البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2009-11-07
ولادة الذات الإنسانية

yyy

 

 

احسان حمدي العطار
يقول احد الفلاسفة (ان الفلسفة بعد افلاطون لم تكن الا هوامش على نصه) ونستطيع ان نقول ايضا ان الفلسفة بعد ديكارت كانت ايضا هوامش على النص الديكارتي، مع توسيع ـ طبعا ـ مفهوم الهامش، لا للاضافة المشوهة كما يعتقد فيلسوفنا ـ سالف الذكر ـ بل تنويع وتوسيع للمجال الفكري او ايجاد صيغ مسكوت عنها او افكار مكبوتة في النص الابداعي.
يقول جيل دولوز (ان ديكارت لابد ان يحضر عند كل من يتفلسف بعده) الحضور يتجلى واضحا لدى هوسرل: الذي حاول بناء فلسفة ذات قواعد محكمة عن نسخة مطورة للشك الديكارتي، وكذلك لدى هيغل وماركس الذين عبروا عن فلسفتهم بالخروج عن التجربد الديكارتي، ثم نتشه الذي عاد مستغلا ديكارت لاعلان موت الله، وصولا لهيدغر الذي نقد ديكارت ثم اعلن نهاية الفلسفة، واخيرا فوكو الذي حفر في مفاهيم ديكارت ونتشه واعلن موت الانسان الذي ولد على ديكارت وطوره نتشه.
اذن ما الجديد في ديكارت حتى يكون له هذا الاثر الكبير في حركة الفكر الغربي؟ خاصة وان بعض المفكرين الدينيين سواء كانوا مسيحيين ـ واخص بالذكر جماعة الانجيليين ـ اتخذوا اثبات ديكارت بوجود الله احدى اهم دعائم حججهم او لدى بعض العلماء المسلمين الذين قالوا بفلسفة ديكارت ومدحوا بها لهذا السبب، يرد بعض اتباع ديكارت: ان كل فكر يحتوي جانباً سلبياً واخر ايجابياً والفكر الديني لدى ديكارت هو الجانب السلبي منه فلا يجب الاخذ بهذه الافكار. اما البعض الاخر من الديكارتيين فيقولون بان ديكارت اثر الراحة وتجنب المشاكل مع الكنيسة (خاصة وان ديكارت لم ينشر احد كتبه ـ العالم ـ لتناوله مسألة دوران الارض التي ادين بها جاليليو) ولكن هذا الكلام عار عن الصحة من جانبين:
الاول: يتعلق بكون ديكارت يستطيع تجنب الموضوع بالكامل وعدم اضاعة الوقت في موضوع يحتمل فيه التعريض والتقريض (وهذا ماحصل فعلا عند نشره كتاب (مبادىء الفلسفة) الذي احتوى بعض ارائه في اثبات وجود الله، وطلب ديكارت ان يستعاض به عن الفلسفة المدرسية القديمة فثارت عليه الكنيسة الكاثوليكية في هولندا وهوجم هجوما عنيفا)
الثاني: كون ديكارت تناول المسألة في كثير من الجهد والكد ودخل عليها اكثر من مدخل ويفرد للمسألة مئات الصفحات من كتبه ويدافع عن ارائه في الكثير من خطاباته (واشير هنا الى الدلائل الثلاثة التي عرضها في كتابه التأملات ثم خطاباته الى الاميرة الاوروبية اليصابات) فالمسألة اذن مفصلية في فلسفة ديكارت لايتعلق تناولها بالراحة او الخوف. اما اسباب تناول ديكارت لاثبات وجود الله فيعود الى:
اولا: نشأة ديكارت المدرسية وكونه تخرج من احدى اهم المدارس اليسوعية في فرنسا فكانت مبادىء المسيحية جزءاً لايتجزأ من عوامل نمو الشخصية الديكارتية فلا يمكن عزل الجانب الديني عن العقلي في فكر ديكارت .
ثانيا: العوامل الاجتماعية المحيطة بديكارت: فقد سادت في فرنسا ظروف الاستقرار السياسي والاجتماعي مما انعكس على آراء ديكارت الفلسفية فلا نلاحظ فيها اياً من التوتر او القلق او الثورية التي تصطبغ بها الفلسفة بعد ديكارت. وفي عصر ديكارت بلغت حركة الاصلاح الكاثوليكي اوجها فانتشرت المدارس والجامعات اليسوعية في جميع انحاء اوروبا وخاصة فرنسا، ونلاحظ ديكارت ينخرط في هذا الاصلاح الكاثوليكي اكبر الانخراط وخاصة في تجديد الدرس اليسوعي في المدارس والجامعات لذلك فلا عجب ان يتناول في هذه الحالة مسألة اثبات وجود الله ثم مايتعلق بوجود الله من مسائل. قد قلنا ان ديكارت انخرط في حركة الاصلاح الكاثوليكي ولكنه بالوقت نفسه عبر عن بلوغ هذه الحركة مدياتها الاخيرة وهذا التعبير يتجلى واضحا في مقولة اثبات وجود الله. فقد تناول ديكارت هذه المسالة بطريقة مغايرة عن تلك الطريقة المدرسية التي سادت حركة الاصلاح الكاثوليكي قبله، بدأ ديكارت هذه المسألة من مقولة عرضها في كتابه (قواعد لتوجيه العقل) وهي (انا موجود اذن الله موجود) اي انه يمكن اثبات وجود الله عن طريق معرفة الانسان لذاته ولوجوده الشخصي، هنا يضع ديكارت الكنيسة وحركة الاصلاح الكاثوليكي بمأزق وهو ان وجود الله يترتب على وجود الانسان وليس العكس، كما كانت عليه الفلسفة المدرسية، ثم بعد ذلك يتناول ديكارت مقولة لاتقل اهمية عن الاولى وهي اثبات ان الانسان يمكنه ان يصل ويعرف الحقيقة المطلقة وذلك لانها مخلوقة مثله من قبل الله، فديكارت يعترف بالله لسببين، اولا: لكي يعطي للذات الانسانية وجودها واسبقيتها وافضليتها.
ثانيا: حتى يقول بان الحقيقة المطلقة موجودة وبامكان الانسان بسهولة ان يتعرف عليها وبالتالي اعلان استغناء الفلسفة عن الوسطاء بين النفس والحقيقة فادى هذا الى احداث شرخ في حركة الاصلاح الكاثوليكي لان اصل وجود الكنيسة هو الوساطة بين الرب الذي يملك الحقيقة المطلقة والذات الانسانية، وبفعل هذا الشرخ ولدت الثورة البروتستانتية (تلك الثورة التي دعت ثم طبقت عملية الغاء الوساطة بين الله والانسان). قلنا ان ديكارت تناول في بادىء الامر مقولة (انا موجود اذن الله موجود) ولكن كيف يمكن اثبات وجود الـ (انا) حتى تكتمل المعادلة السابقة؟ يجيب ديكارت ان اثبات وجود ال (انا) يتم عبر (الشك)يفترض ديكارت وجود” اله قادر خداع “ يحاول الهام الانسان وخداعه لذلك يلتجئ ديكارت الى” الشك “الذي يكون وحده القادر على الوقوف بوجه الخداع، يقول ديكارت (لنفترض ان الاله القادر يخدعني، فليخدعني مايشاء ولكنه لن يمنعني ان اشك وبالتالي افكر اذن انا موجود) لذلك فالشك يعني عدم الارتباط بأية مسبقات وتحرر من اية قناعات ورفض الارتباط بأية قضية وباي موضوع اي رفض الرضوخ لاية حقيقة خارج يقين الشك التفكير، فالكوجيطو الديكارتي رد على فكرة الله القادر الخالق للحقائق لتحل محله الذات الانسانية كقلب ومحور الكون. لذلك ففلسفة ديكارت تمثل عملية الانتقال من الشك (كمرحلة اولى من مراحل تكون الذات الانسانية وتصورها) الى اليقين (اي اكتمال خلق الانسان وجعله كما يقول ديكارت (المقال عن المنهج) سيد الطبيعة والمسخر لها). لذلك تعتبر فلسفة ديكارت مفتتحة لعصر جديد من عصور الكائن وهو عصر الحداثة، لذلك فلا عجب ان يعود كل من جاء بعد ديكارت الى فلسفته ناهلا منها: منتقدا او متبنيا






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2238552 :: Aujourd'hui : 186 :: En ligne : 4