البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2009-11-03
أبعاد الرؤية القرآنية في الفكر الخلدوني

yyy

ـ منهج الاستدلال بالقرآن عند ابن خلدون :

لم يكن منهج ابن خلدون في الاستدلال بالقرآن الكريم بعيدا عن منهج من سبقوه من علماء المسلمين في استحضار النص القرآني بين ثنايا السياقات المعرفية المختلفة ، إن في العلوم الشرعية أو في العلوم الكونية .

إلا أن ابن خلدون تفرّد عن غيره في توظيف النص القرآني والإفادة منه في مواطن الحديث عن الملك و السياسة والعصبية والعمران ..وهذا ما لم تألفه الدراسات التي سبقته في هذا الميدان . وهو من منطلق استناده إلى الوحي المعصوم " فإن فلسفة التاريخ عنده هي النظرة الشمولية إلى التاريخ في حاضره وماضيه ومستقبله ، وهي نظرة تحتاج إلى مصدر متعالِ يمكن الإنسان من إعطاء معنى للتاريخ و النظر إليه نظرة كلية نسبيا ، و النظرة العلمية إلى التاريخ لا تتناقض مع التعالي ، إلا إذا فهم التعالي خارج النزعة الغيبية ، أي بمفهومه المبتذل ، أي خارج جدلية الغيب و الإنسان .." . ([11])

وعلى هذا الأساس يتابع ابن خلدون حركة التاريخ وهو يحلق فوقها فيكتشف مصدرها وعناها ونهايتها ، بل و يتجاوز حدود الحادثة التاريخية وزمانيتها في لحظة واعية محيطة بالحادثة ومستقلة عنها . وهو نفسه منهج القرآن في التعامل مع قواني ن التاريخ وسننه فهو لا يخرج عن ثلاث حقائق :

الحقيقة الأولى : هي الإطراد : بمعنى أن السنة التاريخية مطردة ، فهي ليست علاقة عشوائية قائمة على أساس الصدفة والاتفاق ، وإنما هي علاقة ذات طابع موضوعي علمي ، لا تتخلف في الحالات الاعتيادية التي تجري فيها الطبيعة والكون على السنن العامة . وهذا المنهج يستهدف تربية الإنسان على ذهنية علمية واعية يتصرف في إطارها ومن خلالها مع أحداث التاريخ " ولن تجد لسنة الله تبديلا ، ولن تجد لسنة الله تحويلا " " لامبدل لكلمات الله".

الحقيقة الثانية : وهي ربانية السنة التاريخية: بمعنى أن كل قانون من قوانين التاريخ هو قرار رباني " سنة الله " " كلمات الله " ونظائرها من التعبير تؤكد هذه الحقيقة ، وهذا التأكيد يستهدف شد الإنسان بالله سبحانه وتعالى ، حتى حينما يريد أن يستفيد من القوانين الموضوعية للكون ، ويستهدف إشعار الإنسان بأن الإستعانة بالنظام الكامل لمختلف الساحات الكونية والاستفادة من ! مختلف القواني و السنن المتحكمة في هذه الساحات لا يعني انعزال الإنسان عن الله تعالى لأن الله يمارس قدرته من خلال هذه السنن ، ولأن هذه السنن و القوانين هي إرادة الله وهي ممثلة لحكمة الله وتدبيره في الكون .

وهذا المفهوم لا يساوي ما يسمى بالتفسير الإلهي للتاريخي الذي تبناه عدد كبير من المسيحيين واللاهوتيين من أمثال أغسطين ومن جاء بعده . ([12])

الحقيقة الثالثة : اختيار الإنسان وإرادته : و التأكيد على هذه الحقيقة في مجال استعراض سنن التاريخ مهم جدا ، لأن القرآن أكد على أن إرادة الإنسان هي المحور في تسلسل الأحداث و القضايا في قوله تعالى : " إن الله لا يغير ما بقوم حت يغيروا ما بأنفسهم " . " وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءا غدقا " ، " وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا " .

وهذه الآيات توضح أن السنن التاريخية لا تجري من فوق يد الإنسان بل تجري من تحت يده ، و النظرية القرآنية لا تفصل الإنسان عن دوره الإيجابي ، ولا تعطل فيه إرادته وحريته واختياره ، وإنما تؤكد أكثر فأكثر مسؤوليته على الساحة التاريخية . ([13])

وابن خلدون على مستوى المنهج سارت أبواب مقدمته وفصولها على هذا النسق ، حتى في الفصول التي رصد فيها حقيقة المعاش ووجوه الكسب و الصنائع مبينا معايير قيمة العمل ، نجده ينطلق من رؤية قرآنية واضحة ، فيقول :

" إعلم أن الإنسان مفتقر بالطبع إلى ما يقوته ويمونه في حالاته وأطواره ، من لدن نشوئه إلى أشده إلى كبره " و الله الغني وأنتم الفقراء " ([14])و الله سبحانه وتعالى خلق جميع ما في العالم للإنسان وامتنّ به عليه في غير ما آية من كتابه فقال تعالى : " وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه " ([15])، " وسخّر لكم البحر " ([16])، " وسخّر لكم الفلك " ([17])

وكثير من شواهده ، ويد الإنسان مبسوطة على العالم وما فيه ، بما جعل الله له من الاستخلاف ، وأيدي البشر منتشرة فهي مشتركة في ذلك ، وما حصل عليه يد هذا امتنع عن الآخر إلا بعوض ، فالإنسان متى اقتدر على نفسه وتجاوز طور الضعف ، سعى في اقتناء المكاسب ، لينفق ما آتاه الله منها في تحصيل حاجاته وضروراته بدافع الأعواض عنها . قال تعالى : " فابتغوا عند الله الرزق " ([18])...، و السعي إليه إنما يكون بأٌقدار الله تعالى وإلهامه ، فالكل من عند الله ، فلا بد من الأعمال الإنسانية في كل مكسوب ومتمول ، لأنه إن كان عملا بنفسه مثل الصنائع فظاهر ، وإن كان مقتنى من الحيوان والنبات و المعدن فلا بد فيه من العمل الإنساني كما تراه ، وإلا لم يحصل ولم يقع به انتفاع " . ([19])

وهو هنا يؤكد على أن الحاجات الاقتصادية إنما تستمد قيمتها من مدى ما بذل فيها من عمل ، الأمر الذي ذهبت إليه بعض النظريات المعاصرة في عالم الاقتصاد و العلاقات الإنتاجية ، وهو يرجع لتأكيد مقولته هذه إلى القرآن الكريم .. كما يفعل في كثير من المواقف الأخرى . ([20])

ويتحدث في مقدمته عن الفكر بأنه الأداة التي تميز الإنسان عن سائر الحيوانات ، وتمكنه من أداء دوره العمراني في العالم كخليفة عن الله فيه ... وهو هنا يشير إلى ثلاثة أنماط من النشاط العقلي الذي يمارسه الإنسان ، ولا يكاد وهو يتوغل في الموضوع أن يفارق طريقته التي اعتادها : الإحساس الدائم بالحضور الإلهي المستمر في التاريخ ، و الاستشهاد بآيات من كتاب الله . وهما أمران لهما دلالتهما على عمق الحس و الرؤية القرآنية لدى ابن خلدون.([21])" قد بينا أن الإنسان من جنس الحيوانات ، وأن الله تعالى ميزه عنها بالفكر الذي جُعل له ، يوقع به أفعاله على انتظام و هو العقل التمييزي ، أو يقتنص به العلم و الآراء و المصالح و المفاسد من أبناء جنسه و هو العقل التجريبي ، أو يحصل به في تصور الموجودات غائبا وشاهدا على ما هي عليه و هو العقل النظري ، وهذا الفكر إنما يحصل له بعد كمال الحيوانية فيه ، ويبدأ من التمييز ، فهو قبل التمييز خلو من العلم بالجملة ، معدود من الحيوانات ، لاحق بمبدئه في التكوين من النطفة و العلقة والمضغة ، وما حصل له بعد ذلك فهو بما جعل له الله في مدارك الحس و الأفئدة التي هي الفكر ، قال تعالى في الامتنان علينا : " وجعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة " ([22])فهو في الحالة الأولى قبل التمييز هيولي فقط لجهله بجميع المعارف ، ثم تستكمل صورته بالعلم الذي يكتسبه بآلاته فتكمل ذاته الإنسانية في وجودها ، وانظر إلى قوله تعالى في مبدأ الوحي إلى نبيه " إقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، إقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم"([23])أي أكسبه من العلم ما لم يكن حاصلا له ، بعد أن كان علقة ومضغة فقد كشفت لنا طبيعته وذاته ما هو عليه من الجهل الذاتي و العلم الكسبي ، وأشارت إليه الآية الكريمة تقرر فيه الامتنان عليه بأول مراتب وجوده وهي الإنسانية وحالتها الفطرية و الكسبية في أول التنزيل ومبدأ الوحي ، وكان الله عليما حكيما " . ([24])!

وفي ظلال هذه الرؤية المستندة إلى القرآن يقدم ابن خلدون منهجه الصارم الذي يميز بين العلم و الجهالة ، والمنطق و الخرافة ، ثم يدعم رؤيته بمعطيات علمية و استدلالات منطقية.

4 ـ التفسير الديني لنظرية العصبية في فكر ابن خلدون:

العصبية أداة الحماية و المدافعة و المطالبة ، و هي التي تعطي المجتمع ملامحه وخصوصياته ، وقد تتحول من رابطة سيكولوجية اجتماعية إلى قوة للمواجهة و المطالبة ، ومن ثم تأسيس الملك و الدولة .

ورأي ابن خلدون ـ كما استخلصه الجابري ([25]) ـ في العصبية هو أن قوة العصبية مستمدة أساسا من الالتحام الذي هو ثمرة النسب ، فإذا أضيف إلى هذا الالتحام الاجتماعي التحام آخر روحي كانت العصبية من القوة بحيث لا يقف أمامها شيء . !

ومع أن الدكتور مصطفى الشكعة يندهش كثيرا لما ذهب إليه ابن خلدون في شأن ارتباط وإتمام الدعوة الدينية بالعصبية وأن هذه الدعوة من غير عصبية لا تتم ، وقال : "لو كان ابن خلدون مؤرخا وحسب لالتمسنا له عذرا وقلنا إنه اجتهاد مؤرخ ، ولكن الحقيقة أن ابن خلدون واحد من كبار فقهاء المسلمين ، مالكي المذهب .." ([26])، ثم يعود فيذكر : " أن ابن خلدون يفاجئنا برأي ينقض بعض ما ذهب إليه من شأن العصبية فيفرد فصلا في هذا الشأن عنوانه ( إن الدولة العامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين )، وهو يقلل من شأن العصبية ويرفع من شأن الدين وأثره في النفوس و تجميع القلوب ، وصرفها إلى الحق ورفض الباطل و الإقبال على الله .. فهل قصد ابن خلدون التملص مما قرره بشأن العصبية؟" . ([27])

والحقيقة أن العصبية مرحلة خاصة ، وظرف حضاري و تاريخي ن والدين يكتنفها و يوجهها في إطارها الحضاري ، إطار " لو أنفقت ما في الأرض جميعا ماألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم " .([28]) وصلة الإسلام بالعصبية في الفكر الخلدوني ! إنما هي صلة الروح بالمادة ، فالدين هو الذي يجعل من هذه ( الكائنات القومية ) كائنات قابلة للحضارة ، والفعالية ، والإبداع ، والخروج من مستوى التحديات المناخية و الجغرافية ، والعدوانية القبلية ، إلأى مستوى المشروع العالمي الروحي ن والعقلي و الخلقي و المادي ، و الذي يقدم حضارة منفتحة لائقة بإنسانية الإنسان و استخلاف الله له من أجل تحقيق العمران.وليس في فكر ابن خلدون أي تناقض ، بل هو تدرج فكري يتناغم مع الظروف و الأوضاع . ([29])

وتحت عنوان : " إن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها في عددها كتب موضحا كيف تسمو القيم الروحية بالرابطة الاجتماعية الطبيعية الموجودة و القائمة أصلا ، وكيف توجهها إلى الطريق الإنساني السليم " ذلك أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس و التحاسد الذي في أهل العصبية ، وتفرد الوجهة إلى الحق ، فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء لأن الوجهة واحدة و المطلوب متساوٍ عندهم .. وهذا كما وقع للعرب في صدر الإسلام في الفتوحات " . ([30])

فهو يؤكد تضافر العاملين معا : العامل الطبيعي الاجتماعي و العامل الروحي ـ اللذين يراد اصطناع حرب أهلية غير مبررة بينهما اليوم ـ فيقول : " و التغلب إنما يكون بالعصبية و اتفاق الأهواء على المطالبة ، وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه ، قال تعالى :" لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم " وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل و الميل إلى الدنيا حصل التنافس ، وفشا الخلاف ، وإذا انصرف إلى الحق اتحدت وجهتها فذهب التنافس وقلّ الخلاف وحسُن التعاون و التعاضد ، واتسع نطاق الكلمة لذلك ، فعظمت الدولة " . ([31])

ذلك أن الرابطة الطبيعية الاجتماعية التي هي ( العصبية ) هي الوعاء الذي يفتقر إلى محتوى يملأه ، وطبيعة هذا الوعاء تتعدد بطبيعة ذلك المحتوى الجوهري الذي ينطوي عليه، وما ذلك المحتوى في نظر ابن خلدون سوى القيم الروحية التي تكون وازعا لعصبية الأمة ومرشدا لحافزها القومي ، لأن هذا الوازع يكون على حد قوله مزيلا للغلظة و الأنفة ، ومذمومات الأخلاق . ودافعا الأمة إلى الأخذ بمحمودها ، فتتألف كلمة القوم لإظهار الحق ، ويتم اجتماعهم ، ويحصل لهم التغلب. ([32]) بل اعتبر ابن خلدون الملك القائم على العصبية وحدها ملكا قائما على القهر ، ورفض الملك القائم على السياسة مجردا من الصبغة الدينية التي نظمتها شريعة السماء في حراسة نور الله في الأرض مستشهدا بقوله تعالى : " ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور " .

وفي أعقد قضايا العصبية و المتعلقة بالجنس العربي نرى ابن خلدون يعقد فصولا كاملة عنهم إزاء بعض معطيات الحملة الشعوبية ضد العروبة والإسلام و التي أخذت تطل برأسها منذ العصر العباسي الأول ، وقد أثارت مقولاته في هذه الفصول العديد من المناقشات و التأويلات . فجاءت عناوين فصوله عل النحو التالي :
ـ فصل في أن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط . ([33])
ـ فصل في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب . ([34])
ـ فصل في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة . ([35])
ـ فصل في أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك . ([36])
ـ فصل في أن العرب أبعد الناس عن الصنائع . ([37])
ـ فصل في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم .([38])

ويعلق الدكتور عبد الحليم عويس على هذه العناوين بقوله : " وما أظن هذه العناوين غامضة أو تحمل تأويلا .. !وما أظن العلامة ابن خلدون و هو الفقيه المالكي ، وعالم الأصول و اللغة عاجزا عن التعبير عن أفكاره بدلالات لغوية محددة ، لاسيما وهو يتكلم في قضية خطيرة تهم شعبا كاملا اختصه الله بالرسالة الخاتمة ، وأنزل بلسانه العربي آخر الكتب السماوية ، وجعله المهيمن عليها ، والمقوم لما داخلها من انحراف فكري و لغوي .. !

ومن الجدير بالذكر أن ابن خلدون عندما قدم هذه العناوين القاطعة الحاسمة التي ذكرناها و التي تربط بوضوح كامل بين ازدهار العنصر العربي بالإسلام ، حين يتمثله فكرا ومنهجا، وبين انحطاطه حين يتخلى عنه ... ولم يكتف بتقديم هذه الأحكام المجملة بل قدم لكل عنوان أو حكم أسبابه وتفسيراته التي تبرره " . ([39])فمثلا عندما يصف العرب بأنهم لايحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة .. فهو لا يكتفي بهذا بل يقدم حيثيات إضافية لحكمه على العرب : " فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس ، وإن رزقهم في ظلال رماحهم ، وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه ، بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون انتهبوه ، فإذا تم اقتدارهم على ذلك بالتغلب و الملك ، بطلت السياسة في حفظ أموال الناس و خرب العمران " . ([40])

و ليس الأمر أمر (طبيعتهم) فقط ، بل إنهم في المستويين الاجتماعي والسياسي لا يصلحون بغير دين ، وهم " متنافسون في الرئاسة ، وقلّ أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته ، إلا في الأقل وعلى كره من أجل الحياء ، فيتعدد الحكام منهم و الأمراء ، وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية و الأحكام فيفسد العمران و ينتقص" . ([41])

فابن خلدون يرى أن الدين لا يمكن أن ينفصل عن العرب وهم يبنون الملك و يشيدون العمران ، و إلا فسوف يكونون نهبا للتلاحي و التخاصم و الاقتتال ، فتضعف شوكتهم ، أو يكونوا تبعا لغيرهم ..

فالدين هو الذي يوحدهم ، ويجعلهم ينقادون لأمير أو نبي ، ويعالج أمراضهم الأخلاقية العنصرية ، ويهذب وجدانهم ، ويعطيهم الدافع الحضاري لصناعة الملك و الامتداد في الأرض .([42])

و لم ينكر ابن خلدون سموّ العرب وعظمتهم حين يرتبطون بالإسلام ارتباط عقيدة و إخلاص ودعوة ، وليس ارتباط مصلحة سياسية أو اجتماعية ..وهو يتحدث عن العرب في هذه المرحلة مرحلة ذوبانهم في الإسلام وتبدل طباعهم بالصبغة الدينية فيقول :

" وإنما يصيرون إليها ـ أي إلى سياسة الملك ـ بعد انقلاب طباعهم وتبدلها بصبغة دينية تمحوا ذلك منهم ، وتجعل الوازع لهم من أنفسهم ، وتحملهم على دفاع الناس بعضهم عن بعض ..واعتبر ذلك بدولتهم في الملة ، لما شيد لهم الدين أمر السياسة بالشريعة ، وأحكامها المراعية لمصالح العمران ، ظاهرا وباطنا ، وتتابع فيها الخلفاء ..عظم حينئذ ملكهم ، وقوي سلطانهم .كان رستم إذا رأى المسلمين يجتمعون للصلاة يقول : أكل عمري كبدي ، يعلم الكلاب الآداب ، ثم إنهم بعد ذلك انقطعت منهم عن الدولة أجيال نبذوا الدين ، فنسوا السياسة ، ورجعوا إلى قفرهم ، وجهلوا شأن عصبيتهم مع أهل الدولة ببعدهم عن الانقياد ، وإعطاء النصفة ، فتوحشوا كما كانوا ، ولم يبق لهم من اسم الملك إلا أنهم من جنس الخلفاء ومن جيلهم ... لكن بعد عهدهم بالسياسة لما نسوا الدين فرجعوا إلى أصلهم من البداوة وقد يحصل لهم ف! ي بعض الأحيان غلب على الدول المستضعفة كما في المغرب لهذا العهد .فلا يكون مآله وغايتة إلا تخريب ما يستولون عليه من العمران كما قدمناه ، " و الله يؤتي ملكه من يشاء " . ([43])

وهكذا كان ابن خلدون واضحا كل الوضوح في ربط العرب و العروبة بالإسلام صعودا و هبوطا ، يتقدمون به الأمم ، ويفضلون به الخلق ، وهم بدونه أسافل البشر ، وأقلهم شأنا .

فالعصبية بهذا المنظور لُحمتها وسداها التصور الإسلامي الصحيح للملك و الدولة والبقاء في هرم الحضارة ، ما بقيت الأمة مصطبغة بصبغة الله " ومن أحسن من الله صبغة لقوم يؤمنون " . وسوف يظل البون شاسعا بين عرب بالدين وعرب من غيره ، تمكينا وتشرذما ، بقاءَا و فناءَا ..فحين يفقد العرب قواعدهم الروحية والفكرية المتصلة بالوحي فإن الإعصار يجتاح دولتهم ، ويأتي على بنيانهم من القواعد ، ويدفنون في تراب التاريخ على عجل !، أما إذا ارتبط حكمهم بهدايات السماء ، فإن العناية الإلهية تؤيدهم ، وسنن النصر تكون إلى جانبهم ، وهم حينئذ " خير أمة أخرجت للناس " .

5 ـ الأطوار الثلاثة :

يمتاز فكر ابن خلدون الذي ورد في المقدمة بأنه يرد وفق نظرة شمولية تمزج بين جوانب المعرفة الإنسانية مزجا كاملا ، وينظر للإنسان نظرة عضوية مترابطة ، ثم ينطلق من ذلك إلى النظر في المجتمعات ليجعلها حقلا لتجاربه وتحليلاته ، ويتبع الظواهر الطبيعية التي تحيط بالمجتمع وتؤثر فيه في مختلف أحواله وتتابع أطواره ، في نشأته الأولى في مرحلة البداوة ، وفي استقراره في الحضر ، وفي مرحلة الدولة و المجتمع وما يفضي إلى نضجه ورفاهيته ، وما يؤذن بفساده وانحلاله .

وهو في هذا يرمق الدول التي خبرها مثل دولة المرابطين و الموحدين و المرينيين في المغرب ، وملوك الطوائف في الأندلس ، والطولونيين والإخشيديين والأيوبيين في مصر ، و الحمدانيين في حلب ، والبويهيين في العراق و فارس ،ويضع للدول أعمارا كأعمار الأفراد ، تبدأ بالطفولة الغضة ، وتدبُّ مع الشباب الناهض ، ثم تنحدر إلى الشيخوخة العاجزة .

وهذا الفكر ينبع بلا شك من الفقه المتشبع بما ورد في القرآن الكريم من تداول الأيام بين الناس " وتلك الأيام نداولها بين الناس " ([44])، " ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " . ([45])وهذا التداول هو دليل صدقية السنن التي تضبط حركة التوارث الحضاري من أمة إلى أخرى ، ويضع القيم الضابطة لمسيرة الحياة على أصعدتها المتعددة ، بحيث تكون هذه السنن هي معيار التقويم و التصويب و المراجعة .

و المنهج الخلدوني في استقراء أعمار الدول ، والأسباب التي حكمت نهوضها وسقوطها متوغل في أعماق التاريخ للتعرف على القوانين التي تحكم سيره ، وتضبط حركته ، ليكون ذلك دليلا كافيا على أن التاريخ هو من أهم مصادر المعرفة لهذه القوانين . وهو في هذا متحقق بأوامر الوحي وإرشاده للسير في الأرض ، و النظر في عاقبة الدول و الحضارات ، وهذا السير مصدره الأمر القرآني : " أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها " . ([46])" قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ، هذا بيان للناس وموعظة للمتقين " . ([47])

ويقرر ابن خلدون أن للدول أعمارا كأعمار الأشخاص ، بمعنى أنه إذا كان لكل شخص عمر محدد تنتهي عنده حياته ، فإن للدول أعمارا محددة تنتهي بنهايتها ويزول سلطانها بانتهاء أيامها ، ونظرية أعمار الدول في الأساس نظرية قرآنية استقى ابن خلدون فكرتها وأساسها من القرآن الكريم الذي كان يحفظه ويفقه شرعته ويعي أحكامه . ([48])

ويرى ابن خلدون أن عمر الدولة " لا يعدو أعمار ثلاثة أجيال ، والجيل هو عمر شخص واحد من العمر الوسط ، فيكون أربعين الذي هو انتهاء النمو و النشوء إلى غايته ، قال تعالى : " حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة " ([49])، ثم يكون عم! ر الدولة مائة و عشرين سنة في المتوسط ، ويعلل ابن خلدون هذا التحرير للأجيال الثلاثة بأن الجيل الأول يكونون على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها ، من شظف العيش و البسالة والافتراس والاشتراك في المجد ، فحدهم مرهف ، وجانبهم مرهوب . أما الجيل الثاني : فقد يتحوّل حالهم بالملك و الترفه من البداوة إلى الحضارة ومن الشظف و الترف و الخصب ، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به ، وكسل الباقين عن السعي فيه ، ومن عز الاستطالة إلى ذلٍّ الاستكانة ، فتنكسر سورة العصبية بعض الشيء ، وتؤنس منهم المهانة والخضوع ، ولكن يبقى فيهم الكثير من سجايا الجيل الأول مما شاهدوه من اعتزازهم و سعيهم إلى المجد و مراميهم في المدافعة والحماية ، فلا يسعهم ترك ذلك بالكلية ، وإن ذهب منه ما ذهب ، ويكونون على رجاء من مراجعة الأحوال التي كانت للجيل الأول ، أو على ظن من وجودها فيهم" . أما الجيل الثالث فينسون عهد البداوة و الخشونة كأن لم تكن .. ويفقدون حلاوة العز والعصبية ويبلغ فيهم الترف غايته بما توصلوا إليه من النعيم وغضارة العيش ، فيصيرون عيالا على الدولة كالنساء و الولدان ، يحتاجون للمدافعة عنهم ، بعد أن كانوا هم! المدافعين عنها ، فإذا ما تعرضت الدولة للخطر لا يكونون أهلا للمقاومة ، فيحتاج صاحب الدولة حينئذ إلى الاستعانة بغيرهم من أهل النجدة ويستكثر بالموالي ، ويصطنع من يغني عن الدولة بعض الغناء ، حتى يتأذّن بانقراضها ، فتذهب الدولة بما حملت ... " . ([50])

وابن خلدون توصل إلى توصيف هذه الأجيال الثلاثة للدولة من خلال ما عاينه من أحوال الدويلات التي عاصرها ، وهي في الحقيقة ليست دول بل دويلات ، مما يجعل نظريته مقصورة عليها ، أما الدول الكبرى فأعمارها تخالف القاعدة التي قعدها ابن خلدون . فالدولة العباسية مثلا عاشت أكثر من خمسة قرون من الزمان ، وإن تقلّص ظلها في بعض فتراتها التاريخية ، و الدولة الأموية في الأندلس عاشت أكثر من قرنين ونصف القرن ، وكذلك دولة العبيديين في إفريقية ومصر عاشت نحو من هذا القدر ، وكذلك الدولة العثمانية التي مثلت خلافة المسلمين حتى الحرب العالمية الأول ..

ونعتقد أن قاعدة ابن خلدون في أعمار الدول ذات شقين : الشق الأول : أن للدول أعمارا، وهذا صحيح ، و الشق الثاني أن أعمارها محددة بثلاثة أجيال ، وهذا رأي فيه كلام، والأقرب إلى الصواب أنها ثلاثة أطوار أو مراحل و ليست ثلاثة أجيال . ([51])طور للنشأة و الميلاد ، وطور للقوة والارتقاء و السيطرة والازدهار ، وطور للتفتت و الانهيار و السقوط.

وقاعدة الأطوار الثلاثة هي قياس كامل على عمر الفرد ومراحل تطوره على ضوء الآية الكريمة : " الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة " . ([52])

وقد وردت هذه الأطوار الثلاثة في عدد من سياقات القرآن ، فالطور الأول : هو نشأة الدولة ومولدها ، وهي تولد قوية صالحة على أطلال دولة فاسدة ، وتظل قوية قائمة ما لم تخالف قوانين النصر و التمكين ، أما إذا انتكست ، واستدبرت وحي السماء ، فإن سنن الإهلاك والاستبدال تحق عليها لا محالة ، " ثم يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم " .

وقد جاء هذا القانون في هذا الطور على لسان موسى عليه السلام : " عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم فينظر كيف تعملون ." ([53])

أما الطور الثاني فهو طور القوة والتألق والترف و الرخاء والاستخلاف الذي لا يتم لإلا بتحقق الفكرة الرسالية التي تنتظم في فلكها شبكة من العلاقات و القيم والمفاهيم . وهو طور مستمد من قوله تعالى : " وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع و الخوف بما كانوا يصنعون " . ([54])و القرية هنا بمعنى الدولة التي تشهد الأمن و رغد العيش ، وتساق إلها النعم والأرزاق من حيث لا تحتسب . و الرزق الذي ينعم به على القوم ليس هو القوة المادية فقط في المنظور القرآني ، لأن الرزق المادي ليس دليلا على العافية الحضارية ، أو آية عن الرضا الإلهي " بل قد تكون تلك القوة هي جرثومة (المرض الخبيث )وكفى به مرضا أنه يحجب هؤلاء عن الرؤية الحقيقية للتاريخ ومصارع الغابرين ، ويعزلهم عن مصدر القوة الحقيقي الكامن في الإيمان و العاصم من الكفر . ([55])

قال تعالى " أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض ، فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق " .([56])

أي ليس لهم عاصم يعصمهم عن قانون الإهلاك الذي يحق على من أفلست عنده القيم الموجهة للاستخلاف ، المحتضنة لأسباب بقائه .

ولقد تحدث القرآن الكريم أن الحضارة أو المجتمع أو الأمة قد يحين هلاكها ، وهي في أوج القوة المادية ، سوى أن الروح الداخلية التي تسري في ذلك منعدمة ، وبالتالي فإن انهيار تلك القوة يكون مدمرا و ساحقا ، قال تعالى : " فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ، فقُطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد لله رب العالمين " . ([57])

فهذا النص القرآني يصور مشهد أمة من الأمم أعرضت عن ذكر الله ، وتنكرت لشرائعه وشعائره ، وارتمت في أحضان النعيم تعب منه ، وتتبسط فيه ، وتتفنن في تحصيله ، وهي تناله بلا طول عناء ولا كد ولا حتى محاولة !! ." وقد خلت قلوبهم من الاختلاج بذكر المنعم ومن خشيته وتقواه ، وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع و استسلموا للشهوات وخلت حياتهم من الاهتمامات الكبيرة ، كما هي عادة المستغرقين في اللهو والمتاع ، وتبع ذلك فس! اد النظم والأوضاع ، بعد فساد القلوب و الأخلاق ، وجرّ هذا وذلك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها ..عندئذ جاء موعد السنة التي لا تتبدل " . ([58])

وفي مواضع كثيرة من القرآن يكثر الحديث عن الترف ودوره في دمار الدول وانحلالها وفساد الأخلاق وذهابها ، لذلك يعقد ابن خلدون فصلا بعنوان : " فصل في أنه إذا استحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد ، وحصول الترف و الدعة أقبلت الدولة على الهرم ".([59])جاء فيه : " فالترف مفسد للخُلق بما يحصل في النفس من ألوان الشر و السفسفة وعوائدها ..فتذهب منهم خلال الخير التي كانت علامة على الملك ودليلا عليه ، ويتصفون بما يناقضها من خلال الشر ، فتكون علامة على الإدبار و الانقراض ..وتأخذ الدولة مبادئ العطب وتتضعضع أحوالها ، وتنزل بها أمراض مزمنة من الهرم إلى أن يقضى عليها . " . ([60])

وقد سلط القرآن الأضواء على زوايا مختلفة من مسألة الترف ليفضح الدور المدمر الذي تلعبه هذه الظاهرة في ذهاب الدول وخراب العمران . لذلك يرى القرآن وجود الطبقات المترفة خطرا داهما لا يفتأ يتهدد الحياة الإنسانية ، ويملأ مستقبلها بالغيوم والرجوم . ويرى أن تأمين الشعوب على سعادتها وحقها يتطلب اتخاذ الوسائل الممكنة للحيلولة دون ظهور الترف و المترفين .([61]) " و القرآن يعتبر الترف آية كبرى على الشروع في السقوط ، لما يستدعيه الترف من أجواء اجتماعية موبوءة ، ومستوى روحي فارغ وطيء ، والتزام أخلاقي لا يكاد يذكر ، وامتلاء كبير بالنظرة المادية و الشهوات ، وفراغ كلي من المبادئ و الاهتمامات البدائية ..ونظرة سطحية ظاهرة لرسالة الإنسان في الوجود .

و الترف فوق هذا كله إهدار للطاقة المادية و العقلية للأمة و المجتمع، واستنزاف للقوة المبدعة في ما لا طائل من ورائه ، ولن يتسنى للمترفين أن يصلوا بالمجتمع إلى هذا الدرك من الانحطاط إلا إذا كانوا فاسقين ،أي خارجين عن منظومة الضوابط الأخلاقية والعرفية و القانونية للمجتمع ، لما يحسونه في أنفسهم أنهم أكبر من ذلك كله " . ([62])

كما أن الترف شيخوخة مبكرة ، يفقد الأمة مشاعر التحدي ، و التحدي هو أبرز مواقف القوة في حياة الإنسان ، يشحذ العزائم ويولد الطاقات ، ويوقظ القدرات ، ويجعل الإنسان شحنة من لهب تحرق التخاذل ، وتوقد مشاعل الطاقة ، لكي يكون أداة التغيير في المجتمع ، يبني ويشيد ويعلي البناء ، حتى يكون ما ينجزه عظيم الأثر . ([63])

وهذا الذي يعلله ابن خلدون بقوله : " وذلك أن الأمة إذا تغلبت وملكت ما بأيدي أهل الملك قبلها كثر رياشها ونعمتها فتكثر عوائدهم ، ويتجاوزون ضرورات العيش وخشونته إلى نوافله ورقته وزينته ، ويذهبون إلى اتباع من قبلهم في عوائدهم وأحوالهم ، وتصير لتلك النوافل عوائد ضرورية في تحصيلها ، وينزعون مع ذلك إلى رقة الأحوال في المطاعم و الملابس و الفرش و الآنية ، ويتفاخرون في ذلك ويفاخرون فيه غيرهم من الأمم ن في أكل الطيب و لبس الأنيق وركوب الفاره ، ويناغي خلفهم في ذلك سلفهم إلى آخر الدولة .." . ([64])

وظاهرة (التكاثر الشيئي ) هذه التي يشير إليها ابن خلدون هو ما عناه القرآن الكريم في سورة التكاثر التي تحذرنا من المصير المشئوم : " ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ، كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ، كلا لو تعلمون علم اليقين ، لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم " .

والتكاثر في عالم الأشياء يمتص الطاقة الروحية ، ويجعل المترفين يمردون على الغرور و الانتفاخ الذي يصل إلى درجة الاستخفاف : وهو تجريد التاس من كل ما يجعلهم ذوي قيمة ووزن و حضور في الشأن اليومي المصيري للمجتمع ، ليصيروا في مرتبة الأشياء قيمة ونزوعا . ([65]! )

وفي ضوء هذا يفهم قوله تعالى ـ واصفا الفرعونية الباغية كيف تسعى إلى تنميط فكر الجماهير وقولبته وفق رؤيتها حتى تواليهم ، وتدخل في طاعتهم ، وتذعن لأوامرهم ، وتسخرهم لأغراضهم الدنيئة ـ " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمرناها تدميرا " . ([66])

" و المترفون في كل أمة هم طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال و يجدون الخدم ويجدون الراحة ، فينعمون بالدعة و بالراحة و بالسيادة ، حتى تترهل نفوسهم وتأسن ، وترتع في الفسق و المجانة ، وتستهتر بالقيم والمقدسات و الكرامات ، وتلغ في الأعراض والحرمات ، وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فسادا ، ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش إلا بها ولها ، ومن ثم تتحلل الأمة وتسترخي ، وتفقد حيويتها وعناصر قوتها وأسباب بقائها ، فتهلك وتطوى صفحتها".([67])

وكل هذه المظاهر هي الممهدة للطور الثالث ، وهو طور الإهلاك و الإفناء الذي لا يرتفع حتى يقع في موعده المحدد ، ويصدق وعيده المقرر . " وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا " . ([68])

وابن خلدون يؤكد حتمية سقوط الدولة في فصل خاص بعنوان " إن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع " ([69])وربما يحدث عند آخر الدولة قوة توهم أن الهرم قد ارتفع عنها ويومض ذبالها إيماضة الخمود ، كما يقع في الذبال المشتعل فإنه مقاربة ! انطفائه يومض إيماضة توهم أنها اشتعال وهي انطفاء " .

وما يلبث ابن خلدون أن يلتقي كعادته بآية من كتاب الله تعزّز الوجهة التي ذهب إليها " فاعتبر ذلك ، ولا تغفل سرّ الله تعالى وحكمته في اطراد وجوده على ما قدّر فيه " ولكل أجل كتاب " ، " وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ، ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون" .

ولكن مسألة الحتمية في سقوط الدولة هو ما يمكن أن نسميه من وجهة النظر القرآنية (بالحتمية التفاؤلية ) ، لأنه بإمكان أي أمة بعد سقوطها أن تعود باستمرار لكي تنشء دولة أخرى ، أو تمارس تجربة جديدة ، ما دامت ترتبط بالقيم السماوية المعصومة ، وتتحقق بأسباب الوقاية الحضارية من إصابات السقوط .






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2254123 :: Aujourd'hui : 1300 :: En ligne : 14