البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2009-11-11
عجائب وأسرار اللغة العربية

yyy



زياد السلوادي



مخارج الحروف :

يندفع الهواء من الرئتين ليمر عبر الحبلين الصوتيين المجاورين للحنجرة فيحركهما بصوت واحد
( آ آ آ آ ) إرادياً ، فإذا اعترض طريقـَه أيُ شيء واقع في المسافة بين الحنجرة والشفتين فإنه يطلق صوت حرف معيّن ، فمثلاً إذا اعترضه اللسان فويْقَ الأسنان الأمامية العليا فمنع الهواء من الخروج إلا من طرفي اللسان فإنه يعطي صوت اللام ( ل ْ لْ لْ لْ ) ، فإذا انثنى متن اللسان الى الأعلى قليلاً مغلقاً طرفي اللسان تماماً مع تحويل مجرى الهواء للخروج من الأنف فإنك تسمع حرف النون ( نْ نْ نْ نْ ) . أما إذا اعترضت الشفتان طريق تيار الهواء بالانطباق احداهما على الأخرى دون السماح بخروج الهواء من الأنف فإنك تسمع حرف الباء ( آ آ آ آ بْ ) ، ولكنْ إذا انطبقت الشفتان وسَمَح المتكلمُ بخروج الهواء المحصور من الأنف فإنك تسمع حرف الميم ( آ آ آ آ مْ مْ مْ مْ ) .
حاول إطلاق الهواء من رئتيك وحرّك حبليك الصوتيين مصدراً صوت الألف الممدودة ثم اعترض ما شئت بحلقك أو بلسانك أو بأسنانك أو بشفتيك واسمح أو امنع الهواء من الخروج من أنفك كما شئت فإن المكان المعترض لتيار الهواء يكون هو مخرج صوت الحرف الذي تسمعه .
لست أقصد هنا تعريفكم مخارج الحروف ، فذلك متوافر في كتب تعليم تجويد القرآن الكريم ، ولكنني أريد أن أبيّن أمرين عجيبين ، أولهما تطابق معنى الحرف مع طريقة خروج صوته من مخرجه ، وثانيهما كيفية تواطؤ العرب على تسمية الأعضاء التي تخرج منها أصوات الحروف بأسماء تخرج حروفها من نفس هذه الأماكن .
ولنأخذ لأولهما حرف الشين ( ش ) كمثال ذاكرين أننا حين نلفظه لا نحتاج الى استخدام الحنجرة ، بل يكفينا نفخُ الهواء من الرئتين ثم اعتراضه بإطباق الأسنان الأمامية العلوية على السفلية :
تخيل معي أنبوبَ ماء ( ماسورة ) يندفع فيه الماء بقوة وبيُسْر ، وعندما يصل الماء الى نهاية الأنبوب يصطدم بشبكة مثبتة في نهاية الأنبوب ثم يخرج من فتحاتها مندفعاً بقوة الى كل اتجاه . تـُرى ما هو الصوت الذي سنسمعه ؟ إنه صوت حرف الشين ( ششششش ) . فهل تظن أن العرب قد سمّوا ( الشبكة ) باسمها الذي يبدأ بحرف الشين صدفة أم أنهم قصدوا هذا المعنى ؟
وتخيل معي شلالاً من الماء ساقطاً من أعلى الجبل الى بحيرة تحته ، ما الصوت الذي سيطلقه الماء عند ارتطامه بسطح البحيرة ؟ إنه صوت حرف الشين أيضاً ( ششششش ) . فهل تظن أن العرب قد سمّوا ( الشلال ) باسمه الذي يبدأ بحرف الشين صدفة أم أنهم قصدوا هذا المعنى ؟
تعالَ نأخذ ْ مثالاً عجيباً من القرآن الكريم ونتأمّل مثل هذه المعاني فيه ذاكرين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يفسر القرآن الكريم لأنه كان يعلم أن لكل عصر من العصور تفسيراً خاصاً به لأن القرآن الكريم أنزل الى الناس كافة الى يوم القيامة . يقول الله تعالى في سورة الرحمن :
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ...33

يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ ...35
فقد اختلف المفسرون في كون الشواظ لهباً بغير دخان أو هو لهب أخضر منقطع أو هو لهب مع دخان ، وفسروا النحاس بأنه دخان بلا نار ، وأجمعوا جميعاً على أن ذلك يكون يوم القيامة حين يحاول الكفار الهروب من جهنم فيرسل عليهم ذلك لإعادتهم . وربما أجمع المفسرون على ذلك لأنهم لم يكونوا يتخيلون أن العلم الإنساني سيتقدم في المستقبل كما هو حاصل في يومنا بحيث يستطيع الإنسان أن ينفذ من أقطار السماوات والأرض بسلطان العلم ولم يتخيلوا كذلك أن يعرف إنسان هذا العصر أنواعاً من قذائف النار التي لم يعرفوها هم ابتداءً من رصاصة المسدس وليس انتهاءً بالصاروخ أو قذيفة الليزر . ولكن ما يهمنا أن بإمكاننا اليوم تصور الشواظ على أنه قذيفة كالصواريخ المعروفة لدينا . وأن الحروف التي استخدمها القرآن الكريم في تعبير ( شواظ ) تنطبق على حركة الصاروخ ابتداء من انطلاقه وانتهاء بانفجاره ، فحركته هي اشتعال الفتيل والانطلاق ثم الانفجار في الهدف وهذا ما تقوله حروف كلمة ( شواظ ) ، فالشين تمثل صوت بدء الاشتعال والانطلاق ، أما الواو الممدودة بالألف فتمثل المسافة وصوت الصاروخ وهو يقطعها محتكّاً بالهواء ، وأما حرف الظا فيمثل الانفجار . الفظْ هذه الحروف واحداً بعد الآخر وأنت تتخيل إطلاق الصاروخ ( ش ش ش ش ) ( واااااااااااا ) ( ظْ ظْ ظْ ظْ ) . تجدها مطابقة لواقع الحال .
مما سبق نستطيع أن نفهم المعنى الذي يؤديه حرف الشين في اللغة العربية وهو معنى الانتشار والتفشي والتشتت والتشابك والتشعّب ، وانظر كيف استخدمه العرب في الكلمات التي تدل على هذه المعاني في مثل : شعث ، تشاجر ، شرد ، شذ ّ ، اشتعلت النار ، شبّ الحريق ، أشعة الشمس .
أما ثاني الأمرين اللذين قصدتهما فهو اتفاق العرب على تسمية مخارج الحروف بأسماء تستخدم نفس الحروف ، فمثلاً نجدهم يسمون ( الحلـْق ) بهذا الاسم لأن حرف الحاء يخرج من آخر الحلق وحرف القاف يخرج من أوله أما اللام فتخرج من نقطة بعيدة ولذلك جعلت في منتصف الكلمة لتؤدي معنى الفصاحة وسهولة النطق ، وأما كلمة ( اللهاة ) وهي لسان المزمار الذي يغلق فتحة القصبة الهوائية عند عملية البلع فاستخدموا في تسميتها حرف الهاء الممدود لأنها مخرجه واستخدموا قبله حرف اللام ليعطي الكلمة سهولة في اللفظ ، وأما كلمة ( لسان ) فاستخدموا في تسميتها اللام والسين والنون لأنها تحرك اللسان عند لفظ اسمه، ولوحاولت أن تقول كلمة ( لسان ) دون تحريك اللسان لما استطعت على الإطلاق بينما يمكنك بسهولة قول كلمات كثيرة دون تحريك اللسان مثل ( باب ) ( أمّ ) ( أب ) ( أخ ) ، وأما كلمة ( لثة ) فقد استخدموا في تسميتها حرف الثاء لأنه يخرج منها واستخدموا معه اللام التي يقع مخرجها في أقرب مكان من اللثة ، واستخدموا حرف الفاء في تسمية ( الشفة ) لأنه يخرج منها أما حرف الشين فلأن مخرجه في أقرب مكان من الشفة ، وأما أعجبها فاستخدامهم حرفي الفاء والميم في تسمية ( الفم ) ، ففي حين أن حرف الفاء يفيد معنى الانفتاح والانفراج في مثل فتح فرج فرق فجوة الخ ، فإن حرف الميم يفيد معنى الضم واللمّ وجمع الشمل في مثل ضمَّ ، لمَّ ، أمَّة ، أمّ الخ ، فالمعنيان متضادان تماماً ، الفاء تـُفرِّق والميم تـَضُمّ ، وأنت حين تقول كلمة ( فـَم ) فأنت تلفظ حرفيها من مخرجيهما في الشفتين وتقوم بالتفريق وبالضم متتاليين .
القسم الرابع والأخير
مثلث قطرب
هل سمعتم عن مثلث قطرب ؟ إنها قصيدة عجيبة جميلة نظمها أحد تلاميذ سيبويه النجباء وهو أبو علي محمد بن الميرزا اللغوي البصري الشهير بقطرب ، وقد سميت قصيدته بالمثلث لأنه استخدم في كل بيت منها ثلاث كلمات لها نفس الحروف ولكن مختلفة المعنى لأنها تجيء مرة بالفتح ومرة بالكسر ومرة بالضم ، وقد افتتح نظمَ الأبيات بالترتيب الأبجدي من الألف الى الياء ، ثم جاء بعده الأديب الشاعر علي بن زريق البغدادي المتوفى سنة 1029 ونظم لها شرحاً ووضع تحت كل بيت منها ما يشرح معنى كلماته المفتوحة والمكسورة والمضمومة ، فجاءت كأنها قصيدة متكاملة رائعة، وهذه بعض أبيات مثلث قطرب ( بالأحمر ) وتحت كل منها شرح ابن زريق (بالأزرق ) :

إن دموعي غـَمرْ * وليس عندي غِمْرْ * فقلتُ يا ذا الغـُمْرْ
أقصرْ عن التعتّبِ

بالفتح ماء كثرا*والكسر حقدٌ سُتِرا*والضمّ شخص ما درى
شيئاً ولم يجربِ

بدا فحيا بالسَلام*رمى عذولي بالسِلام*أشار نحوي بالسُلام
بكفه المخضبِ

بالفتح لفظ المبتدي*والكسر صخر الجلمدِ*والضم عِرق في اليدِ
قد جاء في قول النبي

تيـّمَ قلبي بالكـَلامْ*وفي الحشا منه كِلامْ*فصرتُ في أرضٍ كـُلامْ
لكي أنال مطلبي

بالفتح قولٌ يُفهَمُ*والكسر جرح مؤلمُ*والضمّ أرضٌ تبرمُ
لشدة التصلـّبِ

ثبتُ بأرضٍ حَرّة*معروفةٍ بالحـِرّة*فقلتُ يا ابن الحـُرّة
إرْثِ لما قد حلّ بي

بالفتح للحجارة*والكسر للحرارة*والضمّ للمختارة
مِنَ النسا في الحُجُبِ

وهكذا حتى نهاية الحروف الأبجدية ثم يزيد فيها بعد ذلك ابن زريق ما شاء ، وما يهمنا هنا هو عشرات الألفاظ المتطابقة الحروف التي اختلفت معانيها لاختلاف حركة الحرف الأول ، ففي فتحه معنى وفي كسره معنى آخر وفي ضمه معنى ثالث ، فأية لغة عظيمة






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2126667 :: Aujourd'hui : 216 :: En ligne : 2