بنا في جوانبه المتعددة.
إن اختيار موضوع سقوط الحضارات يدخل في صميم مناقشة مشروعنا النهضوي، إذ يستحيل تحريك الحوار عن تخلف العالم العربي الإسلامي بعيدا عن تحريك النقاش حول الخيارات الغربية المطروحة. ولا يمكن للمغلوب ـ وفق القاموس الخلدوني ـ أن يباشر طرح مشروع إقلاعه الحضاري قبل قيامه بتحديد موقفه التفصيلي من المشاريع الحضارية المعاصرة. لا سيما إذا أصبح هذا الغالب يعلن عبر مؤسساته السياسية و الإعلامية أنه مركز العالم وما عداه الأطراف ، وأن مشروعه الحضاري الليبيرالي هو المشروع الذي توقفت عجلة التاريخ عنده، فلا مشروع حضاري بعده.
لا يمكن لأي باحث في العالم العربي والإسلامي يتصدى لدراسة موضوع انهيار حضارة من الحضارات ،ماضيا أو مستقبلا،أن يقفز على "نظرية الحضارة " عند مالك بن نبي ـ رحمه الله ـ كواحد من أكبر قادة الوعي الحضاري في العالم الإسلامي الحديث، وصف أحد تلاميذه آثاره المرتقبة(الدكتور عبد اللطيف عبادة) في العلوم الاجتماعية بـ"الثورة الكوبرنيكية" قياسا على ما أحدثه "كوبرنيك"في العلوم الفيزيائية، حين تجاسر بجرأة العالم واعتنق رأيا جديدا مخالفا لما زعمته نظرية بطليموس، فذهب إلى أن الشمس ـ وليس الأرض ـ هي مركز الكون، والأرض والكواكب جميعا تدور حولها في مدارات دائرية، صححها فيما بعد الفيزيائي "كبلر" وقال إنها "بيضاوية".
إن تمحور تفكير مالك بن نبي حول الإجابة عن "سؤال النهضة" لم يدفعه إلى التقوقع والتعلب في إطار"تخلف المجتمع المسلم"، بل على العكس من ذلك فتح لنفسه آفاقا واسعة ومساحات رحبة،أهَّلته للغوص في سيرورة الحضارات وصيرورتها عبر التاريخ، في حركتها من الميلاد إلى الأفول،الأمر الذي مكنه في نهاية المطاف من طرح نظرية شاملة حول الحضارة تستوعب التاريخ الإنساني كله، في انفجاراته وسكناته، في انكساراته و استقاماته.


سنعمل خلال دراستنا هذه على تسليط الأضواء الكاشفة أكثر ، على المرحلة الأخيرة من الدورة الحضارية في طروحات مالك بن نبي، لاكتشاف مدى انطباقها على الحضارة الأمريكية. مع العلم أن انشغال كثير من الباحثين بالإجابة عن "سؤال النهضة" استجابة لمتطلبات الظروف التخلفية الراهنة، قد دفعهم إلى تركيز قراءتهم للنظرية الحضارية عند مالك بن نبي على المرحلة الأولى من الدورة الحضارية، وهي مرحلة الميلاد التي خصص لها الرجل كتابا كاملا هو :"ميلاد مجتمع"، وتحتل جزءا كبيرا من مؤلفه:"مشكلة النهضة" . وما تجدر الإشارة إليه أن مالك بن نبي قد انتقد في "وجهة العالم الإسلامي" (ص27) مسلك الذين ينظرون إلى ظاهرة الحضارة منفصلة عن ظاهرة الانحطاط ويعلل نظرته النقدية هذه قائلا:"تأتي أهمية هذه النظرة من أنها تتيح لنا الوقوف على عوامل التقهقر والانحطاط، أي على قوى الجمود، داخل الحضارة إلى جانب شرائط النمو والتقدم،فهي تتيح لنا أن نجمع كلا لا تتجزأ مراحله ..ومن الملاحظ أن التعارض الداخلي بين أسباب الحياة والموت في أية عملية حيوية "بيولوجية" هو الذي يؤدي بالكائن إلى قمة نموه ثم إلى نهاية تحلله" ثم يضيف :"في المجال الاجتماعي تكون هذه الحتمية محدودة بل مشروطة، لأن اتجاه التطور وأجله يخضعان لعوامل نفسية زمنية".
مجتمع ما بعد الحضارة
إن كل مجتمع من المجتمعات، قديم أو معاصر، لا يمكنه أن يحتل في لحظة تاريخية ما إلا واحدة من المراحل التالية"1ـ مرحلة المجتمع قبل التحضر.2ـ مرحلة المجتمع المتحضر.3ـ مرحلة المجتمع بعد التحضر. ويعيب مالك بن نبي على المؤرخين تمييزهم جيدا بين الوضع الأول والثاني، وعدم اهتمامهم بالتمييز بين هذين الوضعين والوضع الثالث.فهم يرون أن مجتمع ما بعد التحضر هو بكل بساطة مجتمع يواصل سيره على طريق الحضارة، مع أن مجتمع ما بعد التحضر ليس مجتمعا يقف مكانه بل هو يتقهقر إلى الوراء ،بعد أن هجر درب حضارته وقطع صلته بها. وما يجمع مجتمع ما قبل التحضر ومجتمع ما بعد التحضر هو تمحورهما حول الأشياء..لا الأفكار.


وإذا كان عالم الأشياء في المجتمع الأول شديد الفقر فإنه في المجتمع الثاني شديد الثراء، ولكن أشياءه خامدة خاوية وخالية من الفعالية الاجتماعية. وهكذا يرى مالك بن نبي أن الحضارة تسير بالمجتمع قوة وضعفا، دفعا وهونا، صعودا وهبوطا، تبعا لدرجة تمحوره حول الأفكار، أو حول الأشياء المحيطة به. فدورة الحضارة تبدأ حينما تدخل التاريخ فكرة دينية بطريقة مباشرة أو بواسطة بديلاتها اللادينية نفسها..كما أنها تنتهي حين تفقد الروح الهيمنة التي كانت لها على الغرائز المكبوتة أو المكبوحة الجماح.و من هنا ..تبدو مشكلة الحضارة في العصر الحاضر لا تخص الشعوب الإسلامية فقط، إنها تخص أيضا الشعوب المتقدمة نفسها التي أصبحت مدنيتها مهددة بالفناء.
تمحور الأفكار حول عالم الأشياء
وإذا كانت نظرية التغيير الاجتماعي عند مالك بن نبي تقوم على عوامل ثلاثة:عالم الأشياء،عالم الأشخاص، وعالم الأفكار..فإن الرجل ـ حسب بعض الدارسين ـ لم يهتم بتحديد هذه العناصر، بقدر ما اهتم بمعالجة حركتها، عبر تحليل شبكة العلاقات الاجتماعية.فهناك توازن ضروري بين هذه العوالم، وفي حالة وقوع طغيان أحدها على العنصرين الآخرين، فثمة أزمة حقيقة في مسيرة الحضارة تلقي بها خارج التاريخ، فريسة طغيان الشيء أو طغيان الشخص أو طغيان الفكرة.ففي البلد المتقدم ـ مثلا ـ وطبقا لدرجة تقدمه، يسيطر الشيء بسبب وفرته وينتج نوعا من الإشباع ويفرض شعور لا يحتمل من الشؤم البادي من رتابة ما يرى حوله. فيولد ميلا نحو الهروب إلى الأمام ، الذي يدفع الانسان المتحضر دائما إلى تغيير إطار الحياة.أما في البلد المتخلف فإن الشيء يفرض طغيانه بسبب ندرته، وتنشأ فيهعقد الكبت والميل نحو التكديس الذي يصبح في الإطار الاقتصادي إسرافا محضا.
ولكن مع هذين الانفعالين فإن المجتمعَين كليهما يواجه الداء ذاته، فطغيان الشيء يختلف الشعور به، ولكن النتائج النفسية المنطقية واحدة، فالشيء يطرد الفكرة من موطنها حين يطردها من وعي الشبعان والجائع معا.ويتناول مالك بن نبي بالتحليل والمقارنة ثقافتين مختلفتين في لحظة أفولهما وهما :الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية من خلال تحليله لقصتين :الأولى:"حي بن يقظان" للفيلسوف المسلم ابن طفيل(توفي عام 1185م) ، والثانية : "روبنسون كروزو" للروائي والشاعر البريطاني دانيال ديفور (1660ـ1731)، . ويلاحظ مالك بن نبي أن "روبنسون كروزو" خلال عزلته في الجزيرة، قضى وقته في وقائع محسوسة.أكل، نوم، عمل...وتمكن بواسطة هذا الأخير من التغلب على الكآبة وهنا تركز عالم أفكاره كله حول "شيء":إنها الطاولة التي يريد صنعها لنفسه. أما :"حي بن يقظان" فقد بدأت مغامرته مع الوحدة، حين اكتشف أن الغزالة التي تبنته كأم ترعاه..بدأت تفقد قواها قبل ذهاب روحها نهائيا..فقد جعلنا ابن طفيل نتتبع صعود ذهن ابن يقظان كي يكتشف "الروح" ثم "خلود الروح" وأخيرا فكرة الخالق..وبعد عدة محاولات فاشلة يصل إلى إدراك النظام الإلـ'هي وإلى رؤية داخلية للإله...وإلى مفهوم صفاته.إن العالم هنا تتركز فيه الأشياء حول الفكرة، فـ :"حي بن يقظان" لا يتغلب على كآبة الشعور بصنع طاولة..بل ببناء الأفكار واكتشافها.إن الفكر الغربي يجنح أساسا إلى الدوران حول مفهوم الوزن والكم، وهو عندما ينحرف نحو المغالاة، يصل حتما إلى المادية في شكلها البرجوازي للمجتمع الرأسمالي. أما الفكر الإسلامي بعد دخول المجتمع مرحلة ما بعد الحضارة، كما هو شأنه اليوم، فإن المغالاة ـ حسب مالك بن نبي ـ تدفعه إلى التصوف المبهم والغامض وعدم الدقة والتقليد الأعمى والافتتان بأشياء الغرب. ويعلق مالك بن نبي على هذه المقارنة قائلا:"تلكم هي الحضارة في تقلباتها: تكون في الأوج حضارة تتركز فيها الأشياء حول فكرة حينا، وحينا تبلغ الأوج حضارة أخرى تتركز فيها الأفكار حول الأشياء..وما كان لحضارة أن تقوم إلا على أساس من التعادل بين الكم والكيف، بين الروح والمادة، بين الغاية والوسيلة، وحين يختل هذا التعادل في جانب أو في آخر تكون السقطة رهيبة قاصمة.
ويرى مالك بن نبي أن الحضارة الإسلامية قد فقدت تعادلها يوم فاتها أن ترعى سلامة هذه العلاقة بين العلم والضمير، بين العناصر المادية والوجود الروحي فغرقت في هاوية الصوفية الخالصة، وها نحن اليوم ـ كما يقول ـ نشهد تجربة أخرى تنتهي إلى اختلال آخر: فالحضارة الغربية التي فقدت غنى الروح تجد نفسها على حافة الهاوية. إن المجتمع الأمريكي ـ كما يقول مالك بن نبي ـ متمحور حول القيم التقنية، ولهذا تجد الفكرة عنده صعوبة في التأقلم (يصوغ تجربة تحريم الخمر كنموذج حي على ذلك).
إن الحضارة الأمريكية ـ في نظري ـ ليست سوى أزمة من أزمات الحضارة الغربية، فهي الذروة في الرفاهية المادية، والطليعة أيضا في الانحطاط حسب عنوان أحد كتب الفيلسوف روجي غارودي: أي الطليعة في "اللامعنى" و"قيم السوق" و "تقديس الوسائل" و "القفز على السؤال الفلسفي للغائية". إن المكتشفين الأوائل لأمريكا، وكذلك الذين لحقوا بهم فيما بعد، لم يهبطوا من كوكب الزهرة أو عطارد، بل جاءوا جميعا ـ تقريبا ـ من القارة الأوروبية، لأجل هذا علينا أن لا نقع في خطإ اعتبار اكتشاف أمريكا نقطة ميلاد الحضارة الأمريكية، أي انتقال المجتمع الأمريكي من مرحلة ما قبل الحضارة غلآ مرحلة الحضارة. والحضارة الغربية ـ حسب بول فاليري ـ هي وليدة تقاليد ثلاث" 1ـ في المجال الأخلاقي :المسيحية وبوجه أدق الكاثوليكية.2ـ في مضمار الحقوق والسياسة والدولة: تأثير موصول للقانون الروماني 3ـ في حقل الفكر والفنون:التقليد الروماني، وإذا دققنا أكثر وجدنا أن الغرب يجد جذوره في : أولا: المكوِّن المسيحي اليهودي.. وثانيا: أفكار عصر النهضة المستمدة من الفلسفة اليونانية. و ثالثا: الثورة الصناعية وقيمها.
ولكن ..ما هو الفرق بين طرح مالك بن نبي وطرح روجي غارودي حول انهيار الحضارة الأمريكية؟؟
رؤية تكاملية
يتميز التصور البنَّابي للسقوط الحضاري باستيعاب التاريخ البشري كله، فهناك نظرية واحدة تجري على كل الحضارات، لا فرق بين حضارة وأخرى، وهناك دورة حضارية واحدة ذات مراحل ثلاث محددة..يمر بها الجميع ولا تستثني أحدا. وليس في هذا الطرح دعوة إلى نوع من الاعتقاد بـ "الجبرية التاريخية" أو "الجبرية الحضارية" القائمة على تبني المواقف السلبية والركون إلى التفسيرات الاستسلامية في قراءة الماضي والحاضر والمستقبل.لأن هناك تأكيدا واضحا على أن الإنسان هو الذي يصنع مستقبله، من خلال التأكيد على أن تغيير ما بالمجتمع يبدأ بتغيير ما بالأنفس انطلاقا من قوله تعالى:" إن الله لا يغيِّر ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم". ويبدو دور الانسان في توجيه الحضارة وانتقالها من مرحلة إلى أخرى عند مالك بن نبي واضحا جدا في تعليقه على مقولة الفيلسوف الألماني الشهير نيتشه:" إن عجلة التاريخ تدور حول نفسها" إذ ردَّ عليه قائلا:"نعم..لو تُركت لحالها".
إن الحضارات الأمريكية قد دخلت مرحلة الاحتضار في منظور مالك بن نبي لأن المجتمع الأمريكي متمحور الآن حول القيم التقنية، وفاقد للتوازن الضروري بين الأفكار والأشياء والأشخاص، جراء هيمنة "الشيئية"..أي طغيان الشيء على الفكرة بما يعني دخول المجتمع مرحلة انطلاق الغرائزالدنيا من عقالها، لكي تعود بالانسان إلى مستوى الحياة البدائية، وهي المرحلة الأخيرة من مراحل الدورة الحضارة. ولكن الحضارة الأمريكية محكوم عليها بالسقوط في منظور غارودي لأنها فاقدة للقاسم المشترك بين كل الحضارات، وهو املاك الإجابات الفاصلة على أسئلة الغايات الأخيرةللانسان. فهي على حد وصف أندري مالرو:" الحضارة الوحيدة في التاريخ التي تجيب عن سؤال: ما معنى حياتنا. بـ :لا أعرف". ولهذا استحقت وصف :" حضارة اللامعنى"..و "ديانة الوسائل" لأنها فصلت بين العلم والحكمة، وأسست فلسفة للوجود لا فلسفة للعمل. ومن هنا فغارودي لا يطرح نظرية للحضارة لكنه يقدم كما هائلا من التفاصيل الدقيقة،التي تكشف عن فهم استيعابي للحضارة الغربية عموما، والأمريكية منها على وجه الخصوص، وللأسس الفلسفية التي قامت عليها.إن كل التفاصيل الواقعية الحاصلة على المستوى العالمي منذ وفاة مالك بن نبي ـ رحمه الله ـ في 31أكتوبر 1973..والتي يسهب غارودي في إيرادها..تؤكد بشكل يقيني طروحات مالك بن نبي . فتمحور المجتمع الأمريكي حول القيم التقنية وطغيان "الشيئية"..أصبح اليوم أكثر تجليا في ظل العولمة الجديدة والقيم الأمريكية الجديدة "قيم السوق" الغازية للعالم، تحت وطأة الديانة الجديدة "ديانة الوسائل" و"وحدانية السوق".
ويتفق مالك بن نبي وروجي غارودي في فكرة جوهرية هي أن انهيار الحضارات الأمريكية كطليعة للحضارة الغربية يختلف عن انهيار الحضارات الأخرى السابقة على أساس أن حجم الخسائر الداخلية المترتبة عن سقوط حضارة تتمحور الأفكار لحظة أفولها حول الأشياء، يكون أكبر من حجم الخسائر الداخلية التاتجة عن سقوط حضارة تتمحور الأشياء فيها لحظة أفولها حول الأفكار..وهذا ما نقرأه في وصف مالك بن نبي لمشكلاتهم بـ "الجوهرية" ولمشكلات العوالم الأخرى التابعة للحضارات الشرقية بـ "الطارئة" ..على الرغم من اعترافه بحدة كلا النوعين من المشكلات.
إختلاف في المفهوم
ويختلف المفكران في تصورهما لمعنى"الأفول" أو "السقوط"، فانحطاط الغرب عند غارودي معناه ضياعه وسط الحيرة و اللاإستقرار وافتقاد الحياة داخله كل معنى، فهي بذلك جسد قائم بلا روح..وكون أمريكا في فكر غارودي طليعة هذا الانحطاط معناه أنها الذروة في اللاَّمعنى والعبثية.أما سقوط الحضارة الأمريكية ، والتي لا يمكن فصلها عن الحضارة الغربية، عند مالك بن نبي فيعني بوضوح انتقال شمس الحضارة من الأرض الأمريكية إلى أرض أخرى، ومن الشعب الأمريكي إلى شعب آخر..نجح في التحقق بالشروط اللازمة للانتقال من مرحلة ما قبل الحضارة إلى مرحلة الحضارة. ويكمن مصدر الاختلاف حول هذه النقطة في سببن رئيسين:
الأول:
إن المفكريْن لا يتعرضان بالتحليل لنفس الفترة الزمنية. ففي الوقت الذي يؤكد غارودي على ضرورة إنقاذ القرن الحادي والعشرين، وإعطائه وجها إنسانيا ، يتحدث مالك بن نبي عن لحظة الأفول في عمر الحضارة الغربية.
ومن المعلوم أن لحظة الاحتضار في عمر الحضارات لا تقاس بالسنوات أو بعشرات السنين، بل بأكثر من ذلك بكثير..وبالتالي فإن غارودي يحاول استشراف المستقبل على المدى القريب والمتوسط والبعيد، حسب مصطلحات الدراسات المستقبلية الحديثة...والذي لا يتعدى المئة سنة، أما مالك بن نبي مهندس الفكر الحضاري فلا يتحدث عن هذا القرن أو ذاك بل بـ"فترة حضارية"معينة .


الثاني: حديث مالك بن نبي عن الأفول هو جزء لا يتجزأ من تصور نظري شامل ومتكامل حول الحضارة.. على عكس حديث روجي غارودي الذي لا يجد نفسه مطالبا بتقديم نظرية ما حول الحضارة..وربما نبع ذلك من اختلاف تخصص كل واحد منهما عن الآخر، فإغراق مالك بن نبي في دراسة مشكلات المجتمع المسلم أهَّله لاحقا للتعمق في العلوم الاجتماعية، أما كون غارودي بروفيسورا في الفلسفة وقيامه فيما بعد بدراسة الحضارات الشرقية..إضافة إلى تحكمه بقوة في تحريك الأدوات التحليلية الماركسية...كل ذلك جعله يسير نحو وجهة أخرى. ومن المعلوم أن الماركسية تقسم التاريخ البشري إلى سبعة مراحل:الشيوعية البدائية ـ العبودية ـ الإقطاعية ـ الرأسمالية ـ الاشتراكية ـ ديكتاتورية البروليتاريا ـ الشيوعية. وتمثل الشيوعية المرحلة الأخيرة في التاريخ البشري حيث يسود العدل ويزول الظلم والفوارق الاجتماعية، وتنمحي الدولة ، فهي الجنة الموعودة الأبدية. وواضح أن التحليل الماركسي للتاريخ يتناقض تماما مع نظرية الدورة الحضارية. وهذا ما يشير له مالك بن نبي حين يقول:"..عندما تذهب الفلسفة الماركسية إلى أن التطور التاريخي والاجتماعي يبدأ من الحيوانية البدائية إلى عهد يسود فيه الرخاء والضمير والحرية..فإنها تغفل فكرة "الدورة" الجوهرية، مع أن غاية هذه النظرة ونتيجتها تتعارض مع المنطق الجدلي ذاته". ويقصد مالك بن نبي بتعارض هذه الفلسفة مع المنطق الجدلي الماركسي نفسه ، حقيقة أن القول بأن المجتمع في تطور مستمر، وهو تطور قائم على صراع الأضداد، يعني أن النظام الشيوعي نفسه سيتطور أيضا وينقلب إلى النقيض..وهذا تناقض واضح يكشف الخلل البيّن في التركيبة الداخلية للمنطق الفلسفي المؤسس للماركسية.
و لسنا نهدف بهذا التوضيح التشكيك في النقلة الإيمانية الواقعة في فكر غارودي، منذ تحوله إلى الإسلام..فقد كان الرجل يحمل لواء الإيمان(المسيحي) داخل الحزب الشيوعي، وهو ما كلفه الطرد منه سنة 1971.و في كتابه "الولايات المتحدة الأمريكية :طليعة الانحطاط" يبين غارودي ما أخذه عن ماركس قائلا :"إن الأطروحة الجوهرية لماركس ترى أن الرأسمالية توجد ثروات ولكنها في نفس الوقت توجد الفقر من خلال الفوارق الاجتماعية الناتجة عنها بالضرورة..أما الأطروحة الجوهرية لآدم سميث فتقول:إذا سعى كل فرد إلى تحقيق مصلحته الخاصة فإن يدا خفية ستتحرك بدورها لتحقيق الصالح العام"..ثم يتساءل: أيهما كان على حق؟؟.
ويعترف غارودي أن فكر ماركس يجد جذوره في مصادر ثلاث:1ـ الفلسفة الألمانية. 2 ـ الاقتصاد السياسي الانجليزي. 3 ـ الاشتراكية الفرنسية." ثم يضيف مدافعا عن ماركس :"لقد كان ماركس نفسه واعيا بأن المسار التاريخي الذي رسمه للبشرية، من الشيوعية البدائية إلى الشيوعية لا ينطبق إلا على حضارات العالم المتوسطي، ويجب عليه أن يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الجرمانية سلفا".
طوفان الهيمنة.. وسفينة الاستقلال
هناك نقطة اختلاف أخرى بين الطرحين، تتمثل في الباعث الأساسي للحديث عن سقوط الحضارة الأمريكية، لدى كل واحد منهما..وإذا كان مالك بن نبي يبحث عن شروط نهضة العالم الإسلامي ـ والعالم الثالث عموما ـ بغية دفعه إلى مرحلة الحضارة،فإن رجاء غارودي يتحرك انطلاقا من هاجس إنقاذ أوروبا والعالم من الهيمنة الأمريكية..بهدف التقليل من حجم الخسائر الأوروبية والعالمي المترتبة عن السقوط الأمريكي.
إن إدراك غارودي للقواسم التأسيسة المشتركة بين الحضارة الأوروبية والحضارة الأمريكية..هو الذي يجعله متخوفا جدا من استحالة إنقاذ أوروبا من طوفان السقوط الأمريكي ولأجل هذا يستفرغ وسعه في الدعوة إلى الوقوف خارج دائرة النفوذ الأمريكي،سياسيا واقتصاديا و ثقافيا واجتماعيا. إن غارودي يسعى لكي يكون سقوط الولايات المتحدة الأمريكية سقوط حضارة وليس سقوطا للعالم بأسره. إن الهيمنة الأمريكية تشبه طوفان نوح ـ عليه السلام ـ ومن أراد النجاة من الغرق..فعليه أن يلوذ من الآن بسفينة الاستقلال والتحرر والعودة إلى الذات.
ولكن نقاط الاختلاف هذه، لا يمكنها أن تحجب عنا الرؤية التكاملية للطرحين معا. ولتوضيح ذلك نستأنس بالمثال التالي: لقد أسهب مالك بن نبي في تحليل ظاهرة الشيئية، ولكن التأمل العميق في الافتراضات الأولية التي قامت عليها الحضارة الغربية ـ حسب غارودي ـ ( وهي لديكارت وسميث ومارلوي) يفسر لنا بدقة التطور التاريخي الحاصل في عالم الأفكار قبل تمحورها نهائيا حول الأشياء...لا سيما إذا اعتبرنا عقلانية ديكارت كبداية للانحراف في تاريخ العلاقة الغربية مع الطبيعة والإنسان والحياة...تلك العقلانية التي ترمز عند مالك بن نبي ـ نقلا عن كسرالنج ـإلى مرحلة انتقال الغرب من الروح إلى العقل.إن ما نكتشفه هنا هو ـ أن التحول من مرحلة إلى أخرى في الدورة الحضارية لا يتم وفق قفزات فجائية أو طفرات عشوائية بل يحدث تبعا لحركة تدريجية وليس غريبا بعد ذلك أن نجد بعضا من جذور الشيئية الأمريكية المتطرفة..في تلك الفترة من عمر الحضارة الغربية.
إن قيام غارودي بطرح فكرة بندونغ جديد يذكرنا بالكتاب القيم الذي خصصه مالك بن نبي للفكرة الأفروأسيوية و مؤتمر باندونغ . وحذيث غارودي عن "حوار الحضارات" في وقت مبكر ربما نبهنا إلى دعوة مالك بن نبي إلى تعايش الثقافات على محور طنجة ـ جاكارتا...حتى وإن بدت طروحات غارودي تعني الحوار بين حضارة طنجة ـ جاكارتا وحضارة باريس ـ موسكو ـ واشنطن

عن موقع الشهاب للاعلام.

 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1030840 :: Aujourd'hui : 3 :: En ligne : 8