البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2012-06-07
كيركيغارد: قلـق الوجود

yyy

ترجمة: الحسن علاج: كيركيغارد (Kierkegaard) هو أول مفكر عرف القلق، سلبا، لاهو بالخوف ولا بالخشية. فمعه توقف القلق عن كونه مقولة نفسية كي يصبح مفهوما فلسفيا. وهو التفكير الذي سيعمل كل من هايدغر وسارتر على توسيعه. 
قام إدوارد مونش ( Edward Munch) في سنة 1893 برسم لوحة الصرخة وهو في عمره الثلاثين. لوحة ذات حجم متواضع، وهي ليست بالضرورة رائعة المعلم النرويجي ـ ومن الغريب جدا الادعاء لهذا السبب ـ إلا أن صداها ستكون له أهمية كبيرة جدا في فن القرن العشرين. فماذا تمثل؟ تمثل مظهرا ليس مؤسلبا تماما، لكنه خال من كل ما يمت إلى الواقعية بشيء، متظاهرا بالانصهار في مشهد غسقي يقترن فيه بالمنحنيات. فم فاغر، محجران منطفئان، يمسك المظهر رأسه بكلتا يديه أو بالأحرى: يداه تحيطان برأسه، تتطابقان مع تقاسيمه كما لو أن الذات مهددة بالتفسخ تشهد على نفسها، عبر حركة أمامية وهي بدون شك بصورة أكبر في الغريزة منها في التفكير، أمام الخاصية المفزعة بما يفوق الوصف للتجربة التي منحت إياها من أجل الحياة. هل كان القلق سيعثر فجأة على أيقنته بشكل نهائي ؟ فهو وفي كل الأحوال يظهر هنا مثل انفعال، لحظة توقف بنية الزمن الخطي، تجربة مغرقة في الذاتية ثم إنه يتعذر التعبير عنها، في غياب أي رقيب ممكن آخر، بقي الشبحان المتواجدان في الحد الأيسر للوحة غريبين عن المشهد، مثل المشاهد: لكن ألا يعتبر هذا الأخير قرينا متفردا للمظهر الذي يواجهه؟ 
ومن المعروف أن منعطف القرن، وهو المنعطف الذي يحتمل أن فرويد قام فيه بتنقيح نظرياته انطلاقا من سنوات 1910 ـ 1920، الذي سيعطي ولأول مرة قاعدة علمية للقلق. علاوة على ذلك، فإن التنظير لعصاب القلق، سيتم على الخصوص، في سنة 1917، نشر الكتاب الموسوم بـالعرض والكف والقلق .ويكون من المغر أيضا اعتبار القلق بشكل خاص مؤثرا معاصرا، له ارتباط بوضع الإنسان في هذا العالم المديني الذي سبق لبودلير أن وصفه بعبارات مجهولة، العزلة والكآبة. ضمن هذا المنظور، يرجع الفضل إلى فرويد ـ هذا المفكر الذي قال عنه أندريه غرين بأنه الوحيد الذي لم ينتسب إلى تاريخ الميتافيزيقا الغربية ـ في تقييم وتوضيح مؤثر والذي لم تكن الفلسفة، خلافا للفن، لتتنازل عن مساءلته. ومن المعلوم أن هذا خطأ. ومهما كانت أهمية التحليل النفسي بالنسبة لفكر القرن العشرين، والحال أن لاشيء يجعلها قادرة على التشويش على تاريخ الفلسفة، زحزحته لحظة واحدة عن مداره القرني. وبفضل عالم اللاهوت الدانماركي، فقد تم الأخذ بعين الاعتبار وللمرة الأولى حقيقة القلق. تمكن القلق ـ الذي يطلق عليه في اللغة الدانماركية والألمانية على حد سواء عبارة (angst) ـ، من ولوج المعجم الفلسفي ليس كما'يمكن تصوره مع فرويد، لكن أكثر من نصف قرن من قبل، في سنة 1844، حينما ظهر ـ على إثر ظهور كتاب بقايا فلسفية. كتاب تحت عنوان تصور القلق مرفوقا بعنوان فرعي إيضاح سيكولوجي لمسألة الخطيئة الأصلية. فقد وقع كيركيغارد، الذي يحلو له اللجوء إلى استعمال أسماء مستعارة، مقالته باسم فجيليوس هوفناينسيس ( Vigilius Haufniensis) على شاكلة ساهر كوبنهاغن. لقد سوغ مبدأ الخطيئة الأصلية لكيركيغارد بتفكر هذا اللغز الذي هو نشوء القلق. فقد قاده، متفكرا القلق، وبشكل محدد جدا علاقة الإنسان بالقلق، بالمرور شيئا فشيئا من وصف ذي طبيعة سيكولوجية ـ القلق كممثل لخطوط متزامنة للتعاطف والنفور: 'النفور المتعاطف مع' (1) أو 'التعاطف المتنافر' ـ إلى وصف يعمل على تدخل البراءة والذنب، أعني مفاهيم لن تبقى متعلقة أبدا بالسيكولوجيا، على أنه في الحقيقة تنهض عن الميتافيزيقا أو ما يسميه كيركيغارد، في معجمه بوصفه لاهوتيا، بالوثوقي. فإذا كان القلق في بعض الجوانب يشكل 'مقولة سيكولوجية'، يبقى أن السيكولوجيا لن تقدر سوى على شرح العلامات التي يمظهر عبرها القلق حضوره. 
يعتبر كيركيغارد أول مفكر وضع تعريفا سالبا للقلق، فلا هو بالخوف ولاهو بالخشية. يمتلك الخوف، خلافا للقلق، موضوعا محددا على الدوام. ففي درسه الافتتاحي سنة 1929، تحت عنوان ما هي الميتافيزيقا ؟ سيعودهايدغر مرة أخرى إلى التمييز بين القلق والخوف. 'يختلف القلق غاية الاختلاف عن الخشية. (...) وبالطبع، فإن القلق هو دائما 'قلق أمام ...'، وليس أمام هذا او ذاك. فالقلق 'أمام ...' هو دائما قلق 'من أجل ...'، لكن ليس من أجل هذا أو ذاك. ومع ذلك، فإن غموض هذا الأمام الذي هو سبب قلقنا ليس نقصا صرفا وبسيطا للتحديد ؛ إنها الاستحالة الجوهرية لتلقي تحديد كيف ما كان'(2). وقد قام كيركيغارد، بتوضيح هذا الاختلاف الجوهري للقلق والخوف اعتمادا على وضعية آدم حين كانت الخطيئة الأصلية على وشك الاقتراف. ' وهكذا أوحى الله إلى آدم، في سفر التكوين، قائلا: 'أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها'، ومن الجلي أن آدم لم يفهم هذه العبارة حقيقة ؛ فكيف به أن يفهم اختلاف الخير والشر، بما أن التمييز لم يكن قد تم سوى مع المتعة ؟ ( ...) وبعد عبارات المنع أعقبتها عبارات الحكم: 'تموت موتا'. وبالطبع، فإن آدم لم يفهم معنى الموت قط، في حين أنه لاشيء يمنع ـ لو تم الافتراض بأن تلك الأقوال كانت موجهة إليه ـ من أن يكون قد كون فكرة عن أهوالها. ( ...) لن يؤول هذا الرعب إلا إلى القلق ؛ فآدم لم يفهم ماتم التلفظ به، وبناء على ذلك فلا يوجد بحوزتنا سوى التباس القلق'.
فهل، كما يفهم من العنوان الفرعي لكتاب تصور القلق، السيكولوجيا هي التي تضيء الخطيئة الأصلية أم العكس: الميتافيزيقي متأملا بعمق، متعمقا، شارحا أن السيكولوجي، ماهو في النهاية إلا عرض مقنع ؟ فقد تم العبور من الزوج الأولي تعاطف ـ نفور إلى الزوج براءة ـ ذنب. على أن هذا الأخير يجد نفسه مقطعا مرة أخرى بواسطة الزوج جهل ـ معرفة. فمن البراءة إلى الجهل لا توجد سوى خطوة واحدة. البريء هو الذي لايؤذي صوب ما لا يعرف، الشيء الذي ـ لنتذكر كذلك ـ يهدف إلى إقامة صلة وثيقة بين المعرفة والذنب. لكن لنعد إلى كيركيغارد. يستحضر هذا الأخير حالة أو لحظة مفارقة للمعرفة: لاـ معرفة لم تصر بعد معرفة والتي مع ذلك تصير شيئا آخر مثل 'بهيمية طبيعية': 'جهل يحدده العقل، لكنه بالضبط، جهل متعلق بالقلق لأن جهله يركز على العدم'. إنه والحالة هذه أكثر اصالة من المعرفة التي تصير 'جهلا يحدده العقل'. ينطلق كيركيغارد هنا، من عبارة معترضة حذرة ( 'فإذا افترضنا أن تلك الأقوال كانت موجهة إليه [ آدم ]: 'السؤال هو من يتكلم، وإلى من ؟ )، تبيح لنا التفكير في شيء آخر: الانتهاك، والقلق الذي يرتبط به، كأكثر أصالة من القانون. يرتبط القلق، بالتعارض مع الخوف الذي يرتبط بقانون مسنون، منصوص عليه، بقانون لما يأت بعد، غير معروف، تتم مخالفته قبل أن يوضع، والذي يجد في كونه ينتهك شرطه المفارق .
عند قراءته لتصور القلق، لايمكن للمرء إلا أن يتحقق من البعد البنيوي لبعض الفقرات للفلسفة الآتية، سواء على مستوى الفينومينولوجيا الهايدغيرية أو الوجودية السارترية. إن الاختلاف الجوهري بين الخوف والقلق، إحساس الـ(unheimlichkeit) ( 'الغرابة المحيرة') ؛ علاقة القلق بالعدم ('سيكتب هايدغر في سنة 1929، يكشف القلق عن العدم': حيث يتوجب قراءة عبارة كشف في معناها الحرفي المتعلق بـ'إزالة الحجاب' الذي يغطي العدم) ؛ بنية الـ'الوجود ـ هنا' ـ كذلك الاختلاف الأنطولوجي للكينونة عن الموجود: ثمة كثير من المفاهيم كانت ماثلة عند كيركيغارد، حتى وإن ـ ما تعلق بالوجود ـ هنا ـ كما يشير جان واهل ( Jean Wahl) إلى ذلك، ويمكن أن تكون [ المفاهيم ] خاضعة لتأويل يشدد بعد الآن على وجود أولية الذاتية كما يفهمها كيركيغارد ـ يقرأ بالخصوص ملحق بقايا فلسفية ـ مثل تكافؤ بين الذاتية والحقيقة. 'الإضاءة الأنطولوجية للجملة: يوجد الكائن الإنساني في الحقيقة، يكتب هايدغر، سلطت الضوء على الانفتاح الجوهري لهذا الكائن كحقيقة للوجود.' فإذا كان الفضل يعود إلى هايدغر في تاويل الوجود ـ هنا مثل 'كينونة ـ في ـ العالم'، حيث القلق هو كشف، ومع ذلك فإن كيركيغارد سبق له أن وضع الخطوط الأولى لهيكله [ الوجود ـ هنا ]. وبالفعل، فإن كيركيغارد يقدم وصفا جيدا للقلق أشبه بما يقسم، يفلق الذات: فتارة هذه الأخيرة تكون باحثة في القلق،'وتارة تستبعده، وتارة تتعرف في القلق على شيء ذي طبيعة غريبة، وتارة أخرى تعترف ـ بالعكس من ذلك ـ بانتمائه إليها. 'هل هو الغموض الأسوأ في العالم ؟'، يكتب كيركيغارد بعمق. 
مهما كانت أهمية العلاقة كيركيغارد ـ هايدغر، فلا ينبغي لهذا الأخير أن يخفي تسلسلا آخر: عاملا على ربط اللاهوتي الدانماركي بأحد منظري الوجودية الكبار، جان ـ بول سارتر (3). وهذا هو الموضوع الكائن في الصفحات الأولى للوجود والعدم كما في رواية الغثيان، وهو علاقة الحرية بالعدم، عندما تكتشف الذات أن الحركة التي قامت بفعلها، فإنه يكون بإمكانها كذلك الاختيار بألا تقوم بها .
تتضمن قدرة عدم الفعل بعمق ـ سارتر ملتحقا هنا بأندريه جيد، صاحب رواية أقبية الفاتيكان ـ إرادة عدم الوجود. كتب كيركيغارد، بأن القلق 'هو حقيقة الحرية لأنه أحد إمكاناتها'. إن ما يفترض المنع ويضيق الخناق على آدم، هو 'الإمكانية المقلقة للقدرة'. من ثمة، الجملة الشهيرة لكتاب كراسات أخلاق لسارتر، فبحسبها 'نحن محكوم علينا بأن نكون أحرارا' ؟ صيغة جذابة، لكنها خادعة. يخشى من أنه مهما كانت الفكرة ـ أو على الأصح الفرد ـ والتي بحسب سارتر، تندفع في الفراغ. الفكرة التي بحسبها لن يقدر الإنسان على الهروب من حريته، أن الحرية هي قدرنا، فهذه الفكرة تحديدا ليست من بناة أفكار كيركيغارد .
ليس القلق، كما نقرأ في تصور القلق، مقولة للضرورة، وليس حرية زائدة، إنه حرية معاقة حيث لاتعتبر الحرية حرة في ذاتها، بل إن التعويق ليس كامنا في الضرورة بل في ذاته.' تدقيق مهم للغاية: فالحرية التي عمل القلق على إخراجها إلى حيز الوجود ليست، ولن تكون، المقابل الجدلي للضرورة. يتوقف المقسم عن تعرف أو لاتعرف مفهوم الحرية المقيدة، والذي سيعمل في القرن العشرين على تقسيم الفكر. فمن جانب، نجد أن هايدغر وسارتر من ضمن هؤلاء، إلخ. اللذان يركزان على الحرية المفهومة كقدرة، سيتمسكان بالموت أشبه بذلك الذي يبني إمكانيتي الخاصة ويشيد الممكن ؛ ومن جانب آخر نجد بلانشو وباطاي، من ضمن أولئك، إلخ. اللذان سيستنكران أطروحة الموت الطوعي كالانتحار الذي يضمن حريتي، وأن ذلك على قدر ما يعرفون أو يقرأون أو يفهمون تلك 'الإمكانية المقلقة للقدرة' التي يتحدث بخصوصها كيركيغارد بالضبط كما هي موجودة أو ما تشير إليه: 'لاقدرة' (أرطو)، بمعنى قدرة لاترتبط أبدا بأنا، بذات، وبالتالي فإنها ذات ارتباط أقل بالفعل منه من الانفعال. 
ثمة ملاحظات من أجل الختام. من المؤكد أنه حينما انتهى عصر الوجودية على وجه التقريب، والذي اعتبر كيركيغارد الأب المؤسس له: ففي بداية الستينات، أعني حينما كتب فرانسوا دوس (Francois Dosse)، 'تعتبر الوجودية من الآن فصاعدا فكرا ساذجا، متجاوزا بواسطة البنيوية' ( 4). من الصعب جدا القطع متى انطلقت فلسفة الوجود. هناك إجابتان ممكنتان. تقول الإجابة الأولى ببداية الإشكالية الوجودية مع الفلسفة مابعد الهيغلية: قام كيركيغارد من جهة، باستهداف العقلانية الديكارتية وبشكل أعمق المثالية الهيغلية التأملية ؛ ومن جهة أخرى، فإن نيتشه اعترض على شرعية تصور الحقيقة ذاته مثلما يرتكز، منذ بارمنيدس، على التمييز بين الوجود والظاهرة، أما مع كيركيغارد، فإن الجدل 'لايمتلك بدايته ونهايته في ذاته'، كما هو الشأن عند هيغل. فهو 'يتلقى اندفاعه من عبارة غريبة على الجدل': الله او المطلق، الذي لن يتم تفكره بعد الآن مثل 'من يوحد، لكن، طبقا للكلمة، [ مثل ] من يتم فصله ويفصل'. ويعتبر كيركيغارد، كما كتب جان واهل، وعيا شقيا بالضبط، مادام يمتنع عن الاندماج في منظومة معينة' (5) يعتبر كيركيغارد مفكرا تراجيديا، بطلا للـ'وعي الشقي' (6)، ثائرا على منظومة هيغل: لازلنا على وجه التقريب في ذات العبارات، تعارض ديكارت وباسكال .
سوف لن يتم الحديث هنا عن الحضور في بعض النصوص للمعنى الاشتقاقي اللاتيني لكنه الأكثر تواجدا بصفة دائمة في العصور الوسطى، للقلق كـ'شعب ضيق': معنى مجازي، إذا صح القول، قادم لمنافسة المعنى السيكولوجي الحديث الذي يرتقي إلى القرن الثاني عشر، والذي ندين به إلى لاتينية الكنيسة. يركز الجواب الثاني على السؤال بخصوص الأصل التاريخي لفلسفة الوجود ويكمن في تفكر العلاقة هيغل ـ كيركيغارد ليس بعبارات القطيعة أبدا، بل بعبارات الاستمرار. ألم تكن النظرية الكيركيغاردية في أطوارها الثلاثة ـ الاستتيقي، الأخلاقي والديني ـ مدينة كثيرا إلى جدل هيغل، كما تساءل جان واهل عن ذلك ؟ كان الفيلسوف يقظا تجاه مختلف أوقات ولحظات فكر هيغل ـ صفحات الفينومينولوجيا حول الوعي الشقي خصوصا ـ والتي انطلاقا منها أمكن القول أن هذا الأخير قد سبق كيركيغارد. ومن هنا لا يعتبر سورين ( Sàren) ليس مفكرا ثوريا بل أقنوما بسيطا للمعلم الألماني الكبير، والحال أنه لاتوجد سوى خطوة واحدة لم يصمم جان واهل على عبورها !
(1) كل أقوال كيركيغارد المستشهد بها مأخوذة من كتاب تصور القلق،
http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\06qpt896.htm&arc=data\2012\06\06-06\06qpt896.htm





الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2807367 :: Aujourd'hui : 1771 :: En ligne : 12